الاصداراتالنافذة الإسرائيليةتقدير موقفمتفرقات 1

ظهور داعش في غزة

6565

 

لا يخفى على المتابعين حالة الحصار الخانق التي يحياها قطاع غزة، وحجم الأزمات المعيشية التي تحيط به، إلا أن أزمة ظهور التنظيمات المتطرفة داخل القطاع يعتبر أشد خطورة من الأزمات المعيشية التي يعانيها بشكل مستمر منذ سنوات ، كما هي أضر على مصالحه من حالة الاختناق التي يحياها سكانه.

تظهر إحصائية أجراها مركز القدس للإعلام والاتصال (JMCC) نسبة تزيد على السبعين بالمائة من الشعب الفلسطيني في غزة يرى تقدم تنظيم الدولة في كل من العراق والشام بالأمر السلبي، وعندما وُجّه سؤال للمشاركين في الاستطلاع هل ترى أن تنظم الدولة يخدم القضية الفلسطينية؟ أظهرت النتائج نسبة تقارب 5% موافقون إيجاباّ فيما أشارت  باقي النتائج إلى الرفض أو عدم التأثير مؤكدين ضررها على القضية الفلسطينية.

ترجع الأسباب الأساسية التي تجعل الشعب الفلسطيني في غزة، يلفظ تلك التنظيمات ولا يرحب بها داخل أراضيه رغم حالة الألم والاحتلال المستمر الذي يعيشه إلى ثلاثة أسباب:

  1. التجربة السيئة لتنظيم الدولة في سوريا والعراق، والتي جعلته يرى تحركات التنظيم داخل أراضيه كنوع من الضرر لا الفائدة، وأنه دخيل على مجتمعه وليس متأصلًا في أفكاره.

2.التجربة السابقة لظهور جماعة مشابهة تعارف عليها بمسمى “جلجت” متوافقة الفكر والممارسة وتنتمي لنفس الأيدولجيا الدينية لتنظيم الدولة، وما نتج عن ممارساتها من تفجير للأعراس والمقابر والمحلات التجارية وتضييق على الناس بالقوة في المناطق العامة، والتهديد المباشر والعلني للنساء والشباب في غزة، وإرباك حالة الأمن بإثارة التفجيرات بين الفينة والأخرى.

3.وصول “جلجت” إلى حالة الاقتتال الداخلي مع حكومة حماس في غزة وكتائب القسام في العام 2009 وما سمي حينها بأحداث مسجد ابن تيمية التي أدت إلى مقتل عدد من الطرفين.

وربما يجدر بنا الإشارة إلى أن أحد أقوى الأسباب التي جعلت المواطن الغزي في عزلة نفسية عن تلك التنظيمات ما يلحظه من دموية عنيفة وآثار سلبية جراء لممارسات تنظيم الدولة إضافة للتنظيمات الأحرى المشابهة في باقي الوطن العربي، بالإضافة إلى تجربته السابقة في عام 2009 ما أطلق عليه حينها أحداث مسجد ابن تيمية إضافة لما سبقها من أعمال تفجير إرهابية استهدفت الأعراس الشعبية والأسواق والمحلات التجارية والتهديدات المباشرة والعلنية للنساء والشباب في غزة، وصولًا إلى حالة احتراب شديدة مع حكومة حماس وكتائب القسام ، نتج عنها مقتل العديد من الطرفين والقضاء على الجماعة السلفية المتطرفة حينها.

غزة 2015

هل يوجد تنظيم الدولة في غزة؟
سؤال لا تكاد تخلو منه المنتديات الإعلامية والتغطية الإخبارية ناهيك عن المجالس الشعبية، سؤال لا يطرحه المواطن من فراغ، إذ أن ثمة سلسلة من الأحداث والوقائع أدى ربطها المنطقي إلى طرح هذا السؤال وتكراره.

إلا أنه ومن ناحية أخرى فإن المتتبع للأوضاع الداخلية في غزة وطبيعة جغرافيتها الصغيرة وسيطرة الفصائل الفلسطينية عليها وصعوبة الدخول والخروج من منافذها، يعلم أن ظهور تنظيم في غزة مناهض تمامًا لسلوك حكومة حماس، ويرى فيها عداوة وعداءً دينيًا وصل حد تكفيرها بأنها مهمة شبه مستحيلة.

والحقيقة أن مجموعة الأحداث التي سبقت سؤال المواطن في غزة، تخرجنا عن توقعاتنا السابقة مهما حاولت الجهات المسئولة نفي وجودٍ لتنظيم الدولة في غزة :

1.في تاريخ 11/2/2014 ظهر شريط فيديو مسجل لعناصر يدعون ولاءهم لتنظيم الدولة في الشام والعراق لأول مرة في غزة منذ أحداث مسجد بن تيمية.

photo_2016-06-15_16-15-48

2.في تاريخ 17/2/2014 تناقل الناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، صورة فوتوغرافية ليافطة مواساة في بيت عزاء لأحد المواطنين تحمل توقيع تنظيم الدولة في غزة، وقد أجرت مراسلة المونيتور في ذلك التاريخ مقابلة مع أهل العزاء، وقد أكدوا وجود اليافطة دون علمهم بمن وضعها.

كان الحدثان في غضون أسبوع واحد كفيلان بإثارة الخوف والتوجس في نفوس المواطنين رغم عدم وضوح ملامح التنظيم على أرض الواقع، وسارعوا بالتعبير عن آرائهم المتخوفة والرافضة لظهور تنظيم الدولة بالعديد من الوسائل من بينها عدد من المقالات وتدوينات التواصل الاجتماعي.

سارعت وسائل الإعلام بالتواصل مع الجهات الرسمية لقراءة الأحداث والتأكد من إثبات وجود الظاهرة أو نفيها، ففي اجتماع خاص بمراسلي الوكالات الأجنبية جرى بتاريخ 24/2/2014،  نفت الحكومة في غزة على لسان نائب رئيس وزرائها زياد الظاظا عن وجود حقيقي لتنظيم الدولة في غزة، وأكدت أنها لن تكون بيننا على الإطلاق وهي موجودة في العراق والشام، وفي تفسيره  لظهور شريط التسجيل الآنف الذكر كما يافطة العزاء، فقد تجاوز الأمر بقوله: أن تلك الممارسات ضمن استطاعة أي فرد في زمن الانفتاح التكنولوجي والانتشار الواسع للإنترنت.

أما حركة حماس فقد كان موقفها مشابهًا لموقف حكومتها في غزة، فقد أكد سامي أبو زهري لمراسلة المونيتور أنه لا وجود لشيء اسمه تنظيم الدولة في غزة، ولا يوجد أي مؤشر على وجود هذا التنظيم هنا، ما بين النفي واستسهال الأمر، اختفى القلق قليلًا واختفى معه السؤال إلى حين.

  1. لم يطل الأمر كثيرا حتى ظهر بيان على الإنترنت متزامنًا مع كتابة شعارات مؤيدة لتنظيم الدولة على الجدران بغزة بتاريخ 2/12/2014 تتهم فيها خمسة عشر من شعراء وكتاب غزة بالردة وتمهلهم ثلاثة أيام للتوبة قبل قتلهم.

photo_2016-06-15_16-15-53

هنا عاد السؤال من جديد بدرجة ووتيرة أعلى من سابقتها، حيث قامت مجموعة من المهددين الواردة أسماؤهم في البيان بالتوجه لمراكز حقوق الإنسان والشرطة الفلسطينية في غزة تستفسر عن حقيقة البيان ودرجة جدية التعاطي مع الأحداث، كانت النتيجة كما نقلها أصحاب القضية عبر تدوينات على صفحاتهم الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي، أن الحكومة تزعم عدم مصداقية البيان و أن لا مؤشرات حقيقية لصحة وجوده، مرجحين أنها ألاعيب فوتوشوب باستطاعة الجميع فعلها.

  1. لم تهدأ الأحداث طويلًا حتى تفاجأ الكثيرون في غزة وخاصة الشعراء والكتاب ذوي العلاقة، من منح الحكومة في غزة جماعة سلفية ترخيصا ً لتنظيم مسيرة شعبية وسط غزة بتاريخ 19/1/2015 أتى ذلك بعد أحداث شارلي ايبدو حيث رُفعت خلال المسيرة الرايات السوداء لتنظيم الدولة إضافة لشعارات تهتف للدولة الإسلامية في العراق والشام وتؤيد خليفتها أبو بكر البغدادي، الذي طالبته بالمسارعة لإعلان غزة ولاية لدولة خلافته، كما أعلنوا خلال مسيرتهم ولاء فلسطينيي القطاع للبغدادي.

photo_2016-06-15_16-15-57

  1. بعد أيام قليلة استيقظت غزة على تفجير هزّ المركز الثقافي الفرنسي والذي يقع وسط منطقة أمنية مشددة تتبع للحكومة الفلسطينية، كما كُتِب على جدران المركز شعارات باسم تنظيم الدولة في غزة.

 السؤال الذي أصبح يطرح نفسه بقوة في هذا الموضع، أنه كيف نفت الحكومة سابقا وجود تنظيم الدولة في الوقت التي تمنحهم تراخيص لإقامة مسيرات لهم علنًا؟

 وكيف تستقيم حالة التفجيرات التي شهدتها غزة بعد وقت قصير من مسيرة تنظيم الدولة والشعارات التي كُتبت باسمها من جهة، والنفي المستمر من قبل الحكومة لوجود تنظيم الدولة؟

وما السر وراء انفصال التصريحات عن الأحداث الجارية على الأرض؟!

6. أعمال تفجير متعددة وفي أوقات وأماكن متفرقة وقعت في قطاع غزة، تلتها حالة أمنية مشددة من الحكومة في غزة تخللها حواجز طرق وتوقيف للسيارات وتفتيشها بشكل مفاجئ، في ذات الوقت التي لا تزال الحكومة مصرة على نفي وجود لتنظيم الدولة وتفسير الأحداث بشكل من السهولة والتكتيم، يأتي ذلك بالرغم من اعتقالها لأعداد كبيرة أشخاصا من أصحاب التوجه السلفي والتي يُشك بعلاقتهم بتنظيم الدولة.

7.في تاريخ4/5/2015 استهدفت داعش مركزًا أمنيًا في الشيخ رضوان يتبع لحكومة في غزة، والذي أعلنت مسؤوليتها عنه عبر بياناتها الذي نشرته على مواقع التواصل الاجتماعي، وجاء في البيان أن الجماعة الجديدة تمهل “حماس وأذنابها من الأجهزة الأمنية 72 ساعة ابتداء من ساعة إصدار البيان للإفراج عن كافة المعتقلين السلفيين ، وإن امتنعوا فكافة الخيارات مفتوحة للرد عليهم”.

وأضاف البيان: “نستنفر جميع جنودنا للعمل على الأهداف المرصودة بعد انتهاء المهلة، ونحذر حكومة الردة في غزة وأجهزة حماس النتنة من التمادي في غيّهم ضد الموحدين، مقابل تسهيلات للعلمانيين والروافض، إرضاءً لأسيادهم في إيران والطواغيت العرب”.

 

وسط تلك الحالة علت وتيرة الصراع بين الحكومة في غزة وداعش عندما قامت عناصرُ الأخير ببناء خيمة سلفية خاصة بهم بجوار إحدى مساجد منطقة الوسطى في غزة، وبدأ يزورها عناصر التنظيم علنا وفي وسط النهار، تلا ذلك قيام حكومة حماس باعتقال عشرات من أفراد وقيادات التوجه السلفي للتنظيم صباح الحادثة كما قامت بإزالة مكانهم وفض تجمعهم بالقوة وتجريف المبنى الجانبي بالكامل أو كما أطلقت عليه حكومة حماس “خيمة جانبية” بينما تقول داعش بأنه مسجد المتحابين تتهاوى إليه أفئدة المؤمنين من الدعاة وطلبة العلم، بعيدًا عن المساجد المسيسة لحماس وباقي الفصائل.

تلا تلك الأحداث تهديدات صريحة من عناصر التنظيم بتفجير مواقع للأجهزة الأمنية في غزة إن لم يتم الإفراج عن قياداتهم، وقد نجحت عناصرهم بالفعل في تنفيذ التهديد بتفجير سيارة وسط حي الشجاعية في غزة رغم الحالة الأمنية المشددة الذي يشهدها الحي.

ثم تلاها مؤخرًا مقتل الشاب يونس الحنر على أيدي أجهزة الحكومة الأمنية في غزة، والذي جاء مقتله بعد أيام قليلة من تبني التنظيم استهداف القيادي في حركة حماس “صابر صيام” بعبوة ناسفة أثناء تواجده في محلة التجاري في غزة، قال إياد البزم المتحدث باسم وزارة الداخلية في لقاءه مع إياد قنينة على قناة رابعة: أن يونس خارج عن القانون وهارب من العدالة، وهو أحد الأشخاص المتهمين بأعمال أمنية في قطاع غزة خلال الأشهر السابقة، وهي الأشهر التي كانت الداخلية تنفي وجود التنظيم واقعًا في غزة.

ولم تغب الأحداث طويلًا حتى استيقظ الغزيون في ثاني أيام عيد الفطر، على تفجير كان الأسبق من نوعه حيث استهدف التنظيم ستة سيارات فارغة للأجهزة العسكرية في غزة تتبع مباشرة لكتائب القسام وسرايا القدس، نتج عن هذا التفجير عدة أمور:

أ) أدى إلى طرح السؤال القلق عن قوة تنظيم داعش في غزة ومدى جاهزية عناصره حتى استطاع تنفيذ أعماله في وقت واحد وأماكن متفرقة من القطاع، لا سيما أن بعض المحللين البارزين في غزة كالدكتور عدنان أبو عامر أكدوا سابقًا على بساطة تركيب التنظيم، وأنه عشوائي لا هرمية تنظيمية فيه كباقي الفصائل تمكنه من أعمال نوعية في غزة.

ب) تلك الحالة استدعت السؤال أيضًا عن الحجم الطبيعي لتنظيم داعش من حيث البنية العسكرية والعناصر المقاتلة، لا سيما نفي الحكومة الأمنية في غزة قبل أشهر قليلة من تنامي الأحداث عن وجود حقيقي لهكذا تنظيم داخل حدودها؟

ج) كما أنه يُطرح السؤال عن علاقة تلك التفجيرات بشريط التهديد الذي وجهته تنظيم الدولة من سوريا إلى حماس في غزة؟ وعلاقة تنامي التنظيم وزيادة قوته وتنوع أحداثه بظهور تنظيم الدولة في سيناء الملاصقة لقطاع غزة؟

وعلى أية حال فإن الأسئلة ستبقى بحاجة إلى إجابات واضحة من الجهات الأمنية المختصة خلال الأيام القادمة.!

تنظيم الدولة و مبررات الظهور:

تأتي قراءة المشهد للواقع الغزي بين بروز تنظيمات دينية متطرفة ورفض شعبي لهذه التنظيمات، في صورة أعمق من ظاهرها يؤدي بنا للبحث في باطنها وأسباب تكونها.

فغزة المحاصرة المنافذ والحدود ليست كسوريا المفتوحة المنافذ والحدود على مصراعيها، إذ يصعب على الجهات المتطرفة خارج قطاع غزة الوصول إلى داخله وتنفيذ أجندته فيه، من بين هذا التعقيد الجغرافي والسياسي يبرز السؤال المهم كيف تتكون تلك التنظيمات في غزة؟ ولماذا ينضم الشباب الغزي إلى تلك التنظيمات؟

في لمحة سريعة لوضع عناصر تلك التنظيمات المتطرفة في غزة سواء في التجربة الماضية “أحداث مسجد بن تيمية” أو التجربة الحالية، نرى أن غالبية تلك العناصر هم أبناء تنظيمات إسلامية تعارف عليها بالوسطية في غزة كـ (حماس والجهاد الإسلامي).

وبعد التحري والمتابعة تبين أن كثيرا من رموز وعناصر تنظيم تنظيم الدولة كان انتماؤه السابق إلى حركة حماس وكان ممن نشطوا طويلًا في جناحها العسكري كتائب القسام وتربوا عقودًا داخل أجهزتها الدعوية.! وتلك ظاهرة تستحق الوقوف والبحث العميق وراءها، فليس من اليسير أن ينقلب الابن على أبيه قتلًا دون أن تكون ثمة روافع فكرية تقود هذا الانقلاب.

عند نشوء تلك الأحداث الفارقة في مجتمع من المجتمعات، لا يكفي الوقوف على ظاهرها دون دراسة أسبابها، ولا ينفع قراءة أحداثها دون النظر في دوافعها، كما أنه لا يمكن الوصول للحل الأفضل إذا لم يتم دراسة ردود أفعال الأجهزة المختصة.

والبحث الموسع حول تلك الظاهرة يقود إلى تشخيص ناجح بدوره يقود إلى علاج ناجع، وكل محاولة علاجية لأزمة التنظيمات المتطرفة تخرج في محاربتها عن إطار المحاورة الفكرية والنقاشات المفتوحة، كفيلة لأن تزيد النار اشتعالًا ولهيبًا.

لم تنتبه الحكومة في غزة لتلك المفارقة، وكانت تظهر بدور المستفيد من التجربة السابقة لأحداث بن تيمية، فحاولت علاج تلك الظاهرة بالضربة القاضية واستخدمت العنف علاجًا لها، بيد أن العنف لا يولد إلا عنفًا، وأن المضايقات الأمنية تجعل تلك التنظيمات تنطوي أكثر على نفسها وتعمل في سرية تامة، والسرية  لا تعني الاختفاء وإنما هي جوهر العنف في الماضي والحاضر، وهذا ما يفسره تطور سلسلة أعمال التفجير التي وصلت إلى سيارات الأجنحة العسكرية المقاتلة في غزة.

قد تساهم المضايقات الأمنية ومضاعفة الخناق من تسكين الحالة مبدئيًا أو ترحيلها لمرحة قادمة، إلا أنها لا تفيد بالمرة في القضاء جذريًا على تلك الظاهرة، لأن التطرف منبعه فكري عقائدي يصعب محاربته بالوسائل الصلبة، ومما لا شك فيك ضمن قوانين الفكر أنه يواجه ويعالج بالفكر لا بالسلاح، وهذا ما أكدته التجربة الماضية عام 2009.

استفادت الجماعة السلفية بتقوقعها حول نفسها نتيجة القمع الأمني لها، من رفع حسها الأمني، وإعادة هيكلة جسمها التنظيمي، وتلاشي أخطاء الماضي في مواجهة الحكومة، مكّنها ذلك من تنفيذ وعودها في الوقت والمكان المناسبين، بل أكثر من ذلك فقد استطاعت امتلاك صواريخ تضرب بها الأراضي الصهيونية كلما انفجر الوضع بينها وبين الحكومة في غزة.

وبما أن التنظيمات في مجملها مجموعة من الأفكار الحاكمة لها، فإن الدوافع وراء التحاق الشباب في صفوفها هي من جنس تكونها، وقد يتجاوز الكثيرون الأسباب الحقيقية لانجرار الشباب المسلم مع هذه الأفكار، ولا ينظر إلى المنبع الأساسي الذي يشكل الدافع الأول الذي يسقي الشباب بتلك الأفكار ويوجه سلوكهم المتطرف.

 ورغم اختلاف المسميات بين الحركة الإسلامية وتنظيم تنظيم الدولة، إلا أن أدبيات الحركة الإسلامية تعتبر أكبر مورد لتلك الأفكار، وأكبر مساعد على خلق تلك الجماعات، فعندما كانت في صف المعارضة ربت أبناءها على ضرورة تطبيق الشريعة في الحكم، والإسلام وصدرته على أنه الحل وأن الشورى فريضة في الحكم، ثم لاحظ الشباب المتطرف البون الشاسع بين النظرية الإسلامية والتطبيق لها، مما حملهم على محاربة تنظيمهم الأم بنفس الأفكار والأدوات التي ملكهم إياها.

إذا هي عوامل تستدعي أسئلة كثيرة:

 هل تحمل التنظيمات الإسلامية تفسيرًا لخروج الشباب المتطرف وخلق التنظيمات العنفية المتطرفة من تحت عباءتها ومن بين أبناءها؟!
ثم هل تمتلك الأحزاب السياسية جرأة أكبر لمراجعة أفكارها التي تغذي التطرف عند أبناءها؟!
ثم يبقى السؤال الأهم ماذا تمتلك الجهات المختصة من أدوات لاعنفية في مواجهة الأفكار المتطرفة؟

الآثار المترتبة لظهور تنظيم الدولة في غزة:

الصراع الداخلي والاحتراب الحزبي والاقتتال على الأفكار من كبرى الأزمات التي تهدد استقرار المجتمعات الكبرى، وإذا ما كانت غزة تعاني أصلًا من أزمات عالقة منذ ما يزيد عن ثمانِ سنوات مضت، بين انقسام فلسطيني وحصار خانق، وجولات مصالحة متعثرة، وحروب مباشرة مع العدو الصهيوني، وبطالة متنامية وفقر مدقع، وتأزم في العلاقة الخارجية مع جاراتها العربية، وإغلاق معابر مستمر، فهي أزمات مسكونة بهم أكبر من أن يدخل إلى ملفاتها التطرف الفكري ممارسة وتطبيقًا، يبقى السؤال كيف سيكون المشهد إذا ما تمكنت تنظيم الدولة من شرايين قطاع غزة؟

1.من أخطر الاستراتيجيات التي يتبعها تنظيم الدولة في مواجهة حماس وحكومتها في غزة، إشراك اللاعب الصهيوني  في الصراع الداخلي كلاعب أقوى من كل اللاعبين في الساحة الفلسطينية، بإلقائها الصواريخ على الجانب الصهيوني كلما اشتدت حدة الصراع بين حماس وتنظيم الدولة .

ولا بد من الإشارة إلى أن الاحتكاك مع الجانب الصهيوني عبر صواريخ المناكفة الحزبية، أبعد أثرًا من رد الفعل الإسرائيلي في قصف مواقع المقاومة العسكرية فقط، بل سيكون له أثره في خطورة نقض اتفاقات التهدئة الموقعة وإحلال نفسها من شروطها، والتي يحمل عبئها الأول المواطن الفلسطيني قبل أن تتضرر بها الأحزاب المتصارعة.

حيث أن الانسحاب من شروط الهدنة في هذا الوقت،يعني الانفكاك التام من استحقاقات التهدئة الموقعة بعد الحرب الأخيرة على غزة،وتضييع تضحيات مئات من الشهداء والجرحى والبيوت المهدمة كنتيجة لعودة دخول العدو الصهيوني لمربع الصراع، كما أنها ممارسات توفر مبررًا مجانيًا لشن حرب إسرائيلية على غزة المنهكة سياسيًا وإقتصاديًا وعسكريًا.

2.زعزعة الحالة الأمنية في غزة وممارسة التفجيرات في المناطق الحيوية باستهداف مراكز أجنبية ومبانٍ حكومية ومؤسسات إغاثية تتبع لمنظمات الأونروا في غزة.

3.تخوف المتضامنون الدوليون والمتعاطفون مع غزة من القدوم إلى داخلها، حفاظًا على حياتهم، بسبب السيرة سيئة الذكر للممارسات مشابهة أودت بحياة المتضامن الدولي فيغتور أرجوني، بعد خطفه وقتله .

4.توفير مبرر لمصر بزيادة التضييق على غزة وإغلاق معابرها، تخوفًا من التواصل بين تنظيم تنظيم الدولة “أكناف بيت المقدس” في سيناء، وعناصر تنظيم الدولة في غزة، لا سيما أن لهم أعمال مشتركة سابقًا داخل الحدود المصرية.

5.فتح عيون العديد من الشباب المتطرف للوفود إلى غزة عبر مناطق التهريب، التي تسبب بتعقيد الحالة وإلحاق ضرر أكبر بغزة.

خلاصة:

من وسط المعمة الأمنية في غزة، يظهر سؤال المواطن المرتقب والقلق كيف ستتعامل الحكومة في غزة بكافة أجهزتها ومؤسساتها مع تلك الظاهرة المتنامية قسرًا بينهم؟ وما هو دور مؤسسات المجتمع المدني في حماية القطاع من خطر تلك الأفكار؟ وما مدى التنسيق وتشارك الجهود بين الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني؟ وما هي المسؤولية الملقاة على الأحزاب الإسلامية في انجراف الشباب إلى الفكر المتطرف؟ وكم تتحمل الحكومة من مسؤولية ظهور تلك التنظيمات بعد دخول غزة في أزمات سياسية واقتصادية وعسكرية كبرى؟

أسئلة قد تلقي الضوء على مفاتح حلول لمجتمع تظهر عليه علامات مرض الإصابة بالأفكار المتطرفة.!

للتحميل من هنا

جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للأبحاث والدراسات © 2016

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق