الخميس 5 نوفمبر 2026
قراءة في مقال

جوار بلا عازل: كيف تقرأ أنقرة ضربة أبو الظهور؟

7 دقائق قراءة

العنوان الأصلي: Shrinking Buffers: Why Turkey and Israel Are on a Collision Course
علي مراد كورشون (Ali Murat Kurşun)
وور أون ذا روكس (War on the Rocks) – 7 أيلول/سبتمبر 2026

لماذا اخترناه؟

قبل أسابيع، قرأنا ضربة مطار أبو الظهور كما رآها معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب. هذا الأسبوع نقرأ الحدث نفسه من الضفة المقابلة، في مقال لأستاذ مساعد في العلاقات الدولية بجامعة مرمرة في إسطنبول، نشره «وور أون ذا روكس»، المنبر المتخصص في قضايا الأمن والدفاع والاستراتيجية.

وضع القراءتين جنباً إلى جنب يتيح رؤية كيف يمكن أن يُقرأ الحدث العسكري نفسه من زاويتين مختلفتين، وما الذي تكشفه الضربة عن التنافس على شكل الترتيبات الأمنية في سوريا.

وتزداد أهمية المقال مع تأكيد الرئيس أحمد الشرع في نيويورك أن الوجود العسكري الأجنبي في سوريا يتجه إلى أطر قانونية، بالتوازي مع تأكيده استمرار العمل على استعادة سيادة الدولة وقرارها.

حين سقط الحاجز

ينطلق كورشون من فكرة مركزية مفادها أن سقوط نظام الأسد أزال الحاجز الجغرافي والسياسي الذي أبقى تركيا والاحتلال الإسرائيلي بعيدين عن الاحتكاك المباشر في الساحة السورية لعقود.

ومن هنا يقرأ ضربة 18 آب/أغسطس بوصفها مؤشراً إلى انتقال التنافس بين الطرفين إلى مستوى أكثر مباشرة، بعدما أصبحت مصالحهما الأمنية تلتقي على الأرض السورية.

ويضع الكاتب ما جرى في أبو الظهور ضمن مسار أوسع من تآكل مناطق الفصل بين أنقرة والاحتلال الإسرائيلي، يمتد من سوريا إلى شرق المتوسط والمجال الاستخباري.

رؤيتان للأمن على أرض واحدة

يعرض كورشون دوافع الاحتلال الإسرائيلي كما يراها، ومنها أمن الجولان، ووضع الدروز في الجنوب، والحفاظ على حرية الحركة الجوية لضرب خطوط الإمداد المرتبطة بإيران وحزب الله.

ثم ينتقل إلى مفهوم «حملة ما بين الحروب» (Campaign Between the Wars)، وهي الاستراتيجية التي تقوم على عمليات عسكرية واستخبارية متكررة لمنع الخصوم من بناء قدرات عسكرية متقدمة، ولا سيما الجماعات المسلحة غير النظامية.

ويرى أن نقل هذا المنطق إلى التعامل مع جيش نظامي ومشروع لإعادة بناء مؤسسات الدولة السورية يوسّع نطاق هذه الاستراتيجية، ويفتح الباب أمام احتكاك مباشر بين الدول.

وفي الجانب التركي، يعرض الكاتب الرؤية التركية التي تقوم على بناء دولة سورية مركزية قادرة على احتكار السلاح وضبط الفصائل المسلحة على حدود تركيا الجنوبية.

وبحسب المقال، فإن التناقض بين الرؤيتين يتجاوز المصالح المباشرة إلى شكل النظام الأمني الذي ينبغي أن ينشأ في سوريا.

ذريعة الرادار وحدود الاستدلال

يعرض الكاتب الرواية الإسرائيلية التي تحدثت عن تحضير لنشر رادار ومنظومة دفاع جوي تركية في أبو الظهور، ثم يستند إلى تصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، الذي قال إن التقييم الأميركي لم يجد ما يؤيد الحديث عن حشد عسكري تركي في الموقع.

ومن ذلك يصل إلى استنتاج أوسع: أن الضربة استهدفت منع ترسيخ الوجود العسكري التركي في سوريا.

لكن وصفه للمطار يتقدم على المعطيات المتاحة. فهو يقدّم أبو الظهور بوصفه إحدى الركائز المتقدمة للمشروع التركي في سوريا، في حين نفت وزارة الدفاع التركية وجود أي وفد عسكري تركي فيه قبل الضربة أو أثناءها، وأوضحت دمشق أن زيارات ضباط أتراك للموقع جاءت في إطار التدريب، وأن العمل فيه كان يجري ضمن إعادة تأهيل منشأة سورية، مع نفي وجود خطة لإقامة قاعدة تركية أو وجود عسكري تركي دائم.

وهنا تقع في المقال مفارقة لافتة: فهو يرد على الرواية الإسرائيلية، لكنه يقترب منها في تقديم المطار بوصفه موقعاً تركياً متقدماً، بينما تصفه دمشق موقعاً سورياً قيد التأهيل.

أين السوريون من هذه المعادلة؟

يضع المقال تركيا والاحتلال الإسرائيلي في إطار تنافس على النفوذ والأمن في سوريا، ومع انحياز الكاتب الواضح إلى الدور التركي، فإن هذا الإطار لا يكفي وحده لفهم طبيعة وجود الطرفين.

فتركيا لم تتحرك في المشهد السوري بمعزل عن السوريين، إذ نسّقت عملياتها العسكرية مع فصائل المعارضة التي صارت اليوم جزءاً من السلطة، وارتبط حضورها منذ بداية الثورة بدعم المعارضة السورية، ثم أصبحت شريكاً للحكومة السورية الجديدة في مرحلة ما بعد سقوط النظام، مع تطور التعاون في ملفات التدريب وبناء القدرات والمؤسسات العسكرية.

أما الاحتلال الإسرائيلي، فيتحرك داخل الأراضي السورية من دون موافقة الحكومة السورية، عبر التوغلات والضربات العسكرية واستهداف مواقع وقدرات تابعة للدولة السورية.

هذا الفرق في طبيعة العلاقة مع الدولة السورية هو ما يميز الحضورين من زاوية سورية. أما كورشون، فيبني دفاعه عن الدور التركي أساساً على منطق العقيدة الأمنية التركية ومصالح أنقرة في جوارها، ولا تظهر موافقة دمشق في مقاله بوصفها الأساس الذي يستمد منه هذا الدور شرعيته.

وهكذا يلتقي المقال مع القراءة السورية في التأكيد على أهمية بناء مؤسسات الدولة، لكنه يختلف عنها في نقطة الانطلاق: فهو ينظر إلى الدور التركي من زاوية الأمن والمصالح التركية، بينما تبدأ القراءة السورية من سيادة الدولة وطبيعة علاقتها بهذا الدور.

مفارقة لم يلتفت إليها الكاتب

تظهر هنا نقطة أخرى مهمة لفهم تداعيات المواجهة.

إذا كان أحد أهداف سياسة الاحتلال الإسرائيلي هو منع تعاظم الدور التركي في سوريا أو الحد من قدرة الدولة السورية الجديدة على بناء مؤسسة عسكرية، فإن استمرار الضربات والتوغلات قد ينتج أثراً عكسياً.

فكلما تعرضت المنشآت العسكرية السورية للاستهداف، وأراضيها للتوغلات، ووجدت دمشق نفسها أمام حاجة إلى حماية أجوائها ومواقعها وإعادة بناء قدراتها، ازدادت أهمية الشراكات التي تستطيع توفير التدريب والخبرة وبناء القدرات الدفاعية. وفي الوضع السوري الراهن، تمتلك تركيا موقعاً متقدماً في هذا المسار.

وهنا قد تنشأ مفارقة استراتيجية: ضغط الاحتلال الإسرائيلي الرامي إلى الحد من النفوذ التركي قد يدفع دمشق إلى تعميق تعاونها العسكري مع أنقرة، وبالتالي زيادة الحضور التركي بدلاً من تقليصه.

وقد نبّهت إلى قريب من هذه المفارقة ورقة معهد دراسات الأمن القومي التي قرأناها قبل أسابيع، حين حذّرت من أن الرفض الإسرائيلي الشامل لإعادة تأهيل القدرات العسكرية السورية قد يدفع دمشق إلى اعتماد أكبر على أنقرة. وهي حجة تخدم أطروحة كورشون مباشرة، لكنه لا يتوقف عندها، لأنه يركز أساساً على خطر انتقال التنافس التركي-الإسرائيلي إلى مواجهة مباشرة، أكثر من تركيزه على الكيفية التي يمكن أن تعيد بها الضغوط الإسرائيلية تشكيل علاقة دمشق بأنقرة.

صدام حتمي أم منافسة طويلة؟

يختم كورشون بالقول إن المواجهة المسلحة المباشرة بين الجيشين التركي والإسرائيلي قد تصبح واقعاً إذا لم تتدخل واشنطن، ويدعو الولايات المتحدة إلى كبح الضربات الإسرائيلية والاعتراف بالدور التركي باعتباره ركناً للاستقرار الإقليمي.

لكن قراءة المقال نفسه تشير إلى أن هذا السيناريو يظل احتمالاً مفتوحاً. فالكاتب يقر بأن أنقرة لم ترد عسكرياً بصورة موازية على ضربة أبو الظهور، ويشير إلى مساعٍ أميركية لمنع الاحتكاك.

لذلك فإن المعطى الثابت حتى الآن هو تزايد مساحة الاحتكاك وتراجع مناطق الفصل، أما الانتقال إلى مواجهة مباشرة فلم تكتمل شروطه بعد.

والأهم أن المنافسة بين تركيا والاحتلال الإسرائيلي تجري أيضاً حول مستقبل الدولة السورية وقدرتها على بناء مؤسساتها العسكرية، وحول مقدار اعتمادها على القوى الخارجية في حماية هذه المؤسسات.

الخلاصة

يقدّم المقال قراءة من زاوية تركية للتحولات التي أحدثها سقوط نظام الأسد في ميزان الأمن الإقليمي، ويضيء على تآكل الحواجز التي كانت تفصل بين المصالح التركية والاحتلال الإسرائيلي في الساحة السورية.

وتكمن أهميته في أنه يكشف كيف تنظر أنقرة إلى ضربات الاحتلال الإسرائيلي في سوريا باعتبارها ضربات تمسّ مشروعها الأمني والعسكري في البلاد، إلى جانب استهدافها القدرات السورية.

لكن المقال يبني شرعية الدور التركي على مصالح أنقرة وعقيدتها الأمنية، وهو ما يحتاج إلى توسيع النظر ليشمل النظر من الزاوية السورية. فطبيعة الحضور التركي، المرتبط بعلاقة مع الحكومة السورية وبناء قدرات مؤسسات الدولة، تختلف عن طبيعة التدخل الإسرائيلي القائم على الضربات والتوغلات داخل الأراضي السورية، والتي تستهدف إضعاف قدرة دمشق العسكرية.

والأهم أن استمرار هذه الضغوط قد يقود إلى نتيجة معاكسة لما قد تسعى إليه تل أبيب: فبدلاً من تقليص الدور التركي، قد تدفع التوغلات والضربات دمشق إلى زيادة اعتمادها على أنقرة لبناء قدراتها الدفاعية وحماية مؤسساتها العسكرية.

وبذلك يتسع السؤال من: هل تتجه تركيا والاحتلال الإسرائيلي إلى صدام مباشر؟ إلى: هل يؤدي الصراع بينهما على شكل سوريا الأمني إلى إعادة تشكيل علاقة دمشق بأنقرة، وربما إلى زيادة النفوذ التركي نتيجة الضغوط الإسرائيلية نفسها؟

المزيد من قراءة في مقال

الكل قراءة في مقال
انضم إلى القناة