الخميس 5 نوفمبر 2026
قراءة في مقال

خط أحمر بثمن: ماذا تكشف ضربة أبو الظهور عن الحسابات الإسرائيلية في سوريا؟

5 دقائق قراءة

الكاتبان: كارميت فالينسي وأمل حايك

المصدر: معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، سلسلة INSS Insight، العدد 2189

تاريخ النشر: 27 آب 2026

لماذا اخترناه؟

لأن ضربة الاحتلال الإسرائيلي التي استهدفت مطار أبو الظهور لا تبدو في القراءة الإسرائيلية مجرد عملية عسكرية محدودة، بل اختباراً لحدود الوجود التركي في سوريا، ولما تعتبره تل أبيب خطاً أحمر في مرحلة تتداخل فيها حسابات دمشق وأنقرة وواشنطن وتل أبيب.

أهمية الورقة أنها لا تنطلق من سؤال: لماذا ضربت إسرائيل؟ بل من سؤال أكثر دلالة: هل كانت الضربة أفضل وسيلة لحماية المصالح الإسرائيلية، أم أنها قد تنتج قيوداً جديدة على الحركة الإسرائيلية نفسها؟

المسألة ليست تركيا وحدها

تضع الورقة حرية العمل الجوي الإسرائيلي في سوريا في مقدمة المصالح التي لا تريد تل أبيب المساس بها. فالقلق الإسرائيلي لا يتعلق بمجرد وجود قوات تركية، وإنما باحتمال نشوء بنية عسكرية تركية مستقلة داخل سوريا، خصوصاً في المطارات والمواقع الاستراتيجية، بما قد يشمل الرادارات وأنظمة القيادة والسيطرة والدفاع الجوي.

وهنا تظهر نقطة مهمة في القراءة الإسرائيلية: وجود تركي عسكري ليس بالضرورة هو المشكلة بحد ذاته، وإنما طبيعة هذا الوجود وقدرته على التأثير في هامش الحركة الإسرائيلية.

وتربط الورقة هذا القلق أيضاً بطبيعة النظام السوري الجديد، وبالجذور السابقة لبعض مكوناته، وباحتمال ظهور قوى معادية لإسرائيل، فضلاً عن تنامي الدور التركي وعلاقته الوثيقة بدمشق.

دمشق بين استعادة الجيش وتجنب الصدام

من الجانب السوري، تبدو المسألة مختلفة تماماً.

إعادة بناء المؤسسة العسكرية تُقدَّم باعتبارها جزءاً من استعادة الدولة لقدرتها الأمنية والسيادية، لا باعتبارها مشروعاً تركياً داخل سوريا. وتنقل الورقة موقف دمشق الذي ينفي وجود قاعدة تركية دائمة أو مشروع لتمركز قوات أجنبية في أبو الظهور، مع تأكيد أن الموقع نفسه ما زال في طور إعادة التأهيل.

لكن الأهم أن دمشق لا تبدو راغبة في تحويل سوريا إلى ساحة مواجهة تركية إسرائيلية. فهي، وفق ما تعرضه الورقة، تحاول فتح قنوات مع أكثر من طرف في ملف بناء مؤسساتها العسكرية، مع إبقاء التعاون التركي واحداً من أهم مساراتها.

وهذا يجعل إعادة بناء الجيش السوري نقطة التقاء وتعارض في آن واحد: ما تراه دمشق استعادة لسيادة الدولة، تراه إسرائيل احتمالاً لنشوء بيئة عسكرية جديدة عليها أن تعيد حساباتها تجاهها.

أنقرة لا تبني نسخة جديدة من قواعدها القديمة

تقدم الورقة الوجود التركي في سوريا بوصفه في مرحلة إعادة تنظيم، لا في مرحلة انسحاب.

فتركيا، بحسب القراءة الإسرائيلية التي تنقلها الورقة، تتجه إلى تقليص بعض نقاط الانتشار الصغيرة وتركيز حضورها، مع انتقال جزء أكبر من المسؤوليات إلى مؤسسات الدولة السورية. لكن ذلك لا يعني تراجع النفوذ التركي؛ إذ يتوسع النفوذ عبر التدريب والاستشارة وإعادة تأهيل البنية العسكرية والمساهمة في بناء قدرات الجيش السوري.

وهذه النقطة مهمة لأنها تنقل النقاش من سؤال «هل ستخرج تركيا؟» إلى سؤال أكثر واقعية: كيف سيبدو النفوذ التركي عندما يتراجع الانتشار المباشر وتزداد الشراكة الأمنية؟

واشنطن تدخل بين خطين أحمرين

الورقة تعرض أيضاً تبايناً لافتاً داخل التقدير الأمريكي والإسرائيلي بشأن المعلومات التي سبقت الضربة.

ففي حين رأى المبعوث الأمريكي توم باراك أن الضربة كانت تصعيداً غير ضروري وكادت تدفع إلى مواجهة مباشرة، تمسكت إسرائيل بأن لديها معلومات تبرر القلق من تحرك تركي عسكري.

المفارقة هنا أن واشنطن لا تبدو مستعدة لمنح إسرائيل حرية تحويل كل تطور في الوجود التركي إلى سبب لعمل عسكري، خصوصاً أن تركيا عضو في الناتو وشريك للولايات المتحدة، وأن واشنطن نفسها تسعى إلى إبقاء قنوات التنسيق بين الأطراف مفتوحة.

أين يمكن أن ترسم إسرائيل خطها الأحمر؟

من أكثر ما يلفت في الورقة أنها لا تتعامل مع كل وجود تركي بالطريقة نفسها.

فالتعاون التركي في تدريب القوات السورية أو إعادة تأهيل منشآتها يختلف، من وجهة النظر التي تقدمها الورقة، عن إنشاء منظومة تركية مستقلة للقيادة والسيطرة داخل سوريا.

كما أن وجود رادارات أو قدرات دفاع جوي تركية في الشمال السوري لا يُنظر إليه بالضرورة باعتباره سبباً كافياً لضربة إسرائيلية، بينما يصبح وجود بنية عسكرية تركية متقدمة في العمق السوري، ولا سيما في الوسط أو الجنوب، أكثر حساسية بالنسبة إلى تل أبيب.

بمعنى آخر: الخط الأحمر ليس «تركيا في سوريا»، بل نوع الوجود التركي وموقعه وقدرته على تقييد الحركة الإسرائيلية.

مفارقة الضربة

هنا تكمن أهم فكرة يمكن الخروج بها من المقال.

إسرائيل ضربت للحفاظ على حرية الحركة ومنع نشوء واقع عسكري لا تريده. لكن التصعيد نفسه قد يدفع الأطراف إلى إنشاء آليات أكثر رسمية لتفادي الاحتكاك التركي الإسرائيلي في سوريا.

أي أن محاولة حماية هامش الحركة بالقوة قد تنتهي إلى التفاوض على حدود هذا الهامش.

وهذا ما يجعل الضربة، في القراءة التي تقدمها الورقة، تحمل نتيجة محتملة عكسية: بدلاً من إزالة المشكلة، قد تسرّع انتقالها من المجال العسكري إلى المجال الدبلوماسي.

ما الذي تكشفه الورقة فعلياً؟

المشهد السوري لم يعد قابلاً للقراءة من خلال ثنائية إسرائيل وإيران فقط.

ثمة معادلة جديدة تتشكل بين دمشق وأنقرة وتل أبيب، مع واشنطن كطرف ضابط للإيقاع. ومحورها ليس الوجود التركي وحده، بل مستقبل الجيش السوري، وحدود إعادة بنائه، وطبيعة التعاون العسكري الذي يمكن أن يحصل عليه، وأين يمكن أن يتمركز هذا التعاون.

والأهم أن الورقة نفسها تحذر من أن تحويل كل تطور إلى «خط أحمر» قد يضيّق مساحة المناورة السياسية أمام إسرائيل. كما أن معارضة إعادة بناء القدرات العسكرية السورية بصورة شاملة قد تدفع دمشق أكثر نحو أنقرة، بدلاً من الحد من النفوذ التركي.

وفي خلفية ذلك كله، يبرز ملف الجولان والضغوط الدولية المحتملة على إسرائيل، بما يجعل إدارة الملف السوري أوسع من مجرد منع تموضع عسكري هنا أو هناك.

الخلاصة:

الغارة حدث، أما المعادلة فأثر.

فتركيا أصبحت جزءاً من البنية الأمنية السورية، ومن غير المرجح أن يؤدي الضغط العسكري وحده إلى إخراجها. وفي الوقت نفسه، فإن إعادة بناء الجيش السوري تفرض على الاحتلال الإسرائيلي التعامل مع واقع جديد: دولة سورية تحاول استعادة أدواتها السيادية، وتركيا تريد الحفاظ على نفوذها، وواشنطن تسعى إلى منع تحول التنافس إلى صدام مفتوح.

ولهذا تبدو المعركة الحقيقية في المرحلة المقبلة أقل ارتباطاً بعدد الغارات، وأكثر ارتباطاً بمن يحدد قواعد الوجود العسكري في سوريا وحدود الحركة فوقها.

للاطلاع على المقال الأصلي:

https://www.inss.org.il/publication/turkey-israel-syria

تنويه:

هذه المادة قراءة تحليلية مركزة لأبرز أفكار المقال ومضامينه، وليست ترجمة كاملة أو إعادة نشر له، ولا يعني عرضها تبنّي ما ورد فيها.

المزيد من قراءة في مقال

الكل قراءة في مقال
انضم إلى القناة