الاصداراتالنافذة المغاربيةتقاريرمتفرقاتمتفرقات 1

الصراع على حلب

halap
تكتسب معركة حلب أهمية كبرى لكل الأطراف المشاركة في الصراع على سوريا، سواءً القوى السورية أو الاقليمية أو الدولية، بناءً على تصور مسبق لدى الأطراف أن نتيجة المعركة ستكون لها ارتدادات سياسية وعسكرية وإنسانية تتجاوز حدود العاصمة الشمالية لسوريا، وأن كسبها سيكون نقطة انعطاف حقيقية نحو الهدف الذي يصبوا إليه كل طرف.
اختلاف الأولويات والمصالح والتحالفات بين الأطراف زاد من حجم التعقيدات العسكرية والسياسية المرافقة لمعركة حلب، حتى بدت اليوم وكأنها عاصمة الصراع في المنطقة، فالصراع على النفوذ بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا في المنطقة ومن خلفهما الناتو وإيران يبقِي بمعركة حلب الباب مفتوحاً لكل الخيارات والتطورات، في ظل تصاعد الأزمة الإنسانية في المدينة نتيجة الحصار المفروض والقصف العنيف على أحيائها الشرقية.
أبرز القوى المتصارعة على حلب

  1. النظام السوري وحلفاؤه:

بعد معارك عنيفة استطاع النظام السوري وحلفاؤه (الروس والإيرانيون والمليشيات الشيعية) من إطباق الحصار مجدداً على الأحياء الشرقية لمدينة حلب الخاضعة لسيطرة الثوار، بعد تعرضها لأسوء حملة غارات جوية جعلت المنظمات الدولية تصف حلب بأنها إحدى أسوأ مناطق النزاعات التي أدت لتدمير المدن على الإطلاق، وقد أعلن الروس مؤخراً عن هدنة مؤقتة والمطالبة بإخراج “جبهة فتح الشام” من الأحياء الشرقية لحلب، مقابل وقف القصف وإدخال المساعدات الإنسانية للمحاصرين، بعد أن تعرضت لانتقادات لاذعة من المجتمع الدولي و اتهامها مع النظام السوري بارتكاب جرائم حرب. فيما فشلت الجهود الدولية في مجلس الأمن لوقف الغارات الجوية وإدخال المساعدات للمناطق المحاصرة من حلب بفعل الفيتو الروسي.
يهدف النظام السوري وحلفاؤه من وراء السيطرة على كامل مدينة حلب، تحقيق أهداف استراتيجية تبدو ضرورية لحسم الصراع في سوريا لصالحها، فمن الناحية السياسية السيطرة على ثاني أكبر مدينة سورية ستضعف موقف المعارضة السياسية في أية مفاوضات مقبلة، وستدفعها للقبول بالحل السياسي الذي يلائمها، كما ستمكنها من استخدام ورقة حلب كورقة ضغط ومساومة مع حلفاء المعارضة الإقليميين، في ظل وجود تداخل وترابط بين ملفات الصراع في المنطقة .
عسكرياً سيكون الانتصار والسيطرة داعماً معنوياً لجنود النظام، وفرصة لتفريغ آلاف الجنود للجبهات الأخرى، ويبدو أن مدينة الباب ستكون هدفاً مثالياً بعد حلب في حال نجاح السيطرة عليها، لقطع الطريق أمام الثوار المدعومين من الجيش التركي ضمن عملية درع الفرات، في إطار السعي لإغلاق الحدود ومنع تدفق السلاح والذخائر والمساعدات للثوار.
اقتصاديا يعول النظام كثيراً على حلب لإعادة تحريك العجلة الاقتصادية في البلاد، بعد خسارتها لمعظم آبار النفط لصالح داعش والأكراد، كون حلب أكبر المدن الصناعية، ولو أن ذلك يبدو صعباً في ظل تعرض معظم المنشآت الصناعية والتجارية للقصف والتخريب والسرقة على مدار سنوات الحرب، وعدم إمكانية النظام تأمين سلامة طرق الاستيراد والتصدير ، وكذلك لوجود مشاكل في تأمين الطاقة الكهربائية والمياه للمصانع، والعقوبات الاقتصادية المفروضة من المجتمع الدولي يمنع النظام من حرية التحرك الاقتصادي.
إيديولوجياً يبدو أن الإيرانيين هم الأكثر سعياً وتشجعاً نحو التغيير الديموغرافي والاثني في المناطق التي يسيطر عليها النظام وحلفاؤه، ضمن سعيه لتشكيل الهلال الشيعي، مما أثار المخاوف من تعميق الانقسامات في سوريا، لاتباعها سياسة التهجير والتطهير العرقي  المنهجي في سبيل تحقيق هذه الغاية بما يهدد السلم المحلي والإقليمي.
خط حلب – الموصل لها مكانة استراتيجية كبيرة للإيرانيين، فتمدد مشروع الهلال الشيعي وصولاً للبحر الأبيض المتوسط، تقتضي وجود قوة شيعية في حلب قادرة على رجم نمو أية قوة سنية، واستخدام حلب كمنصة لمراقبة تركيا، والتحكم بالورقة الكردية ضدها، وخلال سنوات الحرب الماضية تمكنت إيران من استثمار حاجة النظام للمقاتلين، بزج أعداد كبيرة من الشيعة في معركة حلب، واستيطانهم في الحمدانية وضاحية الأسد، إضافة لتقوية وجودها في مدينتي نبل والزهراء في الريف الحلبي، مما مكنها من امتلاك سلطة القرار الفعلية، واستخدام النظام كغطاء شرعي للتدخل، في حال فشل فك الحصار أو نجاحه، بكلتا الحالتين لدى الإيرانيين فرصة كبيرة في زج المزيد من الشيعة في معركة حلب، وتوسيع رقعة سيطرتهم لتشمل الأحياء الشرقية لحلب، وهي تدعم بقوة خطة “الممرات الآمنة” الذي يطلق يدها في تنفيذ سياسة التغيير الديموغرافي من دون مقاومة أو اعتراض، وتحويل حلب في المدى البعيد كسوق لمنتوجاتها، والتحكم بإقتصادها وبمشاريع إعادة الاعمار مستقبلاً.

  1. حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي PYD.

يعتبر المراقبون حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD)  الفرع السوري من حزب العمال الكردستاني المتشدّد (PKK)  وهو واحد من أهم أحزاب المعارضة الكردية في سورية، إضافة إلى كونه عضواً في هيئة التنسيق الوطنية للتغيير الديمقراطي، ومجلس شعب غربي كردستان كما تتهمها تركيا بمحاولة تأسيس دويلة كردية على حدودها الجنوبية مع سوريا. الحزب يسيطر ضمن مدينة حلب على أحياء شيخ مقصود والأشرفية وبني زيد ومنطقة السكن الشبابي وحي السريان، وشارك مع قوات النظام في السيطرة على طريق الكاستيلو الذي أدى لحصار الأحياء الشرقية الخاضعة للثوار، يسعى الحزب على أن تكون له حصة من حلب، وربط المناطق التي تسيطر عليها في حلب المدينة، مع بقية المناطق التي تسيطر عليها في الريف الشمالي والشرقي لحلب، في إطار مشروع ما يعرف “فيدرالية الشمال”، وإذا استطاع تحقيق ذلك سُيكسِب هذا الأمر الحزب ثقلاً سياسياً ويجعل منه لاعباً مهماً في تحديد مصير الدولة السورية مستقبلاً، خصوصاً في ظل وجود تفاهمات بينه وبين النظام، وكونه يعد حليفاً للروس والأميركيين.
مارس الحزب سياسة التغيير الديموغرافي في المناطق التي سيطر عليها في محافظتي الرقة والحسكة، مما أثار غضب وقلق المنظمات الحقوقية الأممية، التي اتهمته بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان. ويتخوف السوريون من أن توحيد الحزب للمناطق التي يسيطر عليها سيؤدي في النهاية إلى تقسيم سوريا، إضافة لتعويل الأميركيين والإيرانيين على نقل نفط المنطقة عبر المناطق التي يسيطر عليها الحزب وصولاً للبحر الأبيض المتوسط، بينما النظام يدعم الحزب لاستخدام مقاتليه لوأد الثورة، وخصوصاً أنها تؤوي في صفوفها مقاتلين مدربين تدريباً جيداً من جنسيات عدة.

  1. تركيا

تعد تركيا من أبرز الدول التي سارعت لدعم الثورة السورية منذ انطلاقتها، وتهتم بحلب كونها تقع بالقرب من حدودها الجنوبية، ودأب الأتراك منذ تأسيس الجمهورية التركية على اعتبار المدينة بوابتهم نحو العالم العربي، والقنصلية التركية في حلب تعتبر من أقدم بعثاتها الديبلوماسية، إضافة أن الكثير من مواطني حلب يحملون الجنسية التركية، وكانت الشركات التركية من أكثر الشركات الأجنبية استثماراً في اقتصادها.
يخشى الأتراك أن تكون سيطرة النظام وحلفاؤه خطوة للتغيير الديموغرافي للمدينة، وأن يؤدي هذا الى تدفق مئات آلاف اللاجئين إلى تركيا، وإلى المناطق الحدودية مما يخلق مشاكل أمنية واقتصادية واجتماعية تعرِّض أمن المنطقة للخطر، كما أن هذا سيزيد من نفوذ إيران التي تتهمها تركيا بمحاولة إشعال حروب مذهبية، إضافة لتمكين حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي(PYD) من وصل كانتوناته مما يؤدي لتعريض الأمن القومي التركي للخطر بشكل مباشر.
ولأن حلب بوابتها للعالم العربي يخشى الأتراك أن خسارة حلب خسارة لاقتصادها ثم وهو الأهم حالياً إضعافٌ لأمنها القومي كون خسارتها يجعل من المستحيل تأمين المجال الجيوستراتيجي لتركيا، فهي لن تستطيع حماية أمنها من دون هذا المجال، نظراً لافتقاد المنطقة للحدود الطبيعية كالجبال والأنهار، كما أن ازدياد العمليات الإرهابية في تركيا كما يراه المراقبون الأتراك؛ نتيجة حتمية لانهيار خطها الدفاعي الأول في حلب والموصل بشكل خاص. وخصوصاً نتيجة وجود  بعض الجماعات التي تتهمها تركيا بالإرهاب ممن يشنون عمليات إرهابية انطلاقاً من المناطق الحدودية.

  1. الثوار

تشكل السيطرة على مدينة حلب هدفاً استراتيجياً للثوار، فحلب تشكل بالنسبة لهم خط الدفاع الأول عن المناطق التي يسيطرون عليها في ريف المدينة، وبسيطرتهم عليها سيفقد النظام الخزان البشري الذي يغذي عديد قواته المتهالكة، والمدينة التي ينطلق منها لشن العمليات البرية والجوية على المناطق الخاضعة لسيطرتهم في الشمال، والسيطرة على حلب تُمكنهم من توسيع نطاقهم الجغرافي ويعطيهم ميزة التحرك نحو الشرق باتجاه الباب والرقة، وغرباً باتجاه الساحل، ومناطق حمص وحماه، مما يكسبهم مزيداً من النفوذ السياسي ويُحسن وضعهم العسكري أمام الآخرين، ويحمي حاضنتهم الشعبية من تكرار سيناريو التهجير كما حدث في داريا وحمص القديمة، ويبقى توحيد القيادة والفصائل أهم عائق يعتري تحقيق غايتهم.
السيناريوهات المتوقعة للصراع على حلب

  1. نجاح الثوار في فك الحصار

يسيطر الثوار على الأحياء الشرقية لمدينة حلب منذ عام 2012 ، وحاول النظام خلال السنوات الماضية جاهداً اجتياح هذه الأحياء ولكنه فشل مراراً في تحقيق ذلك، وفي نهاية 2013 دفع بتعزيزات عسكرية لحلب نجح من خلالها بسط سيطرته على طريق خناصر السفيرة بمساعدة الميلشيات الشيعية، ومن ثم استمر في التقدم باتجاه المدينة الصناعية في الشيخ نجار التي سيطر عليها منتصف 2014، وبعدها شن النظام وحلفاؤه عدة حملات عسكرية للسيطرة على السجن المركزي والتقدم نحو طريق كاستيلو حتى استطاع في الشهر السابع من عام 2016 السيطرة بشكل كامل على الطريق وفرض حصار على الأحياء الشرقية -التي يتواجد فيها 300 ألف مدني- بمساندة من الطيران الروسي .
حاول الثوار كسر الحصار بشن عملية عسكرية كبيرة على منطقة الراموسة ومدرسة المدفعية بعد شهر من فرض الحصار، واستطاعوا كسرها، ولكن القصف العنيف وتدخل الميلشيات الشيعية والطيران الروسي أدى في النهاية لانسحاب الثوار من المنطقة وخسارة المناطق التي تقدموا إليها.
تأتي محاولة الثوار الأخيرة بعد تصريحات متكررة لقادة كبار في الجيش الحر عن حشد قوات ضخمة من جميع الفصائل بغية فتح معركة حلب، وهذا يفترض وجود دعم ومساندة من القوى الإقليمية والدولية لتوفير الذخائر والأسلحة النوعية القادرة على مواجهة قوات النظام وحلفائه الذين ليست لديهم مشكلة التذخير كالثوار، واثبتت المعارك الأخيرة عن حاجة الثوار لمزيد من التنسيق والتعاون لشن الهجمات المتناسقة بين القوات الموجودة داخل الأحياء الشرقية وخارجها، وإذا ما استطاعوا كسر الحصار هذه المرة، سيكون الهدف التالي توسيع مناطق سيطرتهم تجاه الأحياء الغربية معقل النظام، ومحاولة تشتيت قواته لفرض حصار مضاد على تلك الأحياء للسيطرة عليها بالكامل فيما بعد، فيما يتخوف الروس من احتمالية امتلاك الثوار لصواريخ محمولة مضادة للطيران، حيث من شأن ذلك تغيير موازين القوى، وشل قدرتهم الجوية، في ظل عجز القوات البرية التابعة للنظام وحلفائه عن تحقيق أي نصر عسكري من دون دعم سلاح الجو، بينما أثبتت المعارك تفوق الثوار في القتال البري وحرب الشوارع، نتيجة اكتسابهم مهارات قتالية عالية في المناورة والمفاجأة وشن العمليات الاستشهادية التي تربك النظام وحلفاءه.
وتبقى الحاضنة الشعبية الداعمة للثوار من أبرز نقاط القوة، التي تدفعهم للاستماتة في الهجوم والدفاع ونجاح عملياتهم العسكرية، على عكس قوات النظام وحلفائه الذين يشعرون بأنهم مجبرون لخوض معركة ليست معركتهم، ولا يجدون من سبيل لشحن همم جنودهم سوى الشحن الطائفي.
إذا هناك فرصة كبيرة للثوار للنجاح في كسر الحصار والسيطرة على مدينة حلب، إذا ما تم استثمار كل نقاط القوة التي يمتلكونها بشكل صحيح، وتشكيل قيادة موحدة للمعركة، وتعيين الأهداف بدقة، والهجوم على قوات النظام وحلفائه على أكثر من محور بالاعتماد على عنصر المفاجأة والمباغتة، والاستفادة من تجربتهم الأخيرة، وخصوصاً في تكتيك تحييد سلاح الجو سواءً بمضادات الطيران أو بحرق الإطارات والمواد البترولية لتشكيل غمامة سوداء تحجب نطاق رؤية الطيران الحربي.

  1. فشل فك الحصار وتقدم النظام في الأحياء الشرقية

إدراكاً من النظام لأهمية معركة حلب دفع في الآونة الأخيرة بتعزيزات عسكرية إضافية، في الوقت التي تتحدث فيه التقارير الصحفية عن وجود الآلاف من القوات الروسية والميليشيات الشيعية المتمركزة في النقاط الأمامية للجبهات، خصوصاً في ظل اكتساب حلب بُعداً دولياً في الصراع يستخدمه النظام وحلفاؤه في المساومة والدعاية الحربية، لإحراز النصر.
من أجل ذلك تراهم يطبقون تكتيك الأرض المحروقة لكسر إرادة الثوار ومحاولة التقدم نحو الأحياء الشرقية بأي ثمن، باستخدام مفرط للقصف الجوي والصاروخي الذي يدمر المنشآت الحيوية ويحَول المناطق المستهدفة لكتلة من الأنقاض، وتتسبب بمقتل المئات من المدنيين الأبرياء، هذا الأسلوب أقلق المجتمع الدولي الذي يتخوف من تكرار سيناريو غروزني الذي طبقته روسيا في الشيشان، مما دعى فرنسا ودول أخرى لتقديم عدد من المقترحات لوقف القصف وإدخال المساعدات، ولكن الروس في تحدٍ للإرادة والإجماع الدوليين واجهوا القرار في مجلس الأمن بالفيتو، علاوة أن الروس يستمرون في الحشد العسكري بإرسال المزيد من السفن وحاملة الطائرات التي يبدو أنها محاولة لتكثيف القصف بدل إيقافها لحسم المعركة في أقصر فترة ممكنة لصالحها، مما ينذر بتحول المعركة لكارثة إنسانية، ويتخوف الأوربيون من أن تنتهي معركة حلب بترسيخ نفوذ روسيا على الحدود الجنوبية لحلف الناتو، وأن تزداد أعداد اللاجئين الهاربين من الموت نحو أوروبا، وأن تضرب ارتدادات هذه المعركة مناطق أخرى يتنازع عليها الطرفان كأوكرانيا، ومن شأن ترك تركيا لوحدها في مواجهة النفوذين الروسي والأميركي من دون مراعاة مصالحها، أن يفكر الأتراك جلياً بمغادرة الحلف مما يضر بخططها وقدرتها على المواجهة.
إن من أهم المعيقات التي تعرقل انتصار النظام وحلفائه في معركة حلب، عدم تجانس القوات المهاجمة وتعدد جنسياتها وأهدافها واختلاف أساليب قتالها وسياستها والغايات التي تقاتل من أجلها، وعدم الإلمام بجغرافيا المعركة، وغياب الحاضنة الشعبية الحقيقية التي تتذمر من فساد و بطش الأجهزة الأمنية وقوات الجيش التي تحولت بفعل سنوات الحرب إلى ما يشبه الميليشيات، هذا التذمر يمكن أن يتحول بسرعة إلى حالة عداء ويشعل بالتالي احتجاجات وهجمات عسكرية ضدها، كما أن إمكانية تغير السياسة الدولية خلال فترة القادمة القريبة تجاه الأزمة السورية سيؤثر إلى حد بعيد في تماسك ووحدة هذه القوات(حلفاء النظام) التي تعمل وفق أجندات دولها أكثر من عملها لصالح النظام، نظراً لاختلاف التحالفات والأولويات.
 

  1. خطة الممرات الآمنة في حالة التوافق الروسي التركي

بعد فشل الاتفاق الروسي الأميركي الأخير الخاص في الشأن السوري،  الذي أنكره الأميركيون في البداية ومن ثم تنصلوا منه، إلا أنه تمت الإشارة إليه باختصار وبصورة جزئية في رسالة باللغة العربية أرسلها المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا “مايكل راتني” إلى الفصائل الثورية، وتتضمن ضرورة ابتعاد الفصائل عن “جبهة فتح الشام” وعدم التعاون معها، وتجميد القتال، وضرورة إدخال المساعدات الإنسانية للأحياء المحاصرة، بعد هذا الفشل وجد الروس ضالتهم في تركيا وخصوصاً أن الأتراك كانوا بحاجة إلى مهادنة الروس لتمرير عملية درع الفرات في شمال وشرق حلب، على الرغم من عدم قدرة ورغبة تركيا إقناع ” جبهة فتح الشام” للخروج من حلب إلا أنه لم يكن لديهم أي خيار آخر سوى محاولة كسب الوقت والمراوغة أمام الروس، لحين تحقيق تقدم عسكري كبير ضد داعش والوصول بأقصر وقت ممكن لمدينة الباب، عندما شعر الروس بالمراوغة التركية حركوا عناصر حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، للاستيلاء على قرى الوحشية وحساجك وصولاً إلى قرية سد الشهباء في محاولة لقطع الطريق أمام تقدم قوات درع الفرات المدعومة تركياً، الروس الذين يعلمون جيداً مدى تضرر العلاقات الأميركية التركية، يحاولون كسب تركيا في محاولة لإيجاد تفاهمات وتوافقات تريح الموقف الروسي في حلب، وتبعد عنها شبح الهزيمة أو الإدانة الدولية، في ظل حاجتها لصيانة موقفها على المستوى الدولي نتيجة تدهور اقتصادها وتورطها في عدد من النزاعات التي تستلزم إيجاد حلفاء جدد لها.
خطة الممرات الآمنة كما يوضحها “المنشور” الذي أسقطته مروحيات النظام فوق الأحياء الشرقية، تقضي بإخراج المدنيين من 6 معابر سميت “بالمعابر الإنسانية” و معبرين لخروج الثوار سميت “بمعابر خروج المسلحين” وجميعها تؤدي للمناطق التي هي تحت سيطرة النظام وحلفائه، بحيث تغطي كافة مناطق الأحياء الشرقية الخاضعة لسيطرة الثوار، وحدد النظام والروس عدة أيام لتطبيق هذه الخطة التي بدأت من 20/10/2016 وانتهت في 22/10/2016، الثوار والأهالي رفضوا الخروج من المدينة في ظل عدم وجود ضمانات أمنية كافية لتنفيذها أولاً ولعدم رغبتهم بالخروج ثانياً.
عدم قابلية تطبيق هذه الخطة تعود لعدم رغبة الأتراك بتنفيذها، لأنها ستكون هدية ثمينة للنظام وللروس، وسبباً في تغيير ديموغرافية المدينة، ولاعتبار الإيرانيين وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي حلفاء النظام جزءاً من مشروع استهداف تركيا في المنطقة، فيما يبقى التفاهم الروسي التركي مفتوحاً لمزيد من التنسيق والتطوير الذي يمكن أن يجعل من وقف إطلاق النار أكثر جدوىً واستقراراً وخدمة لمصالح الأطراف كافة، وهذا ما يخشاه النظام من أن يكون ذلك فرصة لتركيا لتتقدم إلى حدود المدينة الصناعية التي يسيطر عليها حالياً داعش، وهذا من شأنه تغيير موازين القوى لصالح الثوار، ويرجح بالتالي فكرة عقد صفقة روسية تركية لتسليم المدينة للأتراك بشرط إبعاد نفوذ الولايات المتحدة عنها، وهو أهون الشرين بالنسبة لروسيا في حال فشل بسط سيطرتها على حلب .
الخاتمة
تُعتبر معركة حلب والصراع عليها، من أندر القضايا الدولية التي يمكن أن تواجه أية مدينة أو قضية من تعقيدات وإشكاليات سواءً عسكرية أم سياسية، لأن المنافسين للسيطرة عليها يستخدمون كامل أوراق قوتهم وضغطهم على المستويين المحلي والدولي، بغية إيلام منافسيهم أو لفتح المجال أمام بازارات سياسية لقضايا أخرى، في ظل صراع دولي يتجاهل القيم الإنسانية وحقوق الإنسان، وتعجز فيه المؤسسات الأممية عن القيام بدورها المنوط في حفظ السلم والأمن الدوليين. الذي يدفع ثمنه في النهاية المدن المنسية والشعوب المقهورة.  لذا إن مآل الصراع على حلب متوقفٌ على ما يأتي:

  1. إمكانية حسم المعركة لصالح النظام وحلفائه متعلقة بتوفر الإرادة القتالية وكسب الحاضنة الشعبية وزج مزيد من الجنود على الجبهات، وتقليص الاعتماد على سلاح الجو.
  2. حسم المعركة لصالح الثوار متوقف على نجاحهم في تشكيل جيش موحد، ذو بنية عسكرية تراتبية وقيادة موحدة، ينهي الانقسامات والخلافات بين فصائله، وتنسق العمليات العسكرية داخل الأحياء الشرقية وخارجها، وكذلك حصولهم على أسلحة نوعية يحقق نوعاُ من التوازن مع النظام وحلفائه. بما يزيد إمكانية كسر الحصار.
  3. مستقبل العلاقات الروسية التركية في الشأن السوري، ومدى جدية الروس في كسب الأتراك إلى جانبهم، وحلب تشكل إحدى النقاط الجوهرية في هذه العلاقة، تطورها وتحولها إلى شراكة يساهم في الحفاظ على ديموغرافية المدينة، وانتصار الثورة.
  4. تغير السياسة الأميركية تجاه سوريا مع تغير الإدارة الحالية، ومدى جديتها في التعاون مع الثوار والدول الداعمة لها (السعودية- قطر- تركيا) في إيجاد حل يرضي مطالبها.
  5. العمل بشكل جدي على دعم صمود الثوار والأهالي، وإمكانية حشد المزيد من الضغط الشعبي والرسمي لوقف القصف وإدخال المساعدات، والدفع باتجاه وقف إطلاق نار حقيقي بضمانة دولية، أو نجاح الجهود الدولية في التوصل إلى اتفاق ما ينهي مأساتهم ومنع استسلامهم في آن معاً.
  6. نجاح عملية درع الفرات بالوصول إلى مدينة الباب وحدود المدينة الصناعية في حلب، وحشد قواتها للمساهمة في حصار قوات النظام وحلفائه، وإن لم تهاجم النظام سيكون ذلك ضمانة لعدم تنفيذ سياسة التغيير الديموغرافي أو ارتكاب مجازر بحق أهالي الأحياء الشرقية.
  7. نتائج معركتي الموصل والرقة، وتكبد القوات الحليفة لإيران والنظام السوري خسائر تضعف من معنوياتهم وإمكانية توجههم إلى حلب.

لتحميل التقرير إنقر هنا
 
 

جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للأبحاث والدراسات © 2016

“الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز برق للأبحاث والدراسات 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق