الضغوط الخارجية هل تغير سلوك تل أبيب تجاه سورية والضفة؟
ما زالت تل أبيب تفضل الحل الأمني والعسكري لضبط علاقاتها بمن حولها، وإن سلكت سلوك التفاوض في بعض الملفات، كما هو الحال في مفاوضاتها مع لبنان، ولقاءاتها الدبلوماسية مع بعض المسؤولين السوريين، ولا تترجم عن هذه السياسة الاستهدافاتُ المستمرة في غزة فقط، بل هو سلوك عام للاحتلال الإسرائيلي يظهر في الضفة، ولبنان، وسورية، ولولا أن إيران ما زال لديها ما تخشاه تل أبيب لما ترددت في اختيار هذا السلوك تجاهها.
ومع أن المجتمع الدولي شبه صامت عن استهداف غزة وجنوب لبنان، إلا أن كثيرًا من العواصم الكبرى اعترضت على قصف أهداف في الداخل السوري من وقت إلى آخر، وأبدت معارضة أكبر لاجتياح مدن الضفة ومخيماتها وقراها، واتخذت في ذلك إجراءات عقابية اقتصادية ودبلوماسية ضد تل أبيب، فماذا يُتوقَّع بشأن تأثير هذه المواقف التي تبدو حادة على مواقف الاحتلال الإسرائيلي في الضفة وسورية تحديدًا؟
في الضفة:
واجهت سياسات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية الفلسطينية، وخاصة التوسع الاستيطاني، وتهجير الأهالي، والقتل بدون مسوِّغ قانوني، ردًا غربيًا غير مسبوق وصفته الصحافة العبرية بأنه “فشل ذريع” للحكومة، فقد أعلن أكثر من 10 دول غربية من بينها بريطانيا وكندا وفرنسا وألمانيا وهولندا، عن خطط لفرض قيود على التجارة مع مستوطنات الاحتلال الإسرائيلي، في خطوة تهدف إلى الحفاظ على إمكانية حل الدولتين الذي تتصلب الحكومة الحالية في رفضه رفضًا قاطعًا.
ودخلت بعض هذه الدول في سياق التشريعات العقابية ضد المخالفين للقيود الجديدة؛ ففي هولندا مثلا، يُعاقب مستوردو منتجات المستوطنات بالسجن لمدة تصل إلى 6 سنوات، في حين قد تصل العقوبة في بريطانيا إلى 10 سنوات كاملة في حال مخالفة القيود المفروضة.
وقد وصف تقرير لـ”يديعوت أحرونوت” العبرية هذه الخطوات بأنها “انتكاسة دبلوماسية وفشل ذريع” لحكومة نتنياهو، مشيرًا إلى أن غياب التوافق في الاتحاد الأوروبي دفع الدول للتحرك على واحدة على حدة.
في سورية:
صدرت انتقادات واضحة من بعض الدول الغربية لسلوك الاحتلال الإسرائيلي تجاه سورية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي أدانت بلغة صريحة غارات الاحتلال الإسرائيلي الأخيرة على مطار أبو الظهور العسكري في إدلب في أغسطس الماضي، ووصف المبعوث الأمريكي الخاص لسورية توم باراك، الغارات بأنها “تصعيد غير ضروري”، مؤكدًا أن الحكومة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع “لم تتخذ موقفًا عدوانيًا ولم تحتفظ بقوات وكيلة”، بل أبدت مرارًا تفضيلها لخفض التصعيد مع الاحتلال الإسرائيلي، وأضاف باراك أن واشنطن “قلقة للغاية” من هذه الخطوة التي “لا تعزز الاستقرار الإقليمي”.
ومن جهتها انتقدت ألمانيا الغارة على مطار أبو الظهور، معربة عن “قلقها البالغ” تجاه ما حدث، وأكد متحدث باسم الخارجية الألمانية أن “أي تدخل عسكري أجنبي لا يسهم في استقرار سورية أو إحلال السلام في المنطقة”، وأن “سيادة سورية وسلامة أراضيها يجب أن تحترمها جميع الدول”، معتبرًا أن “سورية مستقرة تسهم في الاستقرار العام للشرق الأوسط”.
وأما فرنسا فتبنت موقفًا سياسيًا أكثر صراحة تجاه تصرفات تل أبيب في سورية، فانتقدت عمليات الاحتلال الإسرائيلي، ودعت إلى انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من الأراضي السورية التي دخلتها بعد سقوط نظام الأسد، مؤكدة أن أي تواجد عسكري داخل منطقة الفصل يشكل “انتهاكًا لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974”.
وقد جاء هذا الموقف عقب زيارة نتنياهو لموقع في جبل الشيخ داخل الأراضي السورية المحتلة، حيث أعربت باريس عن دعمها الكامل لسيادة سورية ووحدة أرضها. كما كانت فرنسا قد أدانت في وقت سابق من العام الماضي عدوانًا آخر للاحتلال الإسرائيلي على بلدة بيت جن بريف دمشق أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين.
السيناريوهات المتوقعة:
تحكم سلوك حكومة الاحتلال الإسرائيلي المتوقع تجاه سورية والضفة عدة اعتبارات؛ أهمها:
- أن هذه الحكومة تعيش أزمة داخلية حقيقية تهدد بقاءها في السلطة نتيجة للواقع الصاخب الذي عاشت فيه “الدولة” خلال ولايتها الأخيرة، وهذا يدفع إلى التعامل مع بعض الملفات بلغة من لا يُبقي على شيء، وبلغة من يحاول شراء تأييد الكتل الانتخابية المتطرفة.
- ثم غياب أفق للتفاهم في كثير من القضايا بين المجتمع الدولي وتل أبيب، فمع وقوف العواصم الغربية خلفها في كثير من الملفات، إلا أنها ترى أن سلوك حكومة نتنياهو صنع كثيرًا من الأزمات الخطيرة في المنطقة مما كان يمكن تجنبه بانتهاج سياسة أخرى تقوم على رؤى استراتيجية لا اندفاعات آنية، كما أن سلوك الاحتلال الإسرائيلي المتطرف ضد الضفة يسعى إلى تحويل “حل الدولتين” إلى فكرة مستحيلة التطبيق في الواقع بتمزيق الوجود الفلسطيني في الداخل جغرافيًا، وهذا الحل هو ما تتبناه أكثر الدول الناقدة لسياسة حكومة الاحتلال الإسرائيلي اليمينية.
لذا فالسيناريوهات المتوقعة لمستقبل سلوك الاحتلال الإسرائيلي تجاه سورية والضفة كما يلي:
- أن تغير الحكومة سلوكها، وتراعي المزاج الدولي المضاد، وتتجنب الانتقادات الكثيرة التي وُجِّهت إليها أن تتكرر ثانية، وهو احتمال ضعيف.
- والراجح هو أن يحدث تغير نسبي – بهدف المناورة – في موقف حكومة نتنياهو من سورية والضفة، فتحافظ على سياستها العامة في تقديم الحل الأمني على غيره فيهما، وإساءة الظن بالجيران أكثر من إحسانه، لكن تبطّئ من عمليات الاستيطان، واقتحام قرى الضفة ومدنها، واستهداف الأماكن الحساسة في سورية، حتى لا يبدو أنها تراجعت عن مواقفها، وتكون قد خففت من النقد الموجه إليها في الوقت نفسه.
الخلاصة:
الضغط الدولي على تل أبيب بسبب سياستها الأمنية الحادة في المنطقة ليس هينًا ولكنه ليس حاسمًا كذلك، وقد يكون مجرد ترجمة لشعور الدول بقرب نهاية نتنياهو سياسيًا، فيريدون الحيلولة دونه ودون مزيد من إلحاق الضرر بأمن المنطقة ذات الحيوية العالية لمصالح الدول الغربية ومصالح “أصدقائها” في المنطقة. لكن مع هذا يتوقّع أن يكون سلوك الاحتلال الإسرائيلي أقل استجابة لآمال هذه الدول التي تتولى الضغط عليها.
ولا يعني ذلك أن مرحلة ما بعد نتنياهو ستحمل بالضرورة تراجعًا في ضغط الاحتلال الإسرائيلي على سورية وفلسطين، فالأرجح أن ينتقل هذا الضغط إلى أدوات أكثر مرونة وأقل كلفة سياسيًا، عبر تسويات فلسطينية جزئية، وتوسيع التطبيع، وإعادة تشكيل شبكة أمنية وسياسية إقليمية تحت مظلة أمريكية؛ مما يجعل المرحلة المقبلة معركة على شكل النظام الإقليمي، لا مجرد مواجهة لسياسات حكومة بعينها. وعليه فإن الأولوية لدى الجهات المعنية بالملفين السوري والفلسطيني هي منع تفكيك الموقف العربي إلى مسارات ثنائية منفصلة، وربط أي انخراط جماعي مع الاحتلال الإسرائيلي بضمانات محددة بشأن الحقوق الفلسطينية، ووضع سورية ووقف الاعتداءات عليها، مع تكثيف التنسيق العربي–التركي في الملفين، وتطوير موقف تفاوضي جماعي يربط التطبيع والأمن الإقليمي والتسوية الفلسطينية ضمن حزمة واحدة، بما يقلل قدرة تل أبيب على انتزاع تنازلات منفردة من كل دولة على حدة، ويمنح الأطراف العربية هامشًا أوسع للتأثير في ترتيبات المرحلة المقبلة.
تنبيه : الآراء الواردة في الورقة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المركز .