خدام الدولة “حزب التجمع الوطني الديمقراطي الجزائري” رؤية سيسيوإعلامية


خدام الدولة

توطئة

إننا نعمل على تقديم قراءة أولية حول أهم الأحزاب السياسية الجزائرية، التي ظهرت بعد الانفتاح الديمقراطي، ونهاية الحزب الواحد وذلك بعد أحداث أكتوبر 1988 (1)، ونعني هنا حزب التجمع الوطني الديمقراطي، الذي يحتل المرتبة الثانية في الهرمية السياسية والحزبية في الدولة الجزائرية اليوم، وهو الحزب الذي حصل على موقع (الحزب الحاكم الفعلي) في المخيال السياسي العام باعتباره المعبر عن (الدولة العميقة).

وقد شكلت قرارات ومواقف حزب التجمع الوطني الديمقراطي، الكثير من المنعرجات في الحياة السياسية الجزائرية الحديثة، كونها حملت قوة التأثير وسطوة النفوذ وقدرة التنفيذ، وهو الحزب الذي جسد واقعيا التمثيل البيروقراطي لنماذج الأحزاب السياسية الجزائرية، دون أن يجد صعوبة في التأقلم مع التناقضات السياسية التي تواجهه عبر التحولات الطارئة في الساحة،(2) كما لا يواجه حرجا في مصادمة المكونات السياسية والثقافية للمجتمع، ودون أن يجد صعوبة في تبني الخيارات الرأسمالية على المستوى الاقتصادي، التي تتناقض والعقيدة السياسية والبنية الإيديولوجية التي تقوم عليها الدولة الجزائرية(4).

يشكل حزب التجمع الوطني الديمقراطي الجزائري، ظاهرة تتطلب الكثير من البحث والاجتهاد، (3) في فهم طبيعة تطور المشهد السياسي في الجزائر، ونوعية إدارة الشأن العام وماهية النخب الحزبية، التي تقود العملية السياسية، خاصة في السنوات الأخيرة، وبالذات منذ الانفتاح الديمقراطي بعد أحداث 1988، وما تلتها من محطات عصيبة تعرضت لها الجزائر، كان أخطرها العمل المسلح، الذي قادته جماعات إرهابية، وهي المرحلة التي يطلق عليها في الجزائر (العشرية السوداء)، (5) والتي كلفت الجزائر خسائر، باهظة جدا.

ومن هنا، فإن حزب التجمع الوطني الديمقراطي، يشكل حجز الزاوية في المشهد السياسي الجزائري، باعتباره الحزب الذي يمثل النخبة البيروقراطية، المشكلة لقاعدة السلطة وروحها التي تسري في عروقها، وما يقوم به من أدوار ونوعية القوى الاجتماعية، التي يعبر عنها والتي تشكل بنيته الهيكلية، وهو الحزب الذي يمثل الاستثناء في الظاهرة الحزبية الجزائرية الحديثة، ومن هنا فإن هذه المقاربة تعمل على مساءلة وقائع مسيرة الحزب منذ ظهوره، وطبيعة تطوره وما نتج عنه من تمظهرات وقيم وأساليب، تشكل ملامح الثقافة الحزبية الجزائرية في العصر الحديث(6).

 

 

الميلاد الاستثنائي

بعد عشرين عاما من ميلاد حزب التجمع الوطني الديمقراطي الجزائري، يعتبر أنصاره أنهم قدموا خدمة كبيرة للدولة،(7) من خلال التضحيات التي قدموها في سبيل استمرارية الدولة، والتفطن في الوقت المناسب، للمخاطر التي كانت تهدد كيان المجتمع، وتعمل على إزالته من الوجود، وإدخاله في دوامة من التناحر الداخلي، والصراعات الطائفية والخصومات الدينية، التي كانت تمثلها جماعات الإسلام السياسي بتجلياتها السياسية (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) والجماعات المسلحة، التي وقف حزب التجمع الوطني الديمقراطي، في وجهها ونجح في مواجهتها من خلال انضمامه إلى صف الدولة، وما قدمه من تضحيات في مواجهة المخاطر، التي كانت تواجه الدولة والمجتمع.

تعتبر قيادات حزب التجمع الوطني الديمقراطي، أن الحزب جاء في وقت عصيب، وأن قياداته ومناضليه استجابوا لنداء الوطن، وأنهم تفطنوا للمؤامرة الكبرى، التي كانت تهدد الدولة والمجتمع، وأنهم تحملوا في ذلك الكثير من التضحيات، وكانوا السابقين إلى رفض الإرهاب والانتباه إلى مخاطره الكبرى، وهم الذين اعتمدوا خيار المواجهة العسكرية، وتدمير الجماعات الإرهابية، وهم الذين رفضوا التردد أو التفاوض معهم، وهم بذلك يردون عن الاتهامات التي تطال الحزب، وتعتبره الحزب الذي ولد (بشنباته) جاهز للحكم، ولم يمر كما هي عادة ميلاد وبناء الأحزاب السياسية الأخرى، وأنه تلقى الدعم والرعاية والمساندة من طرف الدولة، التي حرمت منها بقية الأحزاب الجزائرية الأخري.

لقد اتسمت ظروف ميلاد حزب التجمع الوطني الديمقراطي، بالكثير من الغموض والدراماتيكية، جعلت من النقاش حول ظهوره في الساحة السياسية، أقل بكثير من الحديث عن التحديات الهيكلية والإدارية، والصراعات الكبيرة، التي دارت حول قياداته، ففي الوقت الذي كان الحديث عن زعيم المركزية النقابية، عبد الحق بن حمودة لقيادة الحزب، سرعان ما تم تجاوز ذلك وانتهت الصراعات القوية، إلى اختيار أحد أبناء الشهداء (الطاهر بن بعيبش أمينا عاما للحزب) ، وقد تم الاعتماد على الرمزية التى تمثلها فئة أبناء شهداء الثورة التحريرية، في المخيال الشعبي، وقد كان الهدف الرمزي من ذلك هو الوقوف في وجه حزب جبهة التحرير الوطني، التي كانت قياداتها آنذاك تنحاز إلى المعارضة وتميل إلى اعتماد الحوار والتفاوض مع قيادات حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وهي التي عبرت عن ذلك صراحة من خلال المشاركة في اجتماع سانتيجديو في كنسية بإيطاليا(8).

المواقف الشاقولية

منذ ميلاده سنة 1997،(9) قدم حزب التجمع الوطني الديمقراطي، نفسه المعبر عن قرارات الدولة وخيارات السلطة، وتحمل مهمة الدفاع عن صوابيتها والمرافعة من أجلها، وذلك في كل المواقع فكان الجهاز البيروقراطي، بعنوان سياسي الذي يعمل على تجسيد خيارات السلطة والمنفذ لسياساتها، حتى في أصعب الظروف وأحلك المراحل، جاعلا من بقاء الدولة واستمرارية السلطة المهمة الأساسية، التي وجد من أجلها، وهو المنهج الذي جلب عليه الكثير من الحملات الإعلامية، وكبده العديد من النقد والتجريح، إلا أنه تمكن مع مرور الوقت والتزامه بمنهجه، من التخفيف من وطأة تلك الحملات واستطاع بناء مواقف مغايرة لخصومه، وصناعة صورة مغايرة عن تلك التي كانت تصيب سمعته من قبل.

إن الإصرار على مساندة قرارات الدولة، ودعم سياسات السلطة، الذي اعتمده حزب التجمع الوطني الديمقراطي، وهو الإصرار الذي هو عقيدة الحزب السياسية حتى ولو كانت على حساب أدبياته الذاتية،(10) أثار انتباه الكثيرين من الفاعلين في الساحة السياسية، وجعلهم يقتربون أكثر من ذلك الاعتقاد القائل، بأن الحزب هو الدولة، والدولة هي الحزب، وزادت قيادات الحزب من الإيغال في الاستثمار في هذا الاعتقاد، وتوظيفه لصالحها عبر الثقل الكارزماتي، الذي مثلته قياداتها على المستويين المركزي والمحلي، وتوجيه اهتمامها نحو النخب العالمة، التي بدأت تتجه نحو الانخراط في صفوف الحزب، باعتبار ذلك الخيار الوحيد المتوفر والمضمون، نحو الحصول على المنافع والمصالح الذاتية، وتحقيق أمنية تغيير الموقع الاجتماعي، وهو أداة الاطمئنان وضمانة الاستقرار العام.

ولم يعتبر الحزب، أن تغيير المواقف وتعديل القرارات التي يعتنقها بالأمر الصعب ولا بالعسير، فهو يغير مواقفه ويعدل قراراته حسب مستجدات ظروف البلاد، معتمدا على قاعدة (لكل حادث حديث)، فلم يجد صعوبة من الانتقال من موقع الخيار (الاستئصالي)، إلى موقع الدفاع والمرافعة من أجل المصالحة الوطنية، كون قانون ميثاق المصالحة الوطنية، هو قرار الدولة وخيار السلطة، دون أن تظهر عليه ملامح التململ أو الوقوع في التناقض، بل استطاع أن يكسب المعركة لصالحه، ويضيف لرصيده ذلك الإنجاز، من خلال مساهمته الفعالة في الدفاع عن قانون المصالحة الوطنية، والمشاركة في إقناع الرأي العام به، ودفعه نحو المصادقة عليه في الاستفتاء العام.

 

 التركيبة الهيكلية

اعتمد حزب التجمع الوطني الديمقراطي، منذ بدايته على النخب البيروقراطية كقوة ضاربة في بنيته الهيكلية، مما جعله الحزب الأقوى في البلاد، وقد زادت شعبيته عندما تبني الخيار(الاستئصالي)، والمواجهة الأمنية للجماعات المسلحة، وزاد من دعم هذا الخيار عندما تبني فئة (قوات الدفاع الذاتي)، وهي القوة الشعبية المتطوعة، التي كلفت بمواجهة الجماعات الإرهابية، والتي كان حزب التجمع الوطني الديمقراطي، وراء قرار إنشائها ودعمها على المستوى المحلي، التي تمكنت من تعديل كفة المواجهة، وسرعان ما ربحت المعركة، كونها اعتمدت حرب العصابات والمواجهات المحلية، بضرب الجماعات الإرهابية في مقاتلها.

إن حيوية خطاب الخيار(الاستئصالي)، والحصيلة الميدانية (لقوات الدفاع الذاتي)، جعلت من حزب التجمع الوطني الديمقراطي، الوسيلة التي أعادت الأمل لفئات شعبية واسعة، في إمكانية انتصار الدولة وهزيمة الجماعات الإرهابية، وهو الأمر الذي دفع بهذه الفئات الشعبية، إلى الالتحاق بصفوف الحزب والاحتماء بالنخب البيروقراطية، التي وفرت الكثير من فرص الانخراط في المجتمع، لهذه الفئات المحرومة من الانخراط الاجتماعي، وتوفير العديد من فرص العمل والمنافع المادية، وهي العملية التي أدخلت تعديلات اجتماعية واضحة، في التركيبة الهيكلية العامة، وبالذات على المستوى المحلي.

إن تحالف النخب البيروقراطية، التي تملك (القرار)، وقوات الدفاع الذاتي التي تحوز(التطلع)، (11) شكل نموذجا جديدا في المشهد الحزبي الجزائري في نهاية التسعينات من القرن الماضي، وسمح ببروز فئات اجتماعية تساهم في إدارة الشأن العام على حساب غيرها، وأصبح حزب التجمع الوطني الديمقراطي، عنوان هذا التحول، الذي فتح أبواب الأمل أمام الكثير من الفئات الاجتماعية، حتى تحقق أهدافها وتكتسب شرعية الانخراط في أجهزة الدولة وامتلاك السلطة، وتتولى مهمة إدارة الشأن العام.

وبالرغم من أن الحزب انقلب على أفراد قوات الدفاع الذاتي، وتخلى عن تحسين وضعيتهم الاجتماعية والخضوع إلى منطق جديد، يقوم على التحجيم من تطلعات هؤلاء، وذلك لصالح (السلطة) وتحقيق توازناتها، خاصة بعد نهاية الإرهاب وتراجع خطره، وبداية تقليل الحلول الأمنية، وتفضيل الخيارات السياسية عليها، مما جعل الحزب يجد نفسه في وضعية حرجة، ويواجه هذه الفئة بنوع من المناورة، الأمر الذي جعل أفراد قوات الدفاع الذاتي، يواجهون السلطة مباشرة، وهنا لم يتوان الحزب عن الوقوف إلى جانب السلطة ضد هؤلاء، دون أن يفقد خيوط التواصل معهم ويسعى إلى التكيف مع التداعيات الجديدة(12).

ولكن ذلك الزخم منح الحزب قوة شعبية جعلت منه القوة الضامنة لبقاء وسير أجهزة ومؤسسات الدولة، خاصة وأن النخب البيروقراطية ذات الخاصية البرجوازية، تمتلك الكثير من الخبرات والمهارات، التي تجعلها قادرة على تولى مهام إدارة البلاد، في مقابل حزب جبهة التحرير الوطني، الذي وقع في أزمة التردد والانشقاقات الداخلية والصراعات بين قياداته، واحتفظ بالرمزية التاريخية، التي يمثلها في الوقت الذي قدم حزب التجمع الوطني الديمقراطي نفسه، بأنه الخيار المستقبلي للبلاد.

 

المواقع الحيوية

تفضل قيادة حزب التجمع الوطني الديمقراطي، إطلاق تسمية (خدام الدولة)، على إطاراته رافضا بذلك العقيدة الحزبية المتوارثة من قبل في تاريخ الممارسة السياسية الجزائرية منذ الاستقلال، فقد استطاع حزب التجمع الوطني الديمقراطي، الحصول على المرتبة الثانية في هيكلة القوى السياسية في الساحة الجزائرية، منذ ميلاده مما جعله حجر الزاوية، في كل المحطات السياسية الانتخابية والاجتماعية، التي مرت بها البلاد، وكانت مواقفه وقراراته القوة التي تعدل كفة مصير كل مرحلة من المراحل السابقة، وهو يحرص على مساندة سياسات السلطة، ودعم كل قراراتها، معتبرا ذلك موقف طبيعي وسلوك تفرضه الإيديولوجية البيروقراطية، التي يعتنقها، إلا أنه قد تحصل في مقابل تلك السياسة على الكثير من الغنائم المهمة، المتمثلة في الظفر المراكز المتقدمة في قيادة البلاد، فهو القوة البرلمانية الثانية في البلاد، منذ تأسيسه، مما يجعله يمثل نسبة معتبرة من الشرائح الاجتماعية، وخلال العقدين الماضيين تكونت في أجهزة الحزب ومؤسسات بورجوازية جديدة، مثلتها الإطارات والشخصيات الإدارية والسياسية، التي تتولى إدارة الكثير من المؤسسات المهمة في البلاد، كما تكونت لديه اتجاهات استثمارية مهمة، تمكن من ضمها إلى صفوفه والاحتماء بها، والاعتماد عليها في العديد من المناسبات، وهي تعتمد عليه أيضا في توسيع نفوذها وتضخيم مصالحها، مما جعله من أقوى الأحزاب السياسية في الجزائر، ليس على المستوى التمثيل الشعبي، بل بما يكتسبه من أدوات نفوذ قاهرة، بإمكانها التحكم في مفاصل الدولة وقيادة الرأي العام، كما عرف حزب التجمع الوطني الديمقراطي على المستوى الفكري، فقد تطور كثير من الانتقال من الرفض المطلق للتيارات المختلفة معه، وبالذات الإسلامية منها، إلى مرحلة التحالف معها والمسارعة إلى إقامة مشاريع سياسية مشتركة في إطار النسق الاجتماعي، المحافظ والرأسمالي الاقتصادي الذي يجمعهما.

 

الحزب والجهاز

اكتسب حزب التجمع الوطني الديمقراطي، طبيعة الانضباط النظامي، الذي تحول إلى صفته السلوكية اليومية، بالرغم من الازمات الخانقة التي يعرفها الحزب، خاصة على المستوى الهيكلي، إلا أنه تمكن من امتصاص كل تلك الأزمات وتحويلها إلى التفاعل الداخلي، والحسم الصامت وفي كثير من الأحيان الاتجاه القهري، في معالجة الأزمات، وهو الخيار السائد دون أن تتمكن تلك الأزمات من الخروج من إطار الحزب، والتحول إلى قضية رأي عام، والحالة الوحيدة التي خرجت الأمور عن السيطرة، كانت في سنة 2015، عندما تمكنت إطارات قيادية من الخروج بملفات الحزب وصراعاته الداخلية إلى فضاءات الرأي العام، وجعلها محل اهتمام المجتمع، إلا أن الأمر سرعان ما تم التكفل به وسارع الحزب، باستعمال الأسلوب القهري، وتم إنهاء الأمر دون أن يتم إنهاء الأزمة.

لعشرتين من الزمن، تداول على قيادة الحزب شخصية واحدة، هو أحمد أويحي، الشخص القوي الذي تمكن من فرض شخصيته وطبيعة سلوكاته على الحزب، وإلصاقها به وباستثناء الفترتين القصيرتين والاستثنائيتين، التي تولى فيهما الطاهر بن بعيبش في مرحلة (التأسيس) سنة 1997، وعبد القادر بن صالح(رئيس البرلمان) سنة 2015، فالحزب لم يعرف قائدا له سوى الوزير ورئيس الحكومة ورئيس ديوان رئاسة الجمهورية، أحمد أويحي، الرجل الذي عرف بطول بقائه في أجهزة السلطة، ولا يعرف للرجل مكانة خارج دواليب الإدارة وتسيير الشأن العام، وفي المواقع الحساسة، التي اكسبته كاريزما استثنائية، وهو الذي يثير الكثير من الجدل في الساحة السياسية من خلال مواقفه وقراراته وطبيعة سلوكاته السياسية، من الانضباط الإداري والأخلاق البيروقراطية، إلا أنه تمكن من التصاق الحزب بشخصيته وربط صورته بالحزب، فقد ربح كل المعارك التي خاضها وانتصر على كل من حاولوا خصومته داخل حزبه(13).

لقد اصطبغت ثقافة حزب التجمع الوطني الديمقراطي، بالمواقف الحادة والقرارات الصارمة، خاصة عندما يتعلق بالقرارات الكبرى، فهو يفصل ويسارع إلى تبني خيارات قرارات وخيارات الحكومة، سواء عندما كان الحزب يتولى مهمة قيادة الحكومة، أو عندما يكون خارج قيادتها، ولا يبالي الحزب بنتائج تلك القرارات، حتى ولو كانت على حساب مصالح وتطلعات ورغبات الفئات الاجتماعية الواسعة، مثل مساندته للقرارات الاقتصادية والسياسات الحكومية، التي تم اعتمادها في فترات الأزمة الاقتصادية التي مرت بها الجزائر، دون أن يعير الحزب اهتماما لهذه الفئات الاجتماعية المتضررة من تلك السياسات(14).

إن حزب التجمع الوطني الديمقراطي، بالرغم من مكانته المتميزة وموقع في أجهزة صناعة القرار في الدولة، باعتباره القوة الثانية في البلاد، واقترابه من التيار الوطني، الذي تتزعمه جبهة التحرير الوطني، وتحالفه مع الإسلاميين (التحالف الرئاسي) (15) إلا أن سلوكاته السياسية، لا تبقى على خط مستمر، فهو يتخاصم مع التيار الوطني، ويدخل معه في معارك كبيرة (16)، ويتصادم مع الإسلاميين في الكثير من المواقف ويخوض معهم معارك في العديد من المواقع،(17) ومع ذلك فانه يملك قدرة كبيرة على الاقتراب من جديد معهم ومع الجميع، كون الانطباع السائد عنه من طرف خصومه، أنه القوة المهيمنة على صناعة القرار، وأن المفيد للجميع تناسي خلافات الماضي، والإقبال على التعامل معه، سواء في الحكومة او مختلف المجالس المنتخبة محليا.

وفي أدبيات حزب التجمع الوطني الديمقراطي، وصف خصومه (بممارسة الشعبوية) عندما يتعلق بالمطالبة بالجوانب الاجتماعية، وحماية الشرائح الضعيفة في المجتمع، واعتماد سياسة الدعم الاقتصادي، كون ليبيرالية الحزب، وميله الى تمثيل الفئات البرجوازية، يجعل منه دائما يساند القرارات التي يكون في صالح هذه الفئات التي يمثلها، والتي تعول عليه في استمرارية وجودها وتعميق نفوذها الاجتماعي والسياسي، فهو يعتمد على الفئات الاجتماعية المتوسطة، ويعبر عن البرجوازية الوطنية، التي ترغب في المشاركة في قيادة المرحلة الجديدة من تاريخ البلاد، مع التزام واضح بدعم الطابع المحافظ للمجتمع على المستوى الأخلاقي والتشريعي والثقافي، دون أن يمنع ذلك حزب التجمع الوطني الديمقراطي، من  الوقوف في مقدمة المساندين للانفتاح الاقتصادي، وتمكين القطاع الخاص من الاستثمار وإزالة كل القيود المتوارثة من أمامه.

لتحميل التقرير من هنا

 

 

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز برق للأبحاث والدراسات 

جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للأبحاث والدراسات © 2017

المراجع

  • ـ شكلت احتجاجات 05 أحداث أكتوبر 1988 أول ميلاد النظام الديمقراطي التعددي سمحت بتعديل الدستور وظهور الأحزاب وإعلان نهاية سيطرة الحزب الواحد وبالرغم من أهمية هذه الاحتجاجات ونتائجها الكبيرة إلا أنها لم تجد ما يناسبها من الدراسات والأبحاث لفهم خلفياتها وأسبابها والأطراف الفاعلة فيها والتي تقف وراءها وحتى من أجل التوثيق التاريخي.
  • ـ بالرغم من مواقف حزب التجمع الوطني الديمقراطي المتمحورة حول الخيار العسكري والأمني (الاستئصالي) في مواجهة الجماعات الإرهابية خلال العشرية السوداء ورفضه لكل خيار آخر إلا أنه تراجع عن ذلك وسارع إلى تبني ميثاق السلم والمصالحة الوطنية سنة 2005 وكان من أهم الداعمين والمساندين والمنافحين عنه. انظر

http://www.djazairess.com/akhbarelyoum/157573

  • ـ تشهد الساحة الجزائرية فراغا كبيرا في مجال الدراسات والأبحاث المتخصصة في دراسة الأحزاب السياسية وما ظهر منها قليل نادر وحتى الأبحاث الجامعية لا تتناول الأحزاب السياسية انظر. محمد بغداد. النزعة الانقلابية في الأحزاب الجزائرية ـ دار الحكمة الجزائر 2013 . ص16
  • ـ انظر ـ بشير بلاحـ تاريخ الجزائر المعاصر 1830-1989 ـ دار المعرفة 2007ـ ص67
  • ـ تطلق (العشرية السوداء) على سنوات الإرهاب الذي ضرب الجزائر والذي انطلق بعد الغاء الانتخابات التشريعية سنة 1992 وحل حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ وقد ظهرت العديد من الجماعات المسلحة. وهي الفترة ارتكبت فيها عدد كبير من المجاز الرهيبة وراح ضحيتها أكثر مأتي الف (200000) قتيل وخسائر قدرت بخمسين (50) مليار دولار ولم يتم إيقافها إلا سنة 2005 من خلال الاستفتاء الشعبي العام على ميثاق السلم والمصالحة الوطنية إلا أن الكثير من آثارها ما تزال ماثلة للعيان إلى اليوم. انظر

https://arabic.cnn.com/world/2016/10/17/algerian-civil-war

  • ـ انظر رابح لونيسي ـ الجزائر في دوامة الصراع بين العسكريين والسياسيين ـ دار هومة ال جزائر2015 ـ ص 44
  • ـ انظر رسالة الأمين العام للحزبإلى المناضلين والمناضلات ـ http://www.rnd-dz.org/spip.php?article620
  • ـ اجتماع سانتيجديو يطلع على اجتماع أحزاب المعارضة الجزائرية سنة 1995 في كنيسة بروما العاصمة الإيطالية وقد خلصت الأشغال إلى الدعوة إلى إجراء مفاوضات بين السلطة والمسلحين عبر المفاوضات وهو ما رفضته السلطة. انظر وثيقة اجتماع سانتيجديو
  • https://goo.gl/S8D6DU ـ تصر الكثير من الأطراف الفاعلة في الساحة السياسية الجزائرية أن السلطة هي من كانت وراء ظهور الحزب وبالذات رئيس الدولة آنذاك الجنرال لمين زروال. انظر زروال وراء تأسيس الأرندي. وهذه كواليس اختيار أويحيى ـ http://www.echoroukonline.com/ara/articles/488568.html

 

  • ـ انظر ـ توفيق رباحي ـ أويحيى يبدأ الشوط الثاني من رحلة الأربعين عاما ـ http://www.alquds.co.uk/?p=147262
  • ـ انظر ـ علي الزاوي. من تجارة العجلات إلى محاربة الإرهاب بالجزائرـ http://www.alarabiya.net/articles/2005/01/12/9502.html
  • ـ انظر ـ وزارة الدفاع توضح حول وضعية “الباتريوت ـ
  • https://goo.gl/ZF9p8c ـ انظر ـ  أحمد أويحيى: السياسي الباحث عن قدره الرئاسي ـ http://www.al-com/node/241044
  • ـ الكثير من القرارات اتخذها الحزب عندما يكون في رئاسة الحكومة او ضمن طاقم الحكومة مثل الخصم من الاجور او الخوصصة وبيع القطاع العام والاستدانة الخارجية وهي القرارات التي تتصادم مع المعتقدات الاجتماعية لمفهوم الدولة في الجزائر وقد جلبت عليها الكثير من الاحتجاجات العارمة ـ انظر ناصر جابي :الاحتجاجات التي شهدتها الجزائر ـ

http://www.djazairess.com/alahrar/14045

 

 

 

 

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *