الاصداراتالنافذة المغاربيةمتفرقات 1مقالات

حول الانتخابات التشريعية بالمغرب

hawl
 
لقد اجتاز المغرب يوم 7 أكتوبر 2016 امتحانا ديمقراطيا عسيراً وذلك بتنظيمه للانتخابات التشريعية العاشرة في تاريخه، من أجل اختيار 395 نائبا جديداً للأمة وحكومة جديدة تقود البلاد. قلنا امتحانا عسيراً بالنظر إلى الأجواء التي سادت الحملة الانتخابية والتي استعمل فيها كل حزب ما أوتي من قوة من أجل الظفر بأكبر عدد من المقاعد وتصدر الاستحقاقات، خصوصا بين قطبي الأغلبية والمعارضة حزبي “العدالة والتنمية” و”الأصالة والمعاصرة”. حيث وصل التطاحن السياسي إلى اتهام حزب “العدالة والتنمية” لغريمه “الأصالة والمعاصرة” بتنظيم مسيرة ضد رئيس الحكومة كونه فشل في قيادة الحكومة، بينما يتهم أكبر أحزاب المعارضة والمتهم بـ”التحكم” حزب “العدالة والتنمية” ذو المرجعية الإسلامية باستغلاله للدين في الحملة الانتخابية.
رغم حملات التشكيك والاتهامات التي كالها حزب “العدالة والتنمية” إلى الإدارة كونها مساندتها لحزب معين وأنها تقوم باستمالة الناخبين للتصويت عليه في إشارة إلى حزب “الأصالة والمعاصرة”، غير أنه حاز المرتبة الأولى برقم قياسي من النواب وصل إلى 125 نائبا منهم 98 في اللوائح المحلية و27 في اللائحة الوطنية للنساء والشباب، متبوعاً بحزب “الأصالة والمعاصرة” ب81 نائبا في اللائحة المحلية و21 وطنيا، لكن المفاجئة الكبرى تمثلت في تقهقر الأحزاب العريقة في المغرب ك”حزب الاستقلال” الذي حلّ في المركز الثالث وبفارق كبير عن المركز الثاني بـ مجموع 46 مقعدا وحزب “الاتحاد الاشتراكي” الذي لم يحصل سوى على 20 مقعدا.
نجاح حزب “العدالة والتنمية” لم يكن بمحض الصدفة بل كان نتاجا لمجموعة من العوامل، حيث يعتبر الحزب الأكثر تنظيما من بين الأحزاب السياسية المغربية ويتوفر على أكبر قاعدة ناخبة تغطي غالبية التراب الوطني، كما يستفيد الحزب من جناحه الدعوي “حركة التوحيد والإصلاح” والجمعيات التي تدور في فلك الحركة وتنشط في المجال الخيري والاجتماعي والوعظ والإرشاد. كما أن هناك عوامل خارجية ساهمت في تفوق الحزب في استحقاقات 7 أكتوبر أهمها تراجع شعبية الأحزاب التقليدية والتي عاقبها الناخبون على سوء تدبيرها للبلاد لسنوات طويلة، وعدم قدرة تلك الأحزاب على تقديم رموز وبدائل وتجديد نخبها السياسية، بل استمرت في الترشح بأوراق محروقة سياسيا. فالغريب أن أحزابا كانت مشاركة في الحكومة السابقة ومتحالفة مع الحزب الأول “العدالة والتنمية” لم تحصد مقاعد أكثر، بل تراجعت إلى أسفل القائمة كحزب “التقدم والاشتراكية” الذي كان مشاركا في الحكومة وتقلد وزارات مهمة غير أنه لم ينل سوى ما مجموعه 12 مقعدا، مما يدل أن الأداء الحكومي لم يكن عاملا مؤثرا في التصويت أكثر من العامل الإيديولوجي والعاطفي.
كذلك الحملات غير المسؤولة لأحزاب معارضة لحزب “العدالة والتنمية” خصوصا من طرف حزب “الأصالة والمعاصرة” والتي ركزت على تشويه صورة الحزب وتخويف المغاربة من خطورة نجاحه، كانت بمثابة حملة مجانية لصالح الحزب الحاكم بالنظر إلى الوعي السياسي الذي أظهره المغاربة والذين رفضوا مثل تلك التحركات المشينة بالمسار الديمقراطي الذي يسلكه البلد. إلا أن أكبر وأخطر عامل ساهم في إفراز الخريطة السياسية الجديدة في المغرب هو نسبة المقاطعة الكبيرة والتي وصلت إلى أزيد من 57% حيث لا زالت هذه الفئة لا تؤمن بإمكانية الأحزاب السياسية في التسيير وقيادة المغرب. كما أن هذه النسبة أثبتت عدم قدرة الأحزاب على التعبئة والتأطير السياسي للمواطنين، الأمر الذي أتاح الفرصة للأحزاب التي تتوفر على أكبر قاعدة انتخابية والمتوفرة على أكبر عدد من الأعيان في الحصول على أكبر عدد من المقاعد البرلمانية.
رغم كل حملات التشويش والاتهامات المتبادلة بين مختلف الأحزاب السياسية – وهو أمر معهود قبل أي انتخابات وفي أكبر الديمقراطيات في العالم- مرت الانتخابات التشريعية في المغرب بصفة عامة في جو عادي باستثناء بعض الخروقات المسجلة والتي اعتبرها مراقبون محليون وأجانب أنها شيء عادي وغير مؤثرة على النتائج النهائية، كما قامت الأحزاب التي رأت أنها متضررة من بعض الممارسات في تقديم طعونها للمحكمة الدستورية للبتِّ فيها.
طبقا للفصل 47 من الدستور المغربي عين “الملك محمد السادس” رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر الانتخابات، حيث وقع الاختيار على أمين عام حزب “العدالة والتنمية” لقيادة الحكومة لولاية ثانية. مع العلم أن الفصل 47 يلزم اختيار رئيس الحكومة من الحزب المتصدر في الانتخابات لكنه لا يشترط فيه صفة أمين عام الحزب، وذلك في التزام واضح من الملك في بناء ديمقراطية حقيقة في المغرب والتزاما بالدستور وتماشيا مع نهج المؤسسة الملكية التي اجتازت بالمغرب موجة ثورات الربيع العربي، بالتوافق على دستور جديد سنة 2011 منح صلاحيات كبيرة لرئيس الحكومة وحريات أكبر لفعاليات المجتمع المدني. كذلك لا يمكن نفي ما قام به حزب “العدالة والتنمية” في الولاية السابقة من مجهودات، من أجل كسب ثقة المؤسسة الملكية وعدم خلط الحزب بين العمل السياسي والديني وأنه حزب كباقي الأحزاب الوطنية ويمكنه العمل والتعاون مع المؤسسة الملكية، مما ساعد على وضع الثقة فيه من أجل ولاية ثانية.
مرت الانتخابات وفاز حزب “العدالة والتنمية” بالأغلبية لكنها غير مطلقة ولا تخوله تكوين حكومة دون تحالفات سياسية مع أحزاب أخرى، وهو التحدي الذي سيحاول رئيس الحكومة القديم الجديد السيد “عبد الإله بنكيران” ركوبه من أجل تشكيل حكومة متجانسة، في ظل استحالة التحالف مع غريمه حزب “الأصالة والمعاصرة” لتباعد وجهات النظر والبرامج والمنطلقات الإيديولوجية.

 للتحميل إنقر هنا

 جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للأبحاث والدراسات © 2016

“الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز برق للأبحاث والدراسات 

 
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق