الاصداراتالدراسات الاستراتيجية

كورونا وتوظيف إيران للكارثة

مقدمة:

يسعى النِّظام الإيراني في الوقت الحالي لوضع كامل ثقله في توظيف جائحة كوفيد – 19 لخدمة تطلعاته، وتخفيف أعبائه بسبب أزمات الداخل والخارج المتصاعدة منذ مطلع يناير 2020، إذ تُشير الأرقام إلى تزايد أعداد الوفيات والمصابين داخل المدن الإيرانية، وإلى استمرار النظام في نفس النهج بتعامله مع الأزمات بتجييرها لصالح بقائه في السلطة على حساب التضحية بتطلعات أكثر من 80 مليونا من المواطنين، وهو ما يُنذر بكارثة كبرى قد تقود إلى انفجار مجتمعي عام يخرج عن الاحتواء والسيطرة، ويختلف كليًا عن كل المراحل التي مرّت بها الجمهورية منذ 1979، لأنّ رهان النظام هذه المرة في توظيف الأزمة يختلف جذريًا عن تعاطيه مع كل الأزمات التي مّر بها، فالعدو الحالي غير مرئي، ولا يخضع لقواعد السياسة التي تتعامل بها عادةً الدول من منطلق بسط النفوذ والتنافس على المكاسب على الساحة الدولية، وإن نجح النظام الإيراني طيلة عقدين ماضيين في الصمود أمام عزلته الاقتصادية والسياسية، فإن ذلك يعود لطبيعة هذا النظام القائمة على مزج خاص بين منطلقات السياسة والأيديولوجيا، وطبيعة تحالفاته مع شركاء دوليين ساندوه في مواجهة المخاطر والتحديات، وليس آخرها مسألة مواجهة السياسات الأمريكية في عهد الرئيس الحالي دونالد ترامب، إلى جانب مراحل الابتزاز السياسي للدول الأوروبية المنخرطة في الاتفاق النووي منذ عام 2015.

تصاعد الأزمة

يبدو أن الوضع الراهن الذي يلزم النظام في إيران بإجراء تغيير جذري في أسلوب التعاطي مع الأزمة، غائب عن استيعابه حتى الآن، بل على العكس اتخذ النظام سلسلة من الإجراءات الخاطئة من خلال توكيل الحرس الثوري الإيراني – بدلًا عن وزارة الصحة – لمواجهة العدو الخفي، إلى جانب المُضي قُدمًا في سياسة التكتّم على حقيقة الأوضاع داخل إيران، والتي أظهرت مدى العجز في البنية الصحية والاستعاضة عنها بنظريات أيديولوجية لمعاجلة المرضى انطلاقًا من منطقة خروج الفيروس في مدينة قم الإيرانية جنوب البلاد، والتي تعتبر رمزًا دينيًا عند غالبية شيعة العالم بعد النجف في العراق، إذ أحجم النظام الإيراني عن إغلاق كامل المراقد الدينية وتركها مفتوحة برغم التحذيرات الدولية والتقارير التي حذرته من مغبة انتشار الوباء في البلاد.[1]

وبلا شك فإنَّ الرؤية الأيديولوجية لآية الله خامنئي ومرشديه كانت طاغية على توجهات الإصلاحيين الذين تقلّص دورهم في الانتخابات البرلمانية في 21 شباط/ فبراير 2020، بعد تصدّر تيار المحافظين وفوزهم بأغلبية في البرلمان، وبالتالي فإن العقيدة الدينية المبنية على قداسة المراقد والإيحاء بأنها منزّهة كأماكن عن انتشار الوباء، بدا أنها نحّت الجانب العقلاني، وامتنعت عن رؤية حقائق ما حصل في الدول المتصدرة لانتشار الفيروس.

واللافت أن ذات الدول التي التزمت بالإفصاح عن مخاطر الفيروس وإخفاق السياسات الوقائية في إدارة الأزمة، تعتمد عليهم إيران لإنقاذها وإخراجها من دائرة العجز، فقد طلبت من الصندوق الدولي 5 مليارات دولار[2] بذريعة إنسانية لمواجهة خطر الفيروس، الأمر الذي وضعها في تناقض وإشكالية واضحة، فهي من جانب تتّهم الغرب بشن حرب بيولوجية عليها، وتفسر الجائحة من منطلق المؤامرة الكونية، تمامًا كما فسرت عملية اغتيال قاسم سليماني وحادثة الطائرة الأوكرانية على أنها خطط صهيوأمريكية لإخضاعها، وفي نفس الوقت تستجدي دول أوروبا والصين وروسيا وصندوق النقد الدولي الذي يحتاج لموافقة أمريكية لتقديم طلب المساعدة.

تُشير هذه المعطيات إلى أن النظام في إيران، ومن خلال تعامله مع جائحة كوفيد- 19، يرمي إلى تحقيق أهداف استراتيجية في مرحلة ما بعد كورونا على الصعيدين المحلي والدولي، ومن خلال نقاشنا في هذه الورقة سيتم توضيح النوايا الاستراتيجية لإيران في عملية التوظيف السياسي للأزمة، والتطرق لسيناريوهات النجاح أو الفشل.

 إيران والتوظيف الداخلي للأزمة

تُعدُّ جائحة كورونا بمثابة ضربة استراتيجية للنظام في إيران، فدلالة توقيته وسرعة تفشيه في البلاد سبّبا حرجًا غير مألوف للدولة، وأربكا حسابات السلطة التي كانت تُواجه أزمات متعددة، فداخليًا كانت قيادات الحرس الثوري الإيراني تبتكر أساليب لقمع حالات التمرد التي انطلقت منذ تشرين الثاني/ نوفمبر العام الماضي، على خلفية تردي الوضع المعيشي وارتفاع مؤشرات الفساد والبطالة والفقر في عموم البلاد، ما أدى لتراجع مستوى الثقة بين الشعب والحكومة بعد تنامي حالات القمع والاعتقالات[3].

يُضاف إلى حالة الحرج الصراعات الجانبية بين أجنحة النظام جراء اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية، حيث شهدت الساحة السياسية في إيران عدة جولات من التجاذبات السياسية، أدت في فترة ما قبل تفشي الوباء إلى تبادل الاتهامات والتخوين بين تيارات النظام[4].

وممّا فاقم حالة التخبط الاستراتيجي داخل أروقة الحكم في إيران، خسارتها الجنرال سليماني في عملية قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية في أوائل العام الحالي 2020، إذ تشير المعطيات الداخلية في إيران لعدم نجاحها حتى الآن في تغطية العجز وملء الفراغ الذي تركه سليماني داخل المؤسسات العسكرية والأمنية، ورغم مسارعة النظام في تعيين إسماعيل قآاني قائدًا جديدًا لفيلق القدس، إلا أن ذلك لم يرقَ لمستوى إعادة التوازن ومسك زمام الأمور والضبط كما كانت عليه سابقًا.

وفي ظل انشغال الدولة بالتعامل مع هذه الملفات والقضايا المذكورة، يأتي موضوع انتشار الوباء، ويضع رموز الدولة أمام تحدٍ آخر، حيث كشف تعاطي الدولة مع الأزمة عن عدم وجود أي خطط للتعامل معها على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والطبيّة والثقافية، بل على العكس كشفت الأزمة عن حالة العجز والفساد المتجذّر داخل مؤسسات الدولة، ولم تكن خطة النظام من وراء اتباع أساليب التكتم وتزوير الحقائق مقتصرة على نجاح عملية الانتخابات البرلمانية أو تحقيق مشاركة قوية لما يُسمى ذكرى ثورة 1979، بل هناك أمور أخطر رغبت الدولة في عدم الكشف عنها كملفات الفساد لرموز السلطة في المؤسسات الإدارية والطبية، والسيطرة على الموارد الاقتصادية والمالية واستخدامها في مجالات التعبئة العسكرية والنفوذ الخارجي، ويمكن الحديث عنها من خلال تتبع سلوك تعاطي النظام مع أزمة كورونا وطريقة توظيفه لها.

فشل سياسي في إدارة الأزمة

لأسابيع تستّرت الجمهورية الإيرانية على العدد الحقيقي للإصابات لديها، فالإحصائيات الرسمية وحتى تاريخ 1 نيسان/إبريل أفصحت فقط عن إصابة أكثر من5000   شخص و3400 حالة وفاة، فيما تُفيد بعض المصادر إلى أن إيران أصبحت مركز تفشٍّ رئيسي للوباء في الشرق الأوسط، وحتى تاريخ 1- نيسان/ إبريل بلغ عدد الوفيات إلى 15.500 حالة وفاة في237  مدينة في إيران.

 المصدر: شبكة منظمة مجاهدي خلق الإيرانية [5]

ورغم صدور عدة تقارير محلية طبية ودولية عن تعمّد النظام التكتم على الأرقام الحقيقية للإصابات، إلا أنه أصرّ على الاستمرار في نفس النهج البراغماتي المنفصل عن الواقع، وبناءً على أوامر من المرشد الأعلى للنظام علي خامنئي، فقد تمّ تنفيذ عملية إخفاء كبيرة لأي معلومةٍ تخصّ فيروس كورونا في إيران، ومارست الدولة سياسة التهديد مع مسؤولي وزارة الصحة والأطباء، فحسب تحقيقات أجرتها نيويورك تايمز الأمريكية فإن بعض الأطباء والممرضين قالوا: “إنَّ قوات الأمن قامت بتحذيرهم من الإدلاء بأي معلومات، ونصحتهم بالتزام الهدوء، وأشار العديد من هؤلاء العاملين الصحيين إلى أن موظفي الأمن المتمركزين في كل مستشفى منعوهم من الكشف عن أي معلومات حول المعدات الناقصة أو المرضى أو الوفيات المرتبطة بالفيروس”.[6]

ووفقًا لنفس المصدر، فقد تعاملت إيران مع الأزمة بالفخر وجنون العظمة والسرية والفوضى؛ ففي الوقت الذي تصدّرت فيه بكين بؤرة انتشار الفيروس أكد قادة إيرانيون أن عدوى فيروس كورونا لن تكون مشكلة في بلادهم، لكن مع إعلان أول إصابة في 19- شباط/ فبراير الماضي بوفاة شخصين في مدينة قم الإيرانية اتضحت أولى خطوات الفشل السياسي في إدارة الأزمة، دلّ على ذلك عدة معطيات وهي.

 أولاً: الموقف الرسمي للنظام في إسراعه بتبنّي نظرية المؤامرة الكونية، وإطلاقه سلسلة تصريحات اتهم فيها الولايات المتحدة بمحاولة إحباط عملية الانتخابات الإيرانية، كما في خطاب المرشد الذي ألقاه في 23 – شباط/ فبراير 2020.[7]

ثانيًا: ظهر تباين في موقف وزارة الصحة ومسؤولي البرلمان الذين أطلقوا عدة تصريحات عن مخاطر انتشار الوباء وبين صناع القرار في إيران الذين تجاهلوا كل تلك التحذيرات، وتعمدّوا تطبيق مبادئ النزعة الدينية في مواجهة الفيروس، ففي مدينة قم ظهرت ردود فعل متباينة من النخب الدينية التي تعتبر قم عاصمة للتشيع بعد النجف ومصدرا لاستجرار المال الديني لصالحهم، حيث طالب ممثل المرشد في قم آية الله السعيدي بعدم إغلاق العتبات الدينية، معتبرًا إياها مصدرًا من مصادر الشفاء الإلهي، كما أصدر موقع “مرقد السيدة معصومة” مذكرة تنتقد قرار مجلس محافظة قم بتعليق صلاة الجمعة وإجراءات تعقيم ضريح المرقد، معتبرًا أن هيكل الضريح مضاد للجراثيم ورادع قوي لوباء كورونا. فيما طالبت نخب دينية أخرى – كالمرجع الديني نوري همداني – بإغلاق العتبات الدينية لتخفيف الضرر، ولم يُحسم الجدل بإغلاق العتبات بشكل كامل، بل بقيت مفتوحة مع شرط اتخاذ إجراءات التعقيم واستعمال الأقنعة الطبية. وقد أسهم تباطؤ إجراءات الدولة وامتناعها عن تنفيذ سياسات وقائية صارمة في تفشي الوباء وإصابة قيادات في الحرس الثوري الإيراني والعديد من مسؤولي البرلمان آخرهم رئيسه علي لاريجاني[8].

ثالثًا: تفضيل النظام مصلحته الخاصة بالحفاظ على علاقات تجارية واقتصادية قوية مع الصين على حساب حماية أرواح المدنيين أسهم في سرعة تفشي الوباء، حيث استمرت الرحلات مع بكين عبر شركة طيران ماهان التابعة للحرس الثوري الإيراني لما بعد تاريخ 25- شباط/ فبراير- 2020. والجدير ذكره أن إيران – وخاصة في مدينة قم – تستقبل العديد من العمال الصينيين والطلاب سنويًا كنقطة انطلاق في خلق مجتمع متشيع داخل الصين في الأوساط الدينية ضمن أدبيات استراتيجية تصدير الثورة الإيرانية[9].

رابعًا: عدم إلمام إيران بطبيعة خطر الفيروس والتعامل معه من ناحية طبية ساذجة، والاستخفاف بحجم أضراره؛ كل هذا أسهم في تفشيه داخل البلاد، فمثل هذه الحالة تتطلب الاستناد إلى العلم ونتائج البحث العلمي والتجارب السريرية التي لا توليها إيران أهمية مقارنة باهتماماتها العلمية والبحثية في تطوير برنامجها النووي وترسانتها الصاروخية لبسط أذرعها في المنطقة.

خامسًا: الإجراءات المتخذة في مواجهة الفيروس غير مجدية، ولا تتناسب مع عدو خفي؛ خصوصًا حزمة التوجهات العسكرية التي اتخذها المرشد، كإنشاء حرم الحضرة الرضوي كجزء من جهود الدولة لمكافحة الجائحة، وتشكيل وحدة عسكرية برئاسة الجنرال محمد باقري للإشراف على عمل مراقبة وطني لتحديد المصابين ومن يشتبه في إصابتهم، وتزويد الجيش بألف عيادة متنقلة وثابتة لفحص الحالات، وتنظيم حملة وطنية للحد من الزحام في المتاجر والشوارع والطرقات. واتضح أن كل هذه الإجراءات فشلت في عملية احتواء الفيروس، ولم تخرج عن كونها مجرد تخدير لتهدئة الرأي العام وتسكين الوضع الداخلي.

أهداف النظام على الصَّعيد الداخلي

من خلال تسليط الضوء على طريقة تعامل النظام مع أزمة كورونا على المستوى المحلي، فإن ذلك يُشير إلى أنه يطمح لتحقيق عدة أهداف استراتيجية داخليًا كما يلي:

– استغل النظام ظاهرة كورونا لإنهاء حالة التمرد التي سبقت مرحلة وصول الفيروس للبلاد، فهو يهدف لإعادة الاعتبار لصورته التقليدية داخل وجدان الشعب؛ وخاصة الشرائح الشيعية التي انتفضت ضد ممارسات السلطة، وبالتالي فإن النظام يطمح إلى إعادة ترتيب شرائح المجتمع على أساس ديني وعقائدي، تجلى ذلك من خلال توكيل قوات الحرس الثوري الإيراني وقوات الباسيج مهمات عسكرية دفاعية في مواجهة الفيروس، وفرض حالة وجودية قوية لتلك القوات على فئات الشعب بهدف إخضاعهم وإجبارهم على تقبل أجندات النظام، مقابل الإيماء بالحفاظ على أرواح وتعويض متضررين.

– يرغب النظام من وراء جائحة كورونا في إنهاء حالة التصدعات بشكل نهائي التي تركها مقتل قاسم سليماني داخل الحاضنة الشيعية والموالين لقوات الحرس الثوري ومليشيات فيلق القدس الذين انتقدوا السلطة في عمليات رد الاعتبار على مقتله، والتوتر الخارجي مع الولايات المتحدة، وتداعيات إسقاط الطائرة الأوكرانية.

– يسعى النظام لمنع انكشاف ملفات الفساد أمام الشعب، وهي التي تجلت مؤخرًا في العجز والنقص المسبق في المرافق والمعدات الطبية والأدوية، حيث لجأ النظام لتنفيذ حملة ممنهجة في تصوير العقوبات الأمريكية على أنها السبب الرئيس لهذا النقص، لكن ذلك لم يمنع بعض الجهات والأفراد داخل مؤسسات النظام في الكشف عن بعض ملفات الفساد التي تُدار من قبل بعض رموز النظام التي تقوم بعمليات نهب المستحقات المالية المخصصة للأدوية من ميزانية الدولة، وقطاعات الصناعات الدوائية والصناعية[10].

التوظيف الخارجي للأزمة الآلية والأهداف

في 26 من آذار/ مارس الماضي قال الرئيس حسن روحاني: إن هناك مساعي في مجلس الأمن لرفع العقوبات والحظر عن أموالنا المجمدة. تزامن ذلك مع إشادة وزارة الخارجية بالرسالة التي وجهتها ثماني دول إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشأن رفع العقوبات عن إيران، وكان من بين هذه الدول روسيا والصين، وقد دلّت الخطوة الإيرانية عن نيتها استغلال جائحة كورونا في استراتيجية مواجهة الضغط الأقصى التي تطبقها إدارة ترامب على النظام الإيراني منذ 2018، حيث شكل تصعيده ضد إيران توترًا جديدًا في العلاقات الإيرانية الأمريكية، ما دعا إيران إلى تعزيز علاقاتها مع الصين في مجال الاستثمارات بشكل خاص، إلى جانب تفعيل مشتريات النفط الخام الإيراني وتوفير المساعدة بغية مجابهة العقوبات الأمريكية. بالمقابل تقوم الصين ببناء مسار قطار فائق السرعة بقيمة 2.7 مليار دولار ومحطة للطاقة الشمسية بالقرب من مدينة قم، وهي واحدة من بين عدة مشاريع تعمل عليها الصين مع إيران[11].

وعلى صعيد آخر، وبدلًا من انكفاء إيران نحو الداخل، والتفرّغ لتطويق خطر الفيروس، لجأت إلى استغلال حالة القلق والتوتر الداخلي في أمريكا على خلفية تفشي الفيروس داخل الولايات المتحدة، وتجاوزها في أوائل شهر إبريل بؤرة تفشي الفيروس في ووهان الصينية؛ خاصة في مدينة نيويورك، إلى جانب أوامر وزارة الدفاع بانسحاب القوات الأمريكية من بعض قواعدها في العراق؛ كتدابير فُسِّرت أنها إجراءات وقائية لمنع إصابة جنود أمريكيين بالوباء، وإعادة تموضع وانتشار للقوات بعد تنامي خطر ميليشيات الحشد الشعبي العراقي على القواعد الأمريكية، على إثرها استأنف النظام أعماله الدعائية في العراق بالاعتداء على القوات الأمريكية والبريطانية في 11 آذار/ مارس وقتل جنودًا من هذه القوات في هجومٍ صاروخيّ على قاعدة شمالي بغداد، ثمّ جاء الردّ الأمريكي في العراق كذلك بشنّ غاراتٍ ضدّ الميليشيات العراقية الموالية لإيران قُتل فيها ستة جنود.

وعسكريًا عززت إيران من نشاطها العسكري بهدف توظيفه سياسيًا في تحقيق انفراجة في العقوبات الاقتصادية مستغلة انشغال الولايات المتحدة بمواجهة تفشي الوباء في الداخل، وقد تمثلت خطواتها العسكرية في إعلان وزير الدفاع أحمد حاتمي في 26 – آذار/ مارس عن نية إيران تطويرا جديدا في البرنامج الصاروخي والرؤوس النووية، كما أعلنت وكالة الطاقة الذرية الإيرانية في 27- آذار/ مارس عن قيام شركة “تكنولوجيا سنترفيوج” الإيرانية بتصميم وصنع جيل جديد من أجهزة الطرد المركزي.

وعليه فإن إيران، ومن خلال ما تم ذكره، فهي تسعى إلى توظيف كورونا (كوفيد- 19) لتحقيق عدة أهداف استراتيجية على الصعيد الخارجي تتمثل فيما يلي:

– دعم النظام الإيراني لأذرعه في العراق عبر رفع درجة التصعيد ضد مصالح الولايات المتحدة، والمطالبة بخروج كامل القوات الأمريكية من المنطقة في ظل تفشي وباء كورونا، يعكس نية النظام توظيف الأزمة الراهنة كأداة ضغط خارجية لتخفيف أو إزالة العقوبات، وإعادة تدوير عجلة الاقتصاد، وإنقاذ قطاع الطاقة الذي تدهور بشكل متسارع بعد انخفاض أسعار النفط وعودة التوترات بين الدول الرئيسية المُنتجة؛ مثل روسيا والسعودية؛ لذا يحاول النظام إظهار اللامبالاة في التعاطي مع الفيروس، وينفي عنه كل الاتهامات بضلوعه في نشر الوباء بمجاله الحيوي، وهو الأمر الذي نوهت به بعض المنظمات الدولية والدول من أن إيران كانت سببًا في نشر الفيروس لأكثر من 17  دولة خاصة في سورية والعراق[12].

– ما يهم النظام في إيران هو الصمود أمام التحديات التي يتعرض لها من خصومه، ريثما تتغير الخارطة السياسية في المنطقة، وتتغير موازين القوة في الجغرافية السياسية ومناطق نفوذها، وهي ترى أن أزمة كورونا سينتج عنها تغيرات على كافة الأصعدة للقوى الدولية والإقليمية، وبالتالي فإن إدارتها لأزمة كورونا واستغلال عامل الوقت تعتقد أنه سيكون مفتاح فرج لها ولأزماتها إذا ما كانت من بين الدول التي ستخرج بعد كورونا بخسائر قليلة ونجاح في عدم انهيار اقتصادي تام وانكشاف سياسي أمام الرأي العام، لا سيما أنها لا تزال تُراهن على إنهاء عهد ترامب وعودة الديمقراطيين القريبين من توجهاتها إلى الإدارة الأمريكية.

– يراهن النظام في إيران على أن حالة التصدع داخل الولايات المتحدة وعملية الانهيارات الاقتصادية لدول الاتحاد الأوروبي، ستُسهم في إعادة دوره الحيوي في مناطق نفوذه، لا سيما أن موجات التمرد في لبنان والعراق قد غابت عن الساحة بعد عجز الحكومات عن احتواء الفيروس، ومنه سيعمل النظام على إعادة ترتيب الحكومات كما يحدث حاليًا في العراق حيث تضغط إيران لتسليم منصب رئاسة الوزارة لشخص موال لها، وقد كان آخر الشخصيات المتوافق عليها مصطفى الكاظمي.

خلاصة

من خلال ما ذُكر في هذه الدراسة، ورغم انكشاف جانب آخر للنظام في إيران أمام الشعب والرأي العام في إدارة أزمة الوباء، فإنه يتطلّع إلى تحقيق مكاسب جديدة تخدمه في الاستمرار في السلطة، كما ذكرنا حزمة من الأهداف الداخلية والخارجية له، إلا أنه من المبُكر الجزم بأنّ النظام سيفشل أو سينجح في الوصول لتلك الأهداف، كون كل ذلك مرتبط بظهور التداعيات الحقيقية للوباء بعد تجاوز الأزمة.

وبموجبه ستبقى الأهداف الإيرانية تتأرجح بين الصعود والهبوط وفق ثلاثة سيناريوهات هي:

– النجاح في السيطرة على الفيروس

ينطلق هذا السيناريو من اعتماد إيران في التعاطي مع الفيروس على تحقيق استدارة كلية والتخلي الكامل أو المؤقت عن عقلية النظام الأمني، وعدم توظيف الأزمة لخدمة تطلعات النظام التوسعية، والتفرغ التام لتطبيق سياسات جدية وقائية تستند إلى الاستجابة السريعة لإنقاذ المرضى وتقليل عدد الوفيات، وتطبيق كامل لخطط العزل الصحي، والتباعد الاجتماعي، واعتماد الشفافية في الكشف عن الوضع الصحي الحقيقي، والسماح للمنظمات الدولية بتنفيذ أعمالها داخل إيران. لكن يبقى هذا الخيار مستبعدا مع استمرار النظام في تفضيل مصلحته الخاصة على حساب الشعب، حيث قام بطرد أطباء تابعين للهلال الأحمر الدولي، ومنعهم من إقامة مشاف داخل إيران.

– الحفاظ على الوضع الراهن

يستند هذا الخيار إلى استمرار النظام الإيراني في التعاطي مع الأزمة بنفس النهج القائم على استجرار مساعدات من الخارج، وتخفيف الخسائر الداخلية بقدر الإمكان، وتغييب الحقائق عن الإصابات وأعداد الوفيات، ريثما يصل إلى درجة احتواء الفيروس باتباع ما بات يُعرف بمناعة القطيع، ويبقى هذا الخيار مرحليا ومؤقتًا في ظل مؤشرات وتقارير تنذر بخروج ملف كورونا في إيران عن السيطرة.

مصدر الصورة: موقع الروية.[13]

– الخروج عن السيطرة والانكشاف تام

يبقى هذا الخيار أقرب للواقع ومتفقا مع المعطيات والسياسات المتبعة داخل إيران، إذ إن النظام وقع في خطأ فادح باعتباره أزمة كورونا مثل أزمات سابقة مرَّ بها بسلام، دون تمييز أن العدو الغير المرئي لا يخضع لاعتبارات القوة وأدوات السياسة الناعمة والصلبة التقليدية، فكلما استمرت الأزمة، وفشل النظام في معرفة الطرق المناسبة للتعامل مع هذا العدو، فسترتفع الخسائر، وسيشكل الفيروس دائرة ملتفة حول عنق النظام في إيران، وقد يخرج الأمر عن السيطرة كليًا في حال فشلت الدول الكبرى في التوصل لعلاج طبي فعّال، ما يعني خسارة النظام الإيراني لكامل عملية التوظيف السياسي لأزمة الوباء، وفقدانه بنك الأهداف الداخلي والخارجي، فضلًا عن توقع حدوث انفجار مجتمعي وعودة جديدة للاحتجاجات الحاشدة ضد النظام إذا ما استمرت لائحة الوفيات في الصعود.

“الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر برق للسياسات والاستشارات“

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2020 


[1] https://bit.ly/3b0zLms

انترنشنال إيران، منظمة الصحة العالمية تحذر من احتمال انتشار فيروس كورونا بشكل أوسع في إيران، ن- 28- فبراير- 2020.

[2] https://bit.ly/2wzQf68

الأناضول، إيران تطلب من “النقد الدولي” 5 مليارات دولار لمكافحة “كورونا، ن- 12- مارس- 2020.

[3] http://bit.ly/35dZchp

برق للسياسات والاستشارات، الاحتجاجات في إيران وخيارات السلطة، ن- 11- ديسمبر- 2019.

[4] https://bbc.in/2xjzn3N

BBC، استقالة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، ن- 26- فبراير- 2019.

[5] https://bit.ly/2JSRIY2

شبكة مجاهدي خلق الإيرانية، مصدر أزمة الأدوية والمرافق الطبية والمعدات في إيران: نظام أو عقوبات النظام، ن- 4- إبريل- 2020.

[6] https://bit.ly/34sTIQv

الشرق الأوسط، التفاخر والسرية و«جنون العظمة» تحكم تعامل إيران مع «كورونا»، ن- 4- مارس- 2020.

[7] https://bit.ly/34pWCFm

برق للسياسات والاستشارات، إيران: الكذب والتستُّر وراء الانتشار السريع لفيروس كورونا، ن- 6- مارس- 2020.

[8] https://bit.ly/3c9kik5

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، «رصانة» يرصد التطوُّرات الإيرانية في تقرير شهريْ يناير وفبراير 2020م، ن- 18- مارس- 2020.

[9] https://bit.ly/34yQhI0

ميسم بيهرافيش، مالم يُقل عن كيف زادت إيران من حدة تفشي جائحة كورونا، ن- 26- مارس- 2020.

[10] https://bit.ly/2JSRIY2

شبكة مجاهدي خلق الإيرانية، مصدر أزمة الأدوية والمرافق الطبية والمعدات في إيران: نظام أو عقوبات النظام، ن- 4- إبريل- 2020.

[11] https://bit.ly/2V0TfSl

معهد واشنطن، اعتماد إيران على الصين يتنامى في ظل انتشار وباء “كوفيد-19، ن- 27- مارس- 2020.

[12] https://bit.ly/2XrZxfy

الصحة العالمية: إيران نقلت «كورونا» إلى 17 دولة بينها العراق، ن- 29- مارس- 2020.

[13] https://bit.ly/2XoRDTU

موقع روية، ما هي استراتيجية «مناعة القطيع» في مكافحة كورونا، ن- 14- مارس- 2020.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق