القدس بين نارين: قرار ترامب وضعف العرب


 

في مطلع حزيران/يونيو من العام الماضي أجَّل دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الحالي عملية نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس ستة أشهرٍ إضافية؛ لأنَّ الأوضاع في تلك الفترة لم تكن مواتيةً لهذا السلوك، والإبقاء على السفارة في تل أبيب يضمن مصالح الأمن القومي الأمريكي في الشرق الأوسط، فضلًا عن أنَّ قرار إرجاء نقل السفارة قد جاء من أجل إعطاء فرصة للتوصل إلى اتفاق سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين حسب الزعم الأمريكي.

جاء قرار تأجيل نقل السفارة في حينه مخيبًا لآمال الإسرائيليين، حيث اعتبروا أنَّ ترامب لم يلتزم بتعهده نقل السفارة كما جاء في حملته الانتخابية للرئاسيات في أمريكا، تمامًا كما لم يفعل ذلك نحو 20 رئيسًا أو مرشحًا لرئاسة الولايات المتحدة منذ سنة 1972م.

لكن؛ فعلها دونالد ترامب مؤخرًا وقرر نقل سفارة بلاده إلى القدس، مع التأكيد على اعتراف بلاده بالقدس كعاصمةٍ أبديةٍ وموحدةٍ لدولة إسرائيل، كما أكَّد أنه أمَرَ ببدء التحضيرات لنقل سفارة الولايات المتحدة في إسرائيل من تل أبيب إليها. وجاء ذلك في خطابه مساء يوم الأربعاء (6 كانون أول/ديسمبر 2017م)، وبالتالي ضرب بعرض الحائط كل الأصوات التي كانت ترفض نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

أمَّا وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون فقد أكَّد أنَّ الولايات المتحدة ستبدأ فورًا في تطبيق قرار نقل سفارتها إلى القدس، بزعم أنَّ قرار ترامب “يجعل الوجود الأمريكي متلائمًا مع الواقع” لأنَّ البرلمان الإسرائيلي والمحكمة العليا والرئاسة وأجهزة رئيس الحكومة الإسرائيلية هي في القدس.

صحيحٌ أن 20 من رؤساء أمريكا تعهَّدوا بنقل السفارة والاعتراف بالقدس عاصمةٍ موحدةٍ لإسرائيل، لكن أيًَّا منهم لم يُقدم على التطبيق العملي لذلك، وكانت تلك المسألة بالنسبة لهم مجرد تصريحاتٍ دعائيةٍ لخطب وُد تل أبيب واللوبي الصهيوني رغم أنَّ هذا الموضوع مُشرعَن بقانون أقرّه الكونغرس الأمريكي في 23 تشرين الأول/أكتوبر 1995م، وتمَّ تفعيله في 8 تشرين الثاني/نوفمبر 1995م تحت مسمى (تشريع سفارة القدس لعام 1995 – Jerusalem Embassy Act of 1995). وعبَّر التشريع في حينه عن رغبة الولايات المتحدة بالاعتراف بالقدس كعاصمة لدولة إسرائيل ونقل سفارتها في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس في موعد أقصاه أيار/مايو 1999م، والمثير للاستغراب أنَّ التشريع يزعم كذبًا أنَّ إسرائيل عملت على توحيد القدس بعد أن كانت مُقسّمة.

ويأتي قرار ترامب التاريخي تتويجًا أو انطلاقًا لصفقة القرن التي تتحدث الإدارة الأمريكية والحكومات العربية عنها، حيث إنه بتصريح ترامب يكون قد مضى قرنٌ كاملٌ على صدور وثيقة حكومة بريطانيا أو ما اصطلح إعلاميًا على تسميته بوعد بلفور، وهذا الأمر من شأنه أن يصنع من شخص ترامب أسطورةٌ ورقمًا صعبًا في نظر الأمريكان والإسرائيليين، حيث فعل ما لم يتمكن رؤساء أمريكيون سابقون من فعله.

خطورة إعلان القدس عاصمةً لإسرائيل

من المؤكد أنَّ اعتراف أمريكا بالقدس عاصمة أبدية وموحَّدة لإسرائيل يؤكد أنَّ الطرف الأمريكي وسيطٌ غير نزيه ومنحاز بشكلٍ كاملٍ لإسرائيل ويتبنَّى الرواية الإسرائيلية بشكلٍ مطلق، ويحمل هذا الإجراء جملةً من المخاطر مؤكَّدة ومُحققَّة الحدوث على الساحتين الفلسطينية والعربية؛

  • لقد قطع ترامب الطريق أمام ما يسمَّى بالعملية السلمية وأبان وهمَها بشكلٍ جليْ، وهذا بالتأكيد قضى على آمال قيادة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية في حل الدولتين، حيث اعتُرف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ولم يحدد أي قدس بالضبط؛ أهي القدس الشرقية أم الغربية أم الموحدة أم القدس الموسَّعة؟!
  • ولعل هذا السلوك السياسي للرئيس ترامب يقضي على ما يسمى بـ”الصراع العربي الإسرائيلي” الذي تقلَّص إلى “الصراع الفلسطيني الإسرائيلي” ويجعل المجتمع الدولي ينظر للفلسطينيين على أنَّهم عصابةٌ أو عصابات تهدد الأمن القومي الإسرائيلي، وهذا تمامًا ما يصرِّح به بعض المفكرين الإسرائيليين، وهو ما كان يجعل موضوع نقل السفارة أمرًا بالغ الأهمية بالنسبة لإسرائيل.
  • ويقضي إعلان ترامب على إمكانية أن تكون القدس منطقة خاضعة للسيادة الدولية، وهي المنطقة التي نصَّ قرار التقسيم رقم 181 على أن تكون تحت السيادة الدولية من ناحية، وتحدَّثت كثير من المبادرات السياسية على وضعها تحت الوصاية الدولية مع ضمان حرية العبادات فيها للإسلام والمسيحية واليهودية، وهذا بالطبع يقطع الطريق على أطماع بعض الدول الكبرى في القدس مثل روسيا، ويقطع صلة العرب والمسلمين بالقدس ولو مؤقتًا، مع الأخذ في الاعتبار أنَّ هذا الأمر يمهِّد الطريق أمام كل المؤسسات الأجنبية العاملة في إسرائيل لنقل مقراتها إلى القدس، ويشرعن احتلال القدس بشكلٍ يتعارض مع القوانين والقرارات الدولية.
  • ويسهِّل قرار ترامب قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي بإعلان القدس مدينة يهودية خالصة، وهذا يستوجب إيجاد حلول للأقليات العرقية والدينية الأخرى مثل العرب والأكراد والأتراك والدروز والأرمن والشركس، ولعل أبرز الحلول يكمن في إيجاد ارتباطٍ سياسيٍ بينهم وبين الأردن في حكم كونفدرالي أو شبه كونفدرالي.
  • ولا يغيب عن البال أنَّ ترامب بدأ بالملف الأخطر والأهم في الصراع العربي-الإسرائيلي، وهذا يعني أن قبول العرب بالواقع الجديد يمهِّد الطريق أمام الإدارة الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي بتصفية ملفات القضية الفلسطينية الأهم فالأقل أهمية، حيث ستكون الخطوة التالية متعلقة بإنهاء ملف اللاجئين من خلال التوطين في أماكن تواجدهم مع تقديم بعض المساعدات المالية والعينية لهم.
  • وإذا كانت القدس هدفًا للأطماع الإسرائيلية والأمريكية؛ فهذا يعني بالضرورة أنَّ مناطق عربية أخرى ستكون هدفًا للأطماع الأمريكية والإسرائيلية، ونقصد هنا؛ ستكون الجولان هدفًا مؤكدًا للأطماع الإسرائيلية، وذلك لأنَّ السيطرة الإسرائيلية الكاملة على الجولان ستضمن الحفاظ على الأمن القومي الإسرائيلي من الناحية الشمالية الشرقية، لأن إسرائيل تقوم على مساحة صغيرة؛ الجغرافيا العسكرية فيها تقول بأنَّها لا تصلح لإقامة دولة دون السيطرة على المناطق المحيطة لها، في منطقة لا تصلح كساحة للرمي، وتفتقر لكل مقومات الجغرافيا العسكرية اللازمة للدفاع عن وجود دولة الاحتلال فيها.

ولا تقلُّ الجولان أهمية بالنسبة لإسرائيل عن القدس، فالثانية تعطيه القوة الدينية العقائدية، والأولى تُعطيها قوة الدفاع والحفاظ على الأمن والبقاء، وهذا ما أجبر الكنيست الإسرائيلي على إصدار “قانون الجولان: فرض القانون والقضاء والإدارة الإسرائيلية على هضبة الجولان” في 14 كانون الأول/ديسمبر 1981م.

الموقف العربي والإسلامي مخيب للآمال

لقد كان واضحًا أنَّ القيادة الفلسطينية والعربية لم تكن تعطي أيَّ اهتمامٍ لتصريحات ترامب بخصوص نقل السفارة إلى القدس، بل كانوا يشعرون بطمأنينة وارتياحٍ كبيرٍ لتلك التصريحات، وذلك انطلاقًا من أنَّ مسألة نقل السفارة لدى ترامب لا تعدو مجرد استكمال للدعاية الانتخابية واستمرار لخطب ود اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة واليمين المتطرف في إسرائيل.

ما يندى له الجبين أنَّ حكام الدول العربية ذات العلاقة المباشرة بالقضية الفلسطينية كانوا على علمٍ بنيَّة ترامب نقل السفارة إلى القدس، والأسوأ من موافقة أولئك الحكام على طلب ترامب بضرورة تهدئة الأمور في بلادهم والتصدي للشارع في حال الانتفاضة أو مهاجمة السفارات الأمريكية في الدول العربي.

وكشف وزير الاستخبارات الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن أنَّ قرار ترامب بشأن القدس جاء بالتنسيق مع قادة عرب حتى يسهموا في احتواء غضب الفلسطينيين ومنعهم من الإقدام على ردود فعل صعبة. أمَّا المعلق السياسي للقناة الإسرائيلية العاشرة “باراك رفيد” فقد نقل عن مسؤول “كبير جدًا” في الإدارة الأميركية قوله إنَّ واشنطن مرتاحة تمامًا للتنديد “المنضبط” الذي صدر عن الدول العربية المعتدلة بشان قرار ترامب.

ولعل الجميع رأى كيف أنَّ إعلاميين خليجيين كانوا يهاجمون الفلسطينيين والقضية الفلسطينية ويشككون بأحقية الفلسطينيين في أرضهم وينفون الوجود الفلسطيني القديم بأرض فلسطين والشام، وهذا ما يفسر معرفة بعض أو كل القادة العرب بنوايا أمريكا نقل السفارة منذ فترة من الزمن، وما كان يقوم به أولئك الإعلاميون مجرد تهيئة للرأي العام العربي للقبول بالواقع الجديد الذي يفرضه الأمريكان.

عددٌ لا بأس به من المقالات العبرية كتبها المحللون السياسيون الإسرائيليون؛ أبدوا فيها استغرابهم لحد الإعجاب بكتابات وتصريحات بعض المثقفين والإعلاميين السعوديين في الفترة الأخيرة فيما يتعلق بالقدس وفلسطين، ولم يكن خافيًا كيف أنَّ موقع ميمري العبري وصف تلك التصريحات والمقالات بأنَّها “المقالات الأكثر شذوذًا، والتي انتقدت بشدة الخطاب المعادي لليهودية في المجتمع العربي والإسلامي”.

صحيح أنَّ الدول العربية والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية -وحتى المجتمع الدولي- قد صدَّرت مواقف رافضة لقرار ترامب؛ لكنها في المقابل مواقف لا ترقى لمستوى الفعل من ناحية، وتعبِّر عن حالة العجز والضعف والوهن الذي تعيشه الأمة العربية، وهي أيضًا مواقف لم تكن بالمستوى المطلوب ولا بالمستوى الذي يليق بأهمية ومكانة القدس عربيًا وإسلاميًا ودوليًا، ويمكن تصنيفها في إطار القلق والشجب والاستنكار و”الجعير” أو الظواهر الصوتية التي اعتاد الإنسان العربي سماعها من قيادته مذ كانت تريد إلقاء إسرائيل في عرض البحر قبيل هزيمتها في حرب 1967م.

أما رئيس السلطة الفلسطينية على وجه التحديد؛ فقد اعتبر أنَّ قرار ترامب كان صادمًا، وهذا التصريح صادمٌ للغاية، حيث جاء بعد معرفة عباس بقرار ترامب من ناحية، وجاء مسجلًا وليس بثًا مباشرًا، وهذا قد يعني أنَّ أطرافًا دولية اطلعت على تصريح عباس وقامت بمراجعته قبل بثِّه، وذلك لأنَّ البث المباشر ربما يؤدي إلى توتير الساحة الفلسطينية وإشعال انتفاضة في القدس المحتلة أو في أي منطقة أخرى.

أما خطابه في القمة الإسلامية الاستثنائية -التي عُقدت في إسطنبول الأربعاء 13 ديسمبر/كانون الأول 2017م؛ تلبيةً لدعوة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان- فقد كان الرئيس عباس أكثر وضوحًا وتحديدًا، لكنه خطاب يفتقر إلى الآليات والخطوات العملية من ناحية، ولا يشير إلى تطلعات وإجراءات السلطة الفلسطينية من ناحية أخرى، وبالتالي؛ يمكن اعتباره تصريح عابر للرئيس تمامًا كالتصريحات الفضفاضة التي صرَّح بها خلال السنوات العشر الماضية.

أما القمة الإسلامية الاستثنائية في إسطنبول ورغم أهميتها فقد كانت قمةً دون المستوى المطلوب، وحضرها 16 دولة من أصل 57 دولة عربية وإسلامية فيها 1.7 مليار مسلم، بل كان حضور فانزويلا “نيكولاس مادورو” أكثر فاعلية من بعض الدول الحاضرة، والمؤسف أنَّ أكبر الدول العربية كالسعودية والإمارات ومصر لم تكن حاضرة بالمستوى المطلوب، وهذا يشير إلى قبول تلك الدول بقرار ترامب، ومن الجدير الإشارة إلى عبارة للإعلامي المصري الكبير محمد حسنين هيكل في سؤال موَّجه له حول توقيت نقل السفارة الأمريكية إلى القاهرة قال سيتم ذلك “عندما توافق السعودية وتصمت مصر”.

وثمَّة تفاهمات قديمة بين يوسي بيلين ومحمود عباس عرفت باسم “وثيقة بيلين-عباس” عام 1995م؛ خلصت إلى أنَّ القدس يجب أن تبقى تحت السيادة الإسرائيلية وأن “الكيان الفلسطيني” لن يكون له “مركز حكم” داخل القدس، وينبغي منح السكان الفلسطينيين في الأحياء العربية بالقدس بعض “المشاركة في مسئولية إدارة حياتهم بالمدينة”.

نحو استراتيجية دعم وطني للمقدسيين

لن يتمكن الفلسطينيون ولا حتى العرب من القيام بأيِّ سلوك يمكنه تهديد المصالح الأمريكية ولا يجرؤ أحد على ذلك، فلم يعد بإمكان العرب استخدام سلاح النفط، ولم تعد دول الطوق العربي تشكل أي تهديد على إسرائيل، وكثير من الدول العربية منشغلة بهمومها الداخلية.

ولنكن صريحين مع أنفسنا؛ ما جاء في خطاب ترامب أمرٌ كان متوقعًا في أية لحظة، لكن بعض الساسة على الساحة الفلسطينية كانوا متعمدين أن يصرِّحوا بعكس ذلك تمامًا، بل حاولوا مرارًا وتكرارًا كي وعي الشارع الفلسطيني لكسب وُد الإدارة الأمريكية وضمان عدم اشتعال انتفاضة جديدة.

لقد كان من الواجب على القيادة الفلسطينية أن تصوغ خطة استراتيجية لوقف الاستيطان والتهويد والحفاظ على القدس عاصمة للفلسطينيين والعرب والمسلمين، لكنها لم تفعل رغم مضي نحو 24 سنة على تشكيل السلطة الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية، وبالتالي؛ أصبح أكثر من 88% من مدينة القدس تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة، و 12% من مساحة القدس يعاني من التهويد والاستيطان على مدار الساعة، وأغلب مساحة الضفة الغربية تخضع للسيادة الإسرائيلية.

وأخيرًا؛ من السلوك السياسي للرئيس ترامب نستطيع القول إنَّ القادم أخطر وأصعب بالنسبة للفلسطينيين وعليهم، وبالتالي يجب تدارك أخطائهم والدخول في مصالحةٍ فوريةٍ وحقيقيةٍ؛ بعيدًا عن عقلية الإقصاء والتفرد التي يمارسها الرئيس الفلسطيني محمود عباس. والشروع الفوري في صوغ خطة إنقاذ لتفادي المخاطر القادمة التي تهدد ما تبقى للفلسطينيين في القدس، مع دعم المقاومة بشكلٍ رسميٍ وبكل أشكالها، وتخصيص نسبة من موازنة السلطة الفلسطينية لدعم وتعزيز صمود المقدسيين بدلًا من صرف 45% من الموازنة على الأمن الفلسطيني الذي لا يتجرَّأ على التصدي لجندي إسرائيلي وسط مدن الضفة الغربية.

 

لتحميل المقال من هنا

 

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز برق للاستشارات والدراسات المستقبلية 

جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للاستشارات والدراسات المستقبلية © 2018

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *