النافذة المغاربيةمتفرقات 1مقالات

أزمة المدرسة الجزائرية في مواقع التواصل الاجتماعي (الجزء الثاني)

algeria
عندما تم اكتشاف إدراج صورة الكيان الإسرائيلي بدلا من فلسطين في خريطة كتاب الجغرافيا كانت الأزمة قد بلغت ذروتها وأصبحت المواجهة مفتوحة بين الأطراف. فالحكومة ممثلة في وزارة التربية من جهة ومن تتصورهم خصوما لها في الجهة المقابلة من الرافضين أو المتوجسين من الإصلاحات في قطاع التعليم الذين تحصرهم الحكومة في الأحزاب السياسية المحافظة وبعض هيئات المجتمع المدني وهؤلاء كانت الحكومة على استعداد لمواجهتهم بخطاب جاهز قبل الانطلاق في الإصلاحات، إلا أن الطرفين كانا يراهنان على طرف ثالث متمثل في الرأي العام الذي كان كل طرف يرغب في استمالته والحصول على مساندته وفي لحظة غير متوقعة انتقل الطرف الثالث من موقع الانتظار إلى مستوى المشاركة فشن الرأي العام هجوما عنيفا على الحكومة وبالذات على وزارة التربية ليتحول الفضاء العام إلى مواجهة مفتوحة بين الحكومة وبين الرأي العام، عبر (الكتائب الإلكترونية) ، مستخدمة في هجومها أسلحة لم تكن تنتظرها الحكومة ولم تتعود التعامل معها، وهي التي ما تزال تعتمد على وسائل الاتصال (التلفزيون – الإذاعة – الصحف – وكالة الأنباء)  في الوقت الذي كانت (الكتائب الإلكترونية)  تستخدم أسلحة مواقع التواصل الاجتماعي وبالذات ( فيسبوك – واليوتيوب).
إن هذه الأسلحة سمحت (للكتائب الإلكترونية) بتولي قيادة الرأي العام بسهولة ومكنتها من تحقيق العديد من الإنجازات في ظرف زمني قصير كونها تعتمد على قوة الصورة وبلاغة اللغة الإلكترونية، وقد استفادت كثيرا من زوال قيود الرقابة، واشتراطات الاحترافية، وانتفاء حواجز المشاركة، فكانت المواجهة الحقيقية بين وسائل الاتصال، وبين وسائط التواصل، فوسائل الاتصال وجدت نفسها في وضعية تقليدية، غير قادرة على مواكبة سرعة وكثافة تدفق إنتاج وسائط التواصل، وبدا واضحا منذ البداية أن المعركة سيربحها من يمتلك قوة التدفق وسرعته.
إن المواجهة بين وسائل الاتصال ووسائط التواصل، فتحت المجال على مستوى جديد في الممارسة الإعلامية الجزائرية، وجعلتها تواجه تحديات حقيقية جديدة في مسيرتها، فقد تمكنت (الكتائب الإلكترونية) من الانخراط كطرف جديد في إنتاج الإعلام وتأطير الرأي العام، وصناعة اتجاهاته، والتحكم في انطباعاته، مستفيدة من المستوى النسبي لتدفق الإنترنت، وتقلص مساحات التعبير عن الرأي في الفضاءات التقليدية، وتزايد الحواجز والموانع في وجه تجسيد التمظهرات الاجتماعية، وزوال الاشتراطات الاحترافية في الممارسة الإعلامية في الفضاءات التواصلية، إضافة إلى التجاوب الاستهلاكي غير المتوقع مع المنتوج الإعلامي الذي تنتجه (الكتائب الإلكترونية) التي لجأت إلى المخزون الاجتماعي والشعور الجمعي، والاستثمار في رؤيته تجاه الوضع العام للمجتمع، وكما ركز المنتوج الإعلامي (للكتائب الإلكترونية) على المضامين الشعورية للمواطن، ورفع درجات الخطر المتوقع، وصناعة صورة قاتمة عمن يقومون بالإصلاحات(صورة وزيرة التربية). دون أن يغفل ذلك الخطاب المواقف السياسية غير المهيكلة في الأطر التنظيمية التقليدية.
إن المنتوج الإعلامي الذي صنعته (الكتائب الإلكترونية)  وجد رواجا واستهلاكاً واسعاً في السوق، بداية من جنوح وسائل الاتصال إلى الاعتماد عليه، وتحويله إلى مصدر للأخبار والمعلومات، في وقت بقي الإعلام الرسمي جاثما في الآلية البيروقراطية ودهاليز الإدارة، في ممارسة حيادية تفرضها طبيعته الأدبية وتلزمه منظومته القانونية، الأمر الذي جعله خارج دائرة اهتمام الرأي العام، وبسرعة فقد مكانته في سوق الاستهلاك الإعلامي، وهي المكانة التي سرعان ما تم احتلاها ومصادرتها من طرف القنوات الفضائية، التي ظهرت في الساحة لتستولي على المكانة التي صنعها خطاب (الكتائب الإلكترونية) فيما بعد، مستفيدة من (أزمة الكتاب المدرسي) لتطلق العنان لإبداعاتها التي فاقت السقف المتوقع منها، مستثمرة في تداعيات الأزمة، التي فتحت الأبواب على كل فرص المشاركة والتعبير عن الرأي وإبراز الموقف، وهو السلوك الذي دفع بهيئات الرقابة الإعلامية التعبير عن الإزعاج وإطلاق التحذيرات من الاستمرار في هذا الاتجاه بدواعي المساس باستقرار المنظومة الاجتماعية والأمن العام.
إن المجالات الجديدة للمشاركة التواصلية العامة، التي فتحها خطاب (الكتائب الإلكترونية) من خلال (أزمة الكتاب المدرسي)، استثمرت في المنظومة الثقافية والقيمية الاجتماعية، عبر طاقة الممارسة المفتوحة، فقد تم استحضار المخيال الجمعي، وما يحمل من مضامين دينية وسلوكية ورمزية، من منظور عاطفي قابله تفاعل انفعالي واسع، (التضامن العاطفي مع المعلمة صباح). جعل من إمكانية الانخراط في السوق الإعلامية أمرا ممكناً للجميع.
وقد رافق تلك المشاركة، مستويات متقدمة من التعامل السهل مع تقنيات التكنولوجيا الإعلامية، التي وإن لم تصل إلى مستوى الاحترافية، إلا أنها أعطت الأمل لكل مشارك، في إمكانية التقدم واكتساب المزيد من الخبرات والمهارات (تركيب الصور والفيديوهات ورسومات الكاريكاتور)، وبالذات في حالة التفاعل والتبادل.
إن النزعة العاطفية التي طبعت الموجات التفاعلية، لمختلف الفئات مع ملفات أزمة الكتاب المدرسي، تجعل المتتبع لمنطق تفاصيلها، يقف عند الملامح العميقة لها، يقوده ذلك إلى الوقوف على المشاعر المشتركة، التي تتمثل في تلك الغزارة من الرغبة في العيش في أجواء طبيعية، بعيدا عن مظاهر وسلوكات التخلف، والرفض العميق لكل سلوكات الفساد، مهما كانت مصادرها، دون أن يكون هناك ما يظهر من الدوافع السياسية، أو النوازع الحزبية خاصة، وأن رسالة هؤلاء تنحصر في التطلع إلى التحضر في إدارة الشأن العام، في الوقت الذي يؤكدون أن البلاد تمتلك كل الإمكانيات المادية، للابتعاد عن التخلف والفساد.
لقد تمكنت (الكتائب الإلكترونية) من إنتاج حجم من المواد الإعلامية، أدت أثناء تفاعلها في الفضاءات التواصلية، إلى إلحاق أضرار كبيرة بسمعة المؤسسة التعليمية، وتشويه صورتها، والمساس بمكانتها وبث شكوك المجتمع فيها، وهي المؤسسة التي كانت تعرضت منذ بداية سنة ألفين من القرن الماضي، إلى هزة عنيفة عرفت بإصلاحات (بن زاغو). ولكن آثارها الكبرى بقيت محصورة في حدود موضوع جدل بين النخب، إلا أن (أزمة الكتاب المدرسي) نشرت المؤسسة التعليمية على الفضاءات التواصلية، وأعادت إحياء المتواري من الجدل النخبوي وأنزلته إلى ساحة التداول الشعبوي، وفرقت شرفها على المشاع من المتفاعلين، الأمر الذي سمح للغة الإلكترونية التواصلية، أن تجاوز كل الحدود العالمة للتعبير، وتضع سمعة ومكانة المؤسسة التعليمية، على طاولة التشريح والانطباعات والأمزجة والمواقف الفردية والجماعية، دون أن تتجنب هذه الحملة السقوط تحت ضغوط العديد من الجهات النافذة في الفضاءات الاتصالية، والمحترفة تقنيا وبالذات الحزبية والإيديولوجية المحافظة.
إن الأطراف الحزبية والإيديولوجية المحافظة، المحترفة والنافذة في الفضاءات الاتصالية، وضعت خبراتها ومهاراتها تحت تصرف (الكتائب الإلكترونية) ، التي استثمرت في المادة الإعلامية التي وضعتها وسائل الاتصال، وبالذات القنوات الفضائية التي تبادلت بدورها المواد الإعلامية (حوارات واستجوابات وتصريحات المسؤولين في وزارة التربية) مع (الكتائب الإلكترونية) ووضعت المنتوج الأخير تحت تصرف المستهلكين، الذين يتزايد عددهم كلما تم توفير المواد الإعلامية التي اتسمت بكثافة السخرية والفكاهة، الأمر الذي وضع العائلة التربوية في حرج كبير، ورفع من درجة صعوبة تناول موضوع المؤسسة التربوية، في التواصل العادي والأسري، خاصة مع تزايد المنغصات والأزمات داخل المؤسسة التعليمية، مثل ارتفاع معدلات العنف المدرسي، والتراجع الكبير في مستويات التحصيل العلمي، وتفشي ظاهرة الغش والدروس الخاصة، وانتشار اليأس والإحباط واحتقار قيم التعلم وغيرها من الظواهر التي استطاعت أن تلحق الكثير من التشويه بسمعة المؤسسة التعليمية.
وفي لحظة ارتفاع هجمات (الكتائب الإلكترونية) ، حاول بعض المثقفين التصدي لها والقيام بممارسة مهمة المحامي المنافح لصالح الحكومة وبالذات شخص وزيرة التربية، مستخدما وسائل الاتصال منبرا لمرافعته، إلا أن هذه المرافعة سرعان ما فشلت وتحولت إلى ضربة جديدة، اثقلت كاهل المؤسسة التعليمية، وفتحت أبوابا جديدة عليها، كون محاولة الدفاع عن المؤسسة التربوية اتخذت طابعا استفزازيا، متهمة (الكتائب الإلكترونية) بأنها مجرد وسيلة تستخدمها تيارات وأحزاب محافظة، من أجل تحقيق أرباح سياسية وإيديولوجية، دون أن تخفي محاولة الدفاع المزاج الإيديولوجي العنيف والمتطرف، متجاهلة حقيقة مفادها أن (الكتائب الإلكترونية) ، كانت قد انتقلت إلى مستوى التعبير عن المزاج العام للمجتمع، واستثمرت في هواجسه الذاتية، وعملت على التعامل مع المؤثرات القوية في نسيجه العاطفي.
لقد وجدت (الكتائب الإلكترونية)، في موضوع إدراج خريطة إسرائيل بدلا من فلسطين في الكتاب المدرسي، الفرصة المناسبة للخوض في موضوع يعتبر من المواضيع المقدسة في الشعور الجمعي للمجتمع، ومن الثوابت المهمة في الدبلوماسية الرسمية للدولة، التي تعتبر قضية فلسطين من الثوابت الأساسية في عقيدتها الدبلوماسية، والتي قدمت البلد من أجلها الكثير من التضحيات، بداية من أبي مدين شعيب، مروراً بحرب أكتوبر، وصولاً إلى الوقت الحاضر، وهي القضية التي ارتبطت في المخيال الجماعي بكلمة الرئيس السابق هواري بومدين(نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة).
وسرعان ما قامت (الكتائب الإلكترونية) بتحوير الموضوع وإحالته على الذاكرة الجماعية، واستدعاء مكنونات المزاج العام، والدخول إلى تلك العوالم عبر ما تم تسويقه من قبل هذا الموضوع، والمتمثل في تلك الأخبار التي تم ترويجها على نطاق واسع في وسائل الاتصال (الجرائد والقنوات)، حول الجذور العائلية اليهودية لوزيرة التربية، وهو الأمر الذي كانت الوزيرة نفسها قد وقعت في فخ التعاطي معه وفشلت في تفنيده، في العديد من التصريحات والحوارات، ووضعت نفسها في موقع الدفاع، مما ساعد كثيرا (الكتائب الإلكترونية) ، في الاستفادة من ذلك السلوك والاستثمار فيه، عبر الإنتاج الإعلامي وتقديمه في قوالب استفزازية من صور وفيديوهات، كشف عن مستويات من التحكم في التقنيات التكنولوجية الإعلامية الحديثة، دونما الاستفادة من قدرات تكوينية متخصصة، وإنما الاعتماد على الخيال والمغامرة في ولوج عالم التكنولوجيات الإعلامية الحديثة، والرغبة في المشاركة في قضايا الشأن العام.
لتحميل المقال انقرهنا
 

جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للأبحاث والدراسات © 2016

الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز برق للأبحاث والدراسات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق