مصير إدلب بين التجاذبات الدولية وواقع فصائل المعارضة


مصير إدلب بين التجاذبات الدولية


أولاً: تمهيد

شهدت محافظة إدلب في الأشهر الأخيرة تحولات عسكرية لافتة، حينما اندلعت اشتباكات عنيفة بين هيئة تحرير الشام وحركة أحرار الشام الإسلامية، أبرز فصيلين في الشمال السوري، وأفضت إلى تمكن هيئة تحرير الشام من بسط نفوذها السياسي والعسكري بشكل أكبر على محافظة إدلب بعد أن تم التوصل بينها وبين حركة أحرار الشام الإسلامية إلى اتفاق وقف إطلاق نار ينهي حالة القتال([1]). وتمكنت بذلك الهيئة من إنهاء حالة التنافس على النفوذ السياسي والعسكري بينها وبين الحركة التي شكلت معها في عام 2015 جيش الفتح والذي ساهم بشكل رئيسي بتحرير محافظة إدلب([2])، واستمرت حالة التعاون الحذر بين الطرفين منذ ذلك الوقت إلى أن وصلت الأمور إلى ماهي عليه الآن.

وبينما تدخل حركة أحرار الشام في إعادة هيكلة نفسها مجدداً مع تعيين قائدها الجديد حسن صوفان([3])، تواصل هيئة تحرير الشام إيجاد الطرق الملائمة لها لإدارة محافظة إدلب ولا سيما معبر باب الهوى الحدود مع تركيا، وفرض سياستها على باقي الفصائل العسكرية الموجودة، وكذلك المؤسسات المدنية، حيث أصدرت “الإدارة المدنية للخدمات” التي تتبع لهيئة تحرير الشام مؤخراً، “تعميماً يسمح بوضع يدها على المؤسسات والدوائر المدنية في محافظة إدلب، بهدف إعادة تشكيل الهيئات المدنية المنتخبة في المحافظة وأهمها مجلس محافظة إدلب”. بالتالي أصبحت الهيئة حالياً تتصدر المشهد السياسي والاجتماعي والعسكري في المحافظة، وعليه فإن الشكوك تتزايد حول ما ستؤول إليها الأحداث من وجهة نظر المجتمع الدولي وخياراته في التعامل مع إدلب التي يعتبرها تحت سيطرة تنظيم إرهابي وهو جبهة فتح الشام (النصرة)، ما يطرح العديد من الاحتمالات حول مصير إدلب وقد يكون أهمها حدوث تدخل عسكري دولي لمواجهة هيئة تحرير الشام.

ثانياً: خيارات فصائل المعارضة المسلحة وأثر توسع نفوذ هيئة تحرير الشام في المنطقة

تسود حالة من الترقب لدى أوساط المعارضة في إدلب من أي خطوات تصعيدية قادمة قد يلجأ إليها أحد الفاعلين في الملف السوري كالولايات المتحدة وتركيا وروسيا، بالرغم من أن الجيب الجغرافي الذي تسيطر عليه المعارضة والذي يمتد من محافظة إدلب إلى ريف حماة الشمالي وأجزاء من ريف اللاذقية بالإضافة إلى ريف حلب الغربي يتم العمل على تضمينه ضمن مناطق  اتفاق خفض التصعيد([4]) الذي لا يتيح للنظام السوري وحلفائه القيام بأي عملية عسكرية هناك، لكن مع ذلك قد تكون المعارضة المسلحة والمدنية أمام خيارات ضيقة للتعامل مع الوضع الحالي لإدلب لا سيما بعد سيطرة هيئة تحرير الشام على المفاصل العسكرية والسياسية في المحافظة، التي جعلت المخاوف تزداد من أن تشهد إدلب وضعاً مشابهاً لسيناريو الموصل وهو ما حذر منه القائد العام الأسبق لحركة أحرار الشام علي العمر حين اشتداد وتيرة القتال مع الهيئة حينما اعتبر أن “بغي” الهيئة على أحرار الشام هدفه “إنهاء الثورة السورية في إدلب وتحويل مناطق أهل السنة إلى موصل جديدة”([5]).

لكن هذا التحذير لم تأبه له الهيئة بشكل كبير معتبرة أنها ليست تنظيماً إرهابياً أو كياناً تنظيماً متطوراً عن جبهة فتح الشام (النصرة) لذلك إن أي توسع لنفوذها لن يضع إدلب تحت أي مخاطر محتملة، ويبدو أن قيادة الهيئة وضعت خطوات احترازية لدرء المخاطر عن إدلب فيما بعد مرحلة إضعاف حركة أحرار الشام أو إنهائها، عبر ما يلي:

  1. تشكيل إدارة مدنية

في 21 آب/ أغسطس أصدرت الإدارة العامة للخدمات التابعة لهيئة تحرير الشام تعميماً تعتبر فيه نفسها الجهة الوحيدة المخولة بإدارة شؤون إدلب المدنية والخدمية([6]). لكن مجلس محافظة إدلب رفض ذلك وأصر على متابعة عمله. وفي 24 من الشهر الحالي قام عدد من الشخصيات بالدعوة لمؤتمر عام لتشكيل “إدارة مدنية في المناطق المحررة” بهدف “تشكيل إدارة مدنية للمناطق المحررة تقوم على أسس وثوابت ثورية تتمثل في عدم التسوية مع النظام السوري وإسقاطه بكافة رموزه، وتشكيل إدارة وحكومة اختصاصية تهدف إلى عمل مؤسساتي بشكل منظم تضم جميع الفعاليات والشخصيات والهيئات السياسية ذات الأثر والقبول الداخلي والخارجي في الثورة”. وبناء على ذلك استمرت المباحثات خلال المؤتمر وتم تشكيل لجنة تحضيرية تشرف على تأسيسه([7]).

بالمقابل أثيرت العديد من الشكوك حول دفع هيئة تحرير الشام لتشكيل هذه الإدارة كون أنها قامت بالسيطرة على أغلب المواقع الخدمية ومكاتب مجلس محافظة إدلب، الذي أصدر بياناً رفض فيه القبول بأي إدارة مدنية أو مجالس محلية لم تشكل وفق تصميم مجلس المحافظة ومديرية المجالس، وناشد فيه كافة الفصائل العسكرية بعدم التدخل بالحياة المدنية([8]).

بالتالي يبدو أن هيئة تحرير الشام تصر على إنهاء عمل مجلس محافظة إدلب، ليتم إنشاء كيان موسع كبديل عنه يعمل بالتنسيق مع الهيئة، لكي لا تظهر الأخيرة على أنها تحاول التحكم بالمشهد المدني والاجتماعي لمدينة إدلب، كمحاولة لتقليل نسبة المخاطر التي تهددها بالمنظور الدولي على أنها تحت سيطرة تنظيم إرهابي. لكن الولايات المتحدة الأمريكية استبقت هذه الخطوة وأعلنت أن جبهة فتح الشام لن تستفيد من محاولة الالتفاف، معتبرة أن هكذا إدارة مدنية هي “واجهة زائفة”([9]).

  1. تشكيل كيان عسكري موحد

أعلن أبو جابر الشيخ القائد العام للهيئة في خطبة له منذ وقت قريب في أحد مساجد مدينة بنش بريف إدلب عن استعداد الهيئة لحل نفسها مقابل أن تعلن باقي الفصائل حل نفسها للاندماج ضمن كيان واحد، بعد ما اعتبر السنوات الماضية فترة طويلة من التشرذم والتمزق، إلى جانب المحاولات الدولية لإنهاء الثورة والإبقاء على رأس النظام السوري بشار الأسد([10]).

ويشير ما سبق إلى أن الهيئة ستسعى إلى محاولة توسيع كيانها تنظيماً عبر دمجه مع كيان أوسع وذلك على أن يكون الثقل الأساسي في الكيان الجديد يميل إلى صالح قيادات الهيئة، ولن يكون ذلك أمراً صعباً ما دامت الهيئة هي الفصيل الأقوى حالياً إذ ستتمكن من فرض شروطها أو أغلبها على بقية الفصائل العسكرية في حال وافقت على حل نفسها وحل الهيئة وتشكيل كيان موحد، لكن يبدو ذلك أمراً مستبعد الحدوث؛ كون أن الفروقات الأيديولوجية والتنظيمية كثيرة بين الهيئة وبقية الفصائل كحركة أحرار الشام وجيش إدلب الحر.

أما بالنسبة لبقية فصائل المعارضة إجمالاً فمن المرجح أنها لن تستطيع إضعاف نفوذ هيئة تحرير الشام في الوقت الحالي، لأن خياراتها محدودة جداً، وقد تتمثل في التحضير لتحرك عسكري ضد الهيئة على مستوى عالي من التنسيق بين الفصائل الكبرى كأحرار الشام وفيلق الشام وجيش العزة، لكنه خيار مستبعد على اعتبار أن هكذا تحالف لم يحدث عندما كان وجوده أمراً ملحاً حينما جرى الاقتتال بين الهيئة وحركة أحرار الشام.

بالمقابل ربما تتمكن حركة أحرار الشام بالمدى القصير من إعادة هيكلة نفسها وبناء قدراتها التي فقدتها بالقتال مع الهيئة، لتعود مجدداً كمنافس على النفوذ أمام الهيئة مما قد يضطر الأخيرة إلى تقديم تنازلات محددة والعودة إلى الوراء بشكل الشراكة والتنافس بينها وبين حركة أحرار الشام، أي يعود الحال في إدلب إلى ما كان عليه قبل نشوب المعارك بينهما.

 

ثالثاً: دلالات المواقف الدولية من إدلب في ظل اتفاق خفض التصعيد

يحاول الفاعلون في الملف السوري وبالأخص الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وتركيا تحديد أولوياتهم في التعامل مع وضع محافظة إدلب وما حولها في الوقت الحالي، ودراسة المتغيرات التي قد تطرأ على أهم معقل للمعارضة في سوريا. ويبدو أن التجاذبات الدولية تلعب دوراً رئيسياً في تحقيق ما يسعى إليه كل طرف، لذلك من المتوقع أن تنعكس هذه التجاذبات على سرعة تحديد مصير إدلب.

فبالنسبة للولايات المتحدة فهي حددت موقفها بشكل واضح بعد أن تمكنت هيئة تحرير الشام من توسيع نفوذها، حيث أصدر المبعوث الأمريكي إلى سوريا مايكل راتني بياناً تصعيدي اللهجة حينما اعتبر أن جبهة فتح الشام (النصرة) ستبقى هدفاً هي ومن يبايع القاعدة لواشنطن داعياً بذات الوقت الفصائل التي وصفها بأنها انضمت للهيئة لأسباب تكتيكية وليست أيدولوجية بترك الهيئة قبل فوات الأوان([11]).

وكذلك الأمر بالنسبة لكيان هيئة تحرير الشام فقد اعتبرت الخارجية الأمريكية أن “المكون الأساسي لهيئة تحرير الشام هي جبهة النصرة، وهي منظمة مدرجة على لائحة الإرهاب. وهذا التصنيف ساري المفعول بغض النظر عن التسمية التي تعمل تحتها وأي مجموعات أخرى تندمج معها، وأن هيئة تحرير الشام هي كيان اندماجي وكل من يندمج ضمنه يصبح جزءاً من شبكة القاعدة في سوريا. كما أن هيئة تحرير الشام ليست غرفة عمليات مثل جيش الفتح، وسوف نعمل وفقاً لذلك”([12]).

ويشير ما سبق إلى أن الإدارة الأمريكية لن تبدي تهاوناً في مسألة مواجهة جبهة فتح الشام وكل من يبقى ضمن كيان هيئة تحرير الشام لكن أمريكا أعطت في موقفها الأول مزيداً من الوقت لبقية الفصائل المندمجة في الهيئة لكي تحسم قرارها بالبقاء إلى جانب جبهة فتح الشام (النصرة) ضمن كيان واحد أو أن تبتعد عن ذلك. وتريد واشنطن عبر هذا فصل فصائل المعارضة غير المدرجة على قوائم الإرهاب عن جبهة فتح الشام (النصرة) ليسهل التعامل معها من ناحية الاستهداف بشكل أكثر سلاسة، لكن أمريكا تدرك أن هذا الأمر قد لا يحدث بالشكل الذي تريده، لذلك قد يكون خيار التصعيد العسكري أو البدء باستهداف هيئة تحرير الشام عبر عمليات جوية من قبل التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب مطروحاً بشكل قوي لدى الإدارة الأمريكية في حال لم يتم التوصل مع روسيا إلى صيغة تعاون مشتركة بشأن إدلب، أو اللجوء إلى دعم تقدم عسكري لقوات سوريا الديمقراطية يستهدف مناطق سيطرة المعارضة في محافظة إدلب وما حولها.

أما تركيا فهي تعتبر نفسها من أكثر المتضررين بسبب خلفيات الصراع التي تجري في الشمال السوري لا سيما وأن هيئة تحرير الشام تسيطر على معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا. وبالرغم من انتشار الحديث مؤخراً عن تركيا التدخل العسكري لمحاربة هيئة تحرير الشام أو لتكون قوات فصل بين المعارضة والنظام السوري من جهة وبين المعارضة وقوات سوريا الديمقراطية من جهة أخرى، إلا أن رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم نفى أن تكون لأنقرة النية في دخول إدلب أو حتى عفرين. ونشطت أنقرة من مباحثاتها الدبلوماسية مع الروس والإيرانيين لإيجاد الصيغ الملائمة للتعامل مع الوضع في محافظة إدلب وما حولها، ومن أهم تلك الصيغ تضمين إدلب في اتفاق خفض التصعيد بالتعاون مع الجانب الروسي.

لكن أنقرة ستبقى غير مطمئنة إلى حد كبير، حيث إن دخول إدلب باتفاق خفض التصعيد لا يعني التقليل من الخطر الذي تشكله هيئة تحرير الشام على تركيا، لذلك أشارت مصادر إعلامية تركية إلى أن أنقرة قامت بتقديم مقترحات للمعارضة في إدلب لتجنيبها الخيارات الأسوأ وهي “تشكيل هيئة إدارة محلية مدنية للمحافظة، وتحويل مقاتلي المعارضة السورية في مختلف الفصائل إلى جهاز شرطة يتكفل بحفظ الأمن، وحل هيئة تحرير الشام بشكل كامل”([13]).

ولا تتوقف مخاوف أنقرة من هيئة تحرير الشام فحسب، بل تتعداها لتصل إلى القلق من إمكانية تقدم قوات سوريا الديمقراطية من جهة ريف حلب الشمالي إلى ريف حلب الغربي وريف إدلب الشمالي لشن عملية عسكرية بدعم من التحالف الدولي لمحاربة جبهة فتح الشام (النصرة) والهيئة، وحينها ستتوسع مناطق نفوذ قوات سوريا الديمقراطية إلى مناطق حدودية مع تركيا، وما يزيد من هذا القلق التركي اعتبار التحالف الدولي أن القاعدة سيطرت على إدلب وأن تركيا ساهمت في ذلك([14]).

وما يقيّد خيارات أنقرة من أن تتدخل عسكرياً هو الحجم السكاني الكبير لسكان منطقة إدلب وما حولها الذي بلغ ما يقارب مليون ونصف نسمة ما يعني أن حدوث أي عمل عسكري سيؤدي إلى كارثة إنسانية ستتحمل أنقرة عواقبها كون أن المنفذ الرئيسي للمدنيين سيكون الأراضي التركية عبر معبر باب الهوى. بالتالي ليس أمام تركيا سوى التعاون مع روسيا لإدخال إدلب في مناطق خفض التصعيد لكسب مزيد من الوقت لتحديد الخيارات أو تطبيق المقترحات التركية لوضع إدلب التي تقدمت بها للمعارضة.

في حين أبدت روسيا صرامة بالغة حول مآل الأحداث في إدلب، فقبيل انتهاء الاقتتال بين حركة أحرار الشام وهيئة تحرير الشام، قالت قناة قاعدة حميميم الروسية أن “”لن يكون مصير مدينة إدلب السورية مختلفاً عما حصل في مدينة الموصل في العراق في حال سيطرت النصرة على كامل المنطقة، هذه التنظيمات تستخدم منازل المدنيين حصون عسكرية أثناء قتال النظام مما سيتسبب بحدوث دمار واسع في المنطقة، وسيكون للقوات الروسية دوراً مباشراً في المعركة كما كان في مدينة تدمر ومناطق ريف حمص الشرقي”([15]).

لكن عقب ذلك قامت موسكو بإجراء تحول في موقفها حينما عبرت أنها تسعى إلى إدخال محافظة إدلب في اتفاق خفض التصعيد([16])، ويبدو أنها أبدت نوعاً من التراجع حينما استشعرت حجم التباينات الدولية الذي سيشكله الحفاظ على الموقف التصعيدي ضد إدلب بتحويلها إلى موصل ثانية.

كما أن روسيا ليست بالوقت الحالي بصدد فتح معركة ضخمة تستهدف الجيب الجغرافي للمعارضة؛ كون أن قوات النظام السوري تستنزف قواتها وعتادها في معارك البادية ضد تنظيم الدولة الإسلامية وبدعم روسي كبير، لذلك لا ترى موسكو في سيطرة هيئة تحرير الشام على المشهد العام في إدلب يشكل خطراً على مصالحها على المدى القريب، بل قد ترى أنها نقطة يمكن استغلالها سياسياً بأن تضفي مزيداً من الشرعية السياسية على النظام السوري بأنه بالفعل يحارب التنظيمات الإرهابية وأن خطرها أصبح واضحاً في إدلب، لكن مع ذلك فإن الروس يأخذون بعين الاعتبار مراعاة مصالح الحليف التركي وكذلك التنسيق العسكري والأمني مع التحالف الدولي بقيادة واشنطن، ما يعني عدم إقدام روسيا على أي خطوة أحادية تجاه إدلب.

رابعاً: السيناريوهات المحتملة

يثار التساؤل بشكل ملح عن مصير محافظة إدلب وعن الخيارات المتوقعة لمستقبلها ويمكن استعراض أبرز السناريوهات المتوقعة وفق ما يأتي:

  1. أن يتم تضمين إدلب باتفاق خفض التصعيد مجدداً، فهي كانت من بين المناطق المتفق عليها في مؤتمر أستانا كمنطقة خفض تصعيد هي وريف اللاذقية وحماة في الشهر الخامس عام 2017([17])، وعليه فإنه لن يتم دخول أي قوات عسكرية لمحاربة هيئة تحرير الشام أو جبهة فتح الشام بناء على أن الاتفاق يوقف إطلاق النار والقيام بأي عمليات قتالية ضد فصائل المعارضة في إدلب، لكن ربما وهو احتمال ضئيل أن تقوم روسيا أو تركيا بنشر قوات فصل في محافظة إدلب وما حولها إذا تم فتح قنوات تواصل لإقناع هيئة تحرير الشام بالقبول بذلك والتعهد بعدم التعرض لتلك القوات.

كما أن إدخال جيب المعارضة في اتفاق خفض التصعيد، سيدفع الجهود المدنية التي تسعى لتشكيل إدارة مدنية للأمام، ومن المرجح أن تتمكن من تشكيل إدارة عامة لمحافظة إدلب كبديل عن مجلس المحافظة، لتصبح إدلب تحت إدارة ذاتية مدنية وليست تحت سيطرة هيئة تحرير الشام ظاهرياً، لكن ذلك غالباً لن يثني الدول الفاعلة عن اعتبار الهيئة هي صاحبة النفوذ الأقوى في المحافظة، وأنها بأي لحظة تستطيع التدخل في العمل المدني وإدارة إدلب كما فعلت باستيلائها على مقرات مجلس محافظة إدلب.

ويمكن أن تقوم الإدارة المدنية لإدلب بالحصول على الشرعية السياسية الدولية لتجنيب المنطقة الخيار الأسوأ، بأن تعلن عن استعدادها الانخراط ضمن الجهود الرامية لإيجاد حل سياسي للقضية السورية، مع إبداء مرونة من هيئة تحرير الشام للقيام بذلك وقد أعلن أبو جابر الشيخ قائد الهيئة أنها لا تعارض الحل السياسي إذا كان يحفظ مبادئ وأهداف الثورة([18]).

في حين يمكن لهيئة تحرير الشام أن تحل نفسها وتندمج مع فصائل أخرى تقبل بحل نفسها وتشكل كياناً عسكرياً جديداً، لكن من المستبعد أن يقنع هذا الكيان المجتمع الدولي بعدم اعتبار إدلب خاضعة لسيطرة تنظيم إرهابي خصوصاً الولايات المتحدة.

ووفق هذا السيناريو من غير المرجح أن تقوم فصائل المعارضة بأي استهداف لهيئة تحرير الشام أو محاولة توسيع نفوذها في إدلب على حساب الهيئة، بل يمكن أن يتحول العديد من عناصر المعارضة إلى عناصر حفظ أمن وشرطة مدنية وفق الاقتراح التركي، لذلك من غير المحتمل أن يكون لفصائل المعارضة ولا سيما حركة أحرار الشام دوراً مؤثراً على المدى القصير يمكنه تغيير المشهد في محافظة إدلب وما وحولها أي ريف حلب الغربي وبعض من أجزاء ريف اللاذقية وريف حماة الشمالي.

  1. حدوث تدخل عسكري لمحاربة هيئة تحرير الشام في محافظة إدلب، ويتضمن هذا السيناريو احتمالين، الأول: أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية عبر التحالف الدولي وبتنسيق عسكري وأمني مع روسيا وتركيا بشن عمليات جوية مركزة تستهدف قادة هيئة تحرير الشام. أو أن تلجأ إلى شن عملية برية إلى جانب الاستهداف الجوي بالاعتماد على قوات سوريا الديمقراطية المتمركزة في ريف حلب الشمالي لمحاربة هيئة تحرير الشام، لكنه يبدو أمراً مستبعداً على اعتبار أن ذلك سيمس بالأمن القومي لتركيا التي تعارض أي امتداد لنفوذ القوات الكردية على حدودها.

الثاني: أن تتولى روسيا إلى جانب حلفائها النظام السوري والإيرانيين مهمة دخول إدلب عسكرياً عن طريق دعم تقدم للنظام السوري ومن يسانده من ميليشيات نحو مدينة إدلب ليس لاستهداف هيئة تحرير الشام فحسب بل لتصبح المنطقة بشكل كامل خاضعة لسيطرة النظام السوري، بعد أن تقوم موسكو بعقد تفاهمات مع الجانب الأمريكي التي ربما لن تمانع في ذلك؛ كون أنها ترى أن إنهاء هيئة تحرير الشام ضمن أولوياتها في ملف مكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى أن روسيا من سيتولى زمام المبادرة في هذه العملية المرتفعة التكاليف وبالتنسيق مع واشنطن، وفي هذه الحالة لن تكون الأخيرة داعماً مباشراً للنظام السوري والميليشيات الإيرانية، لكنها سوف تحقق جزءاً من الاستراتيجية الأمريكية في إضعاف جبهة فتح الشام والهيئة.

وبالنسبة لتركيا فتستطيع موسكو وفق هذا السيناريو إقناعها بضرورة التدخل العسكري في إدلب عن طريق النظام السوري وحلفائه، لكي لا يبقى خيار تدخل قوات سوريا الديمقراطية في إدلب أمراً مطروحاً، إلى جانب تقديم ضمانات روسية مباشرة بأن لا يشكل النظام السوري أو الميليشيات التي تسانده أي خطر على الحدود التركية. وقد تفضل أنقرة هكذا خيار كبديل عن المخاطر المحتملة من دخول قوات سوريا الديمقراطية إلى ريف حلب الغربي ومحافظة إدلب، لكنها ستتحمل أعباء كبيرة بشأن ما ستخلفه المعارك من موجات نزوح هائلة للسكان.

وهذا الاحتمال -الثاني- قد يتم العمل عليه، بعد تضمين إدلب في مناطق خفض التصعيد على أن تكون هذه الخطوة مسألة كسب وقت بالنسبة لروسيا لكي تستعد لفتح معركة في إدلب ولتتيح للنظام السوري تجميع وحشد قواته التي تستنزف في معارك البادية لتحضيرها للقيام بعمل عسكري. وبناء على ذلك سيتم رفض الإدارة المدنية التي ستشكل في إدلب أو تركها دون مسمى رسمي حتى ولو قبلت هذه الإدارة بالانخراط بالحل السياسي، وقد حسمت أمريكا موقفها من هذا الأمر بعدم القبول بأي إدارة مدنية تكون كغطاء تحاول جبهة فتح الشام كسب الشرعية من خلاله.

ووفق ما سبق ستجد بقية فصائل المعارضة نفسها مضطرة إما للدفاع عن إدلب بصد الهجوم العسكري، والمبني على أساس استهداف هيئة تحرير الشام، أو قد تضطر لتسلم زمام المبادرة بأن تقوم هي بمهمة إخراج هيئة تحرير الشام كمعارضة معتدلة تكون مهمتها مكافحة التنظيمات الإرهابية.

 للتحميل من هنا

 

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز برق للأبحاث والدراسات 

جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للأبحاث والدراسات © 2017

 

([1]) “اتفاق لوقف القتال بين “تحرير الشام” و”أحرار الشام”. الجزيرة نت، 21-7-2017. https://goo.gl/Akcf1N

([2]) “جيش الفتح” يسيطر على آخر معسكرات النظام بإدلب”. الجزيرة نت، 19-5-2015. https://goo.gl/tBGmEE

([3]) “أحرار الشام” تعيّن سلفيّاً “إصلاحيّاً” قائداً جديداً لها”. العربي الجديد، 2-8-2017. https://goo.gl/Cxzpw1

([4]) “لافروف: نأمل تعزيز مناطق تخفيف التصعيد في سوريا بصيغ قانونية في أستانا”. سبوتنيك، 28-8-2017. https://goo.gl/jXaXs2

([5]) “«بؤرة» إدلب تترقب مصيرها”. صحيفة الشرق الأوسط، 5-8-2017. https://goo.gl/6kTPr9

([6]) “إدلب:المؤسسات والدوائر المدنية في قبضة “تحرير الشام”. المدن، 24-8-2017. https://goo.gl/Zauwpy

([7]) “أكاديميون يطرحون مبادرة جديدة لتشكيل حكومة في الشمال.. ومشك-كون ” الهيئة دفعتهم لذلك”. شبكة شام، 24-8-2017. https://goo.gl/FfZVny

([8]) “تحرير الشام تنهي “مجلس مدينة إدلب” المنتخب شعبياً وتسلم “الإدارة العامة للخدمات” التابعة لها كامل إداراته في مدينة إدلب”. شبكة شام، 28-8-2017. https://goo.gl/YmYyTf

([9]) “U.S. says ‘grave’ consequences if Syria’s al Qaeda dominates Idlib province”. Reuters, 3-8-2017. https://goo.gl/DXCYqh

([10]) “أبو جابر الشيخ مستعد لحل “تحرير الشام”..بشرط”. المدن، 25-8-2017. https://goo.gl/GpFRQQ

([11]) انظر المرجع رقم (9).

([12]) “أمريكا توضح موقفها من “تحرير الشام”: تسميات فقط وجهود الجولاني طفيلية”. سي إن إن، 12-3-2017. https://goo.gl/qNMCZk

([13]) “تركيا: لا عملية عسكرية في إدلب أو عفرين شمالي سورية”. العربي الجديد، 26-8-2017. https://goo.gl/HwXUPh

“سورية: خيارات صعبة لتحديد مستقبل إدلب”. العربي الجديد، 21-8-2017. https://goo.gl/rPVoAX

([14]) “إحتجاج تركي إزاء تصريحات المبعوث الأمريكي الخاص لمكافحة (داعش) بريت ماكغورك بشأن تركيا”. تي آر تي، 23-8-2017. https://goo.gl/x6gL3t

([15]) “قاعدة حميميم” الروسية تتوعد إدلب بمصير مشابه لـ”الموصل”. أورينت نت، 23-7-2017. https://goo.gl/A2HhdZ

([16]) “لافروف: نأمل في إقامة منطقة لخفض التصعيد في إدلب قريبا”. 24-8-2017. https://goo.gl/TrbyQA

([17]) “النص الكامل لاتفاق “وقف التصعيد” بسوريا”. الجزيرة نت، 7-5-2017. https://goo.gl/rP1rhB

([18]) انظر المرجع رقم (10).

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *