الاصداراتمتفرقات 1مقالات

الفكر الإسلامي بين النقد والانفتاح

322
 
نبدأ الحديث في جدلية أن عصرنا يختلف اختلافًا كبيرًا عن العصور في الحِقَب التاريخية المختلفة، ولا أعتقد أن ثمة ما نستطيع مقاربته بين العصور والحقب التاريخية السابقة، وبين العصر الحديث بما طرأ عليه من ثورات تكنولوجية جعلت العالم قريةً صغيرة، ومن تطورات على المفاهيم الحقوقية والقيم الإنسانية التي تَوافق عليها الكون من خلال الإعلانات الدولية المختلفة.
ولو رصدنا التغيرات التي حدثت على المفاهيم الحقوقية والقيم الإنسانية، والتي تم التوافق عليها بين مختلف الدول في الأمم المتحدة، بغض النظر عن الخلفية الدينية والثقافية لهذه الدول، نجد أن التَّغيُّر جذري فيما بين مفاهيم الحقب التاريخية السابقة وبين مفاهيم العصر الذي نعيشه الآن.
دعونا نمر وبسرعة على بعض هذه المفاهيم والقيم؛ لنفهم خلفية الموضوع والمفارقات التي نود طرحها هنا، والتي منها:

  • الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 وعلى وجه الخصوص، المادة رقم 18 والتي تنص على: “لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سرَّا أم مع الجماعة”
  • بروتوكول منع ومعاقبة الإتجار بالأشخاص، وخاصة النساء والأطفال، المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 25، الصادر خلال الدورة الخامسة والخمسين والمؤرخ في 15 تشرين الثاني/نوفمبر2000، والذي تنص المادة الثانية منه على منع ومكافحة الإتجار بالأشخاص، مع إيلاء اهتمام خاص بالنساء والأطفال، وحماية ضحايا ذلك الإتجار ومساعدتهم، مع احترامٍ كاملٍ لحقوقهم الإنسانية. وبالتالي يلغى هذا الإعلان ما يحمله ويعتقده البعض عن مفهوم السبايا والعبيد وبيعهم وشرائهم.

 

  • اتفاقيةُ مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المُهينة، بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 39/46 المؤرخ في 10 كانون الأول/ديسمبر 1984.

 

  • إعلانٌ بشأن القضاء على العنف ضد المرأة، اعتُمد من قبل الجمعية العامة للأمم بقرارها 48/104 المؤرخ في 20‏ كانون اﻷول/ديسمبر 1993 والذي تنص المادة الأولى منه على “لأغراض هذا الإعلان، يعني تعبير “العنف ضد المرأة”، أي فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس ويترتب عليه، أو يُرجح أن يترتب عليه، أذى أو معاناة للمرأة، سواء من الناحية الجسمانية أو الجنسية أو النفسية، بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل، أو القسر أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة.”

 

  • العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يناير 76 طبقًا للمادة 27 والذي تنص المادة الخامسة منه على:

 
 

  1. ليس في هذا العهد أي حكم يجوز تأويله على نحو يفيد انطواءه على أي حق لأي دولة أو جماعة أو شخص، بمباشرة أي نشاط أو القيام بأي فعل يهدف إلى إهدار أيٍ من الحقوق أو الحريات المعترف بها في هذا العهد، أو إلى فرض قيود عليها أوسع من تلك المنصوص عليها فيه.
  2. لا يُقبل فرض أي قيد أو أي تضييق على أي من حقوق الإنسان الأساسية المعترف بها، أو النافذة في أي بلد تطبيقًا لقوانين أو اتفاقيات أو أنظمة أو أعراف، بذريعة كون هذا العهد لا يعترف بها أو كون اعترافه بها أضيق مدى.

 

  • العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في مارس 1976 طبقًا للمادة 49 والذي تنص المادة الثانية منه على أن تتعهد كل دولةٍ تُعدُّ طرفًا في هذا العهد، باحترام الحقوق المعترف بها فيه، وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيًا أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة، أو النَّسَب، أو غير ذلك من الأسباب.

وهناك الكثير من الاتفاقيات الدولية التي تطرح قِيمًا وحقوقًا تتناسب مع العصر الإنساني الجديد الذي نعيش فيه الآن.
 
ومن هنا تبرز التحديات والأسئلة التي يواجهها الدين، والواجب علينا مناقشتها وطرحها بكل شجاعة، ومن هنا نطرح التحديات التي تنشأ من تطور العصر، وما تبعه من تغيرات يجب التعاطي معها، ومراجعة الموروث الثقافي والديني المتعلق بها.
 
 

  • أ‌- أحد التحديات هو المنطق العلمي الذي يجب تبنّيه في الدراسات الدينية، حيث لا يزالالمنطق الأرسطي المتبع تجريدي، لا صلة له بالواقع، فهو يبحث في عالم الكليات، وهذا العَالم ليس له وجود في الخارج، بل وجوده في الذهن، فالمنطق يتجاهل البحث في الجزئيات والأعيان المشخصة من المنطق، وعليه فيجب ألا نتبنى منطقًا معينًا في التفكير، واعتباره أمرًا مقدسًا يجب الموت في سبيل الدفاع عنه.

 

  • يجب علينا كمسلمين تجاوز قضية الدفاع بلا منطق، وتحت تأثير الكهنوت والموروث، عن قضايا مطروحة في الفكر الديني على أنها مقدسات، وهي في الأصل لا تمس العقيدةَ بشيء، وهذا يأخذنا إلى فكرة إعادة قراءةٍ للدين، في محاولةٍ لتلافي المشكلات التي تتعلق بالتطورات التكنولوجية من جهة، والقيم والحقوق التي نشأت نتيجة تطور الحضارة في هذا العصر، بدرجة تسمح بإزالة الحواجز والفروقات بين العقائد والأديان والأيدولوجيات، وظهور قيم إنسانية تساوي بين حقوق الجميع.

 
 
إن الفكر الديني اليوم مطلوبٌ منه أن يتبنّي مشروع إعادة البناء الفكري بشكل علمي وحضاري، يقوم على التعايش مع الأفكار والقيم والحقوق، دون أن يترك نفسه للضياع في خضم الصراعات الفكرية مع الآخر، سواءً ممن يختلفوا عنه في الدين أو الطائفة بسياق دفاعي تبريري وإقصائي للآخر.
 

  • ت‌- يجب أن نُخضعَ حصيلة النتاج الفكري الإسلامي شيعيًا أو سُنيًا، لاختبار حاد عند التفكير في تحدي إقامة دولة إسلامية، هل تستطيع هذه الدولة الحفاظ على السمات المدنية فيما يتعلق بالحقوق للجميع، والاقتصاد الذي يحد من سيطرة رجال رأس المال؟ هل الزكاة هي النظام الوحيد للوصول للعدالة الاجتماعية؟ هل هناك وسائل دنيوية أخرى يمكن الاستفادة منها، سواءً من النظام الاشتراكي، أو النموذج الإسكندنافي أو غيره؟

وهنا نشير إلى تساؤل مهم وهو: هل مناهج الدرس الديني والفقهي الحالية لا زالت قادرةً على الاستجابة للواقع للجديد؟ والسؤال الأخطر الذي يجب التفكير فيه هو: هل علينا الاستمرار في التبرير التقليدي القائل بأن الخلل يكمن في المسلمين لا في الإسلام، وفي التطبيق لا في النظرية؟ أم هل علينا أن نناقش بشجاعة ما إذا كان علينا أن نراجع النظرية من مفهوم الموروث الفقهي، ومناقشة الخلل الذي تعاني منه، ونتجاوز اتهام المسلمين إلى محاسبة الحالة التطبيقية.

  • ث‌- ثمة تحدٍّ آخر يواجه الفكر الإسلامي يتصل بمصادر المعرفة، إذ تتجاذبُ تيارات هذا الفكر مصادر ثلاثة هي: العقل، والقلب، والنص، ويبدو أن تيار النص هو الأقوى، مع أنه قد جرى تطعيمه بتيار العقل، وقد أدّت تجربة إيران الشيعية إلى جعل تيار القلب والوجدان ذا نفوذ كبير؛ نظرًا للإرث العرفاني التاريخي لبلاد فارس، لكننا حتى اليوم ما زلنا نجد تشوّشًا في الرؤية إزاء هذا الموضوع، وما زلنا نلاحظ وجود اتجاهات متطرّفة في التعامل مع هذه المصادر الثلاثة، وما لم تُحلّ هذه المسألة -ولو بالحدّ الأدنى من الحلول- فإننا سوف نبقى في دوّامة الصراع الفكري غير المنتج في كثيرٍ من الأحيان، ولن نقدر على تقديم نماذج يمكنها الاستمرار فترة زمنية طويلة.

 
هذه نبذة عن بعض التحديات التي أرى أنه من الواجب التعاطي معها، وأعتقد أن هناك نُخَبٌ بدأت بالتكون في مجتمعاتنا بوعيٍ دينيٍ جديد وتنويري، ولكنها تُوجِّه نقدها للتراث والموروث الفقهي والديني، والذي يُعدُّ الفزاعة لخلق الفكر الداعشي في الأجيال القادمة إن استمر الحال على ما هو عليه.
 
يُفترض على النخب الجديدة أيضًا، أن تتجنب النخب التقليدية بأن تبقى دائمًا على مستوى النقد لذاتها؛ لتتمكن من التفكير بموضوعية، وتبقى نائيةً بنفسها عن أسلوب الدفاع التقليدي.
 

للتحميل من هنا

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز برق للأبحاث والدراسات

جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للأبحاث والدراسات © 2016

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق