الاصداراتالدراسات الاستراتيجيةترجمات

في مواجهة ترمب، هل الصين صديقٌ أم عدوٌ لأوروبا؟

يظهر هذا السؤال في هذا الوقت لأنّه من الواضح تمامًا للجميع أنّ ترمب يشنّ هجومًا عنيفًا ضدّ النظام الدولي متعدد الأطراف. هل الصين في ظلّ حكم جين بينغ حليفٌ حقيقيٌّ لأوروبا في محاولةٍ لإنقاذ النظام متعدد الأطراف الذي يسعى ترمب لتقويضه؟ أم أنّها منافسةٌ بل حتى عدوٌ للديمقراطيات الليبرالية في عالم إعادة تركيب النظام الدولي؟ أم قليلٌ من هذا وشيءٌ من ذاك؟

إنّ السبب وراء إلحاح هذه الأسئلة الغريبة هو أنّه من الواضح أنّ رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى الرغم من كل تناقضاته وتعرجاته السياسية، منهمكٌ في هجومٍ عام ضدّ النظام متعدد الأطراف الموروث عالميًّا في ال70 سنة الماضية، هذا الهجوم يشنّه ترمب من أجل سياسةٍ سلطويةٍ لخّصها بشعار “أمريكا أولًا”.

منذ وقتٍ ليس ببعيدٍ كان هذا السؤال مطروحًا لكن بكلماتٍ أخرى، عندما بدأ الأوروبيون ينتقدون بشكل واضحٍ ومتزايدٍ الممارسات التجارية الصينية مع غياب المعاملة بالمثل، وكذلك مع وجود “طريق الحرير” ذو المنفعة الخاصّة فقط ببكين.

كلّ هذا تغيّر مع عدوانية دونالد ترمب الذي أثار حربًا تجاريةً شاملةً بما في ذلك ضد حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين، الذين قال عنهم خلال قمّة مجموعة السبع أنهم كانوا أعداء للولايات المتحدة.

من مجريات قمة مجموعة السبع إلى قمة منظمة حلف شمال الأطلسي إلى الاجتماع غير الواقعي الذي جمع رئيس الولايات المتحدة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وما تلى كلّ ذلك من ارتباكٍ عام حول ما تمّ التصريح به أو ما لم يتم الكشف عنه.

لدى الصين الكثير لتخسره:

دون الإعلان عنها بقوّةٍ بدأ الأوروبيون في تنويع علاقاتهم السياسية والتجارية، بما في ذلك التوقيع في ١٧ حزيران/يوليو على اتفاقية التجارة الحرّة الأكثر أهمية مع اليابان الحليف الآخر للولايات المتحدة، والذي أصبح أكثر حذرًا من موقف ترمب الذي أعلن ودون ترددٍ  ضد الصين حربًا تجاريةً أمريكيةً صينيةً شاملة.

تقف ألمانيا في الخط الأول، لأنّها تشكل مع الصين أكبر فائضٍ تجاري، انتقد ترمب هذا الفائض الضخم لألمانيا وخاصةً حين أظهرت البيانات أن الولايات المتحدة سجلت عجزًا كبيرًا في التجارة مع ألمانيا.

من هنا وعشية قمّة الناتو العام الفائت، التقت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في جلسةٍ وديةٍ في برلين رئيس الوزراء الصيني لي كى تشيانغ، تميز هذا اللقاء بالفعل بالودية لدرجة أنْ أطلقت الصين -بعد أشهرٍ من المطالبات الملحّة من قبل ألمانيا- سراح يو شيا أرملة المعارض الصيني الحائز على جائزة نوبل للسلام ليو شياو بو، وهي الآن تقيم كلاجئةٍ في العاصمة الألمانية.

وبعد بضعة أيامٍ جاء دور الاتحاد الأوروبي  بقيادة رئيس المجلس الأوروبي  دونالد تاسك للسفر إلى بكين، وذلك لحضور قمةٍ بين الاتحاد الأوروبي  والصين اتخذت شكلًا غير معتادٍ.

حينذاك نُقل عن رئيس الوزراء لي كى تشيانغ ذاته قوله “في هذه الظروف الحالية من المهم جدًّا الدفاع عن تعددية الأطراف وعن التجارة الحرّة”، خطابٌ مثل هذا كان يجب أن يكون في الحقيقة لزعيمٍ أمريكي ضدّ العالَم الشيوعي.

ما هو صحيحٌ وواقعيٌّ الآن هو أنّه لدى الصين الكثير لتخسره في هذه العاصفة التجارية التي أطلقها دونالد ترمب، ذلك لأنّه وعلى الرغم من النجاحات الاقتصادية الكبيرة التي حققتها لا تزال الصين هشّة، إذ لا يخفى على أحدٍ اعتمادها بشكلٍ رئيسي على حصّة التجارة الخارجية في الناتج المحلي الإجمالي.

وأيضًا ورغم استقلاليتها الذاتية في مجال التكنولوجيا، نرى ما حصل بشكلٍ واضحٍ مؤخرًا في قضية (ZTE)، القضية التي حملت اسم شركة تصنيع معدات الاتصالات التي تمّ إغلاقها عندما حرمتها الولايات المتحدة من المكونات الإلكترونية الأمريكية.

ولّدت التوترات الدولية الحالية انتقاداتٍ داخليةٍ حادّة ضدّ الرئيس الصيني شي جين بينغ بسبب تخليه السابق لأوانه عن عقيدة دنغ شياو بينغ.

شياو بينغ يُعدّ سياسيًّا ومنظّرًا قاد الصين بين عامي 1978 و1992 نحو تبنّي رؤية اقتصاديّة ساهمت في تحقيق نهضةً اقتصاديّةً كبرى، وخلف الزعيم ماو تسي تونغ في الثمانينات، الذي دافع عن حرية الصين فيما يتعلق بالقضايا الدولية.

الرئيس الصيني قال إن “زمان الصين قد بدأ”، عندما جعل هذا الطموح في قلب الاستراتيجية السياسية للبلاد، ومع إطلاق “طريق الحرير”، أوقظ شي جين بينغ صراعًا شبيهًا بالحرب الباردة مع الولايات المتحدة الأمريكية.

من هنا وكما يقول بيل بيشوب الخبير الأمريكي في القضايا الصينية على تويتر “لقد توصل شي وفريقه إلى استنتاجٍ مفاده أنّ هدف الرئيس ترمب هو تدمير الصين”، لدى بكين المصلحة التامة في تقاربٍ أكبر مع أوروبا ولكن بموازاة ذلك مع الرئيس ترمب أيضًا.

المصلحة المشتركة بين أوروبا والصين:

ومع ما سبق، فإنّ هاتين الكتلتين الكبيرتين، الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم والاتحاد الأوروبي  أكبر سوقٍ في العالم، لا تمتلكان بالضرورة نفس المصالح.

الاتحاد الأوروبي -وهذا ليس هو التناقض الوحيد في هذه القضية- ينتقد كما يفعل ترمب تمامًا العمليات التجارية والصناعية الصينية، كان بإمكان الأوربيين تبعًا لذلك أن يتوافقوا مع الولايات المتحدة لممارسة ضغطٍ مشتركٍ على الصين.

ولكن عندما أطلق الرئيس ترمب الحرب في نفس الوقت ضدّ بكين وضد بروكسل قام بذلك بتقريب الأهداف بشكلٍ واضحٍ بين الصين والاتحاد الأوربي.

كلّ هذه الحركات التشويهية الجيوسياسية لا تزال في مهدها حتى الآن، وفي نهاية الأمر من سيحدّد إيقاع هذه الحركة واتجاهها هو ترمب إذا ما قرّر مواصلة التصعيد ضدّ الصين وإذا ما سارت الأمور كما يريد.

بعد ٢٥% من الرسوم الجمركية الإضافية التي فُرضت بالفعل على ٣٤ مليار دولار من المنتجات، قال ترمب أنّه يهدد “بتوسيع الرسوم إلى 200 مليار أخرى”، وهذا ما سيكون بمثابة إعلان حربٍ حقيقيّةٍ ضدّ الصين.

بعد كلّ هذا، من المؤكد أنّ الصين والاتحاد الأوروبي  لديهم مصالح مشتركة في الحفاظ على النظام العالمي متعدد الأطراف، كما أنّهم سيعانون حتمًا من عواقب انهيار هذا النظام على يد ترمب.

ومن وجهة النظر هذه فإنّ بكين لديها الكثير من القواسم المشتركة مع الاتحاد الأوروبي  أكثر بكثير من مصالحها مع حليفها الروسي فلاديمير بوتين “القزم” التجاري.

ومع ذلك ينبغي على الأوربيين ألا ينسوا الشكاوى التي قدموها هم أنفسهم إلى السلطات الصينية، تركزت هذه الشكاوى على عدم التبادلية، وكذلك على الحواجز الجمركية وغيرها من الممارسات التجارية غير العادلة للشركات الصينية.

ولا يمكن التغاضي عن الفارق بين الكتلتين في مجال حقوق الإنسان، إذ أنّ الصين تتراجع في هذا الجانب خاصة في عهد شي جين بينغ، لذلك إن كان لها مصالح مشتركة فإن الاتحاد الأوروبي  نظريًا بعيدٌ جدًا عن تبادل القيم وتقاسم وجهة نظر مشتركة تجاه العالم مع الصين.

فوق كلّ هذا، فإنّ التقارب الاقتصادي الأوروبي  الصيني يمثل تغييرًا هامًّا في توازن القوى الدولي ولا سيما في المجال التجاري، حيث لا تزال أوربا قوّةً عظمى في القضايا الاستراتيجية والسياسية.

بانتظار منتصف المدّة:

وبالمصادفة من حيث التوقيت -أو ربما ليست مصادفة-، دَفعَتْ الغرامة التي تزيد عن أربعة مليارات يورو، والتي فرضتها المفوضية الأوربية على غوغل بسبب إساءة استخدام موقعها المهيمن في البحث الالكتروني، دَفعَتْ هذه الغرامة إلى توسيع المسافة أكثر بين الاتحاد الأوروبي  والولايات المتحدّة الأمريكية.

لم تكن هذه بالتأكيد الغرامة الأولى -الأقوى منها تلك التي استهدفت شركة آبل في ظل إدارة أوباما- التي تستهدف عملاق التكنولوجيا الأمريكية، لكن ترمب لم يكن مخطئًا عندما استغلّ هذه الذريعة على تويتر ليوجه التوبيخ لأوروبا أمام ناخبيه.

“سبق وقلتُ لكم ذلك، قام الاتحاد الأوروبي  بفرض غرامة خمسة مليارات دولارٍ على إحدى شركاتنا الكبرى وهي غوغل، لقد قاموا باستغلال الولايات المتحدة بالفعل، ولكن هذا لن يكون لفترةٍ طويلة”.

تعليقاتٌ لا تصدّق من رجلٍ يمارس الأحادية بكلّ أشكالها ومهما كلّف الثمن، ولا سيما من خلال فرضه على الشركات الأوربية أن توقف علاقاتها مع إيران التي تعاني من عقوباتٍ أمريكيةٍ عليها.

هذا المناخ المسموم سيستمرّ طويلًا وسيكون الأمر بيد الناخب الأمريكي الذي سيقول للرئيس دونالد ترمب أن يتوقف، أو سيعطيه مزيدًا من الدعم، ولكن في هذه الحالة ستكون الحرب من نوعٍ جديد، وستصبح أكثر صرامةً وستكون التحالفات وتغيراتها أكثر إثارة.

بيير هاسكي لصحيفة لوبس 22 تموز/يوليو ٢٠١٨

رابط المقال الأصلي

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر برق للسياسات والاستشارات 

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات © 2019

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق