الخميس 5 نوفمبر 2026
تقدير موقف

العدالة الانتقالية في سوريا: فجوة المحاسبة ومخاطر التأخير

18 دقيقة قراءة

الخلاصة التنفيذية

مساء الثلاثاء 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، تحوّلت مباراة لكرة السلة في صالة الفيحاء بدمشق بين ناديي الوحدة والكرامة إلى أزمة امتدت من المدرجات إلى الشارع، بعد اتهامات بالإساءة إلى عبد الباسط الساروت، أحد أبرز رموز الثورة السورية. تبدو الحادثة محدودة في حجمها، لكنها كشفت حساسية أعمق: شعور شريحة من الثوار وذوي الضحايا بأن بعض المرتبطين بالنظام السابق يستعيدون مواقعهم في المجال العام قبل أن تتحقق المحاسبة والإنصاف، وكأن الظالم يتقدّم على المظلوم في ثورة كان المظلوم وقودها وضحيتها.

تقدّر الورقة أن أحد أبرز التحديات التي تواجه العدالة الانتقالية في سوريا يتمثل في بطء المحاسبة وغياب التوازن بين مساراتها. فقد شهدت محاسبة شخصيات بارزة تطورات مهمة، من بينها صدور أحكام غيابية بحق بشار الأسد وكبار معاونيه في آب/ أغسطس، واعتقالات لافتة آخرها توقيف علي كيالي في منتصف تشرين الأول/ أكتوبر. في المقابل، لم يُقرّ قانون العدالة الانتقالية حتى إعداد الورقة، وما زالت قوانين العزل السياسي والإداري معلّقة، من دون إعلان آلية شاملة لفحص العاملين في مؤسسات الدولة على أساس المسؤولية الفردية.

نقدّر أن السيناريو الأرجح خلال الأشهر الثلاثة المقبلة هو استمرار التفاوت بين مسارين: تقدم في محاسبة الرموز الكبرى، مقابل بطء في معالجة مسؤوليات المستويات الوسطى والفحص الوظيفي. ويستند هذا التقدير إلى تأخر الإطار التشريعي، وحاجة الدولة إلى الكادر الإداري القائم، وقدرة الحكومة حتى الآن على احتواء الحوادث الفردية بسرعة.

غير أن احتواء الحوادث لا يعالج وحده أسباب الاحتقان. فكلما اتسعت الفجوة بين محاسبة القيادات وفحص مسؤوليات المنفذين والمخبرين والمسهّلين، ازدادت احتمالات تحول الشعور بالغبن إلى مصدر توتر اجتماعي. وتُظهر المقارنة بين العراق بعد عام 2003 والبوسنة بعد عام 1995 أهمية التمييز بين المسؤولية الفردية والانتماء، وبين الفحص المنظم المحدد بمهلة والفراغ الذي تُترك معالجته للمصادفة والضغوط. ومستوى الثقة في هذا التقدير متوسط، في ظل محدودية البيانات المنشورة عن تركيبة العاملين في المؤسسات وحوادث الانتقام.

أولاً: السؤال المركزي

هل يؤدي بطء المحاسبة وغياب الفحص الفردي في مؤسسات الدولة السورية إلى تحويل شعور الثوار وذوي الضحايا بالغبن إلى مصدر تهديد للسلم الأهلي خلال الأشهر المقبلة؟ وما العوامل التي ستحدد اتجاه هذا المسار؟

يتفرع عن السؤال ثلاثة محاور: أين وصلت المحاسبة القضائية فعلياً؟ وما وضع الفحص الوظيفي في الوزارات والمؤسسات العامة؟ وماذا تكشف التجارب المقارنة عن كلفة التأخير، وعن مخاطر التسرع والعزل غير المنضبط؟

ثانياً: المشهد الراهن

وُضع الإطار المؤسسي للعدالة الانتقالية خلال العام الأول بعد سقوط النظام. فقد نص الإعلان الدستوري على استثناء جرائم النظام البائد من مبدأ عدم رجعية القوانين، وعلى تجريم تمجيد النظام وإنكار جرائمه. وفي 17 أيار/ مايو 2025، أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 20 القاضي بتشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، بوصفها هيئة مستقلة مالياً وإدارياً.

أما المسار القضائي، فيتقدم بخطوات تحمل دلالات سياسية وقضائية مهمة، وإن لم تُستكمل بعد متطلباته التشريعية والمؤسسية. ففي آب/ أغسطس 2026، أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق أحكاماً غيابية بالإعدام بحق بشار الأسد وشقيقه ماهر ووزير الدفاع الأسبق فهد جاسم الفريج، فيما حوكم عاطف نجيب حضورياً. وفي حزيران/ يونيو، خصصت وزارة العدل غرفاً قضائية للعدالة الانتقالية في عدليات المحافظات.

وشهد تشرين الأول/ أكتوبر تطورات إضافية، مع توقيف قوى الأمن الداخلي جمال طرابلسي في الرابع منه، ثم إعلان جهاز الاستخبارات العامة في 15 تشرين الأول/ أكتوبر توقيف علي كيالي، المعروف بمعراج أورال، والمتهم الرئيسي في مجزرتي البيضا ورأس النبع عام 2013.

في المقابل، لا يزال الإطار التشريعي الحلقة الأضعف. فالمحكمة تعمل في غياب قانون خاص للعدالة الانتقالية، ضمن إطار قانوني مختلط يستند إلى قانون العقوبات لعام 1949. وقد نوقش مشروع قانون العدالة الانتقالية مع أعضاء مجلس الشعب، وأعلن رئيس المجلس عبد الحميد العواك أنه سيكون ضمن أولوياته فور وروده، لكن إقراره لم يُعلن حتى إعداد هذه الورقة.

وينطبق الأمر نفسه على مشروع قانون تجريم إنكار جرائم النظام البائد وتمجيدها، الذي أنجزته وزارة العدل في حزيران/ يونيو. أما قوانين العزل السياسي والإداري، فقد أشار رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف في نيسان/ أبريل إلى أنها ما زالت قيد النقاش، وربط تعطّل المحاكمات بانتظار قوانين العدالة الانتقالية.

ثالثاً: ماذا تغيّر؟

التغير الأبرز في الأسابيع الأخيرة يتعلق بالمزاج العام أكثر مما يتعلق ببنية مسار العدالة الانتقالية، وتحديداً بحساسية الشارع تجاه أي مؤشر على عودة شخصيات مرتبطة بالنظام السابق إلى المجال العام.

وتقدم حادثة صالة الفيحاء مثالاً واضحاً، مع ضرورة التمييز بين الروايات المتعارضة بشأنها. فقد اتهم نادي الكرامة مجموعة من جمهور الوحدة بالإساءة إلى الساروت، بينما نفى نادي الوحدة ذلك، وقال إن الهتافات كانت ترحّماً عليه. وأشارت تحليلات صحفية إلى التباس صوتي في معظم الهتاف، مع مقطع آخر يُظهر مجموعة صغيرة تردد شتائم صريحة. وعلى إثر الحادثة، شكّلت وزارة الرياضة والشباب لجنة تحقيق لتحديد المتورطين.

ووفق المعطيات المتاحة، صدرت الإساءة الصريحة عن مجموعة محدودة، لكن رد الفعل تجاوز حجم الواقعة وامتد إلى احتجاجات في حمص. وهذا التفاوت هو المؤشر الأهم، إذ يعكس على الأرجح شعوراً بالغبن يتجاوز الحادثة نفسها، ويجعل الوقائع الرمزية الصغيرة قادرة على استدعاء مظالم متراكمة.

وسبقت الحادثة مؤشرات أخرى على حساسية الملف. ففي نيسان/ أبريل، أعادت استقالة المسؤول الإعلامي في الشركة السورية للبترول عدنان الإمام الجدل حول إسناد مناصب عامة إلى شخصيات ارتبطت بالنظام السابق. وفي نهاية حزيران/ يونيو، شهدت دمشق وقفات طالبت بتفعيل المادة 49 من الإعلان الدستوري. وفي أيلول/ سبتمبر، قبل مجلس الشعب استقالة العضو مضر حمدان، المعيّن ضمن القائمة الرئاسية، بعد اعتراضات على منشورات سابقة له مؤيدة للنظام المخلوع، وعريضة وقّعها عشرات من خريجي كلية طب الأسنان في جامعة دمشق وطلابها طالبت باستبعاده استناداً إلى مبادئ العدالة الانتقالية.

وأوسع هذه المؤشرات موجة الاحتجاجات التي بدأت منتصف حزيران/ يونيو 2026 واستمرت أياماً في مدن وبلدات بأرياف حلب وإدلب وحماة ودرعا، مطالبةً بطرد «الشبيحة» من مناطقهم. وفي تدمر تطورت مظاهرة إلى مواجهات بالحجارة أوقعت إصابات، بعد هجوم متظاهرين على منازل قالوا إنها لأشخاص محسوبين على النظام السابق. واللافت أن احتجاجات في أحياء من حلب استهدفت «شبيحة» من أبناء الأحياء نفسها، ما يرجّح أن الدافع هو السلوك خلال سنوات الحرب لا الانتماء الطائفي، وأن الغبن حين لا يجد قناة قانونية قد يتحول إلى فعل مباشر ضد الأشخاص والممتلكات.

في المقابل، لم يقابل هذا التغير في المزاج العام تقدم مماثل في الأدوات المؤسسية؛ فلا يزال قانون العدالة الانتقالية غير نافذ، ولم تُعلن آلية شاملة للفحص الوظيفي. فحساسية المجتمع تجاه الملف تتزايد، بينما تبقى معالجة بعض أسبابه الأساسية مؤجلة.

رابعاً: الفاعلون ومصالحهم

الحكومة والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية

تحتاج الحكومة إلى إحراز تقدم في العدالة الانتقالية لتعزيز شرعيتها أمام قاعدتها الثورية وشركائها الدوليين، لكنها تحتاج أيضاً إلى استمرار عمل جهاز إداري ورثته من النظام السابق، من دون أن تكون مسؤوليات العاملين فيه قد خضعت للفحص.

ويتمثل القيد الأبرز في القدرة المؤسسية؛ إذ يتطلب فحص العاملين بصورة فردية معايير قانونية واضحة، وكوادر متخصصة، وبيانات موثوقة، وآليات اعتراض ومراجعة. وتزداد صعوبة ذلك في ظل حديث مسؤولين عن تقليص الجهاز الإداري بنحو 400 ألف موظف.

ويظهر في أداء الحكومة تفاوت بين سرعة الاستجابة للحوادث الرمزية وبطء استكمال الأدوات التشريعية. فقد فُتح تحقيق في حادثة الفيحاء خلال يوم، وأوقف سائق حافلة شغّل أغاني تمجّد الأسد في تموز/ يوليو. لكن سرعة الاستجابة لهذه الوقائع لا تعوّض غياب آلية مؤسسية منتظمة للمحاسبة والفحص.

مجلس الشعب

انعقد المجلس في 12 تموز/ يوليو 2026، وأعلن أعضاؤه إعطاء العدالة الانتقالية أولوية. غير أن قدرته على تسريع المسار تتوقف على إحالة مشاريع القوانين إليه، وترتيبها ضمن جدول أعماله، وقدرته على التعامل مع الملفات المتزاحمة.

الثوار وذوو الضحايا

تتمثل مطالب هذه الشريحة في المحاسبة ورد الاعتبار وضمان عدم تكرار الانتهاكات، مع قلق من أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى تسوية على حساب الضحايا.

ويتعزز هذا الشعور عندما يتزامن بطء محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات مع بطء إنصاف من تضرروا بسبب الثورة. فقد شُكّلت في آب/ أغسطس 2025 لجنة لمراجعة حالات المفصولين من الوظيفة العامة بين عامي 2011 و2024، وسط مخاوف من الانتقائية وغياب المعايير الواضحة.

المحسوبون على النظام البائد

لا تمثل هذه الفئة كتلة واحدة؛ إذ تضم متورطين في انتهاكات، وآخرين ارتبطوا بالفساد أو تسهيل التجاوزات، وموظفين لم يثبت ارتكابهم ما يستوجب الإقصاء. ولذلك لا يكفي الانتماء السياسي أو الوظيفي وحده لتحديد المسؤولية.

ويضع الإطار الدستوري قيوداً على تمجيد النظام ويفتح المجال لمحاسبة مرتكبي الجرائم، لكن عدم استكمال أدوات التطبيق والفحص يترك مساحة للشك في التعيينات والمواقع التي يشغلها بعض المرتبطين بالنظام السابق.

الشركاء الدوليون

يدعم الشركاء الدوليون مسار الانتقال السياسي، ويؤكدون ضرورة أن يكون شاملاً وغير طائفي. لكن بعضهم يربط التعاون في تسليم المطلوبين بضمانات تتعلق بعقوبة الإعدام، ما قد يحد من فرص محاسبة بعض المطلوبين خارج البلاد.

خامساً: تحليل الاتجاه

عدالة تتقدم في القمة وتتأخر في المستويات الوسطى

عند جمع الوقائع، يظهر تفاوت واضح بين التقدم في الملفات المرتبطة بالقيادات الكبرى والتعثر في معالجة المسؤوليات داخل المؤسسات. فقد شملت الإجراءات شخصيات بارزة، في حين لم يظهر حتى الآن مسار منهجي معلن لمحاسبة المستويات الوسطى من المسؤولية، بما فيها ضباط الفروع والمخبرون والقضاة الذين أصدروا أحكاماً تحت الطلب والموظفون الذين سهّلوا الانتهاكات إدارياً.

وتكتسب هذه الفئة أهمية خاصة لأنها المستوى الذي تعامل معه الناس مباشرة في الأحياء والدوائر الحكومية والمحاكم. لذلك يرتبط شعور الضحايا بالإنصاف بمساءلة من شاركوا في الانتهاكات أو سهّلوها، بقدر ارتباطه بمحاسبة رأس النظام.

وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان نحو 16 ألفاً و200 شخص متورطين في القتال إلى جانب النظام البائد. ويرى رئيسها فضل عبد الغني أن نية المحاسبة قائمة، لكنها دون المطلوب في غياب آليات واضحة لفرز الموظفين. في المقابل، يرى الباحث وائل ميرزا أن وجود عناصر من النظام السابق داخل المؤسسات لا يمثل سياسة ممنهجة، وأن أعدادهم محدودة.

ولا يتناقض التقديران بالضرورة؛ فعدم وجود سياسة ممنهجة لإعادة المرتبطين بالنظام السابق لا ينفي غياب آلية مؤسسية للفحص. وفي ظل غياب هذه الآلية، يتحول كل تعيين إلى موضع شك، بصرف النظر عن مسؤولية الشخص المعني.

مرآتان للمقارنة: بغداد وسراييفو

العراق بعد 2003: مخاطر العزل على أساس الانتماء

أصدرت سلطة الائتلاف المؤقتة في أيار/ مايو 2003 أمراً بحظر حزب البعث وعزل كبار أعضائه تحت مسمّى اجتثاث البعث، أدى إلى فصل نحو 30 ألفاً من الوزارات، وأمراً آخر بحل الجيش والأجهزة الأمنية التي ضمت نحو 500 ألف عنصر. ولم تُحدَّد للاجتثاث مهلة، فاختلط في وعي شريحة واسعة الانتماء إلى البعث بالانتماء إلى مكوّن اجتماعي بعينه، وصار فحص الماضي يعتمد على الوشايات مع طعون نادراً ما تنجح. ولم يبدأ التصحيح الجزئي إلا عام 2008 بقانون المساءلة والعدالة، بعد أن تحوّل العزل من أداة محاسبة إلى مصدر تمييز واحتقان.

البوسنة بعد 1995: الفحص الفردي على أساس السلوك

فحصت قوة الشرطة الدولية التابعة للأمم المتحدة بين 1999 و2002 ملفات نحو 18 ألف شرطي فرداً فرداً، ومنعت 793 منهم من العمل الشرطي بسبب جرائم الحرب أو عدم الأهلية. وبين 2002 و2004 أعادت مجالس قضائية مختلطة التعيين في قرابة ألف منصب قضائي وادعائي عبر منافسة مفتوحة. ولم تخلُ التجربة من عيوب، كالوصمة التي ولّدها المنع مدى الحياة وبقاء نحو 150 حالة بلا حسم، لكنها ميّزت المتورطين من غيرهم دون أن تُقرأ عقاباً لجماعة قومية بأكملها.

ما الذي تعنيه المقارنة لسوريا؟

تُظهر التجربتان أن نجاح الفحص يرتبط بأربعة شروط: معيار يقوم على السلوك والمسؤولية لا على الانتماء، وجهة مستقلة تعمل بموجب القانون، ومهلة زمنية تمنع بقاء الملفات مفتوحة إلى أجل غير محدد، وحق فعلي في الاعتراض والطعن.

وتجمع الحالة السورية بين مسارين مختلفين. ففي القطاعين العسكري والأمني، اتجهت دمشق إلى حل مؤسسات النظام السابق، إذ أعلن مؤتمر النصر في 29 كانون الثاني/ يناير 2025 حل الجيش السابق وأجهزته الأمنية وحزب البعث، والبدء ببناء مؤسسات جديدة. أما الجهاز المدني، بما يشمل الوزارات والقضاء والإدارة المحلية، فبقي في معظمه قائماً من دون فحص منهجي معلن.

وطبيعة المؤسسات المدنية ومتطلبات استمرار الخدمات تختلف عن طبيعة الأجهزة العسكرية والأمنية، فلا يُعالَج المساران بالطريقة نفسها. لكن غياب آلية واضحة للفحص المدني يخلق مشكلة مزدوجة: احتمال بقاء بعض المتورطين في مواقعهم، واستمرار الشك في موظفين لم تثبت مسؤوليتهم. ومصدر الخطر الأقرب هو بقاء الملف بلا قواعد معلنة تحسم المسؤولية وتحمي غير المتورطين، أكثر من تأخر الإقصاء نفسه.

سادساً: الفرضيات والاختبار المضاد

يمكن تفسير بطء المسار من خلال ثلاث فرضيات رئيسية.

الفرضية الأولى: العائق التشريعي والمؤسسي

تفسر هذه الفرضية البطء بغياب القانون الخاص وضعف القدرة المؤسسية، وتتوقع تحسناً بعد إقرار قانون العدالة الانتقالية. ويدعمها تصريح رئيس الهيئة بأن تعطّل المحاكمات مرتبط بانتظار القوانين، وإعلان مجلس الشعب إعطاء الملف أولوية. لكن ما يحد من قوتها أن قوانين العزل والفحص لم تظهر بعد في صدارة الأولويات المعلنة، وأن لجنة مراجعة حالات المفصولين بسبب الثورة شُكّلت قبل أكثر من عام ولم نعثر على نتائج منشورة لعملها.

الفرضية الثانية: أولوية استمرار عمل الدولة

ترى هذه الفرضية أن الحكومة تقدّم استمرار المؤسسات وتجنب الاحتقان على توسيع المحاسبة سريعاً، وتفضّل في المرحلة الحالية محاسبة الشخصيات البارزة على فتح ملفات واسعة داخل الجهاز الإداري. ويدعمها استمرار الاعتماد على الكادر القائم، والتقدم في الملفات الرمزية مقارنة ببناء آلية مؤسسية شاملة. لكن يحد من قوتها أن الحكومة اتخذت بالفعل خطوات قضائية وأمنية، وأن مشاريع قوانين أُنجزت أو دخلت مرحلة النقاش، وهذا لا ينسجم مع افتراض قرار بتعطيل المحاسبة.

الفرضية الثالثة: تفاوت السرعة بين المسارات

تفترض هذه القراءة وجود إرادة فعلية لمحاسبة القيادات الكبرى، بالتوازي مع عوائق تشريعية وإدارية تعرقل توسيع المساءلة والفحص في المستويات الوسطى، يضاف إليها حذر من أن يفتح فحص واسع وغير منضبط توترات اجتماعية يصعب احتواؤها. وهي الأكثر اتساقاً مع الوقائع المتاحة، لأنها تفسر التقدم في بعض الملفات والتعثر في أخرى دون افتراض نية سياسية لا تتوفر أدلة كافية عليها.

الاختبار المضاد

أقوى حجة ضد تقدير تراكم الغبن بوصفه خطراً متصاعداً هي قدرة الدولة على احتواء الحوادث بسرعة. فقد فُتح تحقيق رسمي في حادثة الفيحاء خلال يوم، واتُخذت إجراءات في حالات فردية تتعلق بتمجيد الأسد، وشهدت الفترة الأخيرة اعتقالات لمطلوبين بارزين. وهذا يعني أن المؤسسات ما زالت قادرة على امتصاص جانب من الاحتقان.

لكن معالجة الحوادث المنفردة لا تحسم مسؤولية العاملين داخل المؤسسات، ولا تقدم إجابة دائمة عن مخاوف الضحايا والثوار. كما أن غياب بيانات منشورة عن حوادث الانتقام في الفترة الأخيرة يمنع قياس مستوى الخطر بدقة. لذلك يبقى ترجيح فرضية تفاوت السرعة قائماً، مشروطاً بتطور الأدوات التشريعية والإدارية وبقدرة الدولة على منع انتقال الاحتقان إلى مواجهات أوسع.

سابعاً: التقدير

نقدّر أن العدالة الانتقالية في سوريا ستستمر خلال الأشهر الثلاثة المقبلة على مسارين متفاوتين: تقدم في محاسبة الشخصيات الكبرى، مقابل بطء في الفحص الوظيفي ومساءلة المستويات الوسطى. ونرى أن اتساع الفجوة بين المسارين يمثل أحد أبرز مصادر الضغط على السلم الأهلي في هذا الملف. ويستند التقدير إلى ثلاثة عوامل:

  1. تأخر الإطار التشريعي: لا يزال المسار مرهوناً بمجلس شعب حديث الانعقاد وأولويات متزاحمة، ولم تُطرح قوانين العزل والفحص أولويةً معلنة بالقدر نفسه.
  2. الحاجة إلى استمرار المؤسسات: يتطلب فحص الجهاز الإداري على نطاق واسع معايير وكوادر وبدائل وظيفية، ما يجعل أي إجراء شامل أعقد من معالجة ملفات قضائية محددة.
  3. القدرة على احتواء الحوادث: تخفف سرعة الاستجابة للحوادث الفردية الضغط الآني، لكنها تقلل الحاجة الملحّة إلى تسريع بناء آليات دائمة.

ولا تتوزع كلفة الانتظار بالتساوي. فالمتورطون الذين لم تُفحص مسؤولياتهم يستفيدون من استمرار الوضع القائم، والموظفون غير المتورطين يبقون عرضة للشك، فيما يرى الثوار وذوو الضحايا في تأخر المحاسبة تقديماً لمن ظلمهم عليهم، في ثورة كانوا وقودها وضحاياها.

وإذا تراكم هذا الشعور دون استجابة مؤسسية مقنعة، فقد تتراجع الثقة بالمسار القضائي، وتزداد الدعوات إلى أخذ الحق خارج المؤسسات. وهنا تكمن المخاطرة الأشد: أن تتحول المطالبة بمحاسبة أفراد مسؤولين عن انتهاكات إلى أعمال انتقامية تطال جماعات أو عائلات أو موظفين لم تثبت مسؤوليتهم.

وتشير المقارنة إلى أن اتجاه هذا الخطر يتوقف على ثلاثة متغيرات مترابطة:

  • المحاسبة القضائية: مدى حزمها وسرعتها وتناسبها بحق من تثبت مسؤوليتهم، من مرتكبين ومسهّلين ومخبرين وقضاة شاركوا في أحكام غير مشروعة، ضمن ضمانات المحاكمة العادلة.
  • الفحص الوظيفي الفردي: وجود معايير معلنة للسلوك والمسؤولية والنزاهة المهنية تميز التورط في الانتهاكات من مجرد العمل في مؤسسات الدولة السابقة، في بيئة كان الفساد فيها واسع الانتشار.
  • وضع غير المتورطين: مدى الضمانات المتاحة للموظفين الذين لا تثبت مسؤوليتهم، ومنها حق الاعتراض والطعن، بحيث لا يتحول الفحص نفسه إلى مصدر جديد للظلم.

مستوى الثقة: متوسط. الاتجاه العام الذي تشير إليه الوقائع واضح، لكن البيانات الكمية عن نسبة المرتبطين بالنظام السابق داخل المؤسسات، وعن حوادث الانتقام، غير منشورة.

حدود التقدير: لا تتوفر أرقام موثقة عن تركيبة العاملين في الوزارات، ولم يُعلن موعد لعرض قانون العدالة الانتقالية على التصويت حتى إعداد الورقة، وما زالت حادثة الفيحاء قيد التحقيق. وقد يغيّر تطور أمني كبير أولويات المرحلة واتجاه المسار.

ثامناً: السيناريوهات

السيناريو الأول: تقدم محاكمات الرموز وتعليق الفحص الوظيفي (مرجّح)

تستمر محاكمات الشخصيات البارزة واعتقالاتها بوتيرتها الحالية، ويتقدم قانون العدالة الانتقالية ببطء، فيما يبقى الفحص الوظيفي دون آلية معلنة.

يدعم هذا المسار تزاحم الأولويات، والحاجة إلى الكادر الإداري القائم، والقدرة على احتواء الحوادث الفردية. ويحد منه تكرار الوقائع التي تعيد الملف إلى الواجهة وتزيد الضغط الشعبي لتسريع المعالجة. وتملك الحكومة قدرة كبيرة على إبقائه قائماً، وقد ترى فيه فرصة لبناء القدرة المؤسسية قبل فتح ملفات واسعة.

الأثر المتوقع داخل سوريا: استمرار الشعور بالغبن في الأوساط الثورية، وتوترات متقطعة في الملاعب وأماكن العمل، وبقاء بعض المسؤولين من المستويات الوسطى خارج المحاسبة المنهجية، واستمرار الشك في تعيينات داخل المؤسسات.

السيناريو الثاني: إقرار القانون مع تأخر الفحص الوظيفي (محتمل)

يُقرّ مجلس الشعب قانون العدالة الانتقالية، وربما قانون تجريم إنكار جرائم النظام البائد وتمجيدها، فيتوفر للمحاكمات إطار قانوني خاص، بينما تبقى آلية فحص العاملين في طور الإعداد، لأن بناءها يحتاج معايير وكوادر ومحفوظات لا تُنجز في أسابيع.

يدعم هذا المسار الالتزام المعلن للمجلس، والضغط الشعبي، والحاجة إلى إطار قانوني ينظم المحاسبة ويعزز طلبات تسليم المطلوبين. وأبرز عوائقه تزاحم جدول المجلس، والجدل الدولي حول عقوبة الإعدام. ويستطيع مجلس الشعب والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية دفعه.

الأثر المتوقع داخل سوريا: تحسّن في الثقة بالمسار القضائي وتسارع محتمل في المحاكمات، مع بقاء الفجوة الوظيفية قائمة، فيتراجع الغبن جزئياً دون أن يزول. ويصبح إعلان آلية الفحص بعد ذلك علامة الانتقال إلى مرحلة أوسع.

السيناريو الثالث: انتقال الغبن إلى انتقام خارج المؤسسات (مستبعد)

تتحول حادثة استفزاز علنية مرتبطة برموز الثورة إلى أعمال انتقامية تتجاوز المسؤولين المباشرين إلى أحياء أو عائلات أو مجموعات اجتماعية. وقد قدّمت مواجهات تدمر في حزيران/ يونيو نموذجاً مصغراً لهذا المسار، احتُوي قبل أن يتسع.

يدعم هذا المسار تكرار الاستفزازات، والتعبئة على منصات التواصل، وغياب استجابة مؤسسية مقنعة. ويحد منه استمرار قدرة الأجهزة الأمنية والقضائية على التدخل، ودور القيادات المحلية والدينية في احتواء التوتر. ولا تفترض الورقة وجود فاعل منظم يقوده، لكن وقوعه قد يخدم أطرافاً تسعى إلى تصوير المرحلة الانتقالية مرحلةَ انتقام جماعي.

الأثر المتوقع داخل سوريا: اتساع القراءة الطائفية أو الجماعية للعدالة الانتقالية، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وتعقيد جهود المحاسبة نفسها. ويُدرج هذا السيناريو رغم استبعاده لارتفاع كلفته إن وقع.

تاسعاً: مؤشرات الإنذار المبكر

  • إحالة مشروع قانون العدالة الانتقالية إلى التصويت أو إقراره: يرفع احتمال السيناريو الثاني.
  • طرح قانون العزل السياسي والإداري أو إعلان جهة مختصة بفحص العاملين: يدل على تجاوز السيناريو الثاني نحو بدء الفحص الفعلي وتضييق الفجوة.
  • إقرار قانون تجريم إنكار جرائم النظام البائد وتمجيدها، وصدور أحكام بموجبه: يعزز السيناريو الثاني.
  • نتائج التحقيق في حادثة الفيحاء: تحديد المسؤولين ومحاسبتهم وفق الأدلة يخفف الاحتقان، وغموض النتائج أو عدم تنفيذها يرفع السيناريو الثالث.
  • بدء محاكمات حضورية لمسؤولين من المستويات الوسطى: يدل على اتساع نطاق المحاسبة وتراجع الفجوة بين المسارين.
  • إعلان نتائج لجنة مراجعة حالات المفصولين بسبب الثورة: يخفف مظالم المتضررين ويعزز الثقة بالمسار المؤسسي.
  • تكرار الجدل حول تعيين شخصيات مرتبطة بالنظام السابق أو الاستقالات الاحتجاجية: يدل على استمرار غياب المعايير، ويثبّت السيناريو الأول.
  • تكرار الاستفزاز العلني لرموز الثورة في الملاعب أو المناسبات العامة: يرفع السيناريو الثالث، خصوصاً مع غياب استجابة مؤسسية مقنعة.
  • توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان أو جهات حقوقية موثوقة حوادث قتل بدافع الثأر: يستدعي إعادة تقييم السيناريو الثالث مباشرة.

عاشراً: الخلاصة

لا تشير المعطيات المتاحة إلى أن بطء المحاسبة وغياب الفحص الفردي يشكلان خطراً داهماً على السلم الأهلي في سوريا حتى الآن، إذ ما زالت الدولة قادرة على احتواء الحوادث الفردية. لكن استمرار التأخير يراكم شعوراً بالغبن قد يتحول إلى مصدر توتر إذا لم تقابله خطوات مؤسسية واضحة.

والسؤال الذي يطرحه الثوار وذوو الضحايا اليوم بسيط: هل ستصل العدالة إلى من شارك في الانتهاكات أو سهّلها، أم ستقف عند القيادات الكبرى؟ وإذا لم يجد هذا السؤال جوابه في القانون والمؤسسات، فقد يُبحث عنه خارجها.

وتُظهر تجربتا العراق والبوسنة أن ما يحسم هذه المعضلة هو وضوح معايير المسؤولية الفردية، واستقلال آليات الفحص، وتحديد مهلها الزمنية، وضمانات غير المتورطين، أكثر من شدة الإجراء أو تأجيله. ويبقى هذا التقدير قائماً ما لم يُقرّ الإطار التشريعي المنتظر وتبدأ ترجمته إلى إجراءات عملية، أو يقع تطور أمني كبير يغيّر أولويات المرحلة.

المزيد من أوراق تقدير الموقف

الكل أوراق تقدير الموقف
انضم إلى القناة