الاصداراتتقدير موقف

إعدام النمر "قنبلة انفجرت بأيدي الجميع"

44

شهدت العلاقة السعودية الإيرانية تجاذبات عديدة أدت لتوتر هذه العلاقة في معظم الأحيان، ففي أثناء حكم الشاه كانت العلاقة مرهونة بالأحداث الجارية في المنطقة، فبعد التدخل المصري في اليمن من قبل جمال عبد الناصر كان هناك تعاون بين نظام الشاه والسعودية، ثم توترت العلاقة من جديد عام 1971 بعد رحيل الاحتلال الإنجليزي عن البحرين؛ بسبب مطالبة إيران بضم البحرين إلى حكمها وانحياز أمير البحرين إلى السعودية.

 بقيت العلاقة تراوح مكانها بين مد وجزر إلى أن قامت الثورة الإيرانية عام 1979 والتي جاءت بالخميني حاكما لإيران وفق حكم ولاية الفقيه الذي يقوم على أساس المبادئ الشيعية، حيث ادَّعت إيران أنها الممثل الرسمي للشيعة في العالم، وعملت على مد الروابط الثقافية والسياسية معهم، فقامت بدعم أحزاب سياسية في العراق والبحرين ولبنان واليمن، وسعت إلى نشر المذهب الشيعي في بلاد أخرى مستغلة التعاطف الشعبي معها.

سعت إيران إلى تحريك الأقلية الشيعية في السعودية ضد نظام الحكم السعودي الذي ينادي بأحقيته في الزعامة الدينية للمسلمين في العالم؛ بسبب وجود الحرمين في السعودية، ورعايته للفكر السلفي الذي رسخ حكم آل سعود بالمزاوجة بين الدين الذي مثله الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وبين الدولة والحكم الذي مثله آل سعود فكان الخلاف في أساسه خلافًا على الأحقية في زعامة وقيادة العالم الإسلامي.

وقفت السعودية إلى جانب العراق عام 1980 في حربها ضد  إيران وقامت بدعم العراق بمليارات الدولارات، وعملت على حث الدول العربية الأخرى على تأييد العراق في حربه، ودعمه سياسيًا واقتصاديًا في الحرب التي استمرت ثماني سنوات وحدثت في أثناء الحرب صدامات بين الطرفين كمهاجمة القوات الإيرانية لناقلات النفط السعودية في الخليج العربي، وقيام السعودية بإسقاط مقاتلتين إيرانيتين دخلتا المجال الجوي السعودي، وفي عام 1986 اتهمت السعودية عددًا من الحجاج الإيرانيين بمحاولة إدخال مواد متفجرة إلى أراضيها عن طريق مطار جدة، وفي عام 1987 حدثت احتجاجات من الحجاج الإيرانيين في أثناء موسم الحج وأدت إلى سقوط 275 حاجًا إيرانيًا و127 شخصًا من رجال الأمن والحجاج الآخرين.

انتهت الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، وساهمت عدة عوامل إلى عودة العلاقة التدريجية بين الطرفين، فكانت وفاة الخميني عام 1989 واحتلال العراق للكويت عوامل أدت إلى تحسن العلاقة فبلغت ذروتها مع زيارة الرئيس الإيراني محمد خاتمي للسعودية، حيث تم التوصل إلى اتفاقين في عام 1998 وعام 2000، الأول يتعلق باتفاق شامل على قضايا متعددة، والثاني يركز على القضايا الأمنية وسبل التعاون بينهم، ومع تولي أحمدي نجاد الرئاسة عام 2005 عادت العلاقة إلى مربعها الأول حيث سعى إلى إحياء نهج الخميني، وتعزيز الدور الإيراني في العراق وسوريا عن طريق نشر المذهب الشيعي، ودعم نظام الأسد ضد الثورة الشعبية التي انطلقت عام 2011، والتدخل في العراق بشكل كبير وتأييد الأحزاب الشيعية بشكل سافر، ودعم الحوثيين في اليمن في توسعهم وتهديدهم للحدود مع السعودية.

شكَّل إعدام السعودية للشيح نمر باقر النمر القيادي الشيعي ضمن 47 شخصًا جميعهم من مؤيدي القاعدة، نقطة اللاعودة في العلاقة بين الطرفين، حيث نددت السلطات الإيرانية بهذا الأمر وقامت الجماهير بمهاجمة السفارة والقنصلية السعودية في طهران ومشهد، وعلى إثر هذا الأمر قطعت السعودية علاقتها مع إيران وتبعتها البحرين والسودان، كما قللت الإمارات من العلاقة معها، لتعود إلى الواجهة أسئلة عديدة عن الصراع السعودي الإيراني في المنطقة ودوره في الحرب المشتعلة في سوريا واليمن والعراق.

  • الصراع في سوريا:

 يعتبر الصراع السوري من أهم ساحات الصراع السياسي والطائفي بين السعودية وإيران، حيث تجري على ساحتها حرب بالوكالة يسعى كل طرف فيها إلى تحقيق وإثبات وجوده وهيمنته، حيث قامت إيران وحزب الله اللبناني والمليشيات الشيعية العراقية والأفغانية بدعم نظام الأسد بشكل كبير ساهم في بقائه إلى يومنا هذا حيث قدمت له دعم لا محدود تمثل في كميات هائلة من الأسلحة وعشرات الآلاف المقاتلين الذين دخلوا سوريا بحجة الدفاع عن المقامات الشيعية, حيث نجحوا في وقف هزائم النظام السوري وتحويل الصراع من هبة شعبية إلى حرب أهلية, وفي المقابل حاولت السعودية توحيد المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري لمواجهة الحلف الإيراني الروسي السوري من جهة والقاعدة وداعش من جهة أخرى.

قدمت السعودية الدعم العسكري والمالي لبعض الفصائل السورية من أجل إسقاط نظام الأسد ووعدت على لسان وزير خارجيتها أن تزود الفصائل السورية المعتدلة بسلاح نوعي -مضاد طائرات ودبابات- يسهم في ترجيح كفة الفصائل السورية التي خسرت الكثير من مواقعها على الأرض بعد ظهور داعش ومشاركة روسيا المباشرة في القتال إلى جانب نظام الأسد.

بعد قطع العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين وتأييد الفصائل السورية السياسية والعسكرية لقطع هذه العلاقة سوف تساهم السعودية في دعم الفصائل السورية المعتدلة بشكل كبير ولن يكون هناك تدخلًا مباشرًا في سوريا لعدم وجود حدود مشتركة، ولوجود جبهة النصرة التابعة للقاعدة كطرف أساسي في الفصائل المسلحة المقاتلة لنظام الأسد.

 تختلف منطلقات كل من إيران والسعودية في دعمها لأطراف الصراع في سوريا، فإيران تدعم نظام الأسد أسباب طائفية وسياسية فسوريا هي الدولة العربية الوحيدة التي دعمتها في الحرب العراقية الإيرانية، كما تريد إيران حماية حليفها حزب الله في لبنان من السقوط لأن سقوط نظام الأسد يضع الحزب في بيئة معادية لن يستطيع معها تحقيق أهداف إيران بالتوسع والسيطرة، أما السعودية فهدفها من التدخل في الصراع القائم في سوريا وقف التمدد الإيراني في المنطقة، وحماية سوريا من الوقوع في يد تنظيم القاعدة وداعش، وتهيئة الظروف المناسبة لظهور تيار علماني سوري يستطيع أن يحكم سوريا بعد رحيل الأسد تستطيع من خلاله الحفاظ على مصالحها السياسية.

  • الصراع في اليمن:

أدت سيطرة جماعة أنصار الله “الحوثيين” على اليمن عن طريق تحالفهم مع الرئيس السابق على عبد الله صالح إلى فتح واجهة جديدة للصراع بين الطرفين، فالحوثيون من أتباع المذهب الزيدي الذي حافظ على العلاقة مع السنة والشيعة بنفس الدرجة، وقد ساهم تأييد إيران لهم وتقديم الدعم العسكري والمالي لهم، إلى أن يصبحوا جماعة مؤيدة لإيران وطموحاتها في المنطقة بشكل كامل حتى إنهم رفعوا نفس الشعارات وحملوا نفس الأفكار.

غضت السعودية الطرف عن الحوثيين في بداية الأمر نكاية بحزب الإصلاح اليمني المؤيد لجماعة الإخوان المسلمين الذي كان له الدور الكبير في سقوط نظام علي عبد الله صالح، وبعد توسع الحوثيين واستيلائهم على العاصمة صنعاء وإخضاعهم البلاد إلى حكمهم المباشر وجعل اليمن حليف جديد لإيران التي تسعى إلى محاصرة الدولة السعودية.

كانت عاصفة الحزم التي شكلتها السعودية بمشاركة عشرة دول عربية وإسلامية رد فعل قوي على تمدد الحوثيين، وإيذانًا ببدء صفحة جديدة من تاريخ الصراع الإيراني السعودي، فالتدخل السعودية العسكري المباشر فرضته ظروف الجوار وتهديد الحوثيين للسعودية بالحرب ونقل المعركة إلى داخل حدودها، وتحكم اليمن بمضيق باب المندب جعل الأمر مختلف عن المسألة السورية، وجَعَلَ التدخل السعودي ضروريًا؛ لأنه يشكل تهديدًا مباشرًا على السعودية وبقاء نظامها.

 ساهمت السعودية ودول التحالف العربي بمساندة من المقاومة الشعبية في تحرير مناطق واسعة من اليمن، وهذا الأمر لم يكن ليتم لولا تداخل عدة أمور: ضعف التأييد للحوثيين مما جعل أغلبية الشعب اليمني ينظر إليهم كقوة احتلال، ومساهمة المقاومة الشعبية -التي يشكل حزب الإصلاح أحد أعمدتها الرئيسة- في تحمل تبعات الاشتباك المباشر مع الحوثيين، كما أن تدهور العلاقات السعودية الإيرانية سوف يدفع إيران إلى زيادة دعمها للحوثيين، ومن غير المستبعد قيامها بإرسال مجموعات شيعية من لبنان والعراق للمشاركة في الحرب بشكل مباشر.

  • الصراع في العراق:

كان احتلال العراق للكويت نقطة تحول مركزية في المنطقة وصياغة العلاقات بين الدول، فبعد الاحتلال العراقي قُطعت العلاقات السعودية العراقية بشكل كامل وظل هذا الأمر حتى احتلال أمريكا للعراق عام 2003، وتشكيل الحكومة العراقية الجديدة التي شكل فيها الشيعة الأغلبية، وفي أثناء تولي نوري المالكي لرئاسة الوزراء ازدادت العلاقات سوءًا بسبب تهميش دور السنة وتهجيرهم عن مناطقهم، واستمر هذا الأمر  بعد تشكيل حيدر العبادي للحكومة العراقية الجديدة حيث تم فتح السفارة السعودية من أجل المساهمة في عودة العلاقات بين البلدين.

ازدادت تبعية العراق لإيران بعد دخول داعش وسيطرتها على مناطق واسعة، وأصبح الوجود الإيراني قويًا بشكل كبير، حيث وصل الأمر إلى التدخل العسكري المباشر والمساعدة في الحرب الدائرة ضد داعش، لقد أصبحت العراق دولة محورية في الحلف الإيراني، ومن المرجح أن تسعى السعودية إلى مساعدة الأكراد في الشمال والعشائر العربية السنية لتعزيز دورها في مستقبل العراق بمساعدة تركيا التي أرسلت قوات عسكرية إلى الموصل للحد من السيطرة الإيرانية.

إن إعدام النمر سوف يكون له دور في إشعال المنطقة، ولن يساهم في ردم الفجوة بين الطرفين والتي تتسع يومًا بعد يوم بسبب الأزمة اليمنية التي ستشهد تدخلًا إيرانيًا أكبر فيها، وسوف تكون سوريا أيضًا ساحة مشتعلة للصراع بين الطرفين يحاول كل طرف فيها إثبات وجوده وتحقيق النصر بكافة الطرق، وأما العراق فستحاول السعودية سحب البساط من تحت إيران فيه بكافة السبل الممكنة.

 سيشهد المستقبل القريب عودةً للتهدئة بين البلدين، ولن يصل الأمر إلى المواجهة الشاملة بينهما؛ لأنه لن يخرج منها منتصر وسيكتفون بالمعارك الجارية التي تجري خارج حدودهما والتي لا تسبب لهما أضرارًا كبيرة جدًا، فهناك فرق بين التصريحات الشعبية الغاضبة التي تحاول إرضاء وتهييج الجماهير، وبين ما يجري في القاعات المغلقة.

للتحميل من هنا

جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للأبحاث والدراسات © 2016

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق