قراءة في مقال: انتقال سوريا المهدَّد – كيف يهدد العلاج بالصدمة سلام ما بعد الأسد
المقال: Syria’s Imperiled Transition: How Shock Therapy Threatens the Post-Assad Peace الكاتب: سام هيلر (Sam Heller) | المنبر: مجلة فورين أفيرز (Foreign Affairs) | تاريخ النشر: 22 أيلول/سبتمبر 2026
لماذا اخترناه
يطرح المقال سؤالاً يتجاوز المؤشرات الاقتصادية إلى مستقبل الانتقال السوري: هل تستطيع الحكومة الحفاظ على المكاسب السياسية التي تحققت منذ سقوط الأسد، في ظل استمرار الضغوط المعيشية وعدم انعكاس الانفتاح الخارجي على حياة قطاعات واسعة من السوريين؟
وتنبع أهميته من صدوره عن مجلة مؤثرة في دوائر القرار الأمريكي، بعد أيام من أوسع احتجاجات تشهدها البلاد منذ سقوط الأسد، ومن تركيزه على الاقتصاد بوصفه أحد العوامل التي قد تقوض الاستقرار إذا لم تُعالج أزماته بصورة واقعية.
أطروحة المقال
يقرّ هيلر بمكاسب حققتها الحكومة السورية، أبرزها كسر جانب كبير من العزلة الدولية، وتخفيف العقوبات، والحفاظ على وحدة البلاد رغم الاضطرابات، والحد من أعمال الانتقام، وتجنب الانخراط في الحرب الإقليمية على إيران.
لكنه يرى أن الحكومة أضعفت جانباً من هذه المكاسب عبر تبني إصلاح اقتصادي ليبرالي سريع، شمل تقليص الدعم ورفع الأسعار، من دون توفير حماية اجتماعية تتناسب مع الفقر وتراجع القدرة الشرائية. ويحذر من أن استمرار الضغوط قد يوسع الاحتجاجات والإضرابات ويضعف الثقة بالسلطة، داعياً إلى دعم جديد للخبز والكهرباء والنقل والزراعة والصناعة، وإلى شبكة أمان اجتماعي يسهم الشركاء الدوليون في تمويلها، وإلى تحسين الشفافية والرقابة على القرارات الاقتصادية.
أبرز ما يورده المقال
- تدهور القدرة الشرائية: ينقل المقال تقديرات تجعل الحد الأدنى للأجور نحو 95 دولاراً شهرياً، مقابل احتياجات تقارب 197 دولاراً لأسرة من خمسة أفراد، مع ارتفاع كلفة السلع الأساسية بنسبة 34% خلال عام.
- قرارات تزيد الأعباء: يتناول رفع سعر الخبز المدعوم وتقليص وزن الربطة، وزيادة تعرفة الكهرباء والمحروقات، وفتح الاستيراد أمام منافسة قد تضغط على المنتج المحلي.
- ضعف الشفافية والتشاور: ينتقد ما سماه تمركز القرار الاقتصادي في دائرة ضيقة، وضعف الرقابة، والتشكيك في أرقام رسمية، بينها إعلان نمو الاقتصاد بنسبة 30 إلى 35% في عام 2025.
- فجوة الاستثمار والتنفيذ: يشير إلى أن بعض الوعود الاستثمارية لم تتحول إلى مشروعات فعلية، وأن الاستثمارات المعلنة لا تعالج بالضرورة احتياجات الإنتاج والخدمات الأساسية.
- قصور الدعم الخارجي: يرى أن المساعدات والتمويل الدولي لم يبلغا المستوى المتوقع، فلم تقدم واشنطن التزامات كبيرة ولم تعقد مؤتمراً للمانحين، ولم يوافق الخليج على دعم مالي واسع، ما ضيق الخيارات المالية المتاحة أمام الحكومة.
قراءة المركز
أولاً: مسؤولية الحكومة بين إرث ثقيل وأخطاء إدارية
يصيب المقال في تأكيد أن الانفتاح السياسي ورفع العقوبات والإعلان عن الاستثمارات لا تعني تلقائياً تحسن معيشة المواطنين. فالتعافي السوري يصطدم باقتصاد دمرته سنوات الحرب وسوء الإدارة، وبنية تحتية متضررة، وضعف الإنتاج والتمويل، وهي مشكلات لا يمكن تجاوزها بمجرد تحرير السوق. ورقم النمو الرسمي الذي يشكك فيه الكاتب يصعب الدفاع عنه فعلاً، إذ توقع البنك الدولي ألا يتجاوز النمو 1% في 2025.
لكن حجم التركة لا يعفي الحكومة من مسؤولية ترتيب الإصلاحات واختيار توقيتها وتقدير آثارها الاجتماعية. فموضع الخلل هو تطبيق الإصلاح بسرعة لا تراعي هشاشة المجتمع، واتخاذ قرارات قبل استكمال دراسة انعكاساتها على الأسر والمنتجين.
وتقدم قرارات المحروقات مثالاً على ذلك؛ إذ رُفعت الأسعار في 13 أيلول، ثم أُعلنت بعد خمسة أيام تسعيرة مدعومة للمازوت بسعر 115 ليرة للتدفئة والزراعة والمستحقين، مع بقاء السعر العام عند 175 ليرة. وقد يعكس ذلك استجابة لمطالب الناس، لكنه يكشف أيضاً أهمية دراسة القرارات قبل إعلانها، وتحديد الفئات المستفيدة وآليات الدعم بوضوح.
ثانياً: الاحتجاجات لا تعني بالضرورة رفض المسار السياسي
يحذر هيلر من نفاد صبر السوريين، لكنه يميل إلى قراءة الاحتجاجات من زاوية مخاطرها على الاستقرار. والأدق التمييز بين السخط المعيشي والاعتراض على مجمل المسار السياسي؛ فالمطالبة بخفض الأسعار وتحسين الخدمات لا تعني بالضرورة رفض الدولة أو التشكيك في شرعيتها. وقد نقلت تغطيات ميدانية من ريف إدلب أن محتجين فصلوا صراحة بين اعتراضهم على سعر المازوت وولائهم للدولة.
كما أن استجابة الحكومة لبعض المطالب، متى ثبتت واستمرت، تستحق أن تدخل في التقييم. واللافت أن تسعيرة المازوت المدعوم سبقت نشر المقال بأربعة أيام دون أن يذكرها، مع أنها سلوك لم يألفه السوريون في عهد الأسد. فالاحتجاجات المطلبية قد تكون وسيلة لتصحيح السياسات، شريطة التعامل معها بوصفها مؤشراً على اختلالات تحتاج إلى المعالجة، لا تهديداً سياسياً في كل الأحوال.
ومع ذلك، لا ينبغي التقليل من خطورة الضائقة المعيشية؛ إذ إن استمرارها من دون أفق واضح للتحسن قد يحول الاعتراضات الجزئية إلى فقدان أوسع للثقة.
ثالثاً: أثر الظروف الخارجية وحدود تفسيرها
لا يمنح المقال اضطرابات أسواق الطاقة والظروف الإقليمية وزناً تحليلياً كافياً، فيذكر تبرير الحكومة بظروف الأسواق العالمية ثم يمضي دون أن يزن حصته من الأزمة. فسوريا تعتمد على استيراد جزء مهم من احتياجاتها من المحروقات، وقد ارتفعت الأسعار بفعل حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز، وانتهت منحة الغاز القطرية، وكانت المحروقات تُباع بخسارة. وأي ارتفاع في الأسعار أو اضطراب في الإمدادات ينعكس على النقل والزراعة والإنتاج والكهرباء، ثم على أسعار السلع والخدمات.
لكن العوامل الخارجية لا تفسر وحدها توقيت القرارات الحكومية أو طريقة تنفيذها. فحتى مع ارتفاع كلفة الاستيراد، تبقى أمام الحكومة خيارات تتعلق بتوزيع الأعباء، وترتيب الأولويات، وحماية الفئات الأكثر تضرراً. ولذلك ينبغي الجمع بين فهم القيود الخارجية ومساءلة الإدارة الداخلية، بدلاً من اختزال الأزمة في أحدهما.
رابعاً: المجتمع الدولي بين المواقف السياسية وواجب التعافي
يلتفت هيلر إلى تقصير الشركاء الدوليين، ويستحق هذا الجانب تركيزاً واهتماماً أكبر. فقد رافق الانتقال السوري انفتاح سياسي، وخطوات لتخفيف العقوبات، وإعلانات عن استثمارات ومساعدات، لكن الدعم الاقتصادي وإعادة الإعمار بعيدان جداً عن حجم الدمار والاحتياجات.
ولا يعني ذلك غياب كل أشكال الدعم؛ فقد حصلت سوريا على مساعدات، وساهمت السعودية وقطر في تسوية متأخرات مستحقة للمؤسسة الدولية للتنمية، بما أتاح استعادة إمكانية الوصول إلى تمويل تنموي من مجموعة البنك الدولي. غير أن هذه الخطوات لا تعادل برنامجاً واسعاً ومستداماً لإعادة تأهيل البنية التحتية، واستعادة الخدمات، وتحريك الإنتاج وتوفير فرص العمل. كما أن الإعلان عن مشروعات استثمارية لا يكفي ما لم يتحول إلى عقود نافذة وتمويل وتنفيذ فعلي.
وهنا تظهر فجوة تستحق النقد: يُطلب من السوريين دعم الاستقرار والصبر على كلفة الانتقال، بينما لا تُترجم الوعود الدولية بالقدر الكافي إلى موارد تساعدهم على تجاوز الأزمة. وهذا التقاعس يضعف فرص التعافي والاستقرار، ويعقّد عودة اللاجئين، ويترك المجال أمام استمرار الفقر والاقتصاد غير المشروع.
لكن هذه المسؤولية لا تبرر كل إخفاق داخلي؛ فالحكومة مطالبة بإدارة الموارد المتاحة بشفافية، وتوجيهها إلى الأولويات الإنتاجية والاجتماعية، وتهيئة بيئة مؤسسية وقانونية تساعد على وصول التمويل إلى مستحقيه، قدر استطاعتها.
خامساً: توصيات المقال وسؤال التمويل
يدعو هيلر إلى دعم الخبز والكهرباء والنقل والزراعة والصناعة، وتوسيع الحماية الاجتماعية. وهي توصيات تتصل مباشرة باحتياجات السوريين، لكنها تترك سؤال التمويل مفتوحاً، والكاتب نفسه يصف دولة مفلسة فعلياً، ويلاحظ تراجع المانحين ورفض الحكومة للاقتراض الدولي.
والأقرب إلى الواقع سياسة تدريجية تستهدف الفئات الأشد فقراً، وتحمي القطاعات الإنتاجية، وتمنع أن تتحول الإصلاحات إلى عبء لا تستطيع الأسر تحمله، بدل المفاضلة بين الإبقاء على الدعم الشامل ورفعه بالكامل. وتسعيرة المازوت المتدرجة خطوة أولى في هذا الاتجاه.
ويتطلب ذلك الجمع بين الموارد المحلية والمنح الميسرة والتمويل التنموي والاستثمار المنتج، مع رقابة على الإنفاق ومعايير واضحة للاستحقاق. كما يتطلب تمييزاً بين الوعود الاستثمارية والأموال التي دخلت فعلياً إلى الاقتصاد، وتعزيز دور المؤسسات المختصة والخبراء والقطاع الخاص والرقابة البرلمانية. ويُقاس الإصلاح بقدرته على معالجة الاختلالات من دون تحميل الفئات الأضعف كلفة تفوق قدرتها، وبمدى وضوح الأرقام والنتائج وإمكان مساءلة المسؤولين عنها.
الخلاصة
يكشف المقال أن الاقتصاد شرط من شروط الانتقال السوري نفسه، وأنه سيحدد قدرة المؤسسات الجديدة على ترسيخ الاستقرار واستعادة الثقة. والتعافي يحتاج إلى مسارين متوازيين: إدارة اقتصادية أكثر تدرجاً وشفافية في دمشق، ودعم دولي ينتقل من المواقف السياسية إلى التمويل الفعلي وإعادة الإعمار. وأظهرت احتجاجات أيلول أن الشارع مستعد لرفع صوته وأن الحكومة مستعدة للتراجع، وهي معادلة صحية ما دامت القرارات تُدرس قبل إعلانها لا بعده.
المقال الأصلي: https://www.foreignaffairs.com/syria/syrias-imperiled-transition
ننصح بمطالعة المقال كاملاً للمهتم بالملف الاقتصادي السوري.