الاصداراتالدراسات الاستراتيجيةترجمات

هل سينجو النِّظام الإيراني من كورونا؟

يُدين السكّان الإيرانيّون الإدارة الكارثية للوباء من قِبل النظام الحاكم في بلادهم الذي يحاول الهروب من هذه الإدانة من خلال إطلاق “تصعيدٍ” مع الولايات المتحدة في العراق.

إيران رسميًّا فيها ١٦٨٥ وفاة و٢١٦٣٨ إصابة بفيروس كورونا حتى تاريخ ٢٢ آذار/مارس، وهي بذلك تكون ثالث أكثر دولةٍ تأثّرًا بالفيروس بعد الصين وإيطاليا.

لكن الواقع غير المعلن أكثر كارثيّةً بسبب كذب النظام الذي أغلق كل المعلومات المتعلّقة بالوباء منذ فترةٍ طويلة، أي أنّه أراد بالفعل إخفاء طريقة إدارته للأزمة، وبذلك يُخفي كلّ شيء مهمّ حتى لو أدّى ذلك إلى تعريضِ الطاقم الطبي أو تحويله في هذه الحالة من عدم وجود أي إجراءٍ وقائي إلى عاملٍ رئيسي لانتشار الفيروس.

تَمسّكَ آيات الله المتحكّمين بالبلاد بخرافة (الحصانة) الممنوحة للمزارات الشيعيّة التي ظلّت مفتوحةً حتى الأيام الأخيرة، إلى أن أصبحت بؤَرًا موبوءةً بشكلٍ لا يُعقل، وبالتالي فإنّ الشرعيّة السياسية والدينية للنظام هي التي تأثرت، وغالبًا بشكلٍ لا رجعة فيه.

عمى المتطرّفين:

إيران لديها أكبر عددٍ من السكّان الشيعة في العالم، بينما في الحقيقة تقع المدن المقدّسة عند الشيعة في العراق في النجف وكربلاء، لذلك ما كان للملالي إلا أن ابتدعوا أهميةً دينيّةً لموقعي مشهد وقُم.

أمّا مشهد فتقع في شرقي البلاد، وبُنيَت حول ضريح الإمام الرضا/ثامن الأئمة عند الشيعة، والذي دُفن فيها عام ٨١٧م، أمّا قُم فتوجد على بُعد ١٥٠ كم جنوبي طهران، لا يوجد فيها أيّ شيء سوى قبر “فاطمة/شقيقة الرضا”، ومع ذلك مَنحها النظام بشكلٍ إجباري رمزيةً تخدمه.

في قُم تُقدَّم تعليماتُ النظام الدينية لأكثر من ٤٠ ألف طالبٍ، من بينهم نسبةٌ عاليةٌ من الأجانب وذلك في منافسةٍ واضحةٍ ومباشرةٍ مع حوزات النجف، في هذه المدينة (قم) بالذات اعترف النظام في ١٩شباط/فبراير بأول حالتي فيروس كورونا في البلاد وأعلن بعد ذلك بساعات وفاة إحداهما.

لم يُفوّت النظام الدعاية المستمرّة والتي عزا انتشار الوباء الكارثي في البلاد _كما الحال في كل خيباته_ إلى مؤامرةِ الأعداء الأمريكيين والإسرائيليين، وهي مؤامرةٌ تمتلك قدرةً خارقةً على حماية هالة “رضا وفاطمة” نظام للملالي.

في الوقت الذي علّقت فيه المملكة العربية السعودية العُمرة إلى مكّة والمدينة إلى أجلٍ غير مسمّى، اكتفت إيران في ٢٧ شباط/فبراير بتطهيرٍ واسع النطاق لموقع مشهد.

أَجبرت الزيادة الهائلة في عدد الضحايا السلطات على إقرار أسبوعين من عطلة رأس السنة الإيرانية الجديدة في ٥ آذار/مارس،وفي ١٦ آذار/مارس تمّ إغلاق موقعي قم ومشهد، ذلك في نفس الليلة التي كان يتظاهر فيها متطرّفون شيعة تمكنّوا من الوصول إلى مواقع المزارات والتجمع هناك بل وتقبيل الأضرحة.

الثقب الإيراني الأسود:

لم تكن الفجوة واسعةً جدًا بين النظام الذي دفعه المتطرّفون إلى قمّة السلطة في البلاد من جهة والسكّان الذين صدمهم إفلاس حكّامهم من جهةٍ أخرى.

أصبحت الآن هذه الفجوة أوسع بكثيرٍ بعد القمع الدموي للاحتجاجات في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، يليه تدمير الحرس الثوري في كانون الثاني/يناير لطائرة أوكرانيّة كان معظم ركّابها إيرانيّون.

يصلُ اليوم هذا الغضب العميق الذي غذّته في وقت سابقٍ هاتين المأساتين إلى مستوياتٍ لا مثيل لها في مواجهة نظامٍ متّهمٍ بالعمى الإجرامي، يُضاف إلى كلّ ذلك فساد رموز هذا النظام (موقعا قُم ومشهديضمّان مؤسّساتٍ ذات عائداتٍ كبيرة تدخل في الأرصدة الخاصّة بالطبقة الحاكمة).

يميل آية الله وأتباعه إلى الفرار للوراء بتصعيدٍ جديدٍ دائمًا مع الولايات المتحدة في العراق، لأنّ القضاء على قاسم سليماني في بداية العام مكّنهم حسب ظنّهم من استعادة الوحدة الوطنية.

استأنف النظام أعماله الدعائية في العراق بالاعتداء على القوات الأمريكية والبريطانية في ١١ آذار/مارس وقتل جنودًا من هذه القوات في هجومٍ صاروخي على قاعدة شمالي بغداد، ثمّ جاء الردّ الأمريكي في العراق كذلك بشنّ غاراتٍ  ضدّ الميليشيات العراقية الموالية لإيران قُتل فيها ٦ أفرادٍ منها على الأقل.

لا تزال طهران تكرّر دعواتها بانسحاب ما يقرب من ٥٠٠٠ جندي أمريكي ما زالوا موجودين في العراق، ولكن على الرغم من الطبيعة القتالية لهجوم ١١ آذار/مارس، والتي أعقبتها هجماتٌ أخرى على أهدافٍ أمريكية، فشلت إيران في جرّ الولايات المتحدة إلى ما ترغب فيه.

على الرغم من دعاية السلطات في إيران بأنّ العقوبات الأمريكية هي السبب الرئيسي في ضعف إيران أمام فيروس كورونا، إلا أنّ هذه المناورة لم تعد كافيةً لاسترضاء الإدانات الشديدة التي يوجهها السكّان لحكّامهم.

إنّ صدمة فيروس كورونا الشديدة بالفعل بالنسبة لطهران لن يَظهر تأثيرُها الكامل إلا ساعة التغلّب على الوباء، وقتها يمكن أن تكون لحظة الحقيقة كارثيةً على النظام الإيراني.

جان بيير فيليو (لوموند) ٢٢ آذار/مارس ٢٠٢٠

الرابط الأصلي من هنا هنا



“الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر برق للسياسات والاستشارات“

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2020 



مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق