الاصداراتترجمات

ما الذي سيُغيّره اليورو الرقمي المستقبلي؟

سيكون للإصدار المحتمل لليورو الرقمي من البنك المركزي الأوروبي تداعياتٌ اقتصاديةٌ ومصرفيةٌ ونقديةٌ فريدةٌ وغيرُ مسبوقة، تحدّث عن هذه التداعيات ديفيد بوني مدير قسم العلوم الاجتماعية والاقتصادية في معهد الاتصالات والتقنيات المتعددة في باريس ورئيس قسم التمويل الرَّقمي.

في منتصف تشرين الأول/ أكتوبر أعلن البنك المركزي الأوروبي أنه من الضروري الاستعداد لإطلاقٍ محتملٍ لليورو الرقمي -أي العملة الصادرة في شكلٍ إلكتروني عن طريق البنك المركزي نفسه-.

ما الذي يجب أن نتوقعه من هذا الابتكار المستقبلي الذي سيتم تداوله بالتوازي مع العملة النقدية؟ الإجابة بسيطة، حيث يُتوقّع أن يكون لإصدار هذه العملة الرقمية تحدّيات لم يسبق لها مثيل في مجالاتٍ عدّة منذ إدخال وبناء نظام اليورو.

اقتراب نهاية العملة النقدية:

أول هذه التداعيات المحتملة هو انتهاء النقد المالي، حيث سيتمّ استخدام العملة النقدية بشكل أقل في عمليات الشراء المعتادة اليومية، وذلك بسبب المنافسة مع وسائل الدفع الرقمية المبتكرة مثل البطاقات المصرفية.

 فقد أظهر كوفيد-19 هشاشة العملة النقدية وعدم رغبة المستهلكين في الاستمرار باستخدامها، الأمر الذي سيضع نهايةً للنقد بالنسبة لغالبية المستهلكين، ذلك بعد أن تصدر العملة الرقمية التي تتمتع بنفس ضمانات الأمان والموثوقية التي تتميز بها العملة النقدية والتي تتكيف مع المدفوعات غير المادية وغير التلامسية.

لذلك سيكون من الضروري حماية المستهلكين الأكثر ضعفًا أمام قابلية استخدام التكنولوجيا، وكذلك السكان البعيدين عن النظام المصرفي والذين لا يزالون يستخدمون النقد فقط، وسيكون كذلك من الضروري إقناع السكان الرافضين عن طريق تقديم ضمانات من قبيل سرية المعاملات مثلًا.

أخيرًا يجب التذكير بأنه يجب دعم القطاع النقدي بأكمله، بما فيه قطاع إنتاج العملات المعدنية والأوراق النقدية الذي يوظّف مئات من العاملين في فرنسا لوحدها، فضلًا عن عدد لا بأس به من العاملين في الدفع الإلكتروني المرتبط بإنتاج وصيانة أجهزة الصرّاف الآلي.

ضربة موجعة للبنوك:

ثاني التداعيات المتوقعة ستكون المعركة القادمة مع البنوك وذلك مع انخفاض السيولة النقدية مع إصدار اليورو الرقمي.

تُعدّ البنوك اللاعب الرئيس والمهَيمن في سوق وسائل الدفع، حيث تمثل أنشطة الدفع جزءًا لا يمكن الاستهانة به من إيراداتها مع الاشتراكات والعمولات والفوائد الأخرى المفروضة على بطاقات الائتمان.

على هذا الأساس، وفي مواجهة الإصدار الموعود لليورو الرقمي المجاني التعامل، سيميل المستهلكون إلى التقليل من استخدام هذه البطاقات الائتمانية، وبالتالي حرمان البنوك من الجزء الأهم من دخلهم.

بالإضافة إلى ذلك تترك المدفوعات أرباحًا لها قيمة كبيرة بالنسبة للبنوك، لأن هذه المدفوعات يتم استغلالها في جميع العمليات والأنشطة المالية الأخرى مثل درجة الائتمان والقروض المصرفية وما إلى هنالك. ومع بيانات دفع أقل، يمكن أن تتعطل أعمال البنوك إلى درجة كبيرة، لأن المدفوعات تشترط -قبل كل شيء- الوساطة المالية للبنوك، وعليه ستؤدي منافسة اليورو الرقمي مع الودائع المصرفية بالتأكيد إلى تحويل بعض الودائع المصرفية إلى حسابات البنوك المركزية.

لذلك ووفقًا للمقولة الدارجة عن المختصين المصرفيين “الودائع تعطي ائتمانات” فإن أي تخفيض في الودائع المصرفية في البنوك سيكون له بالطبع تداعيات على الوساطة المالية، وهذا ما يجعل المعركة القادمة مع البنوك صعبة وطويلة.

وجود قناة مباشرة بين البنك المركزي الأوروبي والمستهلك:

ثالث التداعيات التي يتوقعها المراقبون هو بناء ثقةٍ مع المستهلكين، حيث سيؤدّي إنشاء قناة مباشرة بين البنك المركزي الأوروبي وحاملي العملة الرقمية إلى إجراء تعديلات في مجمل السياسات النقدية في المستقبل، إذ لا تزال ترتكز هذه السياسات حتى الآن فقط على البنوك.

“سيكون بمقدور البنك المركزي الأوروبي التأثير بشكلٍ مباشر على القرارات المتعلقة بالاستهلاك، وذلك من خلال التلاعب بحرية مطلقة بأسعار الفائدة على الودائع النقدية الرقمية”

لذلك ومن الآن فصاعدًا سيكون البنك المركزي قادرًا على تشجيع قرارات الاستهلاك مباشرة من خلال التلاعب بأسعار الفائدة على الودائع النقدية الرقمية، فعلى سبيل المثال أن يقوم المركزي بتثبيت سعر فائدةٍ سلبي لتعزيز الاستهلاك في منطقة اليورو، وسيتم تشجيع حاملي العملة على الإنفاق عن طريق اليورو الرقمي، وقبل كل شيء تعزيز ثقة المستهلك بهذه العملية.

تعزيز السيادة الأوروبية:

التعاون بين البنوك المركزية والدول الأخرى هو رابع تحديات إصدار العملة الأوروبية الرقمية المستقبلية، والمتوقع أن يرتكز هذا التعاون في الأمور المتعلقة بطريقة الدفع (بالعملة الرقمية أم الورقية؟)، حتى الآن يمكن لجميع المستهلكين على الكوكب الاحتفاظ بالأوراق النقدية باليورو وتبادلها بحريّة، ولكن ما سيحدث الآن كيف سيتمكن سكان مناطق العملات الأخرى من الاحتفاظ باليورو الرقمي للاستهلاك في منطقة اليورو أو خارجها.

يمكن أن يؤدي وجود اليورو الرقمي غير المادي إلى تقويض سيادة الدول الأخرى الأقل ابتكارًا، أو بمقابل ذلك تعزيز السيادة الأوروبية بشكل أكبر، وذلك من خلال التحكم في مجال تداول اليورو الرقمي وتعديل احتياطات وسياسات النقد الأجنبي للبنوك المركزية.

إعادة اختراع شكلٍ جديد للجريمة المالية:

التحدي الخامس هو محاربة الجريمة المالية، فالنقد هو الوسيلة المفضلة لغسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

سينتج عن النهاية المبرمجة للسيولة النقدية زيادة في نشاطات غسيل الأموال في البنوك التي لا تزال الجهات الأكثر تعرّضًا لهذه الجريمة، ويُضاف إلى ذلك الهجمات الإلكترونية الجديدة التي قد تتعرض لها أنظمة الدفع التي يُعدّها البنك المركزي، لذلك سيكون هناك حاجة إلى طواقم مختصة لضمان أمن وسلامة النظام المالي.

التحديات التي ستواجه البنك المركزي الأوروبي كبيرة وفلكية، ذلك لأنه ليس لدى المركزي اختيار آخر، وسيكون اليورو الرقمي حقيقة لا مفر منها، خاصة في ظل لعبة التنافس بين لاعبين دوليين لديهم ذات الطموحات الأوروبية في المجال النقدي.

وبالتأكيد سيكون إصدار العملة الأوروبية الرقمية واقعًا، لأن الأصول المشفرة مثل بيتكوين وإثريوم التي تنتظر بفارغ الصبر التخلص من اليورو والدولار، وكذلك في ظل لعبة التنافس بين البنوك المركزية التي تسعى جاهدة أن يكون لديها البطولة في الغزو النقدي التكنولوجي كالصِّين وروسيا وغيرها.

صحيفة ليزيكو، ديفيد بوني مدير قسم العلوم الاجتماعية والاقتصادية في معهد الاتصالات والتقنيات المتعددة في باريس، ورئيس قسم التمويل الرقمي.

6 تشرين الثاني/نوفمبر 2020

الرابط الأصلي من هنا



“الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر برق للسياسات والاستشارات“

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2020 



مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق