الاصداراتمشاهد

تصعيد الأزمة الداخلية في البلاد ومستقبلها

عاد الاضطراب إلى الساحة اللبنانية مع اشتداد الأزمة الاقتصادية وعدم تمكن الحكومة بقيادة حسان دياب من كسب ثقة الشارع، الذي كان يعول على إجراء إصلاحات حقيقية أو على الأقل تخفيف حدة تداعي الاقتصاد اللبناني، لكن واقع الحال ينذر بمزيد توتر مع عودة شريحة واسعة إلى تنظيم احتجاجات ومسيرات تجدد مطالب الشارع قبل تشكيل الحكومة.

وبناء على ذلك، تزايدت وتيرة الاحتجاجات ففي 29 أيار/مايو اندلعت مواجهات بين القوى الأمنية ومجموعة من المحتجين عند توجههم إلى مقر الرئاسة الثانية (منزل رئيس مجلس النواب نبيه بري) في عين التينة. كما قام آخرون بتنظيم وقفة احتجاجية مناهضة لحزب الله أمام قصر العدل (مجمع المحاكم الرئيسي) بالعاصمة بيروت، للمطالبة بنزع سلاح الحزب، وحصر السلاح بيد مؤسسات الدولة الشرعية المتمثلة في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية([1]). حيث لا تقتصر مشكلة الوضع في لبنان على سياسات الحكومة فحسب، بل أيضًا على الحالة الأمنية التي يفرضها حزب الله وحلفاؤه من قوى 8 آذار، وقد أدى ذلك مؤخرًا إلى إمكانية دخول الأزمة في منعطف طائفي جديد، بعد حصول اشتباكات مسلحة بين مناصرين لحزب الله وحركة أمل وآخرين من السنَّة، بعد رفع الطرف الأول شعارات مسيئة بحق السنة، ما يثير التساؤل حول كيفية تنفيذ إصلاحات حقيقية في ظل ما يشبه الاحتكار الأمني والسياسي للمشهد من قبل حزب الله وحلفائه([2]).

يشار إلى أن بوادر الأزمة اللبنانية، بدأت بالظهور منذ أحداث جبل لبنان 30-6-2019 التي حدثت فيها اشتباكات بين مناصرين للحزب التقدمي الاشتراكي وموكب وزاري تابع للتيار الوطني الحر الذي يرأسه جبران باسيل، ما أعاد للأذهان الصورة القاتمة للحرب الأهلية اللبنانية وإمكانية عودتها في ظل انقسام سياسي حاد بين القوى المختلفة ظهر جليًا في قضية تشكيل الحكومة في 31-1-2019، واستقالة سعد الحريري عام 2017 وعودته لاستلام مهام منصبه مجددًا وأخيرًا استقالته وتسلم حسان دياب لمنصب الحكومة، ما يفتح العديد من الاحتمالات أمام مستقبل الوضع الذي يمر به لبنان([3]).

من أهم أسباب الأزمة الاقتصادية

سوء الوضع المعيشي وتدني مستوى دخل الفرد كان أحد الأسباب الرئيسية لبدء الشرارة الأولى التي تسببت في اندلاع الاحتجاجات الأخيرة، فلبنان يُعاني من تراكم ديون ضخمة جعلته يحتل المرتبة الثالثة عالميًا من ناحية حجم الدين العام ويمكن تفنيد أسباب الأزمة وفق بنود أهمها:

1. نسبة البطالة بلغت 36%، أي 660 ألف شخص عاطلون عن العمل بحسب إحصاءات قبل أزمة كوفيد-19 ومن المؤكد أنه وبعد الجائحة ازدادت هذه النسب خصوصًا مع تضخم كبير للعملة أفقد الليرة أكثر من 60 بالمئة من قيمتها منذ تشرين الأول/أكتوبر مع تآكل معروض الدولار وقيام البنوك بالحد من توافر العملة الصعبة وتخصيص الدولارات حصريًا لشراء الوقود والأدوية والقمح بسعر صرف رسمي يبلغ 1507.5 ليرة للدولار([4]).

2. السياسات الحكومية وعدم وضوحها أحدثت عدة خلافات داخل مجلس الوزراء “بين حلفاء البيت الواحد (قوى 8 آذار)، وصولًا إلى التهديد بالاستقالة وتجميد عمل الحكومة (خاصة من حركة أمل وتيار المردة)، إضافة إلى التضارب في التوجهات والمصالح الفئوية بين أعضاء قوى 8 آذار مما أفضى إلى عرقلة أو تأخير تنفيذ العديد من المشاريع التي تصب في مصلحة المواطن، ومنها مشاريع الكهرباء التي تستنزف أكثر من 40% من مصاريف الموازنة، فضلًا عن الصراع الدائر حاليًا لاستهداف القطاع المصرفي”([5]).

3. على الرغم من كل الوعود التي أطلقها السياسيون لحل المشكلة لكنها لم تتوّج في إيجاد حلول تخفف من مواجهة الطلب المتزايد على الدولار، ويعود السبب الفعلي في تفسير ذلك، لحالة العجز التي تفوق مقومات الحكومة اللبنانية، فهي ترى أن حل المشكلة يتطلّب اللجوء إلى استخدام احتياطي النقد الأجنبي لديها والذي يُقدر بنحو خمسة إلى عشرة مليارات دولار، لكن بنفس الوقت لا ترغب في استعمال هذا الخيار على الأقل في الوقت الحالي، لأنها قد تضطر إلى استخدامه في المدفوعات القادمة لخدمة الدين الخارجي للحكومة([6]).

4. شبكة الاقتصاد الموازية المتنامية والتابعة لحزب الله داخل وخارج لبنان تحدث ضررًا بالغًا في اقتصاد الدولة، حيث “استطاع حزب الله توسيع شبكته المالية ومصادر تمويل أنشطته في لبنان والعابرة للحدود خصوصًا في سوريا بدعم نظام الحكم في سوريا وكذلك باليمن بدعم ميليشيات الحوثي ضد الشرعية اليمنية، وتغطي إيران بشكل مباشر ما يقارب 70% من نفقات حزب الله وأنشطته والتي تقدر بـ 800 مليون دولار سنويًا، ويتم صرف تلك الأموال بأمر من المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي مباشرة ويتم نقلها في حقائب بتنسيق من قوات الحرس الثوري، وليس من خلال البنوك، وغالبًا ما تُنقل هذه الحقائب من إيران لتهريبها عبر سوريا، حيث يستخدم حزب الله عددًا من الأساليب المختلفة لنقل الأموال إلى لبنان من الخارج، بما فيها تجار الحوالة”([7]).

وبعد الضغوطات الاقتصادية التي تم فرضها على المليشيات الموالية لإيران في المنطقة منذ تولي الرئيس دونالد ترمب رئاسة البيت الأبيض، لجأ حزب الله إلى تكثيف أنشطته الاقتصادية غير القانونية والعابرة للحدود، ومنها تجارة المخدرات (الحشيش والكوكايين) عبر شبكات مافيا وعصابات في دولتي كولومبيا وبنما تقوم بتهريب المواد المخدرة وإيصالها إلى أوروبا، عدا عن شبكات تبييض الأموال وغسيلها وتهريب العملات الأجنبية. وتصدير عشرات آلاف السيارات المستعملة من الولايات المتحدة لبيعها في غرب إفريقيا بشكل غير قانوني. كما يقوم الحزب بإنشاء وإدارة شركات وهمية زراعية وتجارية تشارك في مناقصات ومشاريع داخل لبنان وخارجه، وتعود أرباحها إلى قيادة الحزب([8]).

جدوى خطة الإنقاذ الحكومية

أقر رئيس الحكومة حسن دياب في 30 نيسان/أبريل تطبيق خطة حكومية شاملة تضع تصورًا لمستقبل الاقتصاد اللبناني وسبل التعامل مع الأزمة، معتبرًا أنها “بنيت على أسس تسمح للبنان بالحصول على الدعم الدولي المطلوب وأنها ستضع البلاد على المسار الصحيح”([9]). وقد ركزت على تخفيض الدين العام حيث تفترض أن الحكومة بحاجة إلى رفع فائضها الأساسي بشكل واضح إلى 3.8% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2024 والحفاظ عليه عند هذا المستوى، كما أعلنت الحكومة اللبنانية أنها أنهت مرحلة أولى مفاوضات مع صندوق النقد الدولي بهدف التوصل إلى اتفاق يعيد وضع الاقتصاد اللبناني على المسار الصحيح من أجل استئناف المساعدات والمنح للحكومة.  واعتمدت الخطة في مضمونها الأول على التوقف عن سداد الديون الخارجية في إطار إعادة هيكلة شاملة للدين، الذي تجاوز 90 مليار دولار، هدفها حماية احتياطات البلاد من العملة الأجنبية، التي تراجعت خلال الأشهر الماضية بشكل كبير([10]).

وبالنسبة للقطاع المالي، فتوقعت الخطة أن حجم الفجوة في المصارف اللبنانية بما فيها المركز سيبلغ 186 تريليون ليرة لبنانية. هذا يعني 53 مليار دولار عند سعر صرف يبلغ 3500 ليرة لبنانية. لكن واقع الحال تجاوز هذه التوقع فقد فاق سعر الصرف حاجز 3500 ليرة مقابل الدولار، وهو ما يعني أن هناك تيارات موازية أو أحداث خارج نطاق سيطرة الحكومة تؤثر على الاقتصاد خارج سلطة الدولة وهو ما يفسر عدم مقاربة توقعات الخطة الحكومية لواقع العملة الحالي. ويرى مجلس الوزراء وفق سياساته أنه يجب تغطية هذه الفجوة عن طريق شطب ما تطالب به المصارف من مصرف لبنان، وهذا بدوره يعني أن المصارف ستعجز عن تلبية طلبات مودعيها. إذ تطلب الخطة من المودعين في المصارف تحمّل 170% من الناتج المحلي الإجمالي بدءًا من اللحظة الأولى([11]). على أن يتم تخفيف حدة هذا الإجراء عبر استرجاع الأموال غير المشروعة وإجبار أصحاب المصارف على إعادة ضخ رؤوس الأموال. بيد أن هذا الأمر غير واقعي لأن سلوك شركات الصرافة الرئيسية التي يتحكم بها حزب الله لم تقم بتطبيق ذلك ولا زالت تساهم في تعميق الأزمة، كما أن استعادة الأموال المنهوبة تستغرق سنوات طويلة وعليه فهي غير ناجعة.

وبالمحصلة فإن الاحتمالات لاتزال مفتوحة في المشهد اللبناني بين عودة حراك الشارع الذي قد يكون أقوى من السابق، وبين إجراءات حكومية غير ناجعة لاحتواء الأزمة ومقيدة بممارسات حزب الله واستثماره نفوذه العميق في الدولة على المستوى الأمني والسياسي والاقتصادي للحفاظ عليه وتنميته وإن كان على حساب إرجاع البلاد إلى مرحلة فوضى طائفية كما حدث في بيروت مؤخرًا خصوصًا في ظل وجود خطاب متصاعد دولي ضد أنشطة حزب -من نتائجه حظر أنشطته منذ وقت قصير في ألمانيا وإدراجه على قوائم الإرهاب-([12]) وهذا يعني أن الحزب -ومسانديه أفرادًا وقوى سياسية ومؤسسات- سيزيد من فاعلية قبضته الأمنية ويوسع أنشطته الاقتصادية الموازية لاقتصاد الدولة، ما سيؤدي إلى عجز حكومة دياب عن الإيفاء بالتزاماتها وبالتالي تعميق الأزمة ووصولها إلى منعطفات أكثر تصعيدًا.


([1]) “أسباب تصعيد الشارع اللبناني ضد قوى “8 آذار””. مركز المستقبل للدراسات، 3-6-2020. https://bit.ly/30ycENQ

    “حزب الله يقمع الثورة في لبنان ويثير مخاوف من فتنة شيعية سنّية”. مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية، 8-6-2020. https://bit.ly/2B1tOs5

([2]) “اشتباكات مسلحة بين أنصار تيار المستقبل وحركة أمل وسط بيروت.. وفيديو يوثق المواجهات”. الحرة، 7-6-2020. https://arbne.ws/2UuvC3S

    “المشهد اللبناني: الاحتجاجات بين تجاوز البعد الطائفي والمستقبل السياسي القادم”. مركز برق للسياسات، 8-11-2020. https://bit.ly/3dTaETP

([3]) “تشكيل حكومة جديدة في لبنان برئاسة حسان دياب”. بي بي سي، 21-1-2020. https://bbc.in/3dVuiyH

([4]) “الليرة اللبنانية تواصل التراجع رغم نظام تسعير جديد”. رويترز، 10-6-2020. https://bit.ly/2UyqoV0

    “مأزق حكومة دياب (بين الاقتصاد والسياسة)”. مركز برق للسياسات، 3-3-2020. https://bit.ly/2BRdfzz

    “تداعيات أزمة لبنان الاقتصادية تتفاقم”. صحيفة الشرق الأوسط، 19-5-2020. https://bit.ly/3e5lsi9

([5]) انظر المرجع رقم 1.

    “الحراك اللبناني: السياق العربي وتحديات نسخة الطائف الثالثة”. مركز الجزيرة للدراسات، 8-6-2020. https://bit.ly/2Ymh0EQ

([6]) “مأزق حكومة دياب (بين الاقتصاد والسياسة)”. مركز برق للسياسات، 3-3-2020. https://bit.ly/2BRdfzz

([7]) “المشهد اللبناني: نفوذ حزب الله وذكرى أحداث 7 أيار”. مركز برق للسياسات، 29-6-2019. https://bit.ly/2XWcYEp

([8]) “تحقيق أميركي في تمويل حزب الله و”الاتجار بالمخدرات لغايات الإرهاب”.دي دبليو الألمانية،11-1-2018 . https://bit.ly/2W3fARq

([9]) “لبنان يباشر مفاوضات مع صندوق النقد الدولي لمناقشة خطته للتعافي الاقتصادي”. Arabic News Cn، 13-5-2020. https://bit.ly/2UwMGX9

([10]) “الخطة الحكومية الاقتصادية: المقايضات السياسياتية ومتاهاتها المعقّدة”. صحيفة النهار اللبنانية، 19-5-2020. https://bit.ly/2UAwZht

([11]) “حزب الله يستهدف “مصرف لبنان” وقطاع الاتصالات في البلاد”. معهد واشنطن للدراسات، 4-5-2020. https://bit.ly/2UuBmus

([12]) “ألمانيا تحظر حزب الله اللبناني وتشن حملة أمنية ضد أنشطته”. DW، 30-4-2020. https://bit.ly/2UARTNo

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق