الاصدارات

حقائق عن هروب طيار عراقي إلى إسرائيل

د. صبحي ناظم توفيق
عميد ركن متقاعد… دكتوراه في التاريخ
مستشار بمركز برق للسياسات
والاستشارات

تمـهيــد:

          منذ حوالي خمس وخمسين سنة (في 16/8/1966) والألم يعتصر نفس كل عراقي، وبالأخص طيارو القوّة الجوية العراقية، ففي هذا التاريخ، وتحديدًا في عهد الرئيس الفريق عبد الرحمن محمد عارف – الذي لم يكن قد مضى عليه في المنصب سوى 4 أشهر – صعق العراقيون بهروب النقيب الطيار منير جميل حبيب روفا بطائرة مقاتلة اعتراضية من طراز ميك-21 سوفييتية الصنع، وهبوطِه في أحد مطارات إسرائيل العسكرية.

ومنذ ذلك الحين تتوالى المقالات والأحاديث ممن لا خبرة لهم بشؤون السياسة وأمور الجيوش عن هذا الحدث الخطير، مع المبالغة في تقدير إمكانات المخابرات الإسرائيلية (الـموساد) وتعظيم شأنِها في هذه الواقعة، حتى تاهَت على المتابعين حقيقة ما جرى.

لكل هذا، سأروي في هذا المقال المختصر ما أعرفه من حقائق عن هذه الحادثة المهمة، ولن تكون رواتي رجمًا بالغيب، ولا بناء على تخمينات.

الرئيس العراقي الفريق عبد الرحمن عارف الذي حصلت عملية الهروب في عهده

مبالَغات كُتّاب المقالات:

برغم أنني لم أكن طَيّارًا ولا أمُتُّ للقوة الجوية بصلة، سوى عشقي للطيران، فقد دفعني عِظَمِ تألُّمي ممّا حدث، وفضولي كذلك إلى مناقشة هذه الواقعة المؤلِمة مع أصدقائي الطيارين الذين كانوا قريبين من مُنير روفا رُتبةً ومنصِبًا، وقرأتُ العديد من الروايات المتعلِّقة بهروبه؛ خاصة تلك التي أشارت إلى تأخّره مُتَعَمِّدًا عن الإقلاع مع تشكيله وتَوَجُّههُ إلى غرب العراق، واعتراض طائرتَين مقاتِلَتَين أردنيِّتَين له من دون جدوى، وقبل أن يُقاطِعَه سِربُ طائرات إسرائيلية من طراز ميراج 3-C فرنسية الصنع، ويقفِل عليه في السماء ابتغاء إسقاطه، حتى تدخَّل قائد قوتهم الجوية الجنرال الطيار موردخاي هود بشخصه للحيلولة دون إسقاط طائرته قبل هبوطه بهدوء على مدرج قاعدة حاتسور الجوية.

النقيب الطيار منير جميل روفا الذي خان وطنه وشرفه العسكري

 وضع النقاط على الحروف:

وأخيرًا تحدث إليّ صديقي العزيز العميد الطيار الركن محمد طارق سيد حميد ليضع النقاط على الحروف(*) في هذا الحدث، حيث أوضح لي أن كثيرًا مما يشاع من تفاصيل عن الحدث المؤسف هو هراء في هراء، وأنه – بصُحبة صديقه وصديقي اللواء الركن زياد طارق جاسم – قد أَعَدّا بحثًا مُشترَكًا في أواخر عقد الثمانينيّات لتغطية هذه العملية المُخابَراتِيّة الناجحة، وفورًا رجوتُه إعدادَ مقالة عمّا يمتلكه من معلومات بخصوصها، فبعث بها إلي مشكورًا، وقد مَحَّصتُها وأعدتُ ترتيبَها، ووددتُ إطلاع قرائي الأعزاء عليها.

طيارو ميك-21 العراقيون، يتوسّطهم الملازم الطيار محمد طارق سيد حميد (العميد الطيار الركن بعدئذٍ) الجالس الثاني من يسار الصورة، والباحث الرئيس عن هروب منير روفا

وبداية فإني لا أستهين بالسعي الحثيث لإغواء منير روفا بطرق مخابراتية خبيثة قُبَيلَ قبوله خيانة مِهنته ووطنه وقَسَمه وشَرَفه العسكري والشخصي، وتهريب طائرته ميك-21 المقاتلة الاعتراضية. كما لا أستَخِفّ بإنجازات الموساد في عمليّاته وانتقائه شخوصًا بصفات معينة ينفِّذون ما يُطلَب منهم طَواعِيةً؛ برغم شكوكي العميقة التي تراودني حيال هذا الجهاز منذ النصف الثاني من الستينيّات؛ أي وقتما صدر الكتاب الإسرائيلي الموسوم بـ “وتَحَطَّمَت الطائرات مع الفجر” عن نكبة الطيران المصري في الساعات الأولى لحرب حزيران/يونيو- 1967، وتلاه كتاب آخر في أواخر العام ذاته بعنوان “لُعبَة الأُمَم” الذي استهدف – وبأسلوب نفسي متعمّد ومدروس بعناية – أن يدفع مواطني العالم الثالث إلى الشك في زعمائهم والمحيطين بهم وأنهم عملاء ووكلاء للمخابرات الأجنبية في بلادهم، قبل أن يتبعه الكتاب الإسرائيلي الموسوم بــ”التقصير” بُعَيدَ حرب تشرين الأول/أكتوبر- 1973، وقبل أن يتبعهما المُؤلَّفُ الموسوم بـ”الموساد في العراق” الذي يذكر معظم السلبيّات التي حمل العراق أوزارها على أنها من صنع المخابرات الإسرائيلية وتخطيطها!!

وسيظلّ حبل الموساد على غاربه ما دام الإعلام العربي والإسلامي ضعيفًا وهزيلًا، وصاحب القرار العربي عاجزًا عن التخطيط ببصيرة وبُعد نظر.

شيء من الماضي:

حين كان الصديق محمّد طارق برتبة عميد طيار ركن لدى جامعة البكر للدراسات العسكرية العليا قبل ما يزيد على ثلاثة عقود، وهو أخصائي متمرِّس في قيادة الطائرة ميك-21 تحديدًا، كتب مع صديقه اللواء الركن زياد طارق جاسم بحثًا عن هروب النقيب الطيار منير جميل حبيب روفا عام 1966 بطائرته الاعتراضية ميك-21 إلى إسرائيل، فالتَقَيا مع العديد من الطيارين الذين عاشوا ساعات ذلك اليوم، وممّن كانوا إما أصدقاءَ قريبين لمنير روفا، أو من زملائه العاملين معه في سلك الطيران، فضلًا عن زياراتهما بعضًا من المؤسسات الرسمية ذات الصلة لتغطية معظم أوجه الحدث.

وقد توصّل الباحثان إلى أن هروب الطيار المذكور ليس – كما رَوَّجَ له الإعلام الإسرائيلي – ابتغاء تعظيم مُنجَزاته، بل له جذور تمتدُّ إلى عام 1957 حين حَطَّ في قاعدة الحَبّانيّة العراقية الضخمة – والمُنشَأة على أيدي البريطانيين خلال عقد الثلاثينيات – سِربٌ من المُقاتِلات الأمريكية الاعتراضية بواقع 12 نفاثة حديثة من طراز سوبَر سَيْبَر F-86، التي كانت حينها في عِداد أفضل الطائرات المُقاتِلة في العالم؛ وذلك دَعمًا من الولايات المتحدة لمشاريع حلف بغداد العسكرية، وتحديث القوات المسلّحة العراقية تنفيذًا لاتفاقياتهما وتفاهماتهما المشتركة. ومن خلال هذه العلاقات الأمريكية العراقية بدأ الموساد يرمي شباكه كما سيأتي.

المقاتلة النفاثة الأمريكية سوبر سَيْبَر F-86:

جرى في العراق الانقلاب العسكري المعروف ضد الملكية يوم 14  تموز/يوليو- 1958، فأنهى نظام الحكم الملكي، وقَلَبَ موازين منطقة الشرق الأوسط، حيث لم تَمضِ سوى أيام معدودات حتى غادر الطيارون الأمريكيون المبعوثون لتدريب الطيارين العراقيين على ذلك الطراز الحديث في حينه، فيما تُرِكَت الطائرات على ذمة العراق في ذات القاعدة.

طيارون عراقيون في الولايات المتحدة:

أدار قائد الانقلاب عبد الكريم قاسم ظهر المِجَنِ للعالَم الغَربيّ، واتجه نحو دول الكتلة الشرقية في مجالات التسليح والتجهيز، وألغى الأمريكيون -بطبيعة الحال- برامج مساعداتهم للعراق، حتى انهار النظام اليَساري الذي مثّله قاسم أمام حركة 14 رمضان- 1382هـ؛ 8-شباط/فبراير- 1963، وما إن انقلب المُشير ركن عبد السلام عارف على حكومة البعث 18 -تشرين الثاني/نوفمبر- 1963، لِيُمسي رئيسًا للعراق بِصلاحِيّات شموليّة، وينأى عن المعسكر الشرقي، حتى بدأت مفاوضات أمريكية-عراقية خلال عام 1964 لإعادة تلكم الطائرات الاثنتي عشرة إلى أصحابها، عندئذ طلب الجانب العراقي من مثيله الأمريكي قبول ابتعاث عدد من طيّاريه وأطبائه الإخصائيين إلى الولايات المتحدة للمشاركة بدورات معلِّمي الطيران المتقدم وطِبّ الطيران مقابل إعادة تلك المُقاتِلات.

ويُضيف العميد الطيار محمّد طارق في بَحثِه: أنه حالما وافقت واشنطن على ذلك، انتَقَت القوة الجوية العراقية أبرَع طياريها لإعدادهم – بعد عودتهم إلى الوطن – للعمل “معلِّمين للطيران المتقدِّم”، فأوفَدَت طيارَين اثنين للمشاركة في الدورة الأولى، وهما: إسماعيل وَقتي، وواثِق عبد الله رمضان من طيّاري المقاتلات ميك-17 القديمة نسبيًّا، فعادا للعراق بعد إكمالهما الدورة بنجاح. وجاء الدور على طيارَين آخرَين للدورة الثانية، فأُوفِدَ إليها الاختصاصيّان على طائرة الهوكر هنتر بريطانية الصُّنع، وهما: نجدت مصطفى النقيب، وعَكرُمة زينُ العابدين؛ وذلك قبل أن يوفَدَ 3 من طياري الميك-21 لخوض الدورة الثالثة والأخيرة، وهم: مُنير جميل حبيب روفا -موضوع بحثنا- برفقة حامد عبد الجبار الضاحي، وشاكر محمود.

وهنا تظهر هذه الدورات على أنها النافذة التي تحقق من خلالها تواصل رسمي بين الولايات المتحدة والعراق في المجالات العسكرية الحسّاسة، وقد كانت أيضًا نافذة لأعمال أخرى تتم في السر!

لماذا الميك-21 تحديدًا؟(**):

          تساءَلتُ مع نفسي، وناقشتُ الحدث مع أصدقائي من طيّاري المقاتِلات في حينه: لماذا رغبت الولايات المتحدة والموساد في الحصول على الميك-21 دون سواها، وعُدتُ لمصادر أجنبية لأعرف مواصفاتها، فتبيّنَ أنها:

  • مُقاتِلة تفوّق جوي اعتراضية يقودها طيّار واحد.
  • تنتجها شركة مِيكويان- كورَفِيج العملاقة ذات الباع الطويل في صناعة المُقاتِلات ذات المراوح منذ الحرب العالمية الثانية، وسلسلة من النَفّاثات منذ أواخر الأربعينيّات.
  • أنها ذات محرّك نفاث واحد وحارق خلفي (AFTER BURNER) يحققان قوة دافعة مقدارها 6600 كغم.
  • حَلّقَ نموذجها الأساس عام 1955، وأُدخِلَت الخدمة لدى القوات الجوية السوفييتية عام 1958، قبل أن تُباع بالعشرات لدول أخرى منذ أوائل الستينيّات.
  • طولها 15.76 مترًا والعرض 7.15 مترًا.
  • وزنها الكلّي عند الإقلاع 8.2 طن.
  • سرعتها القصوى 2.230 كلم/ساعة، وتعادل 2.1 سرعة الصوت.
  • تستطيع العمل بارتفاع 18.000 متر فوق سطح البحر.
  • مداها الأقصى رَواحًا وإيابًا 500 كلم.
  • مزوّدة بمدفع رشاش واحد للاشتباك القريب، ومقذوفَتَي جو- جو للقتال الجوي عن بُعد، ويُستعاض عنهما بِوِعاءَي صواريخ لضرب الأهداف الأرضية، أو بخزان وقود لزيادة المدى أو وقت الطيران.
  • تُعتَبَر أفضل طائرات التفوّق الجوي العاملة لدى الاتحاد السوفييتي ودول حلف وارسو، وكذلك في كوبا الشيوعية المُتاخِمة لأمريكا، وعدد من الدول العربية، وبالأخص مصر، والعراق، وسوريا المحيطة بإسرائيل.

حُلم سي آي أي:

ولَـمّا كان الصراع بين الكُتلَتَين المتنافِسَتَين على مصير العالم في أَوْجِه، واحتمالات المواجهة بينهما قائمةً على مَدار الساعة، وبالأخص في الأجواء الأوروبية بين دول حِلفَي ناتو ووارسو، فقد ظَلَّ هَمّ المخابرات الأمريكية (C.I.A) في أواسط الستّينيّات الحصول على هذه المقاتلة الاعتراضية بأي ثمن كان؛ بغية التعرّف عليها عن كَثَب، باعتبارها طائرة تفوّق جوّي حديثة للغاية، وذات تقنية عالية وسرعة تبلغ أكثر من ضِعفَي سرعة الصوت، حتى عُدَّت طَفرةً هائلة في صناعة المقاتِلات السوفيتية، وهي الـ(FIGHTER-INTERCEPTOR) المعتمدة خلال النصف الأوّل من الستينيّات لدى القوات الجوية السوفييتية لدرء الأخطار عن أجوائها الشاسعة، وتحقيق التفوّق الجوي في سماء بلادها وأجواء دول حلف وارسو في أيّة حرب مقبِلة.

 ويؤكّد العميد محمّد طارق أنه لذلك أقدَمَت المخابرات الأمريكية، لا الإسرائيلية، على التخطيط للحصول على الميك-21، ووجدت ضالَّتَها في أولئك الطيارين العراقيين الثلاثة الموفَدِين رسميًا ولعدة أشهر إلى الولايات المتحدة، فيما لم يُقحَم الموساد في أي دور في العملية، إلاّ في المرحلة الأخيرة من الخطة الأمريكية الأصل.

إغواء الطيارين العراقيين:

ويُضيف الباحثان أن الطيارين الأربعة الذين أنهوا الدورتَين الأولَيَين عادوا إلى الوطن من دون أي احتكاك أمريكي معهم في هذا الشأن، فهم ليسوا المستَهدَفين في هذا الأمر، حتى جاء دور طيّاري الميك-21 الثلاثة للدورة الثالثة، وقتها حاولت السي آي أي إغواءَ أيٍّ منهم للهروب بطائرته عند العودة والهبوط بها في أقرب مطار لدى إحدى الدول الحليفة للولايات المتحدة والمتاخِمة أو القريبة من العراق؛ أمثال إيران، وتركيا، والسعودية، ولكن إسرائيل – بالطبع – كانت الأضمن والأفضل.

فُوتِح الطيارون – كلٌّ على حدة – لمعرفة من منهم على استعداد لتنفيذ ذلك المأرب، فما كان من حامد عبد الجبار الضاحي إلا أن واجههم بامتناعٍ شديد، إيمانًا منه بأن ذلك يُجَسِّد قمّة الخيانة للوطن والمبادئ والقِيَم، فكان مَصيرُه أن دُبِّرَ له حادث سيارة أودى بحياته، ونُقِلَ جثمانه الطاهر مع السِرّ الكامن في صدره إلى أرض العراق.

ولما استشعر الطيّاران الآخران شاكر محمود ومُنير روفا الخطر الُمحدِق، فقد قرّرا التظاهُر بالموافقة حتى يعودا إلى العراق؛ لِيكونا بمَأمَن من شرور السي آي أى، وتنتهي المعضلة، وينسدل الستار، فأنهَيا دورة معلِّمي الطيران بنجاح وعادا إلى بغداد بسلام.

ولكنهما لم يَهنَآ بالمَأمن المُرتَجى؛ إذ حقق عملاء المخابرات الأمريكية معهما في بغداد، وبالذات مع شاكر محمود لتنفيذ وعده، ولكنه تَقَوّى ورفض أن يخون الوطن، وأقَسَم  أن لا تطأ قَدَماه أرضًا أمريكية في قادم الأزمان، فما كان إلا أن حَطّت عَشِيقتُه الأمريكية الجميلة في بغداد، وأوهمته بعظيم اشتياقها له، وتَعَلُّقِها بشخصه، وعدم احتمالها مفارقته، فأنزلها شاكر ضَيفة في فندق إمباسادور الواقع في شارع أبي نواس، والمُطِلّ على نهر دجلة، لتمكث بصحبته حوالي 10 أيام، وتبلِّغَه رسالة السي آي أي مُحاوِلَةً إقناعه بتنفيذ وَعدِه كي يستقرا سويّةً في إحدى الولايات الأمريكية، ويَهنَآ معًا بالعيش الرغيد طيلة حياتهما بعيدَين عن المَخاطِر وانعدام الاستقرار والحروب. ولكنها ما إن أحست برفضه القاطع، وأخبَرَت مَراجِعَها بذلك، حتى أُوعِزَ إليها بقتلِه بمُسدَّس كاتم للصوت في شقتهما، وانتقلت فورًا إلى المطار الدولي، وغادرت بغداد إلى ديارها، في حين لم يُعرَف مقتَل شاكر محمود إلاّ بعد أن خرجت رائحة جسده.

وجاء الدور على منير روفا:

وهنا يمدنا الباحثان بأخطر المعلومات، فقد أتى الدور أخيرًا على النقيب الطيار منير روفا بعد استيعابه الرسالة الأمريكية الكامِنة وراء مقتَل صديقَيه، فلم يجرؤ على الرفض، حتى خطّط للهروب بالطائرة مُرغَمًا.

ولما كان منير منذ أعوام أحد طياري السرب/17 المتمركِز وسط قاعدة الرشيد الجوية المتاخمة لبغداد، وهو السِرب الأوحَد المجهّز بطائرات الميك-21 طراز F-13 في عموم العراق، فقد كان موثوقًا به وخارج الأنظار والمراقبة، أسوة بمعظم الطيارين البعيدين عن أمور السياسة والأحزاب.

لم يتأخر هذا الطيار الماهر في اتّخاذ قراره النهائي، فأعَدَّ خطة مُبَسّطة وغير مُعقَّدة للهروب بطائرته إلى إسرائيل مباشرة، فكانت أولى خطواته أن رحّل زوجته وأولاده عن طريق أحد المكاتب السياحية الاعتيادية على طائرة الخطوط الجوية العراقية إلى إيطاليا، بزعم الاستجمام خلال العطلة الصيفية، وأراح بالَهُ بعد أن استقبَلَهم من هو مُكَلَّفٌ باستضافتهم في فندق فاخر، وتواصَلَ هو معهم بمُهاتفات يومية.

وفي صبيحة الاثنَين 15/8/1966؛ أي قبل يوم واحد من موعد التنفيذ المتَّفَق عليه، أقلع منير روفا بالميك-21 – مُفَرَّغة من أي سلاح وعَتاد – في جولة مِلاحية قطع خلالها أكثر من 900 كلم في حوالَي ساعة واحدة بتعليق خزّان وقود إضافي أسفل جَسَدها، وذلك في رحلة تجريبة – بطيران أفقي على خط شبه مستقيم ومن دون انحرافات ومُناوَرات – وصولًا إلى قاعدة الوليد (H-3) الجوية القريبة من الحدود الأردنية، وعلى ارتفاع 11.000 متر ذهابًا وإيابًا – وهو الارتفاع الأمثل اقتصادًا في الوقود – وبسرعة أفقية اقتصادية (CRUISING SPEED) تبلغ 780 كلم/ساعة، وذلك ابتغاء التحقّق عمليًا، وقطع الشك باليقين أن باستطاعته الوصول إلى إسرائيل، كون المسافة الأفقية على خط بغداد- الرُطبة- طُرَيبيل- المَفرَق- إسرائيل لا تزيد على 1000 كلم، فاستنبط أن كمية الوقود هذه تكفي لبلوغ إسرائيل عبر أجواء المملكة الأردنية الهاشمية، فقرر تنفيذ المهمّة في اليوم التالي بذات الكمية من الوقود والسرعة والارتفاع.

آخر رؤية له قبل الهروب:

أما من ناحية كشف وجهته، فقد كان منير روفا على يقين تام أن ليس هناك رادارات عراقية يمكن أن تشكّ فيه ما دام سيُبَلِّغ سيطرة قاعدة الرشيد طوال مدة تحليقه ضمن أجواء الوطن، وحتى ولو شكّوا – على أسوأ الفروض – فإن الوقت ضَيِّق للغاية في أن تُنذَر المُقاتِلات العراقية للحاق به؛ كونه سيكون قد غادر الأجواء العراقية.

أما عند اختراقه الأجواء الأردنية، فسوف لا يمضي فيها سوى نصف ساعة وبارتفاع شاهق، فإن الرادارات الأردنية ليست أفضل من مثيلاتِها العراقيات، فضلًا عن أن القوة الجوية الأردنية لا تمتلك سوى سِرب واحد من مُقاتِلات هوكَر هَنتَر المتواضِعة، فليس بإمكانها مقاطعته.

وفي صباح الثلاثاء 16/8/1966 أقلع بالميك-21 من قاعدة الرشيد الجوية متوجهًا نحو الغرب، وبالارتفاع والسرعة نفسهما، فسارت خطّة طيرانِه كما توقّع تمامًا، وما هي إلا ساعة واحدة حتى دخل الأجواء الإسرائيلية، فاستقبله عدد من الطائرات الإسرائيلية، وَوجّهوه للهبوط في قاعدة حاتزور (HATZOR) الجوية القريبة من سواحل البحر الأبيض المتوسط، حيث استقبله ممثلو السي آي أي والـموساد استقبال الأبطال.

طيار إسرائيلي يقف مُفتَخَرًا قرب الميك-21 وسط قاعدة حاتزور الجوية، بعد ضَمِّها لصفوف الطيران الإسرائيلي، وتثبيت نجمة داوود السُّداسيّة عليها.

الميك-21 بنجمة داوود السداسيّة في متحف الطيران الإسرائيلي

بعد الخيانة العظمى:

          ومن الطبيعي أن يصعق الرئيس العراقي عبد الرحمن عارف وكبار قادته العسكريين والأمنِيّين، ويَعتَريهم الخجل من هذا التصرّف المُشين لأحد طيّاري قوّتِهم الجوية، حيث قامت الدنيا ولم تقعد، وامتلأت الأخبار العربية والعالمية بهذه الواقعة غير المسبوقة، وهم يسمعون ويقرأون تُهَمًا واستهزاءاتٍ تنتقد أداء استخباراتهم العسكرية والجويّة لعدم تمكُّنِهما من مراقبةَ من يُشَكّ في أمره وتَوَجّهاتِه.

ويُقالُ عما جرى بعد ذلك: إن السي آي أي احتضنت منير روفا من دون أن تُعلِن عن مسؤوليّتِها عما جرى؛ كي لا تسوء العلاقات الأمريكية الجيدة مع بغداد، فجمعته مع عائلته، ونقلتهم إلى إحدى الولايات الأمريكية، ووضعت له في حسابه الخاص مبلغًا ضخمًا، فيما تركت مسائل التطبيل والتزمير على عاتق الموساد، باستثمار وسائل الإعلام المًتاحة في تسليط الضوء على هذه العملية المُخابراتية البارِعة!

صورة لاحقة لمنير روفا مع عائلته بعد استقراره في إحدى الولايات الأمريكية

آخر الكلام:

وبرغم وصف البعض لعملية تهريب النقيب الطيار منير جميل حبيب روفا طائرة ميك-21 بـ”الخيانة العظمى” – ولهم كامل الحق في ذلك – فإن مفارقاتٍ عديدةً قد وقعت له حتى اتخذ قراره النهائي.

ولكن هذا الطيار العراقي في كل الأحوال، لم يكن مُضطَهَدًا في بلده بأي صورة؛ خاصة لكونِه مسيحيّ، كما كان حال جميع أصدقائنا وزملائنا من الضباط المسيحيين العاملين في صفوف الجيش وكلّ القوات المسلحة العراقية، الذين كانوا محطّ احترام.

فلو كان الزعم بأنه كان مضهدًا – على سبيل الافتراض – صحيحًا، لَـما قُبِلَ في الخمسينيّات بكُلِّيّة القوة الجوية العراقية، ولَما أُوفِدَ إلى بريطانيا ليتدرّب على الطيران، ويغدو ضابطًا طيّارًا، ولَما بُعِثَ كذلك إلى الاتحاد السوفيتي ليتدرّب على أحدث الطائرات النفاثة والأسرع من الصوت والأكثر قدرة لدى القوة الجوية العراقية، ولَـما تدرّج في الرُّتَب حتى تَرَفَّعَ إلى رتبة نقيب طيّار، وأمسى بمنصب آمر رَفّ بواقع 4 طائرات في صفوف القوة الجوية العراقية، ولَـما ظلّ طَيارًا وسط سرب ذي أهمّية خاصة من المقاتلات الاعتراضية المُكَلَّفة بحماية أجواء العاصمة بغداد وسط أكثر القواعد الجوية حساسية، وأخيرًا لَـما اختير بشكل خاص ضمن 3 طيّارين لِيُوفَدَ إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

الخاتمة:

وفي الختام لا بد من القول إن كثيرًا مما ذُكِرَ عن النقيب الطيار منير روفا في العديد من المقالات المنشورة بعيدٌ عن الحقيقة، فَدَور المخابرات الإسرائيلية انحسر في إيصال عائلته من إيطاليا إلى تل آبيب واستقباله مع طائرته في أجواء إسرائيل، في حين كان الدور الأساس في هذه العملية للمخابرات الأمريكية التي تسلمت الطائرة المَرجُوّة ونقلتها إلى الولايات المتحدة، حيث تمّ تفكيكها ودراستها وتَفَحُّصُها بجميع تقنِياتِها ومحرِّكِها وأجهزتها ومكامِن قوّتها وسلبياتها على أيدي العديد من الطيارين والخبراء الأمريكيين، قبل أن  تُعادَ إلى إسرائيل ليُحلِّق بها طيّاروها؛ كي يكتشفوا إيجابيّاتها وسلبيّاتها ونقاط ضعفها وإمكانات المناورة معها أثناء القتال والاشتباك الجوي القريب.

أما ما أورده أحد الأفلام السينمائية المعروضة خلال الثمانينيات عن منير روفا وعلاقاته الغرامية وكيفية تجنيده وتسفير عائلته عبر شماليّ العراق ودور طبيب جاسوس في هروبه، وكيف لاحقته مقاتلات عراقية بارتفاع منخفض للغاية في أجواء الوطن، وما تطرّق إليه أصحاب المقالات المنشورة مؤخرًا من مبالغات، فهي أمور بعيدة عن الحقيقة ومُغالَطات غير منطقية لا موجِبَ لها، ومَحضُ خيال مبتغاه التغطية على الدور الأمريكي ودعايةًكاذبة لإعلاء شأن الموساد الإسرائيلي.

“الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر برق للسياسات والاستشارات“

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2021

(*) للاطلاع على تفاصيل أوسع، يُنظَر: العميد الطيار الركن طارق سيد حميد والدكتور صبحي ناظم توفيق، هروب الطيار منير روفا ليس كما روّجت له إسرائيل، المنتدى العسكري العربي، 23/مارت/2017، الرابط:- https://arabic-military-army.yoo7.com/t9003-topic

(**) لتفصيل أكثر عن هذه الطائرة، يُنظَر: العميد الركن صبحي ناظم توفيق، أحدث الطائرات الحربية المستخدمة في العالَم، الطبعة الرابعة، مطبعة أوفسيت الانتصار، بغداد، 1989، ص ص104- 105.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
برق في صندوق بريدك !

اشترك في قائمة مركز برق البريدية ليصلك كل جديد عبر بريدك الإلكتروني