الاصداراتتقدير موقف

الاحتجاجات في إيران وخيارات السلطة

تمهيد:

يعيش النظام في إيران حالة إرباك  على وقع تعرضّه لموجة احتجاجات جديدة في 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، مناهضة لقرار اتخذه المجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي في إيران [1]، بإعلانه رفع تعريفة البنزين ثلاثة أضعاف عن سعره السابق.

 وقد بررّت طهران إجراءها باعتباره خطوة ضمن خطة التقنين الاقتصادي الذي بدأ العمل بها لأول مرة في 2007، في مسعى لإصلاح منظومة الدعم الحكومي للوقود، ووضع حد للتهريب الذي ينتشر على نطاق واسع. فيما الخطوة الأخيرة التي ادعى الرئيس حسن روحاني أنها تهدف لمساعدة المحتاجين والفقراء، أسقطت أيَّ اعتبار لتداعيات رفع سعر الوقود، وما سيترتب عليه من غلاء للمواد والسلع الأساسية على ذات الشريحة المراد مساعدتها وهي الفئة الكبرى في إيران التي تعيش تحت خط الفقر، ما أدى لخروج غالبية قوميات المجتمع الإيراني باحتجاجات جابت معظم المدن بالأخص في المناطق ذات الثقل الشيعي في الجنوب والشرق وصولاً للأهواز وطهران وأصفهان وشيراز.

 وسرعان ما تحولت الاحتجاجات إلى حركات شغب وتخريب في الممتلكات العامة وحرق للبنوك وغلق الشوارع بالسيارات. استوجب ذلك رد فعل عنيف من النظام الإيراني لقمع الاحتجاجات بعد تصريح المرشد علي خامنئي، في 17 نوفمبر/ تشرين ثاني 2019م، حيث أيد قرار رفع البنزين ووصف حركة الاحتجاجات بأنها مؤامرة مدعومة من أطراف خارجية كأمريكا وإسرائيل [2]، كذلك توالت التهديدات من الرموز العليا للسلطة كتصريح المدعي العام الإيراني محمد جعفر منتظري الذي وصف الاحتجاجات بأنها أعمال شغب وهدد بمواجهة المحتجين، كما توعد وزير الداخلية الإيراني عبد الرحماني فضلي، بعدم التسامح أو التساهل وتحريك قوات الأمن لاستعادة الهدوء معتبرًا أن الوضع الحالي ليس في صالح أحد، وأضاف مستشار الرئيس الإيراني للشؤون الثقافية حسام الدين آشنا، بأن إيران ليست العراق أو لبنان، حتى يتم السماح للإعلام المأجور بتحديد مصيرها [3]. وقد تُرجمت على الفور هذه التهديدات بتطبيق سياسة العنف الشامل بعد التحكم بوسائل الاتصالات وشبكات الإنترنت، والتي أسفرت عن تنفيذ آلاف حالات الاعتقال وقتل المئات وإصابة آلاف الجرحى حسب ما تم توثيقه من قبل المعارضة الإيرانية.[4] 

الجدير ذكره بأن الاحتجاجات الراهنة في إيران لم تكن الأولى فمنذ حقبة انقلاب الخميني 1979 وحتى 2019، أصبحت ظاهرة اجتماعية وسياسية عند مكونات الشعب الإيراني المطالبين بتغيير جذري في سلوك النظام، وإنهاء هدر الثروات الاقتصادية خارجيًا على ما بات يٌعرف بالهلال الشيعي. لذا فإن تشكيل حالة الوعي الجمعي عند شرائح مجتمعية جديدة حالمة بواقع ومستقبل أفضل ستشكل تحديًا كبيرًا وصعوبة في وجه النظام الإيراني الرامي لقمعها، كما أن الإطار المغاير والسياقات العامة التي جاءت فيها هذه الاحتجاجات ستساهم في التضييق على خيارات السلطة، إذ تشهد الساحتان العراقية واللبنانية احتجاجات مماثلة لطهران، انطلقت في الأول من أكتوبر/ كانون الأول 2019 وتحمل ذات التوجهات والأهداف والمطالب التي كشفت عن حجم الفساد داخل أروقة الحكم، وأسقطت كل الرهانات القائلة في استمرار ضبط النزاعات والتحديات داخل أجنحة السلطة [5]، سواء في لبنان الذي يمر بحالة نزاع داخلي بين تحالف حزب الله وأنصاره ضد خصومه السياسيين، أو في العراق الذي يشهد حالة صدام بين المرجعيات الدينية والسياسية. ولأن العراق ولبنان تنظر لهما إيران على أنهما مرتكزان لمشروعها التوسعي في المنطقة، فإن خيار تطويقها من هذه المناطق سينعكس على الشأن الداخلي الإيراني وسيزيد من حجم التصدعات على ركائز النظام في طهران.

وما يساهم في تعقيد المشهد الإيراني، هو حجم التحولات الإقليمية والدولية وتأثيرها على السياسة الخارجية لإيران، فموضوع أثر العقوبات الاقتصادية وانخفاض حجم صادراتها النفطية لـ 160 ألف برميل بعدما كانت 2 مليون و200 ألف يوميًا، بفعل تطبيق الإدارة الأمريكية لسياسة الضغط الأقصى، يعد أكبر عائق أمام صناع القرار في إيران، سيما أنها المرة الأولى التي تصل فيها لهذا المستوى من الانهيار الاقتصادي رغم امتلاكها سجل حافل بالالتفاف على العقوبات منذ ثمانينات القرن الماضي.[6]

وتعكس الاحتجاجات الراهنة فشل حكومي في إدارة موارد البلاد، وتجاهل تام لمطالب الشعب مقابل التفرغ الكامل لتحقيق أهداف استراتيجية خارج حدودها، ورغم أن قرار رفع سعر الوقود تسبب في انفجار الشارع إلا أنه يعتبر الواجهة للاحتجاجات التي ساهم بإشعالها صراع أجنحة النظام بين الإصلاحيين والمحافظين. ولعل أهم تساؤل مطروح الآن: كيف يُقدم النظام الإيراني على خطوة تصعيدية داخل إيران في الوقت الذي يسعى لقمع حركة الاحتجاجات في مناطق نفوذه الحيوي؟ علمًا أن الموقف السلبي للنظام من احتجاجات العراق ولبنان ساهم إلى حد ما بنقل العدوى إليه، لكنها تبقى أسباب ثانوية مقارنة مع ارتفاع حدة الصراع بين التيارات المعتدلة والمتشددة داخل إيران على وقع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية للبلاد في العام 2020.

تصيغ الورقة تقدير موقف للأسباب الرئيسية للاحتجاجات، وخيارات النظام الإيراني في التعاطي مع موجة الاحتجاجات ومدى التأثير الخارجي عليها في الجوار العربي المشتعل.

الأسباب الرئيسية للاحتجاجات

صراع الأجنحة

جاءت الاحتجاجات الراهنة على خلفية الصراع بين تيارات النظام داخل السلطة، وهي بذلك لا تختلف عن الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في 2009 والتي كانت بسبب تنافس بين علي أكبر هاشمي رفسنجاني مع محمود أحمدي نجاد في قضية الانتخابات المشبوهة آنذاك [7]، كما أن احتجاجات 2018 كانت في جزء كبير منها ضمن إطار الصراع من قبل بعض التيارات المحافظة ضد تيار روحاني بهدف إقصائه كأحد الأسماء المرشحة لخلافة المرشد. وكمسار تصاعدي لحدة التنافس بين أجنحة النظام فإن قرب الانتخابات التشريعية والرئاسية التي ستشهدها إيران في عامي 2020- 2021، تعد سببًا رئيسيًا في تفجير احتجاجات 2019، ففي 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، شن الرئيس حسن روحاني هجومًا على السلطة القضائية في مدينة يزد الإيرانية، ووجه انتقادات حادة لها في إشارته لملفات الفساد. حيث طالب رئيس السلطة القضائية تقديم توضيحات للعامة بخصوص الفساد بملايين الدولارات، وطالب من الشركات تقديم توضيحات على ما تم إنفاقه من بيت المال وملفات إعمار الدولة، ومصير الشخص الذي اعتقلته السلطة القضائية قبل عامين في قضية اختلاسه لمليارين و70 مليون دولار [8].

خطاب روحاني في مدينة يزد وإثارته لملفات الفساد التي جاءت في وقت يعيش فيه نصف سكان إيران تحت خط الفقر، أدت إلى استياء عام لملايين المواطنين، وزادت من فجوة الصدع بين الناس والنظام الذي أقر بأنه يمر بأكبر أزمة اقتصادية منذ تاريخ تأسيس الجمهورية الإيرانية [9]، فيما المفارقة تكمن في غاية روحاني من تأليب الشارع الإيراني وعما وراء فتحه لملفات الفساد على الرغم من أن شقيقه متورط بقضايا فساد مماثلة. كما أن ردة الفعل من التيار المحافظ لم تكن متأخرة حيث وصفت صحيفة كيهان ذات الخط الأصولي تصريحات الرئيس في مدينة يزد بالمتناقضة، واعتبرت أن روحاني بهجومه على السلطة القضائية يحاول التهرب من الإجابة على مطالب الشعب الذين سألوه عن عمل حكومته خلال خطابه، مضيفًة أن روحاني طمأن الغرب بعدم نية إيران الخروج من الاتفاق النووي [10]، وهو الأمر الذي أجج حالة النزاع مع التيار الذي يمثله المرشد وأنصاره الرافضين لأية مفاوضات جديدة مع أمريكا.

أراد روحاني إظهار حالة من الاستعراض أمام الجمهور وحرف أنظارهم عن امتعاضهم من عدم تنفيذ وعوده الإصلاحية التي أطلقها خلال حملته الانتخابية، كما أن قرار رفع سعر الوقود يأتي في سياق سعيه كسب أصوات  الناخبين في القرى والمناطق الفقيرة، في إيران تمهيدًا للتحضيرات الانتخابية المقبلة، واللافت أن هذه الخطوة مستلهمة من فكرة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد خلال حملته الانتخابية والتي ركز فيها على استقطاب الشرائح الفقيرة، ما يفسر بحسب خبراء أن روحاني ارتكب خطأ استراتيجي في إقدامه على هذه الخطوة، فالسياق العام الذي مرت فيه إيران خلال فترة أحمدي نجاد تختلف كليًا عن المرحلة الراهنة في ظل فرض حالة من العزلة الدولية على  إيران، والتدهور الاقتصادي الذي وصل لمراحل خطيرة انعكست بشكل مباشر على تدني المستوى المعيشي داخل إيران. فيما الاستفسار الملح يبقى حول طبيعة استثمار علي خامنئي لقرار رفع الوقود إذ يعكس تأييده تنفيذ الإجراء عن رغبة ضمنية في استثمار تداعيات القرار وتوظيفه في سبيل إضعاف الرئيس روحاني، وإقصائه تدريجيًا من المشهد السياسي، لا سيما أن الرئيس كان قد وجه انتقادات في شهر أكتوبر/ تشرين أول 2019 لمجلس صيانة الدستور المسؤول عن إقصاء المرشحين أو قبولهم ، وقد كشفت خطوات روحاني الانتقادية لمجلس صيانة الدستور عدة دلائل على تنامي وتيرة الصراع مع التيار المتشدد وفق ما يأتي:

_ مجلس صيانة الدستور يهيمن عليه المحافظون الذين يقومون بفرض رقابة على المرشحين في أي  انتخابات في إيران، ويمثل أهم هيئة رقابية في النظام الإيراني، ويفحص مؤهلات المرشحين قبل العملية الانتخابية، وله الحق في تفسير نصوص الدستور، وتحديد مدى مطابقتها مع الشريعة والدستور الإيراني ويتكون من 12 عضو بينهم 6 رجال دين بدرجة فقيه يعينهم المرشد علي خامنئي و6 حقوقيين يرشحهم رئيس السلطة القضائية ويتم تعيينهم بعد مصادقة البرلمان وموافقة المرشد، ومن خلال الهيكلية التنظيمية للمجلس وطريقة عمله يُتهم بأنه أداة طيعة في خدمة تطلعات المرشد.

_ إن إدراك الرئيس حسن روحاني لقدرة تأثير مجلس صيانة الدستور على العملية الانتخابية، جعلته يقدم على خطوة استباقية بهدف طمأنة أنصاره الإصلاحيين الذين يخشون خسارة مقاعدهم الانتخابية في البرلمان المقبل، وذلك بسبب فشله في تطبيق خططه الإصلاحية وتدهور وضع الاقتصاد خلال توليه منصب الرئاسة، لذا فإن روحاني يخشى من أن يقدم مجلس صيانة الدستور على رفض أهلية أنصاره من القيادة الإصلاحية والمعتدلة خلال عملية الفحص التي تسبق الانتخابات المزمع عقدها في فبراير 2020.

_ ضغط روحاني على مجلس صيانة الدستور زاد من حدة الصراع مع المتشددين، حيث عقّب أمين مجلس صيانة الدستور على كلام روحاني بقوله: ” إن المجلس لن يرضخ للضغوط السياسية التي تمارس ضده، فيما وجه عضو مجلس خبراء القيادة أحمد خاتمي اتهامًا مباشرًا لروحاني بقوله: ” إنه يشتم من كلام روحاني رغبته في تقسيم المجتمع الإيراني إلى قطبين، معتبرًا أن الانتخابات ليست خصومة بين التيارات السياسية، وأن الديمقراطية لا تعني تسجيل أسماء المرشحين في الانتخابات المقبلة دون مساءلة” [11].

 فشل إداري اقتصادي

يعود السبب الأول في أزمة إيران الاقتصادية إلى استمرار العقوبات الأمريكية المفروضة عليها منذ خروج الإدارة الأمريكية من الاتفاق النووي 2018، والتي حظرت التعامل التجاري مع البنوك الإيرانية بالدولار الأمريكي، كما أن إلغاء الإدارة الأمريكية مسألة الاستثناءات مع الدول المستورد للنفط من إيران أدت إلى انخفاض صادراتها النفطية، وهو ما أثر سلبًا على القطاعات غير النفطية التي تعتمد عليها كمصدر ثانٍ في اقتصادها كقطع السيارات والآلات والبناء، كما إن اعتماد إيران على النفط كمصدر ثابت في الحصول على الإيرادات النقدية يمثل سببًا آخر في انخفاض معدل صادراتها النفطية، وحسب تقديرات البنك الدولي فإن العجز المالي وصل إلى 5،6 % من الناتج المحلي الإجمالي في 2019،  كما قُدر حصول انكماش في الاقتصادي الإيراني إلى 8،7% في 2020.[12]

وفي مؤتمر صحفي عقده الرئيس حسن روحاني، في 15 أكتوبر الماضي، أدلى بعدة تصريحات بشأن الملف الاقتصادي، واعتبر أن نسبة  التضخم انخفضت من 52% إلى 43% مقارنة مع العام 2018، واعتبر أن هذا التراجع هو إنجاز للحكومة، لكن بخلاف زعمه والذي جاء لتبريد حدة غضب الشارع فإن انخفاض القوة الشرائية للفرد هي التي أدت إلى انخفاض نسبة التضخم عن العام الماضي مع العلم أنها لا تزال مرتفعة جدًا، وفي تقرير صادر عن  القدرة التنافسية لعام 2019، للاقتصاد الكلي لدى إيران، فقد صنفت إيران كواحدة من أعلى دول الشرق الأوسط تسجيًلا لمعدلات التضخم، ويعود السبب لزيادة أسعار تضخم المستهلكين وانخفاض في قيمة السيولة الإيرانية التي وصلت قيمتها إلى أكثر من 14 ألف تومان أمام الدولار، وهي أرقام تعد خطيرة في الاقتصاد خاصة لدولة نفطية كإيران. كما إن معدلات البطالة ارتفعت بمعدل 16% وانخفضت معدلات مشاركة القوى العاملة إلى 40،6% وبلغ عدد العاطلين عن العمل أكثر من 3 مليون، ووصل مؤشر خط الفقر إلى 55%.[13]

لقد كشفت الأرقام المذكورة عن حجم الفساد الإداري والحكومي لدى أصحاب القرار في إيران، وهو ما شكل حالة من الجدل داخل الأوساط السياسية التي انقسمت فيما بينها في تفسير الواقع الراهن على أنه مؤامرة من الخارج من جهة، وأخرى ترى أن العقوبات الأمريكية هي جزء بسيط وعامل مؤثر في تدهور الاقتصاد، لكنها ترى بأن أساس التدهور هو تراكم فشل إداري حكومي متواصل رافق الإدارات المتعاقبة على إيران منذ 1979.

وفي كلتا الحالتين فإن تردي الوضع الاقتصادي ساهم في زيادة الشرخ بين الشعب الإيراني والقيادات السياسية والدينية في إيران، ودفعته للنزول إلى الشارع ورفعه شعارات تجاوزت المطالب الإصلاحية، لتصل لدرجة حرق صور لأعلى رموز السلطة الممثلة في شخص المرشد علي الخامنئي.

الاستياء من السياسة الخارجية

بدأت الاحتجاجات الراهنة بشعارات اقتصادية، لكن سرعان ما تحولت إلى شعارات سياسية تتعلق بالسياسة الخارجية للبلاد، فإيران ومنذ عهد الخميني رسخت استراتيجية سياسية بطابع أيديولوجي، مفادها ضرورة البحث عن دور إقليمي معترف به دوليًا، وفي سبيل تحقيق مكاسب سياسية تبنَّت نظرية تصدير الثورات خارج نطاقها الحيوي، بهدف التغلغل في شؤون الدول الداخلية وهو الأمر الذي كشفته مؤخرًا تقارير استخبارية مسربة تثبت حجم تورط إيران في المنطقة [14].

 وعبر عقود استطاعت طهران بناء قاعدة نفوذ لها في العراق ولبنان وسورية واليمن، وأنفقت مئات الملايين على إنشاء قوات غير نظامية وأذرع كحزب الله في لبنان ومليشيات الحشد الشعبي في العراق، و دعمت جماعة أنصار الله الحوثي في اليمن، وأغرقت سورية بخليط مليشات متعددة الجنسيات، كما أن الحرس الثوري الإيراني يعتبر ذراعها الخارجي ويشرف على تنفيذ سياساتها التوسعية بقيادة قاسم سليماني. وبعد حقبة الاحتجاجات التي اجتاحت دول الوطن العربي منذ 2010، أصبح لدى إيران قناعة راسخة بأن حضورها في جميع ملفات دول الجوار أصبح ضرورة للحفاظ على أمنها القومي، ولحماية المكاسب التي حققتها خلال العقدين الماضيين فإن تغيير الجغرافية السياسية للمنطقة أصبح هدف أساسي ضمن توجهاتها الخارجية. وبموجبه فإن هذه الطموحات التوسعية كلفت إيران تسخير غالبية مواردها الاقتصادية نحو الخارج وغدا الدعم الخارجي لحلفائها غاية تعلو فوق حقوق الإيرانيين ومستقبلهم، وبحسب دراسة صادرة عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، فإن إجمالي نفقات إيران على أنشطتها التوسعية في جوراها العربي بلغ 16 مليار دولار، وبحسب نفس المصدر فإن إيران تنفق على مليشيات حزب الله سنويًا ما يقارب 700 مليون دولار [15].

الأرقام الضخمة الموثقة لم تعد حقائق سرية على الشعوب العربية التي استشعرت بمدى الضرر والمستقبل المظلم عليها في حال بقاء تسلط أذرع إيران على ثروات بلادهم، كما إن خروج أجيال شابة من رحم التبدلات المجتمعية جعلها تدرك بأن النموذج الأيديولوجي الإيراني العابر للقارات لم يعد عليها إلا بمزيد من الحرمان، لذا نرى بأن الاحتجاجات الراهنة في لبنان والعراق وإيران تتلاقى من حيث المطالب بإنهاء دور أذرع إيران التخريبية في بلادهم. و هو ما قاد إلى حالة صدام بين مطالب الجماهير وبعض الأحزاب الدينية والسياسية التي تضمر ولاءها المطلق لإيران.

 وبموجبه يمكن الإقرار بأن  إيران حتى الوقت الراهن لا تبدي أي استعداد لأي تنازلات سواء على الصعيد الداخلي أو في مناطق نفوذها كالعراق ولبنان، وقد تجلى ذلك من خلال سلوكها الواضح في محاولتها التدخل المباشر لقمع الاحتجاجات بهدف الحفاظ على العملية السياسية القائمة على أساس المحاصصة الطائفية، ومن خلال عدة مواقف سياسية أبرزها تصريح المرشد علي خامنئي في 30 أكتوبر/ تشرين أول 2019،[16] بأن الدول الغربية توظف أموالها لدعم أحداث الفوضى والشغب في دول المنطقة. كما وصفها المساعد الخاص لرئيس البرلمان للشؤون الخارجية حسين أمير عبد اللهيان بأنها حركات غايتها زعزعة الأمن والاستقرار ونشر الفوضى في العراق ولبنان.[17]

لم تنتهِ المواقف عند هذا المنعطف فقد توالت التهديدات وترجمت بتدخل مليشيات مدعومة من إيران لقمع الاحتجاجات، حيث شهد العراق أواخر شهر نوفمبر/ تشرين ثاني 2019 أعنف حالات الأعمال العسكرية التي أسفرت عن ارتكاب مجازر في مدينة الناصرية والقادسية وذي قار والتي جاءت بعد قيام المحتجين بالاعتداء على القنصلية الإيرانية في كربلاء والنجف.

خيارات إيران

إيران تمتلك أداوت عديدة ومناهج متكاملة في قمع الاحتجاجات ومنعها من الخروج عن السيطرة، وهذا يعود لامتلاكها أساليب سابقة تستفيد منها، ففي احتجاجات 2009 أعاد النظام الإيراني تنظيم جهازه القمعي، كما عزز وجود جهاز الشرطة ومليشيا الباسيج في جميع أنحاء البلاد بعد اندلاع احتجاجات شهدتها البلاد في 2017- 2018،[18] ما يعني أن هذه الإجراءات وغيرها تجعل النظام في وضع الجاهزية التامة لقمع أي عمليات، مستخدمًا أسلوب القوة المفرطة وتنفيذ خطط اعتقال والتكتم عليها، وهذا ما اتضح من خلال المعلومات التي سربت عن سحب إيران عشرات الجثث من داخل المستشفيات والتخلص منها [19]. فضًلا عن أن الاحتجاجات العشوائية وبدون قيادات منظمة داخل إيران تساعد النظام على إخمادها بسرعة، نظرًا لاستحالتها تحقيق تغير سياسي على المدى القريب، وفي الحالة الإيرانية يستحيل أن تتصدَّر قيادات منظّمة من داخل إيران تقود الاحتجاجات لأن ذلك سيجعلها عرضة للتصفية على وجه السرعة.

في الداخل الإيراني اتبعت طهران أسلوب الاحتواء ونجحت في تقليص المساحات الجغرافية التي انتشرت فيها الاحتجاجات خلال أيام في غالبية المدن الإيرانية لتقتصر مؤخرًا على بعض المناطق كالأحواز العربية التي اختزلت فيها الاحتجاجات على تنفيذ عمليات إضراب واعتصامات. وتفسير ذلك مرده لتطبيق السياسات الأمنية الشديدة وتشديد الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي لمنع خروج المعلومة إلى الرأي العام، كما أن غياب الضغط الدولي والإعلام الغربي في تغطية الاحتجاجات واقتصار المجتمع الدولي على أسلوب التنديد، مكَّن النظام الإيراني من مواصلة عملية القمع دون أي رادع أخلاقي. كذلك سعت إيران إلى حرف أنظار الرأي العام عن وضعها المحلي ووجهته إلى الساحتين العراقية واللبنانية، بهدف تخفيف الضغط عليها وتبريد حدة الشارع، والحفاظ على الثقل والمكانة الإقليمية لطهران، وهذا يعكس مدى التأثير الديني داخل إيران في قمع الاحتجاجات على عكس الصعوبات التي تمر بها اليوم في العراق ولبنان، فرغم كل التأثير الإيراني في جوارها العربي، إلا أن إيران تختلف كليًا عنهما من حيث تبنيها أساس أيديولوجي في بناء جمهوريتها، وترسيخها طيلة عقود ماضية اعتقادات داخل أطياف الشعب الإيراني مفادها أن أي عمليات اضطراب تحدث داخل إيران هي صنيعة مؤامرات خارجية.

واستنادًا على كل ما سبق يمكن استنتاج الآتي:

_ رغم نجاح إيران في احتواء الاحتجاجات الراهنة إلا أن ذلك لا يعني نهايتها، وذلك لأنها ترتبط مع التداعيات المترتبة عليها في الساحتين العراقية واللبنانية، كون أن إيران أصبح لديها رغبة كلية في ترتيب الأوضاع الداخلية في تلك الدول منعًا من خسارة مكتسباتها وأذرعها التوسعية وهذا ما يفسر تنقل وظهور قاسم سليماني بين العواصم العربية.

 _ من وجهة نظر طهران إذا ما نجح الحراك الشعبي في العراق ولبنان من  إحداث تغير جذري في كامل المنظومة السياسية فإن ذلك يعني بداية النهاية لنفوذها في المنطقة وانكفاءها نحو الداخل، وبهدف منع الوصول لنقطة صفر تعمل في الوقت الراهن على تفريغ المضامين الأساسية لمطالب الاحتجاجات في العراق ولبنان بعدما نجحت في تفريغها داخل إيران.

_ يراهن النظام الإيراني على الحفاظ على أساس العملية السياسية التي تبلورت في لبنان بعد اتفاق الطائف 1989، وفي العراق بعد سقوط نظام صدام حسين في 2003، وبموجبه تعمل على إبقاء عوامل الضبط ومنعها من الخروج عن السيطرة الكلية، ففي لبنان تحاول المحافظة على ذراعها حزب الله من خلال تمسك الأخير بنسبته البرلمانية في أية حكومة قادمة، وعراقيًا وبعد استقالة وزير الحكومة عادل عبد المهدي تسعى لإعادة ترتيب الأوراق وإحداث تغيير نسبي دون أن يصل لحد المساس بالتوازنات القديمة التي ثبت دعائمها حكومة نوري المالكي في 2006.

_ مع ذلك تبقى النتائج غير واضحة المعالم مع تعقيد المشهد في الساحة العراقية، واستمرار حالة الفوران الشعبي الرافضة لكل رموز العملية السياسية الحالية، لذا فإن الرهان سيكون على عامل الوقت أمام صمود واستمرار حالة الاحتجاجات في مواجهة الأساليب الناعمة والخشنة لدى إيران في المنطقة، والحقيقة الراسخة هي عدم وجود أي رغبة لدى إيران في تقديم أي تنازلات لشعوب المنطقة، بل على العكس هي تبدي المزيد من الاستعداء وتجاهر في أساليب القمع والتهديد مقابل الحفاظ على مكاسبها في المنطقة.

_ تبقى توجهات إيران وتطلعاتها في تجاوز الاحتجاجات قاصرة ففي الداخل الإيراني رغم نجاحها في احتواء الموقف، لكنه يبقى احتواءً جزئيًا مع استمرار حالة الصراع داخل أجنحة النظام، لا سيما أنها كانت وراء الاحتجاجات الحالية، ومن المرجح أنها ستزداد توترًا مع اقتراب الانتخابات في العام 2020، إضافةً إلى إن استمرار تردي الوضع الاقتصادي وعدم لجوء النظام الإيراني لتغير سياساته في النظر لتطلعات الداخل، سيُبقي على عوامل وبذور الاحتجاجات لدى كافة الشرائح الفقيرة والتي لن تتوانى عن الخروج من جديد على غرار الأحداث المتواصلة منذ سقوط الشاه محمد رضا بهلوي وحتى الوقت الراهن.

[1] http://bit.ly/34FY8m6

سبوتنيك، المجلس الاقتصادي الأعلى في إيران يتخذ قرارا عاجلا بشأن زيادة أسعار الوقود، ن- بـ 16- نوفمبر/ تشرين الثاني 2019

[2] http://bit.ly/2ssOZPA

عربي بوست، خامنئي يُصر على تطبيق زيادة أسعار الوقود بإيران رغم الاحتجاجات، والسلطات تهدد بالحزم، ن- بـ 17- نوفمبر/ تشرين الثاني 2019.

[3] http://bit.ly/2sB84PN

سكاي نيوز، “لسنا مثل العراق ولبنان”.. 4 وقائع ترد على ادعاء إيران، ن- بـ 17- نوفمبر/ تشرين الثاني 2019.

[4] http://bit.ly/2La6ZEW

مرصد الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الإعلامي، الانتفاضة الإيرانية.. الاعتقالات بالآلاف، ن- بـ 26- نوفمبر/ تشرين الثاني 2019.

[5] http://bit.ly/2P2cvL0

الجزيرة للدراسات، الاحتجاجات الشعبية في العراق: التداعيات القريبة والبعيدة، ن- بـ 7- نوفمبر/ تشرين الثاني 2019.

[6] http://bit.ly/2qYlpRU

العربية نت، صادرات نفط إيران تنخفض إلى 160 ألف برميل يومياً، ن- بـ 5- سبتمبر/ أيلول، 2019.

[7] http://bit.ly/35Wjyvs

الجزيرة، الحركة الخضراء الإيرانية.. “ثورة” شعبية لم تكتمل، وثائق وأحداث، شوهد، بـ 3- ديسمبر/ كانون الأول 2019.

[8] http://bit.ly/2DEdwDN

المركز العربي للبحوث والدراسات، الاحتجاجات في إيران وخطأ روحاني الاستراتيجي، ن- بـ 18- نوفمبر/ تشرين الثاني 2019.

[9] http://bit.ly/2PcfvVo

ميدل است أونلاين، روحاني يقر بأسوأ أزمة اقتصادية منذ 40 عاما، ن- بـ 30- يناير، كانون الثاني، 2019.

[10] http://bit.ly/34GQHuV

مركز الجزيرة للدراسات، إيران والحالة الاحتجاجية: البعد المطلبي وتحديات الاستقرار السياسي، ن- بـ 17- نوفمبر/ تشرين الثاني 2019.

[11] http://bit.ly/2DCyanV

العربية نت، مقرب من خامنئي يهاجم روحاني حول مجلس صيانة الدستور، ن- بـ 12- أكتوبر/ 2019.

[12] http://bit.ly/2r4pP9T

العربي الجديد، نموّ الدول العربية وأخطارها في توقعات البنك الدولي 2020-2021، ن- بـ 10- أكتوبر/ أيلول 2019.

[13] http://bit.ly/2syK7Zi

المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، تقرير رصد للحالة الإيرانية لشهر أكتوبر، 2019، ن- بـ 19- نوفمبر/ تشريم الثاني 2019.

[14] http://bit.ly/33FQLK6

العربية نت، وثائق إيران المسربة تغضب الشارع العراقي ومطالبات بمحاكمة الجواسيس، ن- بـ 19- نوفمبر/ تشرين الثاني 2019.

[15] http://bit.ly/34O6OHr

ANS ، دراسة: إيران تنفق 16 مليار دولار على فصائلها.. وتظاهرات العراق “مشكلة، ن- بـ 9- نوفمبر/ تشرين الثاني 2019.

[16] http://bit.ly/34MryiA

DW خامنئي يتهم دولا غربية بتأجيج الاضطرابات في لبنان والعراق، شوهد بـ 4- ديسمبر/ كانون الأول 2019.

[17] http://bit.ly/2sGduct

العربية نت، مسؤول إيراني: ما يحصل في لبنان والعراق ليس صدفة، ن- بـ 60 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019.

[18] http://bit.ly/2RfjhQ7

معهد واشنطن، احتجاجات البنزين في إيران: نظام لا يحظى بشعبية ولكنه مرن، ن- بـ 18- نوفمبر/ تشرين الثاني 2019.

[19] http://bit.ly/2Y9eVvy

العربية نت، 150 قتيلا في احتجاجات إيران.. وجثث تنقل ببرادات اللحوم، ن- بـ 21- نوفمبر/ تشرين الثاني 2019.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق