الاصداراتالدراسات الاستراتيجيةتقدير موقف

التّحركات التركية في شرق الفرات

مقدمة

تشهد منطقة شرق الفرات -شمال شرق سورية- تطورات سياسية وعسكرية أقدمت عليها الحكومة التركية بعد ظهور ملامح عودة علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية على ضوء نزول أنقرة عند رغبات واشنطن وإفراجها عن القسّ الأمريكي برونسون في منتصف أكتوبر/ تشرين الأول 2018م، حيث أدّت هذه القضية إلى إحداث شرخ في العلاقات الأمريكية التركية بعد فرض عقوبات اقتصادية متبادلة انعكست على الاقتصاد التركي في انخفاضِ غير مسبوق للِّيرة التركية أمام الدولار، ومع اعتماد الطرفين سياسة احتواء الأزمة تم تجاوز الأزمة واستأنف الطرفان البحث في القضايا العالقة في مقدمتها اتفاق منبج الموقع في يونيو/ حزيران 2018م، إذ اتفق الجانبان على تطبيق خارطة طريق مفادها وضع منبج تحت إدارة مشتركة وإنهاء كامل لوجود قوات سورية الديمقراطية الذراع الرئيس للولايات المتحدة الأمريكية في شمال شرق سورية إلا أن الاتفاق لايزال في مراحله الأولى، كما دفعت الأجواء الإيجابية لدعم واشنطن توجهات تركيا باتفاق سوتشي حول إدلب الموقع في 17- سبتمبر/ أيلول 2018م وقد مثًّل الاتفاق مرحلة جوهرية في تاريخ الصراع السوري كونه المحطة الأخيرة لاتفاقيات خفض التصعيد الموقعة في 2017م بين الدول الضامنة ( تركيا، روسيا، إيران).

جملة التطورات الأخيرة بالإضافة لنتائج قمة إسطنبول الرباعية المنعقدة في أواخر أكتوبر/ تشرين الأول دفعت اللاعب التركي إلى توجيه أنظاره إلى مناطق شرق الفرات بهدف تطهير كامل الحدود المشتركة مع سورية من جميع المنظمات الإرهابية، ومع قُرب مؤشرات بدء العمليات العسكرية التركية أصبح شرق الفرات يترقّب ما ستؤول إليه التفاهمات التركية الأمريكية، كون الأخيرة تتخذ من شرق الفرات منطقة نفوذ استراتيجي بذراع قوات سورية الديمقراطية الداعمة لها.

 سنناقش هنا في تقدير الموقف المأمول والممكن من التحركات التركية في شرق الفرات والسيناريوهات المتوقعة لسير العمليات العسكرية التركية.

مؤشرات تُنذر بمعركة تركية شرق الفرات

دخلت منطقة شرق الفرات السورية خط العمليات الساخن بعد اتخاذ تركيا قرار التصعيد ضد قوات حماية الشعب الكردية المتمركزة شرق الفرات شمال شرق سورية، والتي تعتبرها تركيا الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني والمصنّفة لديها على قوائم الإرهاب. التحركات التركية بدأت باتجاهين الأول سياسي أطلقه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عقب قمة اسطنبول الرباعية، حيث أعلن أكثر من مرة عن نية بلاده إطلاق عمليات عسكرية واسعة النطاق وأكثر فعالية في شرق الفرات، وقد كان تصريحه في 30 أكتوبر/ تشرين الأول 2018م أمام الكتلة النيابة لحزب العدالة والتنمية الأكثر حدةً تجاه تنظيمات حماية الشعب من خلال إعلانه “أن بلاده أكملت خططها واستعداداتها لتدمير الإرهابيين في شرق الفرات”[1]، كما رفع وزير الدفاع التركي خلوصي أكار من نبرة التحدي والوعيد بالكلمة التي ألقاها في 1 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018م أمام البرلمان موجهاً بذات الوقت رسائل سياسية للولايات المتحدة الأمريكية التي لم تلتزم بوعودها لتركيا أمام خطر التنظيمات التي بدأت بحفر خنادق ومتاريس في مناطق تمركزها متوعداً إياها بأن الخنادق ستكون مقبرة لهم في الزمان والمكان المناسبين[2]. على الصعيد العسكري بدأت تركيا توجيه ضرباتها على مواقع قوات سورية الديمقراطية في 28 من شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2018م حيث استهدفت المدفعية التركية قرية زور المغار الواقعة غرب مدينة عين العرب كوباني، ومعبر تل أبيض في مدينة الرقة شرق سورية[3]، الأمر الذي دفع قوات سورية الديمقراطية لإيقاف معاركها بريف مدينة دير الزور الشرقي ضد آخر معاقل تنظيم الدولة (داعش) بداعي أن الهجمات التركية الأخيرة جاءت كداعم لقوات تنظيم الدولة وبالتنسيق معها لهدف مشترك مفاده تشتيت قُدرات قوات الحماية الشعبية الكردية وزعزعة مناطقها، بيد أن هذا التبرير تغيب عنه الواقعية مع استعادة التنظيم جميع المناطق التي خسرها منذ إطلاق قوات قسد حملتها عاصفة الجزيرة في 9 أيلول/ سبتمبر 2018م، وما يعزز ضعف موقف قوات الحماية توثيق حالات الاختراق الأمني والعسكري في صفوفها وسط معركة متوازنة غاب عنها طيران التحالف، وقد ألقت قسد اللائمة في انتكاساتها الأخيرة على عامل الأجواء المناخية بعد هبوب عواصف رملية أجبرتها على التراجع للخطوط الخلفية على حسب قولها.

وعلى الرغم من محاولة قسد وإيحائها بالثبات في الاستراتيجيات العسكرية إلا أنّ ذلك لم يُخفِ عنها حالة التوتر التي ظهرت بعد إدراكها ومراقبتها خط التنسيق التركي الأمريكي في العديد من الملفات العالقة، الأمر الذي دفعها لاستجداء أمريكا تحت بند المطالبة بالضغط على تركيا لإيقاف حملاتها العسكرية، إلا أن تركيا تًصر على منع أي كيان كردي على كامل شريطها الحدودي في الشمالين السوري والعراقي وهي بذلك تستمر في التنسيق والتواصل الدبلوماسي مع حليفتها واشطن، لمنع أي توتر جديد يضر بسير العلاقات التاريخية، فتركيا تعلم أن شن أي عملية عسكرية شرق الفرات دون التنسيق أو الموافقة الأمريكية عليها قد يقودها لمواجهة مباشرة مع القوات الأمريكية التي تتخذ من شرق سورية منطقة تواجد دائم لها، وعلى صعيد آخر إن أي تحرك فردي من قبل تركيا من شأنه أن يقود هذه المرة إلى إطلاق الرصاصة الأخيرة على العلاقات الثنائية بين البلدين وهو الأمر المستبعد من كلا الجانبين بعد ولادة جديدة للعلاقات وصفها ترامب بالعظيمة.

  شرق الفرات حسابات مضطربة بين (أنقرة – واشطن)

تتضارب الأهداف التركية في شرق الفرات مع الاستراتيجية الأمريكية الجديدة والتي جاءت على لسان الدبلوماسي الأمريكي والخبير في قضايا الشرق الأوسط جيمس جيفري، حيث حدد ثلاثة ثوابت للسياسية الخارجية الأمريكية في سورية تقضي ببقاء طويل الأمد في شمال شرق سورية لمنع تمدد إيران والعمل على طردها من كامل سورية، وبحسب تقرير دوري صدر عن وزارة الدفاع البنتاغون لتقييم عمليات التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة في سورية للفترة الممتدة بين يوليو/ تموز وسبتمبر/ أيلول 2018م، فقد أوضح التقرير ضرورة إنشاء قوات محلية قادرة على ضمان الأمن في المناطق التي تم تطهيرها من التنظيم، ما رشح عن نية أمريكية لبقاء طويل الأمد في منطقة شرق الفرات، وغياب لأي نية جدية تقودها لفض شراكتها مع ذراعها الوحيد في المنطقة، وتعتبر منطقة شرق الفرات منطقة نفوذ أمريكي بامتياز وحسب التقديرات يتواجد حوالي 2000 عسكري أمريكي جزء منهم متواجد في قاعدة التنف على الحدود السورية العراقية، ويتواجد ما يقارب 20 قاعدة أمريكية موزعة بين ريف حلب الشمالي الشرقي، وأرياف دير الزور والرقة والحسكة وشمال مدينة منبج، وتعتمد أمريكا على قوات حماية الشعب لحماية قواعدها وتدعمها منذ 2015 وترسل لها بشكل دائم كامل الأسلحة الثقيلة والخفيفة من المعابر الحدودية السورية العراقية أهمها معبري تل أبيض وسمالكا، ولطالما سبب ذلك استفزازات لتركيا وتوتر للعلاقات الثنائية آخرها اتفاق منبج والذي توصل له الطرفان في 4 حزيران/ يونيو 2018م[4]، إلا أن الاتفاق لم يُطبق منه سوى تسيير دوريات مشتركة على أطراف المدينة مع تجنيب تطبيق جوهر الاتفاق في طرد كامل قوات حماية الشعب من المدينة، الأمر الذي فسرته أنقرة كاستغلال أمريكي لعامل الوقت والمماطلة من أجل تمكين وجودها الدائم وعرقلة أي تحركات تركية في عمق منطقة شرق الفرات.

ويتوسط الكلام حقيقة واضحة بأن الأهداف الأمريكية في شرق الفرات تتعدى مسألة القضاء على تنظيم الدولة داعش إلى تحقيق الاستقرار في مناطق نفوذها وإنشاء نظام لا مركزي بالاعتماد على قوات محلية، وقد صرح بعض المسؤولين الأمريكيين أكثر من مرة أن اهتمام الولايات المتحدة سينحصر في تلك المنطقة على المساهمة في إعادة الإعمار لتحقيق الاستقرار فيها مع استبعاد أي دور لها في مناطق سيطرة النظام السوري، كما تسعى الولايات المتحدة للحدّ من تمدد النفوذ الروسي والإيراني لمنع تحقيق انتصار كلي على الجغرافية السورية وفرض تسوية سياسية تنهي أي تواجد أمريكي في شرق الفرات، ولعل ما اتفق عليه ضامنو دول أستانة في قمة طهران سبتمبر/ أيلول 2018م  على إنهاء النفوذ الأمريكي أثار حفيظة الأخيرة فعملت جاهدة على التنسيق مع حلفائها لفرض عزلة دولية على إيران تمثلت بفرض عقوبات كان آخرها الحزمة الثانية في 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018م، لأن واشنطن ترى في سياسة إيران التوسعية مصدراً لزعزعة المنطقة. وقد تلعب إيران دوراً مهماً في عودة التنظيمات الراديكالية لتُشكل عامل تهديد للقوات الأمريكية إضافة إلى سعيها تكريس طريقها البري من طهران مروراً بشرق سورية إلى دمشق ولبنان.

وضمن السياق فإن واشنطن تُواجهها صعوبات في محاولة بسط الاستقرار في شرق الفرات لأن المنطقة يحكمها بالغالب طابع المكون العربي والذي تسعى قوات الحماية على إقصائه، ما يفسر بقاء المنطقة بحالة عدم استقرار دائم، كما إن إصرار تركيا على منع قيام أي كيان كردي على كامل حدودها الجنوبية الشمالية مع سورية سيبقيها في حالة التصعيد لشن عمليات عسكرية من شأنها أن تُحدث فراغاً في المنطقة حالة حدوث انسحابات جماعية لقوات الحماية، وسيسمح من جانب آخر عودة تنظيمات متطرفة للمنطقة بسبب عدم قدرة القوات الأمريكية تغطية مساحة واسعة وهذا من شأنه أن يشكل تهديداً مباشراً لكامل مصالح واشنطن التي تضع يدها على أغنى ثروات سورية من النفط والغاز السوريين.

في ظل ذلك تسعى الإدارة الأمريكية إمساك العصا من الوسط في علاقاتها مع تركيا والأكراد في سورية، حيث تربطها مع أنقرة علاقة استراتيجية في الكثير من الملفات  العالقة في منطقة الشرق الأوسط، وهي تنظر لتركيا على أنها بوابة العبور الجيوسياسية لمد الجسور السياسية الأمريكية في الشرق الأوسط إضافة إلى قدرة تركيا على بسط السيطرة على المنطقة الممتدة من حدود البلقان وجورجيا وحتى بحر قزوين، وبنفس الوقت تعتمد واشنطن على قوات برية في شرق سورية تعتبرها أنقرة بمثابة تهديد لأمنها القومي، لذا لجأت واشنطن أكثر من مرة لتخفيف حدة التوتر وقامت مؤخراً في لعب دور الوساطة بين تركيا وقوات الحماية وخصصت مكافأة مالية لمن يدلي بأي معلومات حول ثلاثة قادة بتنظيم PKK الذين تصنفهم تركيا على قائمة المطلوبين[5]، وعلى الرغم من أن تركيا اعتبرت هذه الاجراءات متأخرة لكنها قالت: إنها ستراقب بحذر التطورات القادمة مضيفة أنها لن تُهدر المزيد من الوقت بملف منبج وستتجه إلى شرق الفرات.

فيما تبدو الأهداف التركية أكثر وضوحاً من ضبابية المشهد الأمريكي، فتركيا تنظر إلى نجاح عملياتها في عفرين ومناطق درع الفرات ( جرابلس- أعزاز- الباب) على أنها استراتيجية ناجحة في تطهير الإرهابيين وهي تلجأ للقانون الدولي لإعطاء عملياتها غطاء سياسي كون أن جميع الدول المنخرطة في سورية تشترك في نقطة محاربة الإرهاب، ومنه فإن الأهداف التركية تنحصر في القضاء على تحقيق أي كيان كردي يمس أمنها القومي، ومن خلال تصعيدها الأخير على مناطق شرق الفرات وإيصالها رسائل دولية ومحلية لقواتها في فصائل الجيش الحر إلى جانب حفاظها على علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن فقد تلجأ تركيا لعدة خيارات كالآتي:

أولاً: تل أبيض هدف مباشر لتركيا

من خلال الاستهداف التركي لمناطق في غرب مدينة عين العرب كوباني، ومعبر تل أبيض في مدينة شرق مدينة الرقة، فقد بدا بأن تركيا تضع تل أبيض هدفًا أوليًا للعمليات وذلك لعدة أسباب:

1_ تصدرت مدينة تل أبيض عناوين الصحف ووسائل الإعلام التركي حيث أفردت لها تركيا تغطيات واسعة وعرضت تسجيلات مصورة خاصة آخرها عبر قناة TRT HABER أظهرت تحصينات لقوات سورية الديمقراطية من إنشاء متاريس وحفر أنفاق.

2_ تتمتع مدينة تل أبيض بموقع استراتيجي هام على الحدود السورية التركية وتُعد ذات أهمية بالنسبة لتركيا فهي مدينة مُكملة لمدينة أقشا قلعة المقابلة لتركيا، وتعتبرها تركيا جزءاً واحدا منها وتشترك معها بطبيعة جغرافية مشتركة وتركيبة سكانية متداخلة بالاعتماد على العشائر العربية والتركمانية، إلى جانب احتوائها على معبر تل أبيض الشهير والذي يحظى بموقع استراتيجي هام على إحدى منابع نهر البليخ.

3_ استقدام تركيا في مطلع نوفمبر/ تشرين الثاني 2018م، تعزيزات عسكرية إلى المناطق المتاخمة لتل أبيض من الجانب التركي إلى جانب إرسال قوات من عناصر الجيش الحر[6].

4_  السيطرة التركية عليها تعني تقسيم مناطق شرق الفرات من خلال عزل مدينة عين العرب عن مدينة القامشلي والمناطق المجاورة بها وهو ما يعني إضعافاً للقوات الكردية.

ثانياً: منبج مفتاح العمليات لشرق الفرات

تقوم تركيا بالضغط المتواصل على الولايات المتحدة لتطبيق كامل بنود اتفاق منبج لأن نجاح الاتفاق بالنسبة لتركيا يعني وصل مناطق درع الفراع بمدينة الرقة.

فمنبج تُعتبر مدينة استراتيجية تقع شمال شرق حلب غرب نهر الفرات وتربط مدينة الباب بمدينة الرقة والموصل وصولاً إلى غازي عينتاب والتي تبعد 65كم  عن عين العرب كوباني.

ما يرشح إضعاف كامل لقوات سورية الديمقراطية في حال تحركت تركيا بخط مزدوج من تل أبيض شرق حلب ومن عين العرب كوباني باتجاه الرقة.

ثالثاً: تكتيك التحرك السياسي والعسكري التركي

أ_ تطبيق نموذج عفرين ودرع الفرات

لا يبدو أن تطبيق نموذجي عفرين ودرع الفرات في منطقة شرق الفرات مرجحاً في المدى المنظور بالنسبة لتركيا فعلى الرغم من إعلان تركيا جاهزية فصائل الجيش الحر لشن عمليات في المناطق المتاخمة لحدودها الجنوبية، إلا أنَ سيناريو العمل العسكري يبدو مستبعداً بالنظر لحساسية وتداخل المصالح مع الحليف الأمريكي، فعندما شنت تركيا عمليات عسكرية في عفرين ودرع الفرات فرضت لحد ما سياسة أمر واقع بعد ظهور حالة التقارب مع روسيا وإيران وحدث على ما يبدو موافقة ضمنية أمريكية أفسحت المجال أمام تركيا لتحقيق سلسلة من النجاحات أدى ذلك لانسحاب كامل عناصر قوات سورية الديمقراطية إلى شرق الفرات فيما أن الأمر يبدو مختلفاً هذه المرة في شن عملية عسكرية داخل مناطق النفوذ الأمريكي شرق الفرات وذلك لأن أمريكا تدعم قوات سورية الديمقراطية وهي الوحيدة التي تقاتل تنظيم الدولة داعش في الجيوب المتبقية في شرق دير الزور وفي حال إقدام تركيا عسكرياً على هذا السيناريو قد يقود ذلك القوات المدعومة من واشنطن للتهديد بترك المناطق وإفساح المجال لتقدم تنظيم الدولة داعش وإحياء معارك جديدة ستُلقي أعباءها على إدراة ترامب، والذي يعاني في الوقت الحالي من ضعف أمام خسارة حزبه لأغلبية المقاعد أمام الديمقراطيين في الانتخابات النصفية التي جرت أوائل نوفمبر/ تشرين الثاني 2018م، كما أن انسحاب قوات سورية الديمقراطية سيقود إلى تخلي العشائر العربية عنها وسيمنعها من فقدان السيطرة على تغطية المنطقة بالكامل، وقد تلجأ سورية الديمقراطية لتسليم المناطق للنظام كما فعلت سابقاً في المناطق المتاخمة لمدينة منبج أواخر 2016م.

إزاء حساسية الموضوع بالنسبة لواشنطن وحرص تركيا على عدم نشوب توترات جديدة معها وإدراكها الكامل في عدم تخلي واشنطن بالشكل المطلق عن قوات حماية الشعب فقد تلجأ تركيا لتقليص المناطق تباعاً وتحقق أهداف في منبج والرقة بالتعويل على نموذج منبج وقد تضغط أكثر على واشنطن لتطبيق كامل بنود الاتفاق.

ب_ سيطرة جزئية تركية في شرق الفرات  

يعتمد هذا الخيار على احترام كل من تركيا وواشنطن للمصالح المتبادلة بينهما وتعزيز التفاهمات الدبلوماسية وتشكيل غرفة عمليات للنزول عند الرغبات المتبادلة وعدم المساس بمصالح أمنهما القومي، وبناءً عليه قد تسمح واشنطن لتركيا ببسط نفوذها على مدينة منبج ومدينة تل أبيض والرقة لكن ليس بالعمل العسكري بل من خلال تعميم اتفاق منبج حال إتمامه على تلك المناطق، وفيما يخص مناطق رأس العين والحسكة والقامشلي فقد يقود التفاهم التركي الأمريكي إلى مشاركة النظام السوري والمكونات العربية والكردية في إنشاء نظام ذاتي وإدارات لا مركزية بحيث تضمن تركيا استبعاد قيام أي كيان كردي على حدودها الجنوبية.

خاتمة

من خلال المعطيات المذكورة يبدو أن الصراع الإقليمي في سورية دخل مرحلة جديدة عنوانها بسط السيطرة والنفوذ على شرق الفرات ضمن معادلات معقدة ومصالح متداخلة بين الأطراف الفاعلة، ففي الوقت الذي تُصر فيه تركيا على تطهير كامل حدودها مع سورية والعراق تقف أمريكا عائقاً أمام تحقيق ذلك لتضارب الأجندة والمصالح مع بقية الأطراف على الأرض سيما روسيا وإيران اللتان تؤكدان على وحدة سورية وعدم تقسيمها لأقاليم ذاتية، وترميان بنفس الوقت مزاحمة الولايات المتحدة على قسمة الثروات الباطنية في شرق سورية للاستثمار في ملفات إعادة الإعمار وتعويض عن خسائرهما من جراء دعمها للنظام السوري.

 وبناء على ما تم ذكره أعلاه فإن تركيا لن تُقدم على تنفيذ عمليات عسكرية كلية في شرق الفرات فأقصى الترجيحات تشير إلى بسط تركيا سيطرتها الجزئية على مناطق لا تعتبرها أمريكا تهديدًا لمناطق نفوذها كمدينتي تل أبيض والرقة إلى جانب ممارسة تركيا الضغط على أمريكا لإتمام اتفاق منبج، ومن المرجح أن تستبعد تركيا استنساخ عمليات عفرين ودرع الفرات وستعتمد على تحقيق أهدافها من خلال الدفع بالتفاهمات التركية الأمريكية نحو المزيد من الإنجازات المشتركة، وذلك للأسباب التي ذكرناها في فقرة الخيارات التركية للتحرك في شرق الفرات (تطبيق نموذجي عفرين ودرع الفرات).

وعليه وكما أضحت مدينة إدلب رهن التفاهمات الروسية التركية فإن منطقة شرق الفرات ستكون رهن التفاهمات التركية الأمريكية الروسية والثابت بالموضوع هو استمرار تركيا ضغوطها على واشنطن لفك عقد الشراكة مع قوات سورية الديمقراطية، بالمقابل ستستمر واشنطن بإرضاء تركيا مع عدم التخلي الكلي عن قواتها البرية، وقد يتم طرد كامل للقوات الكردية إلى خارج منطقة شرق الفرات لحظة اقتناع واشنطن أن علاقاتها مع دولة حليفة كتركيا بالناتو أقوى وأهم من حليف بري مؤقت، لا سيما أن هذه القوات مرفوضة من قبل كل المكونات العربية وهي الغالبية العظمى من النسيج السوري.

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز برق للاستشارات والدراسات المستقبلية 

جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للاستشارات والدراسات المستقبلية © 2018

 

 

[1] https://bit.ly/2D9CHip

TRT بالعربي، أردوغان سنطلق عمليات واسعة النطاق وأكثر فعالية في شرق الفرات، ن بتاريخ 30- أكتوبر/ تشرين الأول 2018م شوهد بـ  8- نوفمبر/ تشرين الثاني 2019م

[2] https://bit.ly/2zAphIY

DAILY SABAH ، تنظيم ي ب ك / بي كاكا، يحفر خنادق في منطقة منبج، ن بتاريخ 1/11/ 2018م شوهد بـ 8- نوفمبر/ تشرين الثاني 2018م

[3] https://bit.ly/2PMLr4O

حرية برس، القوات التركية تقصف مواقعاً للمليشيات الكردية في شرق الفرات، ن بتاريخ 28- أكتوبر/ تشرين الأول 2018م شوهد بـ 8- نوفمبر/ تشرين الثاني 2018م

[4] https://bit.ly/2JP6w9d

مركز برق للاستشارات والدراسات، خارطة  الطريق الأمريكية التركية حول منبج، ن بتاريخ 16- يوليو/ تموز 2018م شوهد بـ 9- نوفمبر/ تشرين الثاني 2018م

[5] https://bit.ly/2FdZLPF

TRT عربي ، واشطن تطارد ثلاثة قادة مطلوبين بحزب PKK، شوهد بـ 9- نوفمبر/ تشرين الثاني 2018م

[6] https://bit.ly/2OxPRrB

قناة الجسر، تركيا تعتزم نقل مدفعيتها إلى المناطق المتاخمة مع الحدود السورية، ن بتاريخ 4- نوفمبر/ تشرين الثاني 2018م شوهد بـ 9- نوفمبر/ تشرين الثاني 2018م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق