الاصداراتمتفرقات 1مقالات

آلهة قريش تجارة وعبادة

663
 
كانت السياسة ولا تزال، أهم الممارسات العامة إثارة للاهتمام وطرح التساؤلات، وكثيرًا ما نقف عاجزين، ومستغربين، ومتسائلين عن طبيعة ممارساتٍ “سياسية” يقوم بها “الملأ” منا، مثل: ما الذي دفع بـ “أحزابٍ” تتخذ من الإسلام مرجعية لها أن تدعم سفاحًا متجبرًا، أجمع الناس على طغيانه؟ أو لماذا لا تزال دولنا ترزح تحت وطأة العسكر؟ ولماذا لوبيات المال تتحكم في كثيرٍ من مصائرنا كشعوب؟ وهل ثمة سياسة في عالمنا العربي؟ أم هي مجرد تمثيلية يديرها مَنْ وراء البحار؟
تساؤلات عدة، وغيرها الكثير، يحاول الشباب العربي، والمهتمون بأسئلة السياسة الإجابة عنها.
بعض المفكرين يحاول عرض نظريةٍ ما، تفسر واقع العرب السياسي، كيف تَشَكَّل؟ وما هي عناصره المؤثرة فيه؟ وبعض هؤلاء كان طرحهم مميزًا.
 
كثيرة هي الأسباب التي تدفع المرء إلى الإعجاب بفلم “الرسالة”، فالفلم كان عملًا متقنًا، على غير العادة، من حيث السيناريو القوي، واحترافية الممثلين، وجودة الإخراج، وغير ذلك، غير أن من أكثر ما يثير فيّ معاني الدهشة، مجموعةٌ من الجمل والتعبيرات التي قيلت على ألسنة الممثلين، وتحمل وجهة نظر مميزة.
لا زلتُ أذكر ذلك اليوم، يوم أوقفت اليوتيوب على جملة “آلهة قريش تجارة وعبادة”، أُعجبت بهذه الجملة جدًا، كيف لا وهي تُعبِّرُ عن رضا “كبار قريش” عن حالهم كسدنة للبيت ورعاة لزواره، إن هذا المصدرَ الكبير للمال، والجاه، والسلطة، لا يعوض بثمن، فهم راضون -كأسياد- عن واقعهم السياسي، بتوظيف الآلهة في خدمة المصالح التجارية، والإبقاء على سيادة قريش.
 
عندما حاول الجابري أن يحلل واقع العرب السياسي، وجد أن عليه الرجوع إلى التراث الغائب الحاضر فينا، ليستقرئ كيف كانت تدار الحياة السياسية العربية قبل، وأثناء، وبعد نشأة الدولة، في التراث عرض الجابري ثلاث مفردات تضمنتها المقولة السابقة، ثلاث مفردات تحمل الإجابة عن التساؤلات السابقة، بشيء من الإبهار، وهي: “القبيلة=العصبية”، “العقيدة=الفكرة الدينية”، “المال=الاقتصاد الريعي”، أو ما عبر عنه أبو جهل “آلهة”، “قريش”، “تجارة”، “عبادة”.
تُرى ماهي هذه الثلاثية؟ وكيف تَشكَّلت في العقل العربي حتى ترسخت فيه؟ ولماذا لا تزال حتى الآن تصوغ واقعنا العربي؟ وكيف تتجلى فيه؟ بقية المقال يحاول شرح هذه الأفكار.
 
لم يعشِ العرب قبل الإسلام مرحلة الدولة، فقد كانت لهم مؤسسات و”تقاليد” تُرسخ فيهم حالة اللادولة، وكانوا راضين بحالة “نحن قوم لا نَمْلِك ولا نُمْلَك”، غير أن حياتهم كانت تقوم على نظام ما، “نظام القبيلة”، فالقبيلة كلها تختار شيخًا لها، ذا منصب تنفيذي بحت، يسير فيها بسيرة الأجداد، وإذا حدثت مستجدات، فأفراد القبيلة على قدر شرف بطونهم وأفخاذهم يشاركون في اتخاذ القرار ويتحملون تبعاته، وكل مَنْ هو خارج القبيلة لا يملك هذه الحقوق، وهكذا، مجموعة قبائلَ لكلٍ منها قانون الأجداد، تتصالح حينًا، وتتقاتل أحيانًا، وتعيش فيما بينها.
 
لمَّا أتى الإسلام، بعث الله نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بمعانٍ وقيمٍ تُعيد رسم الواقع العربي آنذاك، وتؤسس لمرحلة جديدة تقوم على “الدولة” لا على “الحياة القَبَلية”، فظهرت لنا مفردات مثل: “بيعة الأنصار”، و”وثيقة المدينة”، و”حجة الوداع”، و”عام الوفود”، و”مكاتبة الملوك”، وكلها تشير إلى أن النبي كان يخضع لتأثيرِ واقعٍ يدفعه لإعلان “دولة”، لا مجرد تَجَمُّع لا قبلي. وعليه فمن الطبيعي أن يُقدِّمَ الإسلام مُعطًى جديدًا، يزاحم مُعطى القبيلة، ألا وهو مُعطى “العقيدة”، فأصبحت تعاليم الإسلام، أو المبادئ الكلية والمقاصد الكبرى ونظرية المصلحة، مما ينبغي على من رغب قيادة المسلمين أن يهتم بها.
وهكذا أصبحت المناصب -في عهد النبي صلى الله عليه وسلم- تقوم على أساس الكفاءة لا النَّسَب، وأصبحت الشورى عامة بين المسلمين، كما صار كل المسلمين متساوين في الحقوق وتأدية الواجبات.(ولا نغفل هنا أننا نتحدث عن مجتمع الأحرار، وإلا فمجتمع العبيد لم تكن لديه مثل هذه الصلاحيات).
 
بعد وفاة النبي، وانقطاع الوحي، دخل المسلمون لقرابة الـ 23 سنة، القبليون بالأجداد، مرحلة بناء الدولة، وكان عليهم أن يتدافعوا بين معطى القبيلة ومعطى العقيدة، في كثيرٍ من الاختيارات السياسية. وكان أول حادث شهد هذا التدافع في سقيفة بني ساعدة، فقد اختلف المجتمعون حول مَنْ ينصبونه خليفة للمسلمين، وكان اقتراح العقيدة (المعاني السياسية التي جاء بها الإسلام) يُنادي به الأنصار (منا أمير ومنكم أمير)، ونادى أبو بكر بمبدأ الكفاءة (بايِعوا عمر أو أبا عبيدة)، بينما كان اقتراح القبيلة يُنادي به عمر، وهو الذي حسم النقاش، (إن العرب لا تدين بهذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش).
لقد سبقت القبيلةُ العقيدةَ في أول تجربة حقيقية لها، الأمر الذي جعل ما يتبع هذا القرار المهم، يتأسس على مبدأ القبيلة لا العقيدة، فنجد قادة جيوش الردة من أهل مكة، وقادة الفتح منهم كذلك، ولا نجد حضور الأنصار وبقية القبائل في ولاية الأمصار بقدر حضور المهاجرين ومسلمة الفتح. وهكذا ظلت المعاني القَبَلية تصارع المعاني العَقَدية، كلٌ منهما يحاول شق طريقه إلى إدارة الحياة العربية، غير قادر على إبعاد صاحبه، فكان هذا إيذانا بدخول طرف جديد، الطرف المؤثر.
 
لمّا انتشرت التوسعات الإسلامية (الفتوحات)، بدأت الخزينة (بيت مال المسلمين)، تكنز بمثاقيل الذهب والفضة، ولأن عمر أنشأ ديوان العطاء، ورتب الناس فيه على حسب أسبقية الإسلام، فقد حصل المهاجرون ثم الأنصار على أعلى المرتبات في الدولة، وكان كلما حَلَّ وقت العطاء نادى مناد الخليفة أن “هلموا فخذوا أعطياتكم”، لتنشأ بعد بضع سنوات طبقةً جديدة في المجتمع المسلم، طبقة أصحاب الأموال، وهم إما تجار، أو قادة عسكريون، أو مسلمون أولو سابقة، أو مسلمة الفتح الأغنياء، أو غيرهم، لكنهم أصبحوا على درجة من الغنى تُمكنهم من فرض أنفسهم (كأمر واقع) على المجتمع.
هذا الحضور المجتمعي للمال، لم يلبث أن ارتفع درجةً ليصل إلى الدولة، فكان عصر معاوية عصر المال، وقد كان معاوية أول من أتقن توظيف المال في السياسة، فبه صالح الحسن والحسين، وكان يعطي الوفود التي تزوره من القبائل كل سنة ما لا يحصى من المال، وقد اشتهر قول أتباع علي: “نصلي مع علي ونأكل مع معاوية”.
في صراع “القبيلة” و”العقيدة” تظهر “الغنيمة” كالمُرجح لهما، أو القاضي عليهما، وتبدأ مسيرة السياسة الإسلامية بتفاعلٍ بين هذه المعطيات الثلاثة، ولا تكاد تجد دولةً ما إلا وقامت على معطى ما من هذه المعطيات الثلاثة، ووظفت الباقي لخدمة مصالحها. فهذه الدولة الأُمَوية قامت على معطى “المال”، ووظفت “الدين” (نظرية الجبر، الاهتمام بالقرآن، الأمر بكتابة الحديث النبوي، قتل الجهمية … إلخ)، و”القبيلة” (إذكاء الصراع بين اليمنية والقيسية)؛ لتثبيت أركانها، بينما وريثتها الدولة العباسية فقد قامت على معطى “العقيدة” (الرضى من آل محمد)، ووظفت “المال” (مع أبي جعفر الدوانيقي، والمأمون)، و”العصبية” (المأمون والهاشميين، ثم الأتراك مع المعتصم، ثم البويهيين، ثم السلاجقة)؛ لتثبيت ملكها. وقل مثل هذا على بقية الدول والممالك الصغيرة حتى تاريخنا المعاصر.
 
إن الذي نتج عن تفاعل هذه المفردات الثلاث في التاريخ، هو ما يساعدنا على فهم الحاضر، فأنْ ترى المخرجات الآن، كمخرجات الماضي تماما، مع تغير طفيف، أمر يستحق الاهتمام.
لقد نتج عن تفاعل “العقيدة”، و”الغنيمة”، و”القبيلة”، أنْ أصبحت السياسة تُدار بواسطة هذه المؤسسات الثلاث، فالذي يرغب بأن يكون ذا شأن عند السلطان، أو أن يصير سلطانًا، فليس عليه إلا أن ينتظم في أحد هذه المجموعات الثلاث؛ إما أن يكون “ثريًا” وذا أملاك وتجارة واسعة، أو أن يكون “عالمًا” له حضور بين الأوساط الشعبية، أو أن يكون من عصبة السلطة نفسها، أما سِوى هؤلاء فليسوا سوى بيادق على رقعة شطرنج كبيرة.
مما نتج عن هذا كذلك، أن الدول سواء قامت أو سقطت وظهر على إثرها دول جديدة، فلن يتغير خطابها والعوامل المؤثرة فيه، الكل سيوظف الدين، والعصبة، والمال؛ لتثبيت حكمه، وربما يدفع الحاكم ببعض هؤلاء إلى التصادم كتوزيعٍ للقوى، ليحتفظ بملكه بعيدًا، غير أنه لن يستغنيَ عن أيٍّ منها في توطيد أركانه.
إن الذي نتج لنا عن هذا التفاعل، أن “قادة الجند” إذا رغبوا في خلع “الخليفة” دعوا “قاضي القضاة” ليشهد على خلع الخليفة لنفسه وأنه ليس أهلًا للخلافة، ثم بـ “التجار” ليُقرضوا الخزينة ما يكفي لدفع رواتب “الجند”، و”شراء ذمم البقية”، عند إعلان الانقلاب. (هذه الفقرة بألفاظها تتكرر مئات المرات في تاريخ ابن كثير، سواء في العصر العباسي الثاني، أو العهد المملوكي).
 
ربما يلحظ القارئ الكريم، من خلال التمثيل عظم التشابه بين ما كنا عليه، وما نحن عليه الآن، نعم، نحن لم نتغير، في عقليتنا السياسية على وجه الخصوص، صحيح أننا نعيش في دول حديثة، دول ما بعد الاستعمار، لكنها لا تزال -في غالبها- تُدار بعقليات القرون السابقة؛ لأن الأمم إذا رغبت في ممارسة السياسة فإنها ترجع لذاكرتها التاريخية، لموروثها الغني، تختار منه ما يناسبها لبناء واقع جديد. أما نحن، فلا نزال أمة قليلة الخبرة في السياسة، لأننا عشنا نموذجًا واحدًا منها، النموذج حيث تتصارع مؤسسات العصبية، مع مؤسسات المال، مع مؤسسة رجال الدين، كلٌ منها يمارس السياسة التي يفهمها (التي تختلف كليا عن السياسة الحقيقية)، ووفق مصلحة هؤلاء (لا الشعوب) يتم بناء السياسات، واتخاذ القوانين.
وعليه، فستوجد دومًا أحزابٌ وشخصياتٌ -قلَّت أو كَثُرت-تتخذ من المرجعية الإسلامية مستندًا لها، تمارس السياسة التي تقهر الشعب، ولا تهتم لمصالحه، وتصرف كل وقتها لتثبيت سلطتها ومدافعة رجال المال والحكام (بأساليبها الخاصة).
وسيظل هناك دومًا “ضباط”، و”عسكر”، و”مجاهدون”، و”مجلس ثورة”، و”أسرة مالكة”، و”عصبة” ما، تقود الجميع، لا بد أن نُقاد جميعًا بسلطة لها مرجعية لا تنتهي، لا يمكن أن نُؤسس -ما دمنا لم نؤسس بوعي لبناء سياسية جديدة تراعي واقعنا-لدولة حديثة لا ينتمي فيها الحاكمون لأنفسهم وإنما للشعب لا غير، وأن يَعرفوا أنهم خَدَمُ الشعب وليسوا مُلاكه، وأن عليهم خدمته، لا مقارعة أرباب الأموال ورجال الدين في اقتسام الكعكة ومَنْ يحصل منها على أكبر قدر.
وسيظل هناك دومًا “الأثرياء”، و”التجار الكبار”، الذين يعقدون الصفقات على حساب احتياجات الفقراء، ويصرفون أموالهم في تثبيت سلطة ما، ولو ديكتاتورية، لا لشيء إلا أنها تخدم مصالحهم، وتخفف عنهم مزيدًا من الضرائب.
وستظل تفاعلات هذه الثلاثة الكثيرة موجودة في واقعنا، تمامًا كما كانت في الماضي، تؤسس لـ “دول” أو “لا دول” تُصادَر فيها حرية الشعوب، وأموالهم، وحقوقهم؛ لتعيش (النخبة الحاكمة، ورجال الدين، والحاشية، ومُلاك المال)، فَرِحَة مبتهجة، تردد في مجالسها الخفية “آلهة قريش، تجارة وعبادة”.
 
عبد الوهاب عجروم
 

للتحميل من هنا

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز برق للأبحاث والدراسات

جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للأبحاث والدراسات © 2016

 

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق