الاصداراتمشاهد

المشهد الأثيوبي: أثر التحوُّل في الدبلوماسية الخارجية لأثيوبيا

تتّجه أنظار المراقبين لتطورات الأحداث في القارة الإفريقية نحو تحول دور دولة أثيوبيا في المنطقة، الذي تشهده منذ تولي آبي أحمد لمنصب رئاسة الوزراء في البلاد عام 2018، وإحداثه تغييرات جذرية في دبلوماسية أديس أبابا الخارجية مع محيطها الإقليمي في القارة الإفريقية وكذلك في القارة الآسيوية، بالإضافة إلى صياغة علاقات فاعلة أكثر مع المحيط الدولي.

من جهة أخرى فإن موقع أثيوبيا في وسط إفريقيا يدفعها نحو تحقيق مزيد من الانفتاح الخارجي وبناء قنوات اقتصادية وسياسية تؤهل أديس أبابا للعب دور فاعل في القارة، على اعتبار أنها الدولة الإفريقية الوحيدة التي لم تُستعمر بشكل كامل إلا لخمس سنوات فقط بين العامين 1936-1941 من القوات الإيطالية، كما أنها أول دولة لأمة مسيحية في العالم إلى جانب وجود الديانة الإسلامية واليهودية وثمانين عرقية سكانية مختلفة تتعايش بشكل سلمي منذ أمد بعيد. (يمثل المسيحيون نسبة 62,8% والمسلمون 33,9% والوثنيون 2% وتمثل المعتقدات الأخرى 0,7%. كما تمثل الطائفة البروتستانتية نسبة 18,6% من المسيحيين، أما الكاثوليك فيمثلون نسبة 0,7% والبقية تمثل الأرثوذوكس)([1]).

في حين أن التموضع الجغرافي لأثيوبيا غرب القرن الإفريقي يجعلها نقطة وصل بين منطقة جنوب الصحراء وبين القرن الإفريقي ومنه إلى البحر الأحمر أي الشرق الأوسط والقارة الآسيوية، وهو ما ساهم جزئيًا في تخطي أثيوبيا لأزمة عدم وجود منفذ بحري لها.  بعد ما انسحبت قواتها العسكرية من إرتيريا بسبب المقاومة التي قادتها جبهة التحرير الشعبية الإريتيرية عام 1991 وعلى إثرها أعلنت تحرير البلاد من الاحتلال الأثيوبي الذي وقع عام 1952.

وعليه فإن الدبلوماسية الخارجية الأثيوبية تؤثر على مسار الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد خصوصًا بعد محاولة الانقلاب التي حدثت في ولاية أمهرة ولم تنجح في شهر حزيران/يونيو الماضي لكنها أودت بحياة رئيس أركان الجيش الأثيوبي([2])، لذلك تولي حكومة أديس أبابا اهتمامًا أكبر بدبلوماسيتها الخارجية لتنعكس إيجاباً على الوضع الداخلي، ما دفعها لتنشيط علاقاتها مع عدة أطراف منها إرتيريا ومصر والسودان وإسرائيل.

التطبيع مع إرتيريا حجر الزاوية للانفتاح الدبلوماسي

يعتبر ملف العلاقات الأثيوبية-الإرترية من أهم وأعقد الملفات التي واجهت البلدين بسبب الصراع المسلح الذي نشب بينهما خصوصًا بعد انسحاب قوات أديس أبابا عام 1991 من إرتيريا وإعلان استقلالها عام 1993، والذي أدى إلى وقوع ثلاثة حروب بينهما بين عامي 1998-2000. الحروب التي أودت بحياة ما يزيد عن 100 ألف قتيل([3]).

لذلك فإن حجم التوتر الذي كان قائماً بين البلدين لم يتح الفرصة أمام نجاح أي حل تفاوضي ولم يسهم في تحقيق خطوات إصلاحية في مسار العلاقات بينهما منذ عام 2000، لكن مع تسلم رئيس الوزراء الحالي آبي أحمد لمهامه، وبناء استراتيجية جديدة لسياسة البلاد الخارجية دفعه للمضي قدمًا نحو تعزيز فرص التوصل إلى حل ينهي الخلاف مع أسمرا، وتكللت هذه الجهود بالنجاح، عندما تم الإعلان عن إنهاء حالة الحرب بين الجانبين في شهر تموز/يوليو 2018 وتم الاتفاق على “تطبيع العلاقات في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية، وإعادة فتح السفارات والحدود وتشغيل خط الطيران وفتح الموانئ، بالإضافة إلى انسحاب قوات أديس أبابا من بلدة “بادمي” وغيرها من المناطق الحدودية الخلافية، تنفيذاً لقرار 2002 الذي أصدرته لجنة تدعمها الأمم المتحدة حول ترسيم الحدود بين البلدين”([4]).

وعليه فقد أتاح هذا الاتفاق لأثيوبيا إمكانية عودة استخدام مينائي “عصب” و”مصوع” الإرتيريين كبدائل ونظائر لاستخدام أديس أبابا لموانئ دولة جيبوتي، لذلك فإن التوجه الحكومي الجديد الذي اعتبر أن تقديم تنازلات لحل الخلاف مع إرتيريا مقابل فتح بوابة إثيوبية جديدة تطل على البحر الأحمر، أي باتجاه القارة الآسيوية، سيكون مصلحة استراتيجية بعيدة المدى يمكن تعزيزها لتحقيق انفتاح اقتصادي للسوق الأثيوبية التي تشهد نموًا ملحوظًا. كما أن عملية تأمين الحدود الشرقية وإنهاء حالة التأهب العسكري والأمني المستمر سيؤدي إلى تعزيز الاستقرار في البلاد التي شهدت احتجاجات وأعمال عنف سبقت مجيء آبي أحمد إلى السلطة. لذلك فإن بناء التطبيع مع أسمرا شكل حجر الزاوية الهام في صياغة دبلوماسية جديدة تهدف لتحقيق مكاسب استراتيجية طويلة المدى لأثيوبيا في القرن الإفريقي.

سد النهضة والعلاقات مع مصر

عام 2011 بدأت أثيوبيا بناء سد النهضة على نهر النيل الأزرق قرب الحدود الأثيوبية السودانية. السد الذي سيستوعب ما يقارب 74 مليار متر مكعب من المياه، بالرغم من القلق الذي أبدته مصر من أن يؤدي تنفيذ المشروع لتقليل كميات المياه المتدفقة إليها من مرتفعات الحبشة عبر السودان، ويلتقي النيلان الأزرق والأبيض في العاصمة السودانية الخرطوم، ليشكلا مجرى نهر النيل الذي يجري في الأراضي المصرية ليصب في البحر الأبيض المتوسط، لذلك فإن القاهرة تخشى من إتمام مشروع سد النهضة، إذ تعتمد بصفة شبه كاملة على النيل في توفير مياه الشرب والري. وتسعى لضمان حقوقها في المياه التي تقدر بحوالي 55.5 مليار متر مكعب([5]).

وعليه فقد شكلت قضية السد ملفًا خلافيًا بين مصر وأثيوبيا وكذلك السودان، لكن القاهرة وأديس أبابا أبدتا عام 2018 مرونة أكبر في قابلية التفاوض على حل هذا الملف والوصول إلى صيغ ترضي كافة الأطراف، حيث شهد 2018 أربع جولات تفاوضية “جرت أولاها في اجتماع تُساعي على مستوى وزراء الخارجية والري بمصر والسودان وإثيوبيا في الخرطوم، استغرقت 16 ساعة دون التوصل إلى اتفاق حول الخِلافات العالقة أما الثانية، فاحتضنتها أديس أبابا في مفاوضات ثلاثية على المستوى الفني. والثالثة جرى في العاصمة الأثيوبية وتم فيه تقدم ملحوظ، والرابعة عُقدت جولة في أديس أبابا، انتهت بإعلان وزارة الري عدم التوصل لنتائج جديدة”([6]).

أما في 2019 تم عقد قمة ثلاثية في شباط/ فبراير جمعت بين الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير ورئيس مصر عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء الأثيوبي آبي أحمد، في أديس أبابا، وتم الاتفاق على توفير مظلة سياسية لدعم المفاوضات الفنية حول سد النهضة، والتغلب على أية عراقيل في هذا الصدد، والعمل على تعزيز التعاون الثلاثي بين مصر والسودان وأثيوبيا([7]). لكن سقوط البشير جعل مسار هذه المفاوضات ضبابيًا.

لكن بالمحصلة فإن أديس أبابا تمكنت من تحقيق اختراق ملحوظ في مسار إتمام تشييد سد النهضة الذي يعد أحد أهم ركائز النهضة الاقتصادية في حسابات الحكومة الأثيوبية لذلك فإن بناء علاقات متينة وجيدة مع مصر سيكون من أولوياتها وقد يقودها مستقبلاً إلى اتخاذ مواقف سياسية موافقة لمصر كدعم الجنرال الليبي خليفة حفتر، والاصطفاف ضد سياسات تركيا في المنطقة، وغيرها من المواقف التي قد تتبناها أديس أبابا مقابل دفع العلاقات مع مصر إلى الأمام لإتمام تشييد السد.

دور الوساطة وأثره في حل أزمة السودان

قام رئيس الوزراء آبي أحمد في حزيران/يونيو بزيارة رسمية إلى السودان للقاء الفرقاء السودانيين بعد سقوط البشير للعب دور وساطة في حل التباينات الحاصلة بينهم، وجاءت هذه الخطوة كاستجابة “لطلب مجلس السلم والأمن الإفريقي، من الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، والتي تترأسها أثيوبيا، بالتواصل مع السودان وبذل جهود من أجل استعادة السلام والاستقرار”.

في ذات الوقت تحركت أديس أبابا للعب هذا الدور المحوري في مسار الأزمة السودانية لاعتبارات أمنية تتعلق بعملية ضبط الاستقرار الحدودي مع السودان كي يتم درء المخاطر المتعلقة بعودة نشاط الجماعات المتمردة التي تمتلك ارتباط نفوذ بوسط إفريقيا والقرن الإفريقي ما يعني تهديد الأمن القومي الأثيوبي. بالإضافة إلى اعتبارات سياسية تكمن في إظهار أثيوبيا ـ”قوة قيادية وازنة محايدة تشجع على الديمقراطية”([8]) في المنطقة، وهو ما يقطع الطريق أمام دخول مصر للعب هذا الدور لكي لا يكسبها قوة تفاوضية أكبر في مباحثات سد النهضة بحيث يصبح السودان طرفًا مؤيدًا للمطالب المصرية بخصوص السد وتقل فرص أديس أبابا في إمكانية تحقيق سقف مطالب عالٍ في هذا الملف. لذلك كان التحرك الأثيوبي في الوساطة السودانية خطوة دبلوماسية متعددة الأهداف، وقد أثرت إيجابًا في مسار المفاوضات بين الفرقاء السودانيين وأصبحت أديس أبابا ملتقى القوى السياسية للحوار والتفاوض، وهي عملية بناء نفوذ سياسي ناعم لأثيوبيا يعزز من مصالحها في مستقبل السودان الانتقالي والسياسي.

العلاقة مع إسرائيل والانتقال إلى التأثير الإقليمي

 لأثيوبيا علاقات جيدة مع إسرائيل كون العديد من الأثيوبيين اليهود (يهود الفلاشا) قد هاجروا إلى الأخيرة واستوطنوا فيها، عدا عن استمرار استقدام يهود أثيوبيا إلى إسرائيل لتوفير الأيدي العاملة. – وصلت في مطلع العام الحالي دفعة جديدة من مهاجري يهود أثيوبيا إلى إسرائيل ([9])– ويعود تاريخ العلاقات بينهما إلى “عام 1989 حين زار رئيس وزراء أثيوبيا آنذاك تل أبيب، ثم تلتها زيارة وزير خارجية أثيوبيا 2003، أعقبها الزيارة التاريخية لوزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق، سيلفان شالوم إلى أديس أبابا في 2004، برفقة وفد اقتصادي مكون من 22 شخصية اقتصادية إسرائيلية معروفة، لتعلن بموجبها تل أبيب نيتها تطوير الصناعة والزراعة الأثيوبية عن طريق استخدام التكنولوجيا الزراعية التي تفتقر إليها أثيوبيا”([10]). وفي عام 2016 وقعت أثيوبيا وإسرائيل، اتفاقية تعاون ومذكرة تفاهم في مجالات عدة، عقب لقاء رئيس الوزراء الأثيوبي السابق، هيلي ماريام ديسالين” نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في العاصمة أديس أبابا([11]).

وعليه فإن العلاقات بين البلدين تتمتع بمتانة وشبكة مصالح قوية على أصعدة مختلفة بين الدولتين. وقد ظهر تأثيرها بشكل أكثر فاعلية عام 2013 عندما وقعت إسرائيل اتفاقًا مع أثيوبيا ينص على توزيع الكهرباء المنتجة من سد النهضة([12])، وقامت بتقديم الدعم لموقف أثيوبيا بأحقيتها في بناء السد([13]). وهو ما شكل ضغوطاً على الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لإبداء المرونة في الموقف المصري لدفع مفاوضات السد إلى الأمام.

كما أعلنت السفارة الإسرائيلية في أديس أبابا عن دعمها للإصلاحات التي يقوم بها رئيس الوزراء الحالي آبي وأبدت التزامها بدعم أثيوبيا لتطبيق وتنفيذ هذه الإصلاحات التي تقوم بها الحكومة بأي شكل من الأشكال المطلوبة([14]).

بالتالي فإن العهد الجديد للدبلوماسية الأثيوبية قد دخل مرحلة التنفيذ ودائرة التأثير في المحيط الإقليمي، لكن هل ستتمكن أديس أبابا من بناء مصالح بعيدة المدى في ظل وجود تباينات وتجاذبات دولية بما يخص القارة الإفريقية وبشكل خاص في شمالها وفي القرن الإفريقي؟ وكيف ستتمكن الحكومة من إمساك زمام الأمور داخليًا لإحداث توازن مع سياسة انفتاحها على الخارج خصوصًا بعد محاولة الانقلاب التي شهدتها ولاية أمهرة مؤخرًا والتي أدت لمقتل رئيس أركان الجيش الأثيوبي؟

([1]) “العلاقات الدبلوماسية الإثيوبية القطرية.. دبلوماسية متقلبة”. مركز الجزيرة للدراسات، 26-5-2013. https://bit.ly/2My4CgS

([2]) “ما قصة محاولة الانقلاب الغامضة في أثيوبيا؟”. الجزيرة نت، 25-6-2019. https://bit.ly/2NcyhOF

([3]) “هل كان صراعًا على قرية؟ أصل الصراع بين أثيوبيا وإريتريا”. إضاءات، 18-8-2018. https://bit.ly/2wbnacQ

([4]) “إعلان السلام بين أثيوبيا وإريتريا بعد عشرين عاما من الحرب”. فرانس 24، 9-7-2018. https://bit.ly/2K80jqG

([5]) “رئيس الوزراء الأثيوبي: مشروع سد النهضة قد “لا يرى النور قريبا”. بي بي سي، 26-8-2018. https://bbc.in/2YxaSvD

     “سد النهضة في أثيوبيا: مدير المشروع قتل رميا بالرصاص في وضح النهار”. بي بي سي، 26-7-2018. https://bbc.in/2YyUXgu

([6]) “7 أعوام على سد النهضة.. “طفل أثيوبيا” الذي يُهدد مصر “قد لا يرى النور”. مصرواي، 23-9-2018. https://bit.ly/2V4AtaG

([7]) “القاهرة: “اتفاق” مصري أثيوبي سوداني بشأن مفاوضات “سد النهضة”. الأناضول، 10-2-2019. https://bit.ly/2thHsR4

([8]) “هل تنجح الوساطة الأثيوبية في حل أزمة السودان؟”. إضاءات، 9-6-2019. https://bit.ly/2YD9SC0

([9]) “إسرائيل تستوعب 82 مهاجرا أثيوبيا في أول دفعة لعام 2019”. تايمز أوف إسرائيل، 5-2-2019. https://bit.ly/2MybJps

([10]) “لماذا اختار الكيان الصهيوني “أثيوبيا” كنقطة انطلاق نحو التوسع في إفريقيا؟”. نون بوست، 14-6-2016. https://bit.ly/2OOmaYX

([11]) “أثيوبيا وإسرائيل توقعان على اتفاقية تعاون في مجالات عدة”. الأناضول، 7-7-2016. https://bit.ly/2DPrdQC

([12]) “شركة إسرائيلية تتولى توزيع وتسويق كهرباء سد النهضة.. ودول خليجية ستقيم مشاريع مع أديس أبابا”. القدس العربي، 4-5-2013. https://bit.ly/2ZmENE5

([13]) “العلاقات الإسرائيلية–الأثيوبية: استغلال واستثمار وتهديد دولة عربية”. كيوبوست، 15-8-2018. https://bit.ly/2MLpuS2

([14]) “علام اتفق البلدان… مسؤول يكشف أنشطة إسرائيل داخل أثيوبيا”. سبوتنيك، 7-12-2018. https://bit.ly/2KezKz4

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق