الانتخابات الإسرائيلية: حدود التغيير في السلوك الإقليمي وانعكاساته على سوريا
الخلاصة التنفيذية
يتوجه الناخبون في دولة الاحتلال الإسرائيلي في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026 إلى انتخابات الكنيست، في ظل مواجهة عسكرية ممتدة مع إيران، وجبهة لبنانية نشطة، وتوغلات وضربات إسرائيلية متكررة في الجنوب السوري.
تقدّر الورقة أن الانتخابات، بحد ذاتها، لن تؤدي إلى تحول جوهري في العقيدة الأمنية للاحتلال الإسرائيلي خلال الأشهر الثلاثة التالية على أقل تقدير، في ظل تقارب واضح بين المتنافسين الرئيسيين في التعامل مع إيران، والحفاظ على حرية العمل العسكري، والإبقاء على ترتيبات أمنية متقدمة على الجبهات المحيطة.
ويقع التغيير المحتمل في طريقة إدارة هذه العقيدة، ولا سيما في سوريا ولبنان. فغادي آيزنكوت يتعامل مع السيطرة العسكرية في سوريا ورقةً تفاوضية يمكن توظيفها للوصول إلى ترتيبات أمنية، مع التمسك بجبل الشيخ وحرية العمل الجوي.
وفي الوقت نفسه، يمثل مسار الحرب مع إيران متغيراً مستقلاً قد يفوق أثر الانتخابات الإسرائيلية. فإن فشلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية، يُرجّح أن تستأنف واشنطن ضرباتها بعد انتخابات التجديد النصفي في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، وفق ما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال عن نية الرئيس الأمريكي. وبذلك يتحدد اتجاه السياسة الإسرائيلية بتفاعل ثلاثة متغيرات: تركيبة الحكومة، ومستوى الضغط الأمريكي، ومسار الحرب مع إيران.
أولاً: المشهد الانتخابي
دخل حزب «يشار» بقيادة آيزنكوت والليكود بقيادة بنيامين نتنياهو المرحلة الأخيرة من الحملة بفارق محدود. ففي استطلاع أُجري في 19 و20 آب/أغسطس، حصل حزب آيزنكوت على 26 مقعداً مقابل 20 لليكود، وتقدّم آيزنكوت في الملاءمة لرئاسة الحكومة بفارق 14 نقطة.
لكن هذا التقدم تراجع خلال الأسابيع التالية. ففي استطلاع هيئة البث «كان» أواخر أيلول/سبتمبر، انخفض «يشار» إلى 23 مقعداً وارتفع الليكود إلى 21، وتعادلت الكتلتان عند 52 مقعداً، وتقدّم نتنياهو في الأفضلية الشخصية بنسبة 39% مقابل 38%.
ماذا تغيّر؟ التغير الأبرز هو تآكل الزخم الذي حققه آيزنكوت في آب/أغسطس، دون أن تنتقل الصدارة إلى حزب آخر. فقد تقلص فارق «يشار» عن الليكود من ستة مقاعد إلى مقعدين، وتحوّل تفوق آيزنكوت الشخصي البالغ 14 نقطة إلى تأخر بنقطة واحدة.
ولا تُظهر الاستطلاعات أغلبية مستقرة لأي معسكر. وقد سمحت المحكمة العليا في مطلع تشرين الأول/أكتوبر للقائمة العربية الموحدة والقائمة المشتركة بخوض الانتخابات. ومع رفض قادة المعارضة الائتلاف مع الأحزاب العربية، تبقى المشكلة الأساسية بعد الاقتراع هي قدرة أي معسكر على جمع 61 مقعداً في ائتلاف قابل للحياة.
ثانياً: حدود التغيير بين المتنافسين
نتنياهو: تثبيت المكاسب الأمنية
يتعامل نتنياهو مع الانتشار العسكري في سوريا باعتباره مكسباً أمنياً ينبغي الحفاظ عليه. وقد طالب منذ نهاية 2025 بمنطقة منزوعة السلاح تمتد من دمشق إلى المنطقة العازلة وتشمل جبل الشيخ.
وفي 9 أيلول/سبتمبر، أكد خلال زيارة لمواقع قواته في جبل الشيخ أنها تسيطر على المنطقة الممتدة من قمة الجبل إلى نهر اليرموك، وربط أمن الحدود بمنع إقامة أي قوة عسكرية معادية في المنطقة.
آيزنكوت: توظيف الانتشار في التفاوض
لا يقدّم آيزنكوت قطيعة مع هذا النهج. فبحسب ما نقلته صحيفة جيروزاليم بوست، يرى أن الوجود العسكري في سوريا يمكن أن يتحول من انتشار طويل الأمد إلى ورقة تفاوضية للحصول على ترتيبات أمنية أفضل.
ويتضمن تصوره قبول انسحابات جزئية مقابل إبقاء القوات السورية بعيدة عن الحدود، والاحتفاظ بالجانب السوري من جبل الشيخ، وحرية العمل الجوي، ورفض أي وجود عسكري تركي في الجنوب السوري. وفي لبنان يقبل في ظروف معينة منطقة أمنية بعمق 8 كيلومترات.
وهنا يظهر الفارق الأساسي: نتنياهو يتعامل مع السيطرة الميدانية إنجازاً ينبغي تثبيته، وآيزنكوت يرى إمكانية تحويل جزء منها إلى ورقة تفاوضية، دون التخلي عن سقف أمني مرتفع.
بينيت: تشدد في مواجهة إيران
يطرح نفتالي بينيت سياسة أعلى سقفاً تجاه طهران، إذ تعهّد بجعل إسقاط النظام الإيراني هدفاً استراتيجياً، وبضرب إيران رداً على أي هجوم من حزب الله. لذلك لا تبدو الانتخابات منافسة بين اتجاه أمني متشدد وآخر يدفع نحو الانسحاب، وإنما منافسة على كيفية إدارة القوة العسكرية وتحويل المكاسب الميدانية إلى ترتيبات سياسية وأمنية.
ثالثاً: سوريا بوصفها ساحة اختبار
تمثل سوريا الساحة الأوضح لقياس الفارق بين حكومة وأخرى. فقد جرت خلال 2026 جولات تفاوض سورية إسرائيلية برعاية أمريكية، آخرها في آب/أغسطس، وتركزت على وقف الضربات والتوغلات وإحياء مسار اتفاق أمني أوسع.
وتبقى نقطة الخلاف الأساسية هي حدود الانسحاب. فدمشق تطالب بالعودة إلى المواقع القائمة قبل 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 واستعادة ترتيبات فض الاشتباك لعام 1974، بينما يطرح الاحتلال الإسرائيلي ترتيبات أمنية أوسع من ذلك.
فنافذة التفاوض قائمة، لكن الانتقال منها إلى انسحاب واسع يتطلب توافقاً على شكل المنطقة الأمنية، ودور الجيش السوري، والوجود الدولي، وجبل الشيخ، وحرية العمل الجوي. والتصور المنسوب إلى آيزنكوت يجعله أكثر استعداداً لاستخدام بعض الأراضي المحتلة ورقةً تفاوضية، لكنه لا يقترب من الانسحاب الكامل إلى خطوط ما قبل 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.
رابعاً: العامل الإيراني والأمريكي
قد يكون العامل الأكثر تأثيراً بعد الانتخابات الإسرائيلية خارج المشهد الإسرائيلي نفسه. فقد نقلت صحيفة وول ستريت جورنال في 25 أيلول/سبتمبر أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفض مقترحاً لوقف القتال مع إيران، وأبلغ مساعديه بتوقعه ضربها مجدداً بعد انتخابات التجديد النصفي. ونفى ترامب علناً أن تكون للانتخابات صلة بقراره، لكنه لم يستبعد في 27 أيلول/سبتمبر توجيه ضربات قبلها.
وهذا يجعل الفترة بين 27 تشرين الأول/أكتوبر و3 تشرين الثاني/نوفمبر شديدة الحساسية. فإن استمرت المفاوضات، فقد يتجه المسار نحو احتواء تدريجي. وإن فشلت، فإن تصعيداً أمريكياً بعد الانتخابات النصفية سيعيد ترتيب حسابات جميع الأطراف، بما فيها الحكومة الإسرائيلية المقبلة، وتصبح الجبهة السورية أكثر ارتباطاً بالمواجهة الإقليمية بحكم موقعها ومجالها الجوي.
خامساً: تقدير الموقف
نقدّر أن ثبات العقيدة الأمنية للاحتلال الإسرائيلي خلال الأشهر الثلاثة التالية للانتخابات هو المرجّح، بينما يبقى تغير أسلوب إدارة الجبهات، خصوصاً في سوريا، محتملاً. ويستند التقدير إلى:
1. تقارب مواقف المتنافسين في أولوية مواجهة إيران والحفاظ على حرية العمل العسكري والترتيبات الأمنية المتقدمة.
2. غياب أغلبية مستقرة في استطلاعات المرحلة الأخيرة، مع مقاطعة المعارضة للأحزاب العربية.
3. وجود مسار تفاوضي أمريكي قائم أصلاً بين دمشق والاحتلال الإسرائيلي، فيؤثر تغيير الحكومة في سرعة التفاوض وأدواته أكثر مما يؤثر في سقفه الأمني.
4. قابلية البيئة الإقليمية للتبدل السريع بفعل الحرب مع إيران والسياسة الأمريكية بعد الانتخابات النصفية.
مستوى الثقة: متوسط، بسبب تذبذب الاستطلاعات، ولأن مواقف آيزنكوت منقولة عبر الصحافة لا عبر وثيقة تستند إلى برنامج انتخابي.
الاختبار المضاد
يتعرض التقدير لاختبار جدي إذا تشكلت حكومة بقيادة آيزنكوت بائتلاف متماسك، وترافقت مع ضغط أمريكي مباشر باتجاه تسوية سورية إسرائيلية. عندها قد تنتقل فكرة استخدام الأراضي المحتلة ورقةً تفاوضية إلى خطوات عملية، كانسحاب جزئي أو إعادة انتشار مقابل ترتيبات أمنية.
لكن العكس ممكن أيضاً: إذا اتسعت الحرب مع إيران بعد الانتخابات الأمريكية، فستطغى الأولوية الأمنية على المسار التفاوضي، أياً كان رئيس الحكومة. ولذلك يبقى الترجيح للثبات.
حدود التقدير
يتأثر التقدير بثلاثة متغيرات يصعب ضبطها مسبقاً: ضغط أمريكي مباشر على الحكومة الإسرائيلية، أو تحول كبير في مسار الحرب مع إيران، أو حدث أمني كبير في سوريا أو لبنان. ولا يُتوقع أن يتجاوز أي تغيير بعد هذه المدة حدود الأسلوب، ما لم يجتمع ضغط أمريكي جدي مع نهاية الحرب على إيران.
سادساً: السيناريوهات
1. استمرار النهج الأمني والانسداد السياسي (مرجّح)
تتعثر عملية تشكيل الحكومة أو تتشكل حكومة ائتلافية مضطربة، مع استمرار السياسة الأمنية الحالية.
الأثر على سوريا: استمرار الضربات والتوغلات، وبقاء التفاوض ضمن سقف أمني مرتفع، وتأجيل أي انسحاب واسع.
2. حكومة بقيادة آيزنكوت تعدّل أسلوب إدارة الجبهات (محتمل)
ينجح آيزنكوت في تشكيل حكومة تنشّط المسار الأمريكي مع دمشق، وتحوّل جزءاً من الانتشار العسكري إلى ورقة تفاوضية.
الأثر على سوريا: احتمال بحث انسحابات جزئية أو ترتيبات مرحلية، مقابل ضمانات تتعلق بالانتشار السوري وجبل الشيخ وحرية العمل الجوي.
3. اتساع الحرب مع إيران بعد الانتخابات الأمريكية (محتمل)
تفشل المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وتستأنف واشنطن عمليات واسعة بعد الانتخابات النصفية، فترد إيران رداً أوسع قد ينتقل إلى جبهات أخرى.
الأثر على سوريا: تجميد الوضع الراهن، وزيادة أهمية المجال الجوي والأراضي السورية في العمليات الإقليمية، واحتمال ارتفاع وتيرة الضربات والتوغلات في الجنوب. وقد يدفع اتساع الحرب، بضغط أمريكي، إلى تفاهم تهدئة محدود مع دمشق يمنع الاحتكاك، لكنه لا يرقى إلى اتفاق أمني يتضمن انسحاباً.
سابعاً: مؤشرات الإنذار المبكر
- قدرة أحد المعسكرين على جمع 61 مقعداً، وطبيعة الائتلاف الذي يتشكل.
- أي تعديل معلن في موقف الحكومة الجديدة من جبل الشيخ والانتشار في سوريا.
- ظهور جدول زمني لانسحاب جزئي من مواقع سورية: يرفع السيناريو الثاني.
- استئناف المفاوضات السورية الإسرائيلية بوتيرة أعلى وبرعاية أمريكية مباشرة.
- تثبيت مواقع جديدة أو الانسحاب من مواقع قائمة في الجنوب السوري.
- مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية قبل 3 تشرين الثاني/نوفمبر وبعده.
- انتقال المواجهة مع إيران إلى لبنان أو العراق أو سوريا بصورة مباشرة: يرفع السيناريو الثالث.
الخلاصة
لا تشير المعطيات الحالية إلى أن الانتخابات الإسرائيلية ستنتج تحولاً جذرياً في العقيدة الأمنية للاحتلال الإسرائيلي، فالتقارب بين نتنياهو وآيزنكوت وبينيت يضع حدوداً واضحة للتغيير. وأقصى ما قد يتغير هو مقدار الاستعداد لتحويل بعض المكاسب الميدانية إلى أوراق تفاوضية، وسوريا هي الساحة الأوضح لظهور هذا الفرق.
غير أن العامل الحاسم قد يقع خارج الانتخابات الإسرائيلية. فإن انتقلت واشنطن إلى تصعيد واسع بعد انتخاباتها النصفية، فقد يفوق أثر ذلك في السياسة الإسرائيلية أثرَ تغيّر رئيس الحكومة نفسه.
تنويه: الأفكار الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي المركز