الاصداراتالدراسات الاستراتيجية

الأطراف الفاعلة في تقرير مصير إدلب

(اتفاق سوتشي نموذجاً)

مقدمة

تنتظر محافظة إدلب تطبيق خارطة الطريق التي تم التوصل إليها بين روسيا وتركيا، حيث أعلن الطرفان عن اتفاق لإبقاء محافظة إدلب ضمن مسار أستانا المعروف بخفض التصعيد، وبعد مضي أيام على توقيع الاتفاق سرعان ما ظهرت تباينات في تفسير بنوده، الأمر الذي طرح العديد من التساؤلات حول إمكانية نجاح وفشل الاتفاق والتداعيات المُلقاة على مستقبل المدينة وآثرها على مسار التسوية السياسية.

نناقش في هذه الورقة دور الأطراف الفاعلة في تقرير مصير محافظة إدلب عبر توضيح الدوافع والأهداف الجيوسياسية للدول الفاعلة في ملف الشمال، وإمكانيات تطبيق وفشل اتفاق سوتشي، وأثرهما على مسار التسوية السياسية، والسيناريوهات المتوقعة لمصير إدلب، معتمداً الأسلوب التحليلي.

 أولًا: موقف الأطراف الفاعلة في إدلب

مدخل:

توصل الرئيسان “رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، مساء الاثنين 17- سبتمبر/أيلول 2018م، إلى اتفاف ثنائي حول محافظة إدلب في مدينة سوتشي الروسية[1] قضى الاتفاق إلى تجنيب المدنية عملية عسكرية شاملة من خلال إنشاء منطقة منزوعة السلاح بعمق يتراوح ما بين 15إلى 20كم، مناصفةً في خطوط التماس بين مناطق النظام و المعارضة على أن يتم إنجازها بحلول 10-تشرين الأول/ أكتوبر 2018م، كما نص الاتفاق حسب ما أعلنه الرئيسان في المؤتمر الصحفي عشية توقيع الاتفاق، تولى تركيا زمام الأمور في سحب السلاح الثقيل من الفصائل من جهة المنطقة المحاذية لتركيا بعمق 7 إلى 10كم  وخروج أو تفكيك جميع الفصائل المتفق عليها أنها إرهابية بما  فيها هيئة تحرير الشام والحزب التركستاني الإسلامي ومقاتلين الأيغور وبؤر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، مقابل أن تتخلى روسيا عن عملية عسكرية في إدلب وتتعهد بعدم دخول مليشيات النظام وإيران إلى عمق مناطق النفوذ التركي شمالاً، وتتكفل بتراجع وسحب السلاح الثقيل لميلشيات النظام بمسافة 7 إلى 10كم.

كما اتفق الطرفان على تسيير دوريات مشتركة على كامل امتداد المنطقة منزوعة السلاح لضمان الالتزام بتطبيق الاتفاق، وتفعيل الطُرق الدولية برقابة تركية روسية لطريق أم 4 ( حلب- اللاذقية) وأم 5 (حلب –حماه) وتعزيز بند وقف النار بشكل مستدام والاستمرار في محاربة جميع أشكال الإرهاب والحفاظ على وحدة سوريا أرضاً وشعباً.

ومن المفترض أن تطبيق بنود الاتفاق ضمن جدول زمني محدد أن يُفضي بدفع العملية السياسية لتشكيل لجنة دستورية وتفعليها استجابةً لجهود الدول الضامنة في مسار أستانا مع مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا “استيفان ديمستورا”.

مثّل الاتفاق في إطاره النظري خطوة مفصلية في تاريخ الصراع السوري، كونه جاء في الربع الأخير من هندسة روسيا والنظام لمساتهم الأخيرة لشن عملية شاملة في إدلب، تهدف لطي مرحلة الأعمال العسكرية وعودة سورية ظاهرياً لسلطة النظام، وفرض تسوية سياسية روسية تضمن لها بقاء طويل الأمد في شرق المتوسط كقوة منافسه للغرب، إلا أن جملة من المتغيرات الإقليمية فرضت على روسيا مراجعة حساباتها وأدت بها مؤخراً إلى احترام مصالح تركيا في الشمال السوري، سيما بعد تعثر قمة طهران التي عُقدت في 7-سبتمبر/ أيلول 2018م، وحالت دون الوصول لأي صيغة نهائية حول إدلب كما باعدت في وجهات النظر بين دول محور أستانا، ما دعا تركيا إلى ممارسة سياسة العصا الغليظة على روسيا أوصلتها في نهاية المطاف على توقيع الاتفاق، وهو ما طرح تساؤلًا عن سبب تراجع موسكو عن العمل العسكري والتنازل أمام نظيرتها تركيا، وقد بد هذا واضحاً من إعطاء موسكو زخم إعلامي للاتفاق واعتباره أرضية تبني عليها ركائز أولية للتسوية في سورية، وقد بدا قبول روسيا أنه طوق نجاة تركي للهروب من حالة الاستعصاء الدولي.

وعلى الرغم من إصرار طرفي الاتفاق على الحفاظ على مسار أستانا واللجوء ولو مرحلياً لسياسة تجميد الخلافات، إلا أنه سرعان ما ظهرت اختلافات في تفسير بنود الاتفاق على أقله ما ظهر  إعلامياً[2] وهو ما يتنافى حال وجود اتفاقيات سرية ليست فقط بين موسكو وانقره متعلقة بمصير إدلب، بل يتعدى الأمر إلى حد الشراكة مع واشنطن وأوروبا في هندسة استراتيجيات ما بعد إدلب، لتشمل كافة منطقة الشرق الجديد، وما يهمنا بعد هذا التمهيد محاولة الوصول إلى استنتاجات منطقية لمصير محافظة إدلب عبر فهم منطقي للتناقضات في مصالح الدول وربطهم مصير المدينة بملفات إقليمية ذات أبعاد استراتيجية الجميع يسعها لتحقيقها من بوابة سورية.

  1. الحسابات الروسية في إدلب

قُبيل لقاء القمة التي جمعت بوتين مع نظيره أردوغان في مدينة سوتشي الروسية، كان موقف موسكو أكثر حزماً حول شن عمليات جراحية في حزام محيط إدلب، تجلى ذلك سياسياً عبر تصريحات الرئيس الروسي عقب قمة طهران[3] ورفضه للعرض التركي بوقف إطلاق النار وإعطائه المزيد من الوقت لاستمرار الأخيرة في الوصول لتفاهمات مع هيئة تحرير الشام، وقد أكد روحاني على نظيره بوتين بضرورة استعادة الأسد السيطرة على كامل الجغرافية السورية. وعلى صعيد إعلامي عملت موسكو على ترويج دعاية استعداد بعض فصائل المعارضة استخدام السلاح الكيماوي في أرياف إدلب وتهديد البعض الآخر بإجراء محاولات استفزازية لاستهداف قاعدة حميميم الاستراتيجية بطائرات درون المحلية الصنع، وعسكرياً حشدت موسكو أرتالاً عسكرية برية بمحاذات نقاط التماس مع فصائل المعارضة في محيط إدلب، وهي قوات استقدمتها من جنوب سورية ممن عرفوا بفصائل المصالحة، وبحرياً أجرت عدة مناورات شرق المتوسط هي الأكبر منذ 40 عاماً، وقد أعطت موسكو زخماً عسكرياً لها لإبراز طابع خاص يُضفي عليها نوع من الجدية أمام المعسكر الغربي والأوروبي في شن حملة عسكرية على إدلب كرد اعتبار لبوتين على فشله في إقناع دول أوروبا بضرورة التمويل لإعادة الإعمار والمشاركة في ملف إعادة اللاجئين وقد أجرى بوتين عدة جولات والتقى مع قادة من الاتحاد الأوروبي خصيصاً مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلا أن كل محاولاته جُوبهت بموقف أوروبي حازم[4] ما دفعه للعودة لممارسة الضغوطات عبر التلويح بالعمل العسكري الكبير على محافظة إدلب. تزامن ذلك مع استمرار روسيا ومليشيا الأسد استهداف مناطق متفرقة في أرياف إدلب الجنوبي والشرق وحماه الشمالي في محاولة لخلط الأوراق من جديد.

ومن المعروف أن الرئيس بوتين يتخذ استراتيجية واضحة منذ تدخله في سورية أواخر تموز 2015م، تتبلور في بسط كامل النفوذ الروسي على سورية واسترداد جميع المناطق من يد فصائل المعارضة، وليس آخره نجاحه عبر اتفاقية خفض التصعيد 2017م، تقليص مساحة قوات المعارضة إلى 9% بعدما كانت في عام 2012م أكثر من 85% من المساحة السورية، واستطاع في منتصف 2018م استعادة مدينة درعا باتفاق مع الدول الكبرى لتتجه أنظاره بعدها إلى الشمال السوري، حيث يسعى بوتين جاهداً إلى تأمين قاعدة حميميم وعودة تفعيل الطرق الدولية ليصل بها جنوب سورية مع شمالها وغربها لتأمين توريد السلع الروسية إلى تركيا، لذا كان من الضروري الحفاظ على علاقاته مع تركيا وفق مسار أستانا وهو ما تم الاتفاق عليه في قمة طهران، ومع استمرار المأزق الروسي الأخير في شمال غرب سورية، تحولت إدلب إلى معضلة كبرى أمام موسكو مع حلفائها ومنافسيها من الغرب، رشح عن ذلك عوائق كبرى أمام وصول موسكو لأهدافها، فهي من جهة حددت أهدافها العسكرية في محيط إدلب وأعربت عن نيتها ضم كامل المناطق المتاخمة لمدينة اللاذقية في مثلث سهل الغاب وجسر الشغور وهذا يتطلب شن عمليات جوية على مناطق المعارضة مع مراعاة نقاط المراقبة التركية 12 المنتشرة على شكل قوس محاط بمدينة إدلب، كما أن رغبة النظام في شن عملية عسكرية برية من شأنها أن تفضي إلى أزمة لجوء لأكثر من 3 مليون سوري ما يمثل تهديداً للأمن القومي التركي وإحداث ضائقة اقتصادية وتجارية وتوتر في العلاقات مع الاتحاد الأوربي الذي يسعى إلى منع استقبال أي موجات نزوح جديدة، كما أن رغبة إيران تمكين وجودها في سورية يستدعيها الموافقة على شن حملة عسكرية تعيد المنطقة الرابعة لكنف النظام وهذا من شأنه أن يضع مسار أستانا بالكامل على المحك ويزيد من سعة الهوة الروسية التركية، ولأن موسكو بحاجة إلى تركيا عسكرياً في ملف إدلب وسياسياً لبقاء مسار أستانا ضمن معادلات التسويات الكلية في سورية هدأت مؤخراً من حدتها عقب تحرك دولي أمريكي عارض الأعمال التحركات الروسية في إدلب تزامن مع موقف غربي في إرسال تهديدات لموسكو لتنفيذ ضربات عسكرية لنظام الأسد حال استخدام أي سلاح كيماوي[5] ، كما أن الموقف الأوروبي السابق الذكر إلى جانب إصرار تركيا منع عمل عسكري في إدلب، قاد موسكو إلى تأجيل معركتها في إدلب، لتتلاقى مع تركيا بصفقات ثنائية بتوقيع اتفاق سوتشي من جهة وتبريد حدة عدائها مع الغرب من جهة أخرى.

وفي إطار استراتيجي أبعد من إدلب تسعى موسكو للحفاظ على جملة الأهداف الاستراتيجية من بوابة سورية، تُمكنها في حال استطاعت الحفاظ عل مصالحها أن تعود للمياه للإقليمية مجدداً فمياه المتوسط هي المنفذ الوحيد لها منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، كما أنها تستطيع أن تفرض نفسها كقوة منافسة للغرب لمزاحمة أمريكا والصين في حركة التجارة الدولية واستمرار توريد الغاز من جنوب آسيا إلى أوروبا وتفعيل خطوط التجارة الدولية، والسعي إلى تحقيق انفراج في الاقتصاد الروسي عبر إقناعها للغرب بإزالة العقوبات الاقتصادية وانتزاع اعتراف دولي في ضم جزيرة القرم وإحداث خرق في ملفات الدرع الصاروخي واستمرار تعزيز العلاقات مع جارتها الصين وتنشيط العلاقات مع دول أوربا والشرق في بيع أسلحتها التي جعلت من سورية حقل تجارب لاختبارها، جملة هذه العوامل جعلت من موسكو تتراجع عن تطبيق سيناريو درعا في إدلب على الأقل مؤقتاً ريثما تنتهي من ورقة التنظيمات الإرهابية عبر حليفتها تركيا.

وعليه فإن الأهداف الروسية في شمال غرب سوريا قد تتحقق من وراء اتفاق سوتشي الأخير إذا ما تم تطبيقه على الرواية الروسية التي ظهرت على لسان كل من وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ووزير الدفاع سيرغي شويغو باعتبار اتفاق إدلب مرحلي ومؤقت وهدفه الأساسي الخلاص النهائي من بؤر الإرهاب وما يعزز هذا الطرح تصريحات وليد المعلم لدى نظام أسد وتأكيده أن اتفاق إدلب هدفه النهائي استعادة إدلب بالكامل إما عن طريق المصالحات أو الأعمال العسكرية[6].

اللافت أن المواقف الروسية جاءت بعد توقيعها خارطة طريق إدلب الأمر الذي أثار العديد من الشكوك الدولية والمحلية حول جدية موسكو في تطبيقها للاتفاق سيما بعد وضوح الخلافات حول تفسير بنود الاتفاق مع تركيا ما يفسر تبييت موسكو نوايا مستقبلية لا تتناسب مع جوهر الاتفاق أو أن ثمة هناك محاولة التفاف روسي على الاتفاق بعد ظهور مؤشرات التقارب التركي مع أمريكا إذ عادت الأخيرة من جانب إنساني إلى ملف الشمال وتماهت مع الموقف التركي ورحبت بالاتفاق وعززت من تنسيق الجهود الدبلوماسية لتطبيق اتفاق منبج إلى جانب ظهور مؤشرات لاستئناف تزويد تركيا  بطائرات أف 35 وطي مؤقتاً لصفحة الخلاف حول قضية القس الأمريكي.

  1. الموقف التركي في إدلب

إنَّ التعاطي التركي مع ملف إدلب، يختلف تماماً عن سلوكها في بقية مناطق خفض التصعيد، حيث اتخذت موقف المندد أمام الاستفراد الروسي في منطقة درعا وحلب 2016م، ولم تمارس المسؤوليات اللازمة كطرف رئيسي في مسار آستانة، ولعل السؤال المطروح هنا، هل تفاجأت تركيا برغبات موسكو والنظام في استعادتهما كامل الجغرافية السورية؟ فعقب انتهاء العمليات العسكرية في درعا وسقوطها المدوي من قبل فصائل المعارضة، أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن إدلب هي الهدف التالي لموسكو، إذاً ما الجديد في الموقف التركي؟ سيما أن مصير إدلب قد تم تحديده منذ جولة أستانة 6 بتقسيمها لمناطق نفوذ دولية (غرب سكة الحديد – شرق السكة الحديد) مع تبادل الخرائط بين الأطراف.

في واقع الأمر إن أوضح تفسير للسلوك التركي الجديد في إدلب هو وصولها للحظة تنفيذ الاتفاقيات الثناية مع موسكو، ويعد الأرق الكردي هو الأولويَّة الأولى لتركيا بخلاف كل الفرضيات التي تتحدث عن أن إدلب هي عمق استراتيجي لتركيا، فالأصح أن إدلب كانت تمثل عمقًا استراتيجيًا لفصائل المعارضة وليس لتركيا وقد خسرت إدلب هذه الخاصية منذ لحظة تخلي فصائل المعارضة عن حلب المدينة.

لكن الحسابات التركية المطروحة تقول إن أي خسارة لمدينة إدلب تعني تهديد مباشر للأمن القومي التركي، وفقدان إنجازها العسكري الذي حققته من عمليتي درع الفرات وعفرين 2016- 2017م، والدخول في صدام مباشر مع مليشيات النظام والقوات الكردية حال وصول الأخيرة إلى العمق التركي الجنوبي وتنفيذه عمليات إرهابية، كما أن تحقيق دويلة كردية على كامل الشريط الحدودي التركي هو الأمر الوحيد الذي يبعث موجات الأرق لتركيا. ومع تركيزها على هذه الاعتبارات إلى جانب تعرضها لمحاولة انقلاب في 2016م وحصارها مؤخراً اقتصادياً عملت على سلسلة من الإجراءات عقب تحويل النظام إلى رئاسي الذي أفضى إلى توسيع صلاحيات رئيس الجمهورية، فرسمت تركيا سياسة خارجية جديدة تسمح لها أن تكون قوة فاعلة في المنطقة، وبعد وصول آلة التدمير إلى منطقة إدلب أعادت تفعيل دورها كضامن، وبعد نجاحها في عمليتي غصن الزيتون ودرع الفرات، عززت تواجدها في الشمال السوري بموجب مسار آستانا ونشرت 12 نقطة مراقبة وعملت على تطويرها إلى قواعد انطلاق وأنشأت مشافي ومهابط طيران، وعملت بموجب نقاشاتها مع روسيا على فصل المعارضة المعتدلة عن الإرهابية منذ سبتمبر 2017م لكنها فشلت، ووضعت هيئة تحرير الشام على قائمة الإرهاب إرضاء لموسكو[7]، ووحدت الجيش السوري الحر كقوة موازية في وجه تحرير الشام تحت مسمى الجبهة الوطنية للتحرير في يوليو 2018م[8].

وعلى الرغم من السلوك التركي الجديد إلا أنه بدا واضحاً تناقضها تجاه إدلب، ففي الوقت الذي ذهبت فيه إلى إدارج إدلب ضمن ملفات الأمن القومي التركي لحظة إصرار موسكو شن عملية عسكرية عليها، لم تؤكد بنفس الوقت على أحقيّة السوريين استردادهم بقية المناطق التي خسروها بفعل وتنفيذ فصائل آستانة الذين أجبروا على الحضور في كل جولاتها والتوقيع على وثائق واتفاقيات سرية تمَّ ترجمتها على أرض الواقع باختصار كامل القضية السورية في منطقة إدلب، وبدلاً من التركيز التركي على إدانة روسيا وإيران قضائياً عززت تركيا من عمليات التنسيق والتفاهمات مع موسكو لوضع نهايات مستقبلية لملف إدلب بلغة المصالح وتوطيد النفوذ، ووضعها تحت الوصاية الدولية على حساب ليس فقط أربعة مليون سوري بل تعدى ذلك إلى كل السوريين داخل وخارج البلاد.

  إزاء هذه العوامل استطاع الرئيس رجب أردوغان تأجيل معركة إدلب في المدي القريب بعد تقديمه سلسلة من العروض لنظيره الروسي ليأتي اتفاق سوتشي مُكللاً بالنجاح والذي اعتبرته تركيا نجاحاً دبلوماسياً تركياً ينصب في رصيدها أمام الرأي العام.

وسعيًا من الجانب التركي لتكريس دور الوصاية الثنائية في إدلب والذي سيقدم خدمة للنظام على حساب خسارة المعارضة آخر منطقة مناهضة لنظام الأسد، يتجه الرئيس التركي إلى تعزيز الاستقرار في محافظة إدلب كخطوة أولى، فعمل على استراتيجية مزدوجة عسكرياً في دعم فصائل الجيش الحر وتوحيدهم في قوة مركزية استعداداً لأي سيناريو عسكري حال فشل المسار السياسي والذي يمثل الامتحان الأكبر أمام تركيا في تكريس اتفاق إدلب، وفي حال نجاح أردوغان في تطبيق كامل بنود الاتفاق بالتوافق مع موسكو تكون تركيا قد حققت أول أهدافها الكلية في سورية أهمها وَأْدَها لأي مشروع كيان كردي على كامل الشريط الحدودي وصولاً للمتوسط، والحد من موجة اللجوء لتركيا من خلال إرساء المنطقة العازلة ونقل اللاجئين إليها، وإنهاء خطر الجماعات المتطرفة عبر تفكيكها أو نقلها من محيط إدلب، وظهورها كقوة رئيسية أمام الغرب والاعتماد عليها في تسويات النزاعات في الشرق الأوسط، فيما الهدف الأبرز يتمثل في حصولها على تفعيل خط ترانزيت الممتد من مدينة  كركميش السورية وصولاً إلى مدينة العقبة الأردنية، إلا أن كل هذه الأهداف تبقى رهن إزالة العوائق التي تعترضها أمام تطبيق خارطة الطريق في إدلب، والتي ستُنفذ على حساب تطلعات السوريين.

  1. صحوة غربية أوروبية في إدلب

أصبحت إدلب محطَّ اهتمامٍ دوليٍّ غير مقتصر على محور حلفاء أستانا (تركيا- روسيا- إيران) الذين تشوبهم مصالح متناقضة ومتداخلة في آن واحدٍ معاً، وقد ظهرت صحوة غربية من رحم هذه الخلافات التي تصدرت قمة طهران، كما أن التهديدات التي أطلقها بوتين لفرض معادلاته العسكرية والسياسية في إدلب، أفرزت صحوة غربية أوروبية، فَنَفَذت أمريكا إلى إدلب من جانب إنساني وعبرت عن خشيتها على ملايين السوريين من استخدام السلاح الكيماوي، وعُمم المشهد ليصبح دوليًا مع ارتفاع مخاوف الأوروبيين، حيث اعتبر وزير الخارجية الفرنسي أن الهجوم على إدلب ستكون له تداعيات مباشرة على الأمن في أوروبا[9].

وقد أشَرنا أعلاه في الحسابات الروسية تجاه إدلب أن هذه التحركات آنفة الذكر شكلت أحد أسباب تراجع بوتين عن شن عمل عسكري شامل في إدلب، لكن المفارقة هنا أن المخاوف الأمريكية التي ظهرت في إدلب لم تكن موجودة سابقاً في مناطق أخرى سورية استباحتها طائرات بوتين والنظام، ولعل الأهداف الاستراتيجية لواشنطن من وراء مخاوفها الإنسانية، عدم سماحها لموسكو في بسط كامل السيطرة على سورية وفرض الأخيرة رؤيتها للحل والتسوية السياسية التي تحقق لها مصالح دائمة سورياً، إضافة إلى وجود رغبة أمريكية في الحفاظ على مناطق نفوذها في شرق الفرات وضمان الحصة الكبرى من ثروات النفط والغاز السوريين دون أي شريك آخر معها.

وقد عززت واشطن موقفها في إدلب عبر ممارستها المزيد من الضغوط على روسيا، باتجاهين اثنين:

  • اتجاه سياسي بإصدارها وثيقة للحل السوري عُرفت بورقة المجموعة المصغرة[10] وإعلان جيم جيفري الخبير في قضايا النزاع في الشرق الأوسط عن استراتيجية واشنطن الجديدة تحت شعار البقاء في سوريا مادامت إيران فيها.
  • اتجاه عسكري بتعزيزها مناطق نفوذها شرق الفرات وإرسال تعزيزات إلى حزب الاتحاد الديمقراطي- قسد، ونشرها منظومة رادارات دافعية متطورة وتوسيع قواعدها العسكرية في تل أبيض وعين العرب كوباني وشرق مدينة دير الزور[11]، فيما ربط الموقف الأوروبي مشاركته في إعادة الإعمار بتسوية سياسية كاملة تؤدي إلى تحقيق الاستقرار في البلاد لضمان عودة آمنة للاجئين.

أضافت إلى هذه العوامل الواردة في ورقة البحث فإن هناك عوائق استراتيجية أمام طموح موسكو المستعجلة على إنتاج تسوية سياسية في سورية بخلاف ما فعتله في الشيشان وشبه جزيرة القرم الأوكرانية .

  1. تباين في المشهد العسكري حول إدلب

يعيش في إدلب ما يُقارب 4 مليون شخص منهم 1،5 مليون نازح، والجميع محكومون بتوجهات الفصائل العسكرية المنتشرة على طول وعرض المدينة، ويعدُّ فصيل تحرير الشام الفصيل الأبرز المسيطر على 70% من مساحة إدلب منتشراً على خطوط التماس مع مناطق النظام وفي الجبهات المحيطة لإدلب، وأرياف حماه الشمالي والغربي وريف اللاذقية وجسر الشغور وريف حلب الشمالي والغربي ويحتفظ ببعض النقاط في ريف إدلب الشرقي والجنوبي الشرقي وسهل الغاب، وتعاني الهيئة من انقسامات داخلية على مستوى القيادات فالصف الأول والثاني هم أقرب إلى التيار المعتدل وأشاروا بشكل غير معلن قبولهم للاتفاق التركي الروسي، بما يتناسب مع ضرورة المرحلة القادمة، تجاوباً مع الضغوطات التركية للقبول بصيغة الاندماج مع الجبهة الوطنية للتحرير، وأمام مواجهة الهيئة للضغوطات كانت قد قبلت سابقاً بحل نفسها وتغيير اسمها لكن دون الاندماج مع أي فصيل عسكري، فكانت قد عرضت سابقاً أن تتحول الهيئة إلى مجموعات عسكرية مصغرة بغية الحفاظ على المقاومة الشعبية تحت راية الجهاد، ومن أنصار هذا الرأي القيادي في تحرير الشام الجهادي الفلسطيني “الزبير الغزي، والجهادي العراقي أبو ماريا القحطاني، والسوري عبد الرحمن عطوان، والمصري أبو الفتح الفزعلي وأبو اليقظان المصري”[12]، وبمجمل المواقف تجاه اتفاق سوتشي فإن قسم كبير من قيادات الصف الأول والثاني تماهى مع التوجه التركي، في حين بقي التيار المتشدد داخل الهيئة بالإضافة إلى الحزب التركستاني الإسلامي وجماعة حراس الدين[13] رافضين لفكرة المنطقة العازلة معتبرين أيضاً أن اتفاق سوتشي القاضي بنزع السلاح الثقيل هو بمثابة خيانة لمبادئ الجهاد الإسلامي في سورية[14]، في حين أتمت كبرى الفصائل وأهمها فيلق الشام وهيئة تحرير الشام في 8- أكتوبر/ تشرين الأول 2018م، أولى خطوات الاتفاق بسحب السلاح الثقيل من المنطقة العازلة إلى الخطوط الخلفية[15].

ثانياً: عوائق وتحديات أمام تنفيذ خارطة طريق إدلب

يعكس إصرار تركيا على تحقيق الاستقرار في إدلب وقبولها التماهي مع الموقف الروسي الرامي إلى إنهاء كل الأعمال في إدلب وفتح الطرق الدولية لإنعاش وتعويم اقتصاد نظام الأسد، مقابل منع تركيا قيام أي كيان كردي على كامل الشريط الحدودي الجنوبي مع شمال سورية، وعليه فإن الوصول الثنائي للأهداف المشتركة من وراء اتفاق سوتشي يتطلب من الجانبين تطبيق كامل بنود الاتفاق.

وقد تقوم تركيا بإعداد أكثر من خطة استراتيجية لتطبيق بنود اتفاق سوتشي، ويبدو أن عامل الثقة تستنبطه من نجاحها في نموذجي “عفرين – جرابلس أعزاز الباب” وعلى الرغم من رفع الجاهزية التركية في إدلب إلا أن ذلك لم يُخف الصعوبات والمعوقات التي تُعد حجر عثرة أمام تنفيذ الاتفاق.

  1. معضلة تحرير الشام وملف المهاجرين

على الرغم من عدم إعلان موقف صريح من قبل الهيئة بقبولها اتفاق سوتشي، إلا هذا لم يمنعها من التجاوب مع أولى خطوات الاتفاق بسحب السلاح الثقيل من قبل الأجنحة المعتدلة داخل الهيئة، يبقى العائق الأكبر في التعامل التركي مع ملف المهاجرين والتيار المتشدد داخل الهيئة لضمان عدم عرقلتهم تنفيذ خارطة الطريق، وقد تلجأ تركيا لعدة خيارات:

أ.  تكتيك استخباراتي أمني

يقوم هذا الخيار على إنشاء جهاز استخباراتي أمني بالتنسيق بين جهاز الاستخبارات التركي مع أجهزة استخبارات دولية مهتمة في درء خطر التنظيمات الراديكالية عن أمنها القومي تحت قرار عدم السماح لهم بالعودة إلى موطنهم الأم، وتكون مهمة الجهاز توفير المعلومات والمعطيات اللازمة والضرورية عن الجهاديين لإتمام عملية البناء عليها في وضع خطط التنفيذ وتصفية الرافضين للخروج من المنطقة العازلة، أو إقناعهم بتفكيك مجموعاتهم وتحديد وجهة الخروج وجميع المؤشرات تفضي إلى نقلهم شرق الفرات لوضعهم أمام مواجهات مباشرة مع بقية التنظيمات المنتشرة هناك، ومن شأن هذا الخيار أن يجنب المواجهة سواء بين القوات التركية أو فصائل الجيش الحر( الجبهة الوطنية للتحرير).

ب. الحرب المفتوحة

قد تضطر تركيا إلى هذا الخيار في حال رفضت التنظيمات المتشددة تسليم سلاحها الثقيل والخروج من المنطقة العازلة ومن كامل محافظة إدلب، ومن المرجح أن تشكل القوات التركية خط إسناد وإمداد لفصائل الجبهة الوطنية للتحرير لتطويق مناطق انتشار التنظيمات واجراء عمليات جراحية على غرار الأساليب العسكرية المتبعة في نموذج عفرين، وعليه فإن من شأن هذا الخيار إطالة أمد الصراع وتجاوز الجدول الزمني المقرر لخارطة إدلب، سيما إذا استثمرت بعض الجهات الدولية الظروف المحلية في دعمها للتنظيمات لغاية استهداف الأمن القومي التركي.

  1. تحدِّي المنطقة العازلة

ثمة غموض في موقف الطرفين الأساسين الموقعين على إنشاء المنطقة العازلة، وبخلاف ما ظهر في وسائل الإعلام عن حدود المنطقة والمتضمنة أرياف حلب وحماه وسهل الغاب وجسور الشغور، فحسب ملحق البروتوكول رقم /1/ الصادر بتاريخ 21- سبتمبر/ أيلول 2018م والموقع من اللجان الفنية التركية الروسية، فإن عمق المنطقة يتراوح بين 15 إلى 20 كم، وقد قدر مركز جسور المساحة بـ 3200 كم مربع[16]، وفي حال إتمام المنطقة في 15- أكتوبر/ تشرين الأول 2018م وفقاً للجدول الزمني فمن شأن ذلك أن يقود إلى تفعيل طريقي حلب – اللاذقية وحلب دمشق، تحت إشراف تركي روسي.

يشوب المنطقة تحديات مختلفة، سيَّما أنها ستكون محصورة في مناطق المعارضة، في حين أن المواثيق الدولية لإنشاء المناطق العازلة تشترط أن تحقق من جانبين مع وجود خط فاصل ببينهما، وفي حال تنفيذها من جهة منطقة المعارضة يعتبر ذلك بمثابة خسارة لطرف على حساب مكسب جغرافي لطرف آخر، وعلى الرغم من تقديم الجانب التركي ضمانات لفصائل المعارضة بعدم تسيير دوريات روسية في المنطقة العازلة لجهة المعارضة إلا أن نقطة الخلاف الرئيسية لازالت مطروحة حول جدية موسكو في عدم تجييرها للاتفاق لصالحها على حساب المعارضة ولعل أبرز المخاوف متوقفة على المرحلة التي ستلي سحب السلاح الثقيل وإنهاء ورقة التنظيمات التي تخشى منها موسكو وترغب بنفس الوقت إزالتها من قائمة أهدافها الرامية إلى إنجاز تسوية سياسية تناسبها، في حين لا وجود لأي مؤشرات تركية على نجاحها في إخراج بقية الفصائل الإسلامية من المنطقة المنزوعة السلاح أو من كامل مدينة إدلب.

  1. مصير اللاجئين

المنطقة العازلة تضم العديد من البلدات الخاضعة لسيطرة النظام والمعارضة وغالبيتها خالية من السكان، ولعل موضوع عودة وتأمين اللاجئين لتلك المناطق يُلقي ثقله على الضامن التركي أكثر منه على الروسي، والسؤال المطروح بهذا الصدد حول كيفية التعاطي الروسي بقبولها عودة أصحاب المناطق في ظل غياب جدار الثقة بينها وبين الأهالي، بالأخص أن ملف درعا مازال حاضرًا في الأذهان عند غالبية السوريين حيث تنصلت روسيا من كامل وعودها وأطلقت عنان التصرف لسلطة النظام واعتقاله للعديد من المدنيين وتجنيد المئات في صفوف مليشياته، ما يثيرُ الريبة والمخاوف لدى الكثير من السوريين الراغبين بالعودة إلى مناطقهم ضمن المنطقة العازلة، وقد ذكر الرئيس التركي أن الهدف من المنطقة العازلة تأمين عودة السوريين فكيف ستحقق تركيا ذلك بالوقت الذي تخشى فيه خرق روسيا والنظام وإيران لكامل بنود الاتفاق؟

ثالثاً: سيناريوهات مستقبلية لاتفاق إدلب

لا يبدو اتفاق إدلب مشابهًا لبقية مناطق خفض التصعيد التي انتهت بنقض العهود والمواثيق من الضامن الروسي، وقد بدا أنَّه استراتيجية حديثة متَّبعة لتحقيق أهداف هي أشبه بتكريس مناطق نفوذ دولية، فما جرى في ريف دمشق وريفي حماه وحمص ودرعا، هو نتاج عملياتي لتخميد الجبهات ثم الانقضاض عليها وإنهاء حالة التمرد والعنف فيها حسب الرواية الروسية، وإن ثمة غاية روسية من استمرار نفس الاستراتيجية في إدلب فهي ستكون ضمن احتمال تجزئة العمل العسكري على مراحل بالاتفاق مع الجانب التركي من خلال اتفاق سوتشي وعليه فإن السيناريوهات المحتملة للاتفاق كما الآتي:

  1. اتفاق مؤقت

يصب هذا السيناريو في خانة الجانب الروسي حال مسايرته لتركيا في تنفيذ الاتفاق في مراحله الأولى للاعتماد على تركيا في تفكيك ورقة التنظيمات بالخيار السلمي، وعليه فإن محاولة الالتفاف على الاتفاق لا يمكن تجاهله عند روسيا بالاستناد إلى السلوك الروسي الظاهر من تبادل التصريحات بينه وبين نظام الأسد، بالتركيز على هدف الاتفاق في القضاء على آخر معاقل الإرهاب، فاعتماد روسيا على هذا الخيار يستند أولاً على خلق ذرائع جديدة ما، بعد ضمانها إفراغ الخطوط الدفاعية للفصائل وسحب السلاح الثقيل وتفكيك تحرير الشام، حينها سيكون الطريق سالكًا أمامها إذا ما أرادت التأكيد على عودة كامل إدلب إلى سلطة النظام وقد تعتمد روسيا أحد الطرق الآتية:

أ. الالتفاف على مصالح الجانب التركي ووضع تركيا بين فكي كماشة من جهة دعم روسيا للأكراد شرق الفرات كورقة ضغط على تركيا لإجبارها على سحب كامل نقاطها 12 من محيط إدلب وعليه ستقوم روسيا بعمليات شاملة تبدأ أولاً ببسط كامل نفوذها على المنطقة العازلة لتأمين قاعدة جورين ومدينة اللاذقية، لتنتقل إلى تقديم الدعم جواً لقوات النظام للدخول إلى مدينة إدلب، إلَّا أن هذا الخيار مستبعد لأن ذلك قد يُكلف موسكو خوض حرب مفتوحة مع تركيا وفصائل المعارضة الرافضة للتنازل عن مدينة إدلب وعليه فقد يتم نسف مسار آستانا من جدول التسويات السورية إلى جانب المزيد من الانزلاقات الثناية في المستنقع السوري واستغلال ذلك من أطراف دولية هادفة إلى إضعاف وضرب جميع القوى في سورية.

ب. الاتفاق مع تركيا لعودة إدلب للنظام يعتبر هذا الخيار أكثر واقعية من سابقه ويدخل في سياق احترام المصالح المتبادلة الروسية التركية ( التجارية والأمنية القومية) ويفسره في تنفيذ روسيا معارك جراحية بعد تنفيذ المنطقة العازلة لبسط كامل السيطرة على مثلث سهل الغاب وجسر الشغور، يليه تطعيم ودمج فصائل المعارضة مع النظام بعد الانتهاء من ملف الإرهاب، ودخول مؤسسات الدولة السورية إلى جانب مؤسسات المعارضة المدنية وإشراك المجالس المحلية في إدارة مشتركة ريثما يتم إجراء تسوية كلية في سورية تضمن مصالح البلدين وعليه قد تنسحب تركيا من كامل مدينة إدلب إذا ما ضمنت مصالح أمنها القومي ومنعت خطر وصول التنظيمات الكردية إليها.

  1. اتفاق دائم

يندرج هذا الخيار في قائمة الأهداف التركية الرامية للبناء على اتفاق سوتشي وجعله أرضية لبدء العملية السياسية بهدف تحقيق استقرار دائم في سورية بعد الاتفاق الدولي على صياغة دستور واجراء انتخابات وتطبيق كامل بنود لقرارات مجلس الأمن (2254)، ولنجاح هذا الخيار يجب احترام الطرفين الأساسين لاتفاق سوتشي وتطبيق كامل بنوده مع منع أي طرف خارج الاتفاق محاولة تخريبه وممارسة الضغط عليه، ونجاح هذا الخيار يتطلب وضع آليات مشتركة روسية تركية لحماية المنطقة العازلة وتأمين عودة اللاجئين وحماية الطرق الدولية، دون أي عوائق بالتفاهم والتنسيق الدائم بما يضمن المصالح المشتركة، وفي حال نجاحهما في إتمام كامل الخارطة ستنعكس إيجاباً على مسار الحل السياسي المقصور بالمدى القريب على التوصل لتفاهمات حول آلية وعمل اللجنة الدستورية التي ستُكلف في كتابة دستور سوري وإجراء انتخابات تضمن استقرار البلاد، إلا أن هذا الخيار يتخلله صعوبات كثيرة بسبب تضارب المصالح والأهداف بين الدول الضامنة من طرف والصراع الحاصل بين المعسكر الغربي وأوروبا مع روسيا من طرف آخر إذ أن مرحلة ما بعد الأعمال العسكرية ستفتح الصراع وشهية الدول الإقليمية على ملفات إعادة الإعمار التي ظهرت بوادرها حيث ترتفع حدة الخلافات والرؤى بين دول الغرب وأوروبا مع منافسة روسيا وإيران والصين، وقد يتركز الخلاف حول كيفية اختيار الأطراف المحلية والدولية التي سيتم الاعتماد عليها في المساهمة في إعادة الإعمار، فحتى الآن روسيا وإيران غير مرحب بهما في هذا الملف بخلاف طموحات موسكو وإيران في الاعتماد عليهما كأطراف فاعلة في هندسة سورية المستقبل.

من ناحية أخرى إن نجاح هذا السيناريو سيتجاوز بشكل فعلي كل تطلعات السوريين وسيُطبق على حسابهم، بمعنى آخر إن أي اتفاق تام بين روسيا وتركيا والمضي قدماً به لن يكون أبداً في صالح الشعب السوري بل على حسابهم.

خاتمة

إن دور وأهداف الأطراف الفاعلة في ملف إدلب لا تزال متضاربة وإن اتفقت جميعها خارج أسوار إدلب فإن جميع المتناقضات اجتمعت اليوم داخل المدينة، وعليه فإنه لا يبدو لهذا الاتفاق أنه قد يرسم بداية النهاية لصراع أنهك الجميع منذ 2011م، فما بعد إدلب لن يكون كما قبلها مع ظهور مؤشرات لخوض حروب اقتصادية في ضفة الفرات الشرقي والتي من المحتمل أن تكون مسرح العمليات بداية 2019م، فروسيا وإيران والنظام جميعهم راغبون بإنهاء النفوذ الأمريكي والاستحواذ على ثروات المنطقة كتعويض عن خسائرهم من النفط والغاز، إضافة إلى جمع رصيد مستقبلي للمساهمة في مرحلة إعادة الإعمار، كما أن واشنطن إن صدقت بنواياها تجاه طرد إيران وعدم السماح لروسيا بالاستحواذ على كامل سورية، فهذا يعطي مؤشرًا على استمرار حالة التشظي وسيبقى السوريون عرضة لمسرح العمليات الدولية، فيما يبقى الاتفاق في مضمونه مبعث قلق كبير قد يقود إلى خسارة آخر أمل للمعارضة في تحقيق دولة القانون والمواطنة.

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز برق للاستشارات والدراسات المستقبلية 

جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للاستشارات والدراسات المستقبلية © 2018

 

 

[1] https://bbc.in/2QzYg01

بي بي سي، ماهي بنود إنشاء منطقة منزوعة السلاح بإدلب، ن- بتاريخ 18- سبتمبر/ أيلول 2018م، شوهد بـ 3-أكتوبر/ تشرين الأول 2018م

[2] https://bit.ly/2NalXJp

الشرق الأوسط، خلاف روسي تركي حول تفسير اتفاق إدلب، ن- بتاريخ 29- سبتمبر/أيلول- 2018م، شوهد بـ 4- أكتوبر/ تشرين الأول 2018م

[3] https://bit.ly/2NsucAw

تلفزيون سوريا، أردوغان يدعو إلى وقف إطلاق النار وبوتين يرفض، ن- بتاريخ 7- سبتمير/ أيلول 2018م، شوهد بـ 6- أكتوبر/ تشرين الأول 2018م

[4] https://bit.ly/2C2kL99

موقع المدن، بوتين يطلب من الأوربيين المساعدة لإعادة الإعمار في سورية، ن- بتاريخ- 19- 8- 2018، شوهد بـ 6- أكتوبر/تشرين الأول 2018م

https://bit.ly/2RCpuUi

بالعربي أمريكا تهدد بالدر حال استخدام السلاح الكيماوي في إدلب ، ن- بتاريخ – 8-9- 2018م، شوهد بـ 6- أكتوبر/ تشرين الأول 2018م RT  [5]

 https://bit.ly/2QyLFJI

  الدرر الشامية، روسيا اتفاق إدلب مؤقت وهذا الهدف منه، ن- بتاريخ- 6- أكتوير/ تشرين الأول 2018م، شوهد بـ 7- أكتوبر/ تشرين الاول 2018م[6]

 https://bit.ly/2Nsthjq

  أورينت نت، تركيا تضع هيئة تحرير الشام على قائمة الإرهاب، ن- بتاريخ 31-8-2018م، شوهد بـ 7- أكتوبر/ تشرين الأول 2018م[7]

 https://bit.ly/2OEdmUa

 موقع المدن، الجبهة الوطنية للتحرير توحيد فصائل الشمال برعاية تركية، ن- بتاريخ 2- 8- 2018م، شوهد بـ 7- أكتوبر/ تشرين الاول 2018م[8]

 https://bit.ly/2zXa0Dh[9]

   اليوم السابع، لودريان الهجوم على إدلب يهدد أمن أوروبا، ن- بتاريخ 11- سبتمبر/ أيلول 2018م، شوهد بـ 8- أكتوبر/ تشرين الاول 2018م

 https://bit.ly/2PjZNpL[10]

  تلفزيون سوريا، وثيقة للمجموعة المصغرة تحدد مبادئ الحل السياسي في سوريا، ن- بتاريخ 14-/سبتمبر/ أيلول 2018م، شوهد بـ  8- أكتوبر/ تشرين الأول 2018م

 https://bit.ly/2Nvuvut[11]

 تلفزيون سوريا، واشنطن تعزز وجودها العسكري شرق الفرات بقواعد جديدة، ن- بتاريخ، 14 سبتمبر/ أيلول- 2018م، شوهد بـ 8-  أكتوبر/ تشرين الاول 2918م

 https://bit.ly/2C2IS7r

 موقع المدن، تحرير الشام الخطوة التالية، ن- بتاريخ 15- 9- 2018م، شوهد بـ 8- أكتوبر/ تشرين الأول 2018م[12]

  https://bit.ly/2C16Z6C

  إرم نيوز، من هم حراس الدين، ن- بتاريخ 23- سبتمبر/ ايلول 2018م شوهد بـ 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2018م[13]

 https://bit.ly/2C165Hc

 العربي الجديد، تنظيمات متشددة ترفض اتفاق سوتشي حول إدلب، ن- بتاريخ 20 سبتمبر/ أيلول 2018م، شوهد بـ 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2018م[14]

  https://bit.ly/2CzDn1i

 وكالة ستيب الإخبارية ،انتهاء سحب السلاح الثقيل من المنطقة العازلة بالكامل، ن- بتاريخ 8- أكتوبر/تشرين الأول 2018م شوهد بـ9 أكتوبر/ تشرين الأول 2018م [15]

 https://bit.ly/2O6VLok

 مركز جسور للدراسات، خريطة أولية للمنطقة العازلة حسب الاتفاق الروسي التركي، ن بتاريخ- 4- أكتوبر/ تشرين الأول 2018م، شوهد بـ 10- أكتوبر/ تشرين الأول 2018م[16]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق