الاصداراتمشاهد

المشهد البحريني: ورشة البحرين الطريق إلى تسويات “كوشنر”

لا تزال الكثير من النقاشات تدور حول طبيعة تسويات “كوشنر” – ما يُعرف بصفقة القرن- التي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لتطبيقها في المنطقة وتحاول بناءها مع شركائها وحلفائها المؤثرين في مسار السياسيات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، للتمهيد لبناء اتفاق طويل الأمد يضع الملامح الأساسية لمستقبل المنطقة وخصوصاً الصراع العربي الإسرائيلي وحل القضية الفلسطينية.

وعلى الرغم من عدم وضوح الكثير من التسريبات أو المعلومات المتعلقة بتسويات كوشنر، إلا أن ورشة البحرين التي أقيمت في العاصمة البحرينية – المنامة مؤخراً كانت بمثابة أول مؤتمر دولي يدخل ضمن مسار تطبيع العلاقات مع إسرائيل الذي يعد جزءاً من التسويات القادمة، لذلك حملت هذه الورشة عدة دلالات حول ما سيكون عليه شكل التوجهات الدولية القادمة في الشرق الأوسط.

من جهة أخرى، لم تنفصل دلالات وانعكاسات ورشة البحرين عن الملتقى الأمني الذي تم في القدس بالتزامن مع الورشة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وإسرائيل لبحث المستجدات في المنطقة وأهمها سياسات إيران وسلوكها التوسعي، ما جعل اعتقاداً يسود بأن تسويات كوشنر الجديدة قد دخلت ضمن نطاق التفاهمات والانطلاق نحو إيجاد الآليات المناسبة لتطبيق المشروع القادم.

من أهداف ومخرجات ورشة البحرين

تم عقد الورشة تحت عنوان “من السلام إلى الازدهار الخطة الاقتصادية: رؤية جديدة للشعب الفلسطيني” وحمل الاسم دلالة على أنها متعلقة بالشق الاقتصادي من صفقة القرن، ووفق رؤية منظم الورشة الرئيسي “جاريد كوشنر” صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ومستشاره فإن: “التوافق حول مسار اقتصادي شرط مسبق ضروري لحل المسائل السياسية التي لم يتم إيجاد حل لها من قبل”([1]).

وهدفت الخطة الاقتصادية إلى جذب استثمارات تتجاوز قيمتها خمسين مليار دولار غالبيتها لصالح الفلسطينيين، وإيجاد مليون فرصة عمل لهم، ومضاعفة إجمالي ناتجهم المحلي، على أن يمتد تنفيذها عشرة أعوام. بالإضافة إلى إطلاق طاقات الاقتصاد الفلسطيني، وتمكين الشعب الفلسطيني، وتعزيز الحوكمة فلسطينياً، ما سيؤدي إلى خفض البطالة إلى ما دون 10%، ونسبة الفقر إلى 50%”.

كما حددت الخطة التي تم عرضها في الورشة أن المال الذي سيتم جمعه سيوضع في: “صندوق جديد يديره بنك تنمية متعدد الجنسيات، سينفق على المشاريع عبر استثمارات عامة مباشرة واستثمارات تجارية خاصة، وقروض ميسرة. وأن إدارة الصندوق ستعمل مع البلدان المستفيدة لوضع الخطوط العريضة للإرشادات السنوية للاستثمار، والأهداف الإنمائية، والإصلاحات الحكومية التي ستدعم تنفيذ المشروعات في المجالات المحددة، وسيتم توزيع المنح والقروض الميسرة وغير ذلك من الدعم على المشروعات التي تفي بالمعايير المحددة من خلال عملية مبسطة تضمن المرونة والمحاسبة”.

بالإضافة إلى مساهمة الدول المانحة والمستثمرين بأكثر من 50 مليار دولار لتنمية المنطقة، بأن يأتي 15 مليار دولار على شكل منح، و25 مليار دولار على شكل قروض، ونحو 11 مليار دولار من القطاع الخاص. على أن تُقسم إلى 28 ملياراً في الضفة والقطاع، و7.5 مليارات للأردن، و9 مليارات لمصر، و6 مليارات للبنان. كما “سيتم تخصيص 5 مليارات دولار لربط الضفة الغربية وقطاع غزة عبر شبكة طرق وربما سكة حديد، وسيتم تخصيص عشرات الملايين من الدولارات لعدة مشاريع تهدف إلى توثيق الروابط بين قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء المصرية من خلال الخدمات والبنية التحتية والتجارة. بالإضافة إلى إنشاء 179 مشروعاً كتحسين مستوى التعليم الفلسطيني، وتطوير البنية التحتية فلسطينياً، وتقوية شبكة الكهرباء في قطاع غزة وتحلية المياه، وتعزيز شبكات الاتصالات، فضلاً عن القطاعات الصحية والزراعية والصناعية والسياحية، وتسهيل عبور الفلسطينيين وعبور صادراتهم إلى الدول المحيطة عن طريق دعم توسيع الموانئ وحوافز العمل للمركز التجاري المصري بالقرب من قناة السويس وكذلك تطوير منشآت سيناء السياحية بالقرب من البحر الأحمر”([2]).

كما تم التأكيد على “ضرورة دعم واستغلال الموارد الطبيعية الموجودة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها الأحجار والرخام والمواد الهيدروكربونية، واحتياطيات الموارد الطبيعية الرئيسة، مثل حقل الغاز الطبيعي البحري في غزة، وحقول النفط، والمحاجر في الضفة الغربية. كما ستقدم مساعدة تقنية لوضع إطار تنظيمي لاستغلال الموارد الطبيعية، بما في ذلك الموارد المشتركة على طول المناطق الحدودية”.

وبالنسبة للمشاركين فقد حضر ممثلون عن 39 دولة، من بينها السعودية والبحرين والإمارات ومصر والأردن والمغرب وإسرائيل، كما حضر رئيسا صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومندوب عن الأمم المتحدة، بالإضافة إلى رجال أعمال وممثلي شركات تجارية واستثمارية دولية. وقاطعت السلطة الفلسطينية المؤتمر على اعتبار أنه بداية للدخول في مرحلة التطبيع الشامل مع إسرائيل وهو ما يتناقض مع حل الدولتين([3]).

دلالات وانعكاسات ورشة البحرين

كشف لقاء المنامة عن مؤشرات هامة متعلقة بتسويات كوشنر، وهي أنها استراتيجية عابرة للحدود تقوم على الموائمة بين العوامل الاقتصادية والسياسية والأمنية في منطقة الشرق الأوسط ومحيطها لتمرير التسويات، بدءاً من الخليج العربي ومروراً ببحر العرب والبحر الأحمر وقناة السويس ووصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط قبالة الموانئ السورية التي توجد بها قاعدة حميميم الروسية.

وما يؤكد هذا التوجه الاجتماع الثلاثي الأمني الذي تم في القدس وتزامن مع ورشة البحرين بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وإسرائيل لبحث محددات حماية أمن إسرائيل ومنها الوضع القائم في سورية ومستقبل النفوذ الإيراني فيها، إلى جانب ما توضّح في المنامة بمضامين خطة “كوشنير” التي ركزت على إنشاء حزام اقتصادي بين دول الخليج والأردن ولبنان وفلسطين ومصر، وتلك الرؤية الاقتصادية النافذة والعابرة للحدود تحتاج إلى إنشاء حزام أمني يقابلها لحماية هذه الحركة التجارية لذلك يمكن ربط أهداف ورشة البحرين بلقاء القدس “الأمني” الذي كان عبارة عن تفاهم نتج عنه لقاء وليس اجتماع نتج عنه اتفاق، لذلك لم تكن مخرجاته علنية.

بالتالي فإن الملامح الأساسية والخطوط العريضة لتسويات كوشنر المرتبطة بالشق السياسي والأمني والاقتصادي للمنطقة قد بدأت بالظهور، وقد ينتج عنها خطوات إجرائية ورسمية أكبر من ورشة البحرين خصوصاً أن الأخيرة كانت بمثابة اختبار ورصد لرد فعل الشعوب والجماهير العربية والإسلامية لإمكانية التطبيع مع إسرائيل والقبول بالحلول المطروحة للقضية الفلسطينية بعيداً عن حل الدولتين، وهو ما صرح به “كوشنير” بقوله: إن “بلاده لا تعتدّ بمبادرة السلام العربية عام 2002، التي تطالب إسرائيلَ بحل الدولتين، لأنها لم تؤد إلى السلام المنشود بين الفلسطينيين والإسرائيليين”([4]). لكن ردود الفعل كانت بغالبيتها رافضة لورشة البحرين وصفقة القرن معتبرة أنها إجهاض لعملية الوصول إلى حل عادل للقضية الفلسطينية ومحاولة لمصادرة حقوق الشعب الفلسطيني([5]).

وبناء على ذلك فإن التساؤل الذي يُطرح: ماهي الخطوات القادمة التي سيتم اتخاذها للمضي قدماً لبناء هذه الصفقة في ظل وجود تجاذبات دولية كبيرة إزاءها؟ وكيف ستتم عملية بناء الثقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين لتمرير هذا المخطط مع مرور عشرات السنوات من الصراع الطويل وإهمال حقوق الشعب الفلسطيني؟

 

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر برق للسياسات والاستشارات

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات © 2019

 

 

([1]) “مؤتمر البحرين: هل هو المدخل لتمرير “صفقة القرن”؟”. بي بي سي، 25-6-2019. https://bbc.in/2Ly4xcj

([2]) “Peace to Prosperity: The Economic Plan: A New Vision For The Palestinian People” The White House, URL: https://bit.ly/2WWYl4w

([3]) “صفقة القرن” في البحرين: من هم الحاضرون والغائبون؟”. مونتي كارلو الدولية، 25-6-2019. https://bit.ly/2LArLhV

([4]) “كوشنر للجزيرة: ورشة المنامة ناجحة وجهات تدعو لعدم الحضور”. الجزيرة نت، 24-6-2019. https://bit.ly/2xbOatR

([5]) “بدء ورشة البحرين وسط رفض عربي واسع وتشكيك دولي”. عربي21، 25-6-2019. https://bit.ly/2LAo3oL

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق