الاصداراتالنافذة السوريةمتفرقاتمتفرقات 1مقالات

الهدنة في سوريا

111
 

تحت عنوان ” اتفاق روسي أمريكي” أُعلنت الهدنة في سوريا، وسط صعوبات كثيرة تمر بها سوريا عموماً، ليس أولها كوارث القتل والتدمير كما النزوح واللجوء السوري الكبير، ولا آخرها طعنة تنظيم الدولة الإسلامية في ظهر سوريا، وانتشاره كطرف جديد في الصراع يتحدى مستقبل السوريين، ولاحقاً مستقبل العالم أجمع، إلا أنه ومع مرور شهرين على الهدنة ظهر علناً مدى هشاشة الموقف، في المقابل التحدي الضخم المقبل على سوريا والمعتمد على المفاوضات بين النظام والمعارضة، واختبار جدية الطرفين، إلا أنها اختبرت أيضاً في عمق الحدث، نوعا من الإدارة الفعلية لمناطق سيطرة المعارضة قد يعتمد عليها لاحقاً في بناء سوريا الجديدة.

الهدنة في سوريا بـ”الأرقام”

شهران مرا على الهدنة في سوريا، اختفت في لحظاتها الأولى أصوات الرصاص والانفجارات رغم شراسة الهجوم على مناطق المعارضة – كما يوثّق ناشطون (1) – قبل بدء سريان الهدنة بتاريخ 27 / 2 / 2016.

شهر آذار بدا دامياً رغم دخول الهدنة حيز التنفيذ، إذ سقط أكثر من 500 شهيد في سوريا على يد قوات النظام وطيرانه بالإضافة إلى الطيران الروسي، فيما قتل تنظيم الدولة الإسلامية في ذات الشهر مايقارب الـ100 مدني سوري.

تقاسمت كل من دمشق وريفها، حلب ودرعا الشهداء، فيما لم تلتهم محافظة دير الزور وإدلب ثم حمص وحماه وباقي المحافظات السورية بنسبة أقل.

أما فيما يتعلق بالأطفال فاستشهد من بين “500 ” مدني، ما يقارب 112 طفل، فيما كانت حصة النساء من الضحايا 82 ضحية (2). ورغم إعلان روسيا سحب طيرانها “بصورة جزئية” من سوريا بتاريخ 15 / 3 / 2016 ، إلا أن القرار كان بالنسبة لمحللين سياسيين غريب ومربك، كما أنه لا يعكس التوجه الحقيقي لموسكو في دعم نظام الأسد، وهو ما أيدته واشنطن عندما أجلت التعليق على موضوع الانسحاب وشككت في نوايا موسكو.

حيث قال وقتها المتحدث باسم البيت الابيض جوش آرنست في مؤتمر صحفي أنه “من الصعب علي أن أقيم التداعيات المحتملة  لهذا القرار على المفاوضات الجارية، ولا بد لنا من  أن نعرف بدقة ما هي النوايا الروسية”. وأضاف آرنست أن الولايات المتحدة كانت على الدوام تشدد على أن التدخل العسكري الروسي يجعل الجهود الآيلة للتوصل إلى مرحلة انتقالية سياسية في سوريا “أكثر  صعوبة” (3). تحول المشهد- في شهر نيسان- إلى مرحلة أكثر دموية عندما تخطت قوات النظام وروسيا الخطوط الحمر في الهدنة وخرجا بطيرانهما نحو مناطق سكنية موقعين مجازر بين إدلب وحلب وريف دمشق.

حيث تخطت مجزرة ارتكبها طيران النظام في إدلب عتبة الـ60 شهيد وعشرات الجرحى، حيث استهدف بداية مدينة كفرنبل في جبل الزاوية ثم سوقاً للخضار في مدينة معرة النعمان، وهو ما اعتبره مواطنون انتهاءً للهدنة (4).

فيما شهدت حلب تسعة أيام سوداء، حيث كثّف النظام من غاراته على أحياء المدينة ليوقع أكثر من 200 شهيد بينهم 54 طفلاً. فيما كان استهداف مشفى حي السكري “مشفى القدس” بحلب أبرز حدث حيث راح ضحية القصف مايقارب الـ50 شهيد بينهم أطباء من المشفى. أيام حلب السوداء، تزامنت مع قصف عنيف على الرستن وتلبيسة بريف حمص الشمالي وبالتالي تحولت الهدنة بالصورة الفعلية إلى حالة الموت السريري، لكن روسيا والولايات المتحدة الأمريكية أعلنا عن هدنة جديدة في اللاذقية وريف دمشق بتاريخ 29/4/2016، اعتبرها البعض “خطوة ناقصة” وسط ما تتعرض له حلب من حملة شرسة قلبت صفحات “الفيسبوك” للسوريين حول العالم إلى “اللون الأحمر” تضامناً مع حلب.

الهدنة خلقت السوريين من جديد .. رغم مصائبها

بمجرد سماع السوريين عن إعلان وقف إطلاق النار، بدؤوا يتنفسون الصعداء، وكأنهم كانوا سجناء في سوريا، منذ خمس سنوات، حيث شهدت العديد من الأعمال تطوراً ملحوظاً، كما تفرغت المجالس المحلية التابعة لهيئات الثورة السورية لأعمال البناء والترميم والصيانة، وحملات النظافة وإطلاق المشاريع الصغيرة. من حلب مروراً بإدلب وحماه ووصولاً إلى أقصى الجنوب السوري، تحولت سوريا إلى ورشة بناء، فعّلت خلالها المجالس المحلية من عملها، وعمل فروعها.

فبتاريخ 2/4/2016 تم إحداث مركز للشرطة في معضمية الشام بقوام 200 عنصر كدليل على البدء في التنظيم الأمني للمدينة رغم وجود الكثير من العوائق أهمها حصار النظام للمنطقة ومشكلات أخرى متعلقة بعدم وفاء الأمم المتحدة بالتزاماتها إزاء إدخال مساعدات إنسانية إلى المعضمية (5). كما قام مجلس محلي مدينة جاسم في ريف درعا بعدة أعمال خلال فترة الهدنة “هي مازالت مستمرة حتى الآن” شملت الكثير من الجوانب وعقدت اجتماعات في المدينة بهدف القيام بعدة مشاريع خدمية محلية.

وشهدت محافظة حماه أيضاً أعمالاً جديدة حيث قام مجلس محافظة حماة بتنفيذ أحد المشاريع المهمة التي تمت الموافقة عليها لصالح قرية الحويز في سهل الغاب وهو مشروع إعادة تزفيت الطريق الواصل بين بلدة الحويز و بلدة الحرية في سهل الغاب و إعادة تأهيل عدد من الطرق الفرعية في البلدة (6). كما تم تشكيل “مجلس الأعيان” في إدلب بتاريخ 25 /4 / 2016  كأول مجلس لإدارة الشؤون الخدمية في المدينة ثم من المقرر أن يستلم لاحقاً الملف الأمني في مرحلة متقدمة (7).

ورغم الضغط الذي تتعرض له مدينة حلب إلا أن مجلسها المحلي بدأ بمشاريع عديدة وإصلاحات في المناطق التابعة له، إذ قام بمشروع إصلاح خطوط المياه المتضررة في الأحياء الشرقية من المدينة بتاريخ 29/3/2016 (8). وحتى الامتداد الشرقي لسوريا وغرباً ضمن المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، تحولت الهدنة إلى سباق بين المجالس المحلية لإعطاء أفضل ما يمكن وتقدم الخدمات النوعية للمواطنين. من جهتهم لم يكتفِ المواطنون بمشاهدة أعمال الترميم تلك بل بدؤوا أعمالهم الخاصة وأعادوا افتتاح محالهم التجارية وقاموا بترميم منازلهم المتضررة مما هو متوفر من مواد أولية.

أبو نزار، 47 عاماً من مدينة حلب، يقول “لدي ولدين مقيمان في أوروبا، كانا يرسلان لي بعض المال لأستطيع العيش، وكنت أمضي أيامي فقط، لكن الآن أصبح هنالك أمل، وطلبت منهما زيادة الدفعة على مدى الشهرين القادمين حتى أفتتح محل صغير كسوبرماركت لأعيش منه، وخصوصاً أن الأحداث ربما تنتهي قريباً في سوريا”.

الكثير من المواطنين في الجنوب السوري – في درعا تحديداً – بدؤوا بترميم منازلهم ” حتى من بقايا المنازل الأخرى المدمرة” أو عبر إعانات وصلتهم من منظمات إنسانية (9).

النظام لم يكن يريد الهدنة

على الجانب الآخر كان النظام يفاوض في جنيف على بقائه دون أن يستمع حتى إلى الطرف الآخر أو حتى إلى طروحات المبعوث الأممي ديمستورا عندما تحدث عن كون هذه الجولة من المفاوضات ستكون للحديث عن الانتقال السياسي في سوريا، وهو ما جعل العالم كما السوريون يكتشفون مدى هزلية النظام في المحادثات التي كانت من المقرر أن تمهد إلى سوريا المستقبل  المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان ديمستورا أكد بتاريخ 18/3/2016  على ضرورة أن “يبذل وفد الحكومة السورية المزيد من الجهد لتقديم أفكار تتعلق بالانتقال السياسي وعدم الاكتفاء بالحديث عن مبادئ عملية السلام، مضيفا أنه لا تزال هناك خلافات كبيرة بين وفدي التفاوض”.

فيما قال وقتها رئيس وفد النظام بشار الجعفري أن اجتماع وفده مع المبعوث الدولي الخاص ركز على ورقة العناصر الأساسية التي كان الوفد قد قدمها إلى دي ميستورا في الجلسة السابقة، والتي تتعلق بالحل السياسي للأزمة في سوريا، على حد وصف الجعفري.

وأضاف الجعفري في كلمة مقتضبة بعد الاجتماع رفض بعدها الإجابة عن أسئلة الصحفيين أن إقرار مبادئ هذه الورقة من شأنه فتح الباب أمام حوار جدي سوري سوري (10). في واديين مختلفين بديا كلاً من مبعوث النظام السوري  إلى جنيف ومن ورائه روسيا ووفد المعارضة مع الوفد الأممي. ولم تخرج المفاوضات إلا بانسحاب وفد المعارضة من المفاوضات طالما أن لا جدية لدى النظام السوري في حل الصراع وتحقيق الانتقال السياسي.

فأحد الشروط التي وضعتها روسيا والنظام السوري (11) كان أن يتم استثناء جبهة النصرة من الهدنة بحيث سيستمر طيران النظام وقواتها مع طيران روسيا باستهداف جبهة النصرة ومقراتها أينما كانت، وهو ما شكّل بالنسبة للسوريين حاجزاً أمام الهدنة، إذ تتواجد جبهة النصرة بعناصرها في معظم المناطق التي تسيطر عليها قوات المعارضة وبالتالي لن يكون هنالك هدنة حقيقية وهو ما كان يسعى إليه النظام.

الهدنة التي تم الاتفاق عليها بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية أنتجت ما يسمى بـ”قاعدة حميميم الروسية لمراقبة الهدنة” وهو مركز يحتل مطار حميميم بريف اللاذقية وتترأسه روسيا وخبراؤها، قرر في لحظة ما أن يصبح مركزاً لما يسمى بـ”المصالحات” وضم المعارضين المقربين من النظام إلى قائمة “المصالحة” مقابل محاولة تهميش المعارضة الحقيقية.

لكن الحقيقة لم تغب عن العالم، إذ عنونت صحيفة القدس العربي في 7 / 3/ 2016 “قاعدة حميميم من «العسكري» إلى «السياسي» .. موسكو تستثمر الهدنة لأجل المصالحة ” كتب فيها كامل صقر ” شيء ما غير عسكري يُطبخ في قاعدة حميميم العسكرية التابعة لمحافظة اللاذقية، تحولت حميميم الآن إلى مقرٍ للاستمزاج السياسي، حيث يستمع الروس لوجهات نظر متعددة حول مستقبل سوريا، عشرات الشخصيات السورية معارِضة ومستقلة ومؤيدة وصلت إلى حميميم، واليوم تصل عشرون شخصية أخرى معظمها محسوبة على معارضة الداخل من بينها ممثلون عن هيئة العمل الوطني”

ولم يخفِ المقال أيضاً اتفاق روسي – أمريكي على ما يجري في حميميم، فيما وقف إطلاق النار أو ما يسمى بالهدنة هو مجرد تهدئة حتى تقوم روسيا بمهمتها تلك (12). خمس سنوات من الحرب في سوريا لم يثبت أبداً النظام جديته في التوصل إلى حل يرضي الشعب السوري، المتطلع نحو حريته والتغيير إلى الأفضل، وإنما كان يسعى بالمجمل إلى المماطلة وكسب الوقت أكثر ريثما يحقق مصالحه كاملة، أو أن يخمد الثورة رغم وجود تجارب تاريخية عديدة زال فيها المستبد، وتحول إلى مزابل التاريخ، فيما أثبت الشعب السوري ورغم المأساة التي يعيشها رغبته في الحياة أكثر من أي وقت مضى، ورغبته في سوريا جديدة كما يطمح.

المراجع:

https://www.alaraby.co.uk/politics/2016/2/26/غارات-روسية-مكثفة-قبل-سريان-الهدنة-في-سورية-1

https://www.facebook.com/SyriaRebelsGathering/posts/974760369268623:0

 http://syria.news/412a6474-14031612.html

http://baladi-news.com/ar/news/details/5182/%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88_%D8%B7%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85_%D9%8A%D8%B1%D8%AA%D9%83%D8%A8_%D9%85%D8%AC%D8%B2%D8%B1%D8%A9_%D9%85%D8%B1%D9%88%D8%B9%D8%A9_%D9%81%D9%8A_%D8%B1%D9%8A%D9%81_%D8%A5%D8%AF%D9%84%D8%A8

https://www.facebook.com/mjles.moadamia4all1

https://www.youtube.com/watch?v=JWuf9CwxT5Q&feature=youtu.be

http://www.enabbaladi.org/archives/76372

http://syrianewsdesk.com/?p=12538

http://www.anapress.net/ar/articles/تقارير/841794817010564/شهر-كامل-على-الهدنة-في-سوريا..-سبع-إيجابيات-لا-يمكن-تجاوزها/

http://www.aljazeera.net/news/arabic/2016/3/18/دي-ميستورا-يطالب-النظام-بورقة-عن-الانتقال-السياسي

http://www.alarabiya.net/ar/arab-and-world/syria/2016/02/23/الأسد-يوافق-على-تنفيد-وقف-إطلاق-النار-بـ-شروط-.html

http://www.alquds.co.uk/?p=494791

للتحميل من هنا

“الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز برق للأبحاث والدراسات”

جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للأبحاث والدراسات © 2016

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق