الاصداراتالنافذة السوريةمتفرقاتمتفرقات 1مقالات

مستقبل العلاقات الروسية التركية في سورية (خلافات تبددها المصالح)

مستقبل العلاقات الروسية التركية في سورية
 
تواترت أنباء إعلامية صباح الإثنين 20 آذار/ مارس الحالي عن توجه قوات عسكرية روسية نحو قرية كفرجنة في ريف حلب (منطقة عفرين)، بغية إنشاء قاعدة عسكرية بها، كما وأفادت مصادر محلية سورية ولقطات مصورة نشرت عبر (يوتيوب) عن وصول مصفحات وناقلات جند روسية إلى خط التماس بين القوات الكردية وفصائل الجيش الحر في منطقة عفرين، لتقوم وزارة الدفاع الروسية مساء نفس اليوم بنفي نيتها إنشاء مثل تلك القاعدة. حيث أعلنت وزارة الدفاع الروسية أنه سيتم نقل أحد أفرع مركز المصالحة الروسي إلى مدينة عفرين لمراقبة الهدنة، ولا نية لروسيا بإنشاء قاعدة عسكرية.
إن المتابع للوضع السوري وتعقيداته المختلفة يدرك أهمية حدث كهذا؛ وما سيتركه من أثر على العلاقات الروسية التركية؛ وما لمنطقة عفرين من خصوصية في تعقيدات الوضع السوري عموماً والشمال السوري تحديداً!
لقد ثبت في الأحداث الأخيرة هشاشة تلك الهدنة التي أوشكت على الاضمحلال، والتي فرضها اتفاق وقف إطلاق النار في سورية بين روسيا وتركيا، نيابة عن أطراف الصراع في 29 ديسمبر الماضي، والتي كان من أسباب قيامها أصلاً دفع العلاقات الروسية التركية نحو الأمام في الملف السوري.
فقد استمر النظام وحلفائه في خرق الهدنة منذ قيامها، متذرعاً دائماً بأنه يواجه قوات داعش وفتح الشام (النصرة سابقاً)، والتي استثناها وقف إطلاق النار، لتزيد من خروقاتها وصولاً للهجوم على حي القابون الدمشقي بداية الشهر الماضي. ولم تقف المعارضة متفرجة، فصدت اعتداءات النظام وأخذت زمام المبادرة مؤخراً بالهجوم انطلاقاً من حي جوبر الدمشقي باتجاه ربطه بحي القابون، مما باغت قوات النظام، وفتح معركة جديدة داخل دمشق.
كل ذلك يدل على هشاشة الهدنة، وهو ما دفع بقوات المعارضة بعدم حضور اجتماعات أستانة الثاني بداية الشهر الحالي، بحجة عدم وفاء روسيا بالتزاماتها كطرف ضامن للهدنة ووقف إطلاق النار، وبشكل خاص إشرافها على تسوية حي الوعر في حمص بين النظام والمعارضة، والذي سيتم بموجبه تهجير سكان الحي.
رغم وجود العديد من القضايا الخلافية والمواقف المتباينة بين الدولتين، من الأزمة الأوكرانية والجورجية، وصولاً للقضية القبرصية وقضية إقليم ناغورني كاراباخ، وصولاً للانقلاب في مصر، فإن الأزمة السورية وارتداداتها تتصدر مشهد العلاقات بين الدولتين.
اتسمت العلاقة بين الدولتين تاريخياً بحالة عامة من العدائية أو اللاسلم بتعبير أدق، حيث شهدت العلاقة منذ القرن السادس عشر قرابة 17 حرباً لحين قيام الثورة البلشفية في روسيا عام 1917، والتي كان من نتائجها المباشرة انسحاب روسيا من الحرب بعد أن كانت قد كبدت القوات العثمانية خسائر كبيرة، واحتلت الكثير من أراضي الدولة العثمانية لتتراجع عنها لاحقاً. ولم يكن مشروع ترومان مارشال عام 1947 سوى لمواجهة المد الشيوعي، عبر تقديم الولايات المتحدة لمساعدات مالية كبيرة لكل من تركيا واليونان -اللتان كانتا تعانيان اقتصادياً- لمنع وصول الشيوعية للحكم فيهما. وانضمام تركيا لاحقاً لحلف الناتو عام 1952 وبالتالي تموضعها ضمن المعسكر المعادي للاتحاد السوفييتي.
تحسنت العلاقات مع بداية القرن الواحد والعشرين بوصول بوتين للرئاسة في روسيا، ووصول حزب العدالة والتنمية للحكم في تركيا. مدفوعة بمصالح اقتصادية بالدرجة الأولى، طبقاً لعوامل القرب الجغرافي والاحتياجات المتبادلة، ورغبة كل من الدولتين بمرحلة جديدة من العلاقات، أطلقتها تركية ضمن استراتيجيتها في تصفير المشاكل مع دول الجوار، وهي استراتيجية البروفيسور أحمد داود أوغلو رئيس الوزراء التركي السابق.
جاءت الثورة السورية عام 2011 وما حملته من تداعيات في السياسة الدولية، حاملة معها بذور الخلاف من جديد، تمثلت في اختلاف الموقفين من الأزمة السورية. فتركيا التي كانت تربطها علاقات وثيقة بالنظام السوري قبيل الثورة، وقفت في وجه ممارسات النظام السوري ضد الشعب والثورة السورية، بل دعمت لاحقاً المعارضة السورية المسلحة، تارةً لوجستياً، وسياسياً تارة أخرى، واشتد الخلاف التركي السوري ووصل لمرحلة العداء الكامل والاتهامات المتبادلة. في حين وقفت روسيا لجانب نظام الأسد مع بداية الأحداث، ولم تتورع في الدفاع عن النظام سياسياً من خلال التصريحات الدبلوماسية شبه اليومية، ومنع صدور أي قرار يدين النظام السوري من مجلس الأمن الدولي عبر استخدام حق النقض الفيتو، وصولاً لبدء القاذفات الروسية قصفها لمواقع المعارضة السورية في سبتمبر 2015، معلنةً بدء التدخل العسكري المباشر بعد أن كان مقتصراً على توريدات الأسلحة، مساهماً في منع السقوط الذي كان محتماً للنظام السوري حسب التقارير الغربية آنذاك.
وتركيا التي لطالما طالبت بإنشاء منطقة عازلة داخل الأراضي السورية على حدودها الجنوبية، كانت قد دخلت قواتها العسكرية البرية إلى سورية في أغسطس الماضي 2016 معلنة أهدافها في تأمين حدودها ضد المنظمات الإرهابية (داعش ووحدات حماية الشعب الكردية الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الفرع السوري للعمال الكردستاني)، ساعيةً لتطهير المنطقة بين مدينة أعزاز غرباً ومنبج شرقاً، قبل التحضير لاستعادة الرقة حسب تصريحات المسؤولين الأتراك.
نظرة استشرافية:
تتفهم كل من روسيا وتركيا مصالح بعضهما البعض في سورية، فكلتا الدولتان قد تدخلت عسكرياً في الأراضي السورية مدفوعتان بمصالحهما الخاصة -ولا مجال لذكرها هنا- وسيبقى في المستقبل القريب على الأقل، تواجداً عسكرياً مستمراً لكلتا الدولتين داخل الأراضي السورية، رغم وجود تعارض في بعض المصالح، ولا غنى لهما عن بعضهما البعض، في استمرار التنسيق باعتبار روسيا الحليف الأول للنظام السوري وقادرة على التأثير عليه، مقابل قوة التأثير الكبيرة لتركيا على قوى المعارضة السورية وقدرتها على فرض أجندة معينة عليها.
لذلك ستعمل روسيا على الاستمرار في مسك الورقة الكردية كعامل ضغط في التعامل مع أنقرة والضغط عليها، بهدف التأثير على مواقف تركيا ودفعها لتقديم تنازلات مستقبلاً ضمن أي تسوية للأزمة السورية، وقد أعلن متحدث باسم وحدات حماية الشعب الكردية تعقيباً على وصول قوات روسية إلى عفرين، التوصل لاتفاق مع موسكو حول تواجد عسكري روسي في منطقة عفرين بريف حلب وتدريب مقاتلين أكراد.
تدرك أنقرة جيداً حجم الدور الروسي، لذا ستسعى لعدم التصادم مع الروس مرة أخرى كما جرى سابقاً بعيد إسقاط الطائرة الروسية من قبل تركيا على حدودها الجنوبية، والتي أدت الى تدهور علاقات البلدين بشكل كبير، لكن الدبلوماسية التركية أخرجت تركيا من المأزق بأقل الخسائر ودفعت العلاقات نحو التعاون مجدداً رغم اضطرارها لتقديم الاعتذار.
ستسعى روسيا لدعم فكرة واشنطن بإنشاء تجمع لعدة قوى بهدف استعادة الرقة من أيدي تنظيم الدولة بالتنسيق مع الولايات المتحدة وتركيا بمشاركة النظام السوري والقوى الكردية، رغم وجود فيتو تركي مسبق على اشتراك القوات الكردية في معركة الرقة.
مدينة منبج: “عقدة العقد”
لم تتوقف تصريحات المسؤولين الأتراك من أن هدف قوات درع الفرات بعد السيطرة على مدينة الباب سيكون مدينة منبج، والتي تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية (التي تشكل وحدات حماية الشعب معظمها)، والتي كانت سلمتها لمجلس منبج العسكري نظرياً وهو أحد مكونات قوات سورية الديمقراطية نتيجة الضغط التركي ولاحقاً الطلب الأمريكي بالانسحاب شرق الفرات.
ستشكل مدينة منبج عنواناً بارزاً في المستقبل القريب، فقوات درع الفرات المدعومة تركياً اضطرت للتهدئة في توجهها نحو منبج، بعد نشر الولايات المتحدة قوات عسكرية أمريكية فيها بجانب قوات سورية الديمقراطية معلنة هدفها بمنع التصادم بين الأتراك وقوات سورية الديمقراطية، مما يعني ضمنياً منع قوات درع الفرات من دخول المدينة. من جهة أخرى ومع اقتراب الأتراك من ريف منبج، قام مجلس منبج العسكري برفع العلم السوري في مباني منبج بالإضافة لتسليم النظام السوري قرى بين ريف منبج ومدينة الباب للنظام السوري. بذلك يتعقد المشهد بشكل لم يسبق له مثيل من قبل في تلك المنطقة، وهو ما دفع رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم للقول بأنه لا مانع لدى تركيا من سيطرة قوات النظام السوري على منبج، مفضلاً إياها (ضمنياً) بالطبع عن القوات الكردية.
لا شك أن صعوبات جديدة ستواجه الأتراك في سورية، ففرض الولايات المتحدة لأنجدتها أكثر من قبل في تلك المنطقة مع وصول الإدارة الجديدة للبيت الأبيض، سيزيد من تعقيد المشهد، وهو ما سيدفع أنقرة لإدارة الوضع المعقد بشكل استثنائي والعمل على الاستفادة من الدور الأمريكي.
ومع بداية شهر آذار الحالي تناقلت وسائل الإعلام خبراً باجتماع جرى في جنوب تركيا في قاعدة عسكرية تركيا في أضنة بين رؤساء أركان كل من روسيا وتركيا والولايات المتحدة، ولم يتم تحديد نتائج هذا الاجتماع، فضلاً عن أنه لم يلقَ الاهتمام الإعلامي الكافي!
ستستعى تركيا في ظل الوضع المعقد الحالي والتفوق روسي في مسك أوراق المنطقة، إلى الحذر أكثر فأكثر في التعاطي مع الشأن السوري ومحاولة التنسيق مع كلا الطرفين الروسي والأمريكي، والعمل على الاستفادة من أي تباين قد يحصل بين الأمريكان والروس، والعمل عليه لطرح مصالح تركيا والعمل على فرضها متى أمكن ذلك. بالإضافة لسعي تركيا للعمل بقوة على تمكين علاقاتها مع الدول العربية لا سيما الخليجية منها في مواجهة الوضع الدولي الجديد، في الصعود المتنامي لقوى اليمين في الغرب وما لذلك من أثر على الدول العربية والإسلامية، فضلاً عن ضرورة تقوية جبهتها الداخلية وهي متوجهة نحو إقرار دستور جديد.
 
التوصيات:

  • من الجيد أن تعمل تركيا على زيادة أوراق قوتها الدبلوماسية في مواجهة روسيا بغرض تحقيق نوع من التوازن في العلاقة، فلتركيا دور كبير في العالم الإسلامي يمكنّها من مسك أوراق قضايا وأزمات تهم المصالح الروسية.
  • إن الصعود المتزايد لليمين في أوروبا والغرب عموماً، يمثل فرصة مشتركة لكلتا الدولتين في تنسيق مواقفهما وفتح آفاق تعاون جديدة سياسياً واقتصادياً في شتى أنحاء العالم، لا سيما أن العلاقات الروسية الأوربية ليست كما يرام، بالإضافة لتدهور العلاقات الدبلوماسية الأوروبية التركية إثر الأحداث الأخيرة من منع وزراء أتراك دخول مدن أوربية وحضور اجتماع الجاليات التركية. وروسيا بحاجة لقوة جارة لأوروبا بحجم تركيا تقف بقوة في وجه الأوروبيين وتقلقهم مستقبلاً، خصوصاً مع التعثرات التي يمر بها الاتحاد الأوروبي واحتمال انفراط عقده مستقبلاً، مما يعني عودة النزعة القومية لدول أوربا من جديد. كما من المهم تنسيق التعاون في مواجهة الدور الأمريكي في دعم حركة الانفصال الكردية وتأسيسها لقاعدتها العسكرية الرابعة في سورية. فروسيا رغم دعمها لأكراد سورية إلا أنها ترفض دعم الصيغ والحركات الانفصالية تاريخياً، وما دعمها الحالي لوحدات حماية الشعب إلا استمراراً بمسكها لورقة مهمة في دبلوماسيتها في المنطقة.
  • تعاني تركيا كثيراً من الهجمات الإرهابية، لا سيما من داعش، وهذه نقطة تقاطع مع الروس بحيث يتم التنسيق معاً لمحاربة الإرهاب أو لنقُل محاربة الحركات التي تعتبر إرهابية من وجهة نظريهما، وقد نفذت روسيا فعلاً عدة ضربات جوية على مواقع داعش في مدينة الباب دعماً لقوات درع الفرات أثناء معركتهم لاستعادة المدينة من يد تنظيم الدولة.
  • إن العامل الاقتصادي أهم محددات العلاقة بين الدولتين، فروسيا الشريك الثاني تجارياً لتركيا بعد ألمانيا، بالإضافة أن تركيا خامس أكبر شريك تجاري لروسيا بنسبة 4,5 بالمئة من إجمالي التجارة الخارجية، ويزور تركيا سنوياً أكثر من 4 مليون سائح روسي، من هذه المنطلق يمكن أن تكون سورية حلقة جديدة في سلسلة التعاون الاقتصادي عبر التعاون مستقبلاً في إعادة الإعمار.
  • سيكون على تركيا الاستفادة من الوجود الروسي في المنطقة في كبح جماح إيران وتقليص حجم دورها ومصالحها في المنطقة وسورية بشكل خاص.
  • إن الإدارة الأمريكية الجديدة رغم اهتمامها المبدئي بقضايا الولايات المتحدة الداخلية لكنها قادمة إلى المنطقة بقوة مستقبلاً، لاسيما بعد خسارتها للكثير من قوتها الخارجية وهيبتها بفعل سياسات أوباما، وما أدى لتنامي الدور الروسي، بالتالي ستسعى الولايات المتحدة لإعادة دورها لمكانته السابقة مهما كلف الأمر.

ومما سبق فلا بديل للدولتين عن بعضهما البعض في التنسيق داخل سورية ورفعه لأعلى المستويات، في عالم تسوده مرحلة تمخض لشكل جديد في العلاقات الدولية قادم لا محالة.
لتحميل المقال من هنا
 
 

جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للأبحاث والدراسات © 2017

“الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز برق للأبحاث والدراسات 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق