الاصداراتالدراسات الاستراتيجية

مستقبل العلاقات الأمريكية السعودية بعد اغتيال الخاشقجي

مقدمة

أثارت قضية اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي التي حدثت في القنصلية السعودية التركية في 2- أكتوبر/ تشرين الأول 2018م جدلًا كبيرًا داخل الولايات المتحدة الأمريكية على إثر الانقسام الذي ظهر بين تيارات المؤسسات الحاكمة الأمريكية؛ الكونغرس والبيت الأبيض ودوائر صناع القرار لدى وزارتي الخارجية والدفاع ووكالة الاستخبارات سي أي إيه، حيث ظهر الخط العام للدبلوماسية الأمريكية بين مدافع عن نظام الحكم السعودي من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يعتمد في بناء مواقفه على الدعم المقدم من قبل صهره جاريد كوشنر ومستشاره في الأمن القومي جون بولتون ووزير خارجيته مايك بومبيو وبعض الشخصيات داخل اللوبي الصهيوني الأمريكي، وبين الكونغرس الممثل بحزبيه الجمهوري والديمقراطي المدعوم من كبرى وسائل الإعلام الأمريكية على رأسها الواشنطن بوست والتي تزعمت قضية الخاشقجي في الضغط على الرئيس الأمريكي بغية الكشف عن كل المتورطين في القضية ومحاسبتهم دون استثناء حتى إن قاد ذلك لرأس الهرم في المملكة العربية السعودية. ولعل المبعث الهام الذي كان مولدًا لردات فعل ديناميكية لكلا التيارين هي تركيا التي تعهدت منذ اليوم الأول لاغتيال جمال خاشقجي بالكشف عن كل ملابسات القضية منعًا من تكرار تلك الجريمة على أراضيها، على اعتبار أن قضية الاغتيال داخل أراضيها تُعد خرقًا لسيادتها من جهة وإظهارها بمظهر المستهدف دائمًا كونها تؤوي العديد من المعارضين لحكومات الدول العربية كمصر وسورية والعراق، وعليه فقد أمسكت تركيا بزمام الأزمة من خلال التسجيلات التي قالت أنها تمتلكها بهدف التحكم بكل أبعاد القضية على الصعيدين الأمني والسياسي وهو ما جعلها تمارس دور المحرك لكل مواقف المجتمع الغربي من خلال الاعتماد على سياسة التسريبات الجنائية على دفعات، وهو ذات الأمر الذي ولّد تضارب في الروايات للأجنحة الأمريكية من جهة والمملكة العربية السعودية من جهة أخرى. ومع استمرار كل طرف في محاولة إثبات صحة موقفه من منطق الحفاظ على العلاقات والمصالح. تحولت مسألة خاشقجي إلى قضية دولية ورأي عام، وفتحت أبوابًا على الأطراف المنخرطة بعد استحضارهم وتوظيفهم لقضايا وملفات لا تزال عالقة كحصار قطر وحرب اليمن وصفقات التسليح وغيرها من القضايا التي تم ربطها مع أزمة خاشقجي والتي أخذت أبعادًا إقليمية ألقت بظلالها على سير العلاقات التاريخية القائمة بين الحلفاء لا سيما مصير العلاقات الأمريكية السعودية.

تناقش هذه الورقة مصير وسير العلاقات الأمريكية السعودية على ضوء افتعال الأزمة الأخيرة وفقًا للاستراتيجيات المتبعة من كلا الطرفين.

أولًا: علاقات تاريخية متماسكة

كان اكتشاف النفط السعودي في ثلاثينيات القرن الماضي نقطة تحول في سياسات المملكة الخارجية عقب بداية علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1940م حيث ارتقت هذه العلاقة إلى الشراكة الفعلية إبّان لقاء الملك عبد العزيز بالرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت في البحر الأحمر 1945م، وكان أساس هذه الشراكة التزام أمريكا في الدفاع عن أمن المملكة مقابل تدفق النفط السعودي إلى أمريكا التي عززت روابط الشراكة بتفعيل الخطوط الجوية السعودية بأول طائرة مقدمة كهدية من الرئيس روزفلت إلى الملك عبد العزيز[1]، وقد ساهمت مخاوف المملكة إبان الحرب العراقية الكويتية في عام 1990م، إلى تدفق عشرات آلاف الجنوب الأمريكيين فوظفت أمريكا مخاوف المملكة في نشر وجودها الفعلي داخل المملكة عبر مئات الطائرات والمدرعات بذريعة إخراج قوات صدام حسين من الكويت، وعلى الرغم من رهان الطرفين على الحلف الثنائي إلا أن أحداث 11- سبتمبر/ أيلول 2011م رسمت مفترق طرق للحليفين بعد توجيه أصابع الاتهام إلى ضلوع المملكة السعودية في تفجير أبراج التجارة العالمية عقب ظهور تقارير تفيد بانتماء 15 سعوديًا إلى تنظيم القاعدة الجهادي بقيادة أسامة بن لادن. أدى ذلك إلى تغيير جذري للسياسات الأمريكية بعد إعلانها الحرب على الإرهاب وسحبت على إثرها قواتها من السعودية وباتت قاعدة العديد القطرية مركز القيادة الوسطى للقوات الأمريكية لشن عمليات على تنظيم الدولة في سورية والعراق. وزاد في شرخ العلاقات ما قام به الرئيس الأمريكي باراك أوباما في الاتفاق النووي مع إيران واعتماده سياسة النأي بالنفس عن التنافس السعودي الإيراني إلا أن وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى سدة الحكم عام 2016م شكل متنفسًا سعوديًا خصوصًا أن ترامب كان يحمل توجهات ضد إيران تتناسب مع تطلعات المملكة في سعيها الحفاظ على مركزية بلاد الحرمين، فعملت على استمالة الرئيس ترامب بعد تنصيب محمد بن سلمان كولي للعهد وإعلانه عن رؤية المملكة لـ2030م، وتوصلت المملكة في 2017م مع دونالد ترامب إلى توقيع صفقات أسلحة بقيمة 460 مليار دولار وصفها ترامب بأنها الصفقات الأهم لأمريكا على اعتبار أنها ستُساهم في توفير فرص عمل لآلاف الأمريكيين إلى جانب استمرار تدفق النفط السعودي بأسعار رخيصة.

ثانيًا: علاقات تجارية اقتصادية

بداية عام 1931م حصلت الشركات الأمريكية على حق التنقيب عن النفط وتأسست اللجنة الاقتصادية في عام 1947م وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام 2016م 139 مليار ريال سعودي، وبناءً على البيانات لعام 2017م الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء فإن الولايات المتحدة تحتل المرتبة الثانية

في حجم التبادل التجاري مع المملكة بمقدار 136 مليار ريال.

[2]

وتعد المنتجات المعدنية والمنتجات الكيماوية العضوية والأسمدة والألمنيوم من أهم السلع التي تصدرها المملكة إلى الولايات المتحدة، بالمقابل تعد السيارات والمركبات الجوية والأجهزة والمعدات الكهربائية من أهم السلع التي تستوردها المملكة من أمريكا، كذلك يبلغ عدد المشروعات المشتركة في المملكة 474 شركة منها 90 شركة صناعية و384 شركة خدمية فيما بلغ إجمالي رؤوس الأموال المستثمرة في هذه الشركات نحو 57 مليار ريال. كما حرص الجانبان على تنمية معدل التجارة ووقّع الطرفان في 2003م تأسيس مجلس سعودي أمريكي للتجارة والاستثمار يتكون من ممثلين عن الجانبين، وعقد المجلس منذ تأسيسه خمس دورات كان آخرها 2017م بالرياض[3].

وقد عزز الطرفان سير العلاقات في الجانب الأمني والعسكري عبر تأسيس مركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب بجهود سعودية في عام 2011م، بالمقابل  دعمت أمريكا عمليات التحالف العربي بقيادة السعودية في حرب اليمن في عام 2015م والتي عُرفت بإعادة الشرعية بحملة عاصفة الحزم.

ثالثًا: علاقات استراتيجية صلبة

بالإضافة إلى همزة الوصل بملف النفط السعودي الأمريكي، فإن كلا الطرفين ينظر للآخر كحليف استراتيجي هام في منطقة الشرق الأوسط، فأمريكا تنظر للسعودية على أنها ضرورة لضمان أمن المنطقة وحجر زاوية في احتواء إيران وقوة فاعلة في محاربة الإرهاب ووسيط قوي في حل الصراع العربي الإسرائيلي في القضية الفلسطينية، والمملكة تنظر إلى أمريكا على أنها الدولة الأقوى في العالم وباعث قوي لحماية أمن المملكة ومصدر للأسلحة وشريك تجاري واقتصادي هام.

وعلى الرغم من تباين الحليفين ببعض الملفات والرؤى التي أصابت العلاقات فتورًا وجمودًا إلا أن ذلك لم يقد طيلة العقود السابقة إلى قطيعة في العلاقات، ولعل فترة عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما كانت الأكثر تباينًا بين الطرفين سببها الاستراتيجية التي اتبعها في سياسة النأي بالنفس والانسحاب من العراق وأفغانستان وتقاربه مع إيران بتوقيع الاتفاق النووي في 2015م، الأمر الذي قاد صناع القرار في السعودية إلى الاعتماد على قدراتهم في الدفاع عن أمن المملكة ضد إيران دون اتخاذ موقف صارم ضد الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي وصفه الخبير بالسياسية السعودية الأمريكية في الشرق الأوسط ستيفن كوك على أنه تحول استثنائي في تاريخ العلاقات الثنائية[4].

عطفًا على سير العلاقات ثمة تباين آخر في صلب الشراكة الاستراتيجية مفاده أن ليس كل الولايات المتحدة مؤيدة لسياسات ومصالح المملكة حيث إن التنافس القائم بين الجمهوريين والديمقراطيين في البيت الأبيض والكونغرس يختلف عن وزارتي الدفاع والخارجية ووكالة الاستخبارات ويتقاطع أحيانًا مع تطلعات الرئيس الأمريكي في العديد من القضايا والملفات تجاه المملكة.

رابعًا: تفاعلات في قضية خاشقجي

استنادًا على ما تم ذكره في مقدمة الورقة من انقسام حاد داخل الولايات المتحدة في قضية خاشقجي، بين مؤيد لفرض عقوبات على المملكة، وبين معارض لها، يتضح أن جوهر التباين متعلق بطبيعة العلاقة التي أسسها الرئيس دونالد ترامب مع نظام الحكم السعودي والملك سلمان ونجله ولي العهد الأمير محمد، يُستشف ذلك من خلال كيفية تعاطي إدارة ترامب مع الجريمة. ففي الأسبوع الأول حاول ترامب تجاهل الموضوع، لكن الضغوطات المتزايدة عليه من قبل الكونغرس جعلت من علامات الاضطراب مصاحبةً لمواقفه التي اتخذت نوعًا تصاعديًا بحيث لا تؤثر على صفقات التعاون التي وقعها منتصف العام 2017م مع الملك سلمان بقيمة 460مليار دولار[5]، فارتفعت دائرة الاهتمام بالحدث تماشيًا مع الضغوطات التركية التي فتحت تحقيقًا جنائيًا كاملًا بالقضية إلى جانب امتثالها استراتيجية تسريب أدلة جنائية لإدانة النظام السعوي، تبنتها على عجل صحف غربية كوول ستريت جورنال وميدل إيست وواشنطن بوست ونيوريوك تايمز وهيومين رايتس ووتش أدى ذلك إلى تصدّر قضية خاشقجي مسألة الرأي العام، وظهرت على إثرها تجاذبات واصطفافات دولية بين دول رأت في القضية مناخًا مناسبًا لتوظيفها سياسيًا وأخرى جعلت من البراغماتية الاقتصادية قيمةً عليا طغت على كل قيم العدالة الدولية وقوانين حقوق الإنسان.

وعلى الرغم من كل الضغوطات على ترامب إلا أنه أصر على وضع مكاسب الصفقات كأولوية عليا فوق أي اعتبار آخر، ولم يكتم نواياه بضرورة الحفاظ على الاستثمارات وعدم السماح لروسيا والصين بالسيطرة عليها[6]، وتماشيًا مع الموقف السعودي الذي صدَّر أكثر من رواية في مقتل الصحفي خاشقجي، أكد ترامب في 15- أكتوبر/ تشرين الأول 2018م أن قتلة مارقين ربما اغتالوا خاشقجي[7]، لكنه عاد في اليوم التالي لتهديد العائلة المالكة السعودية عقب تلقّيه انتقادات لاذعة  من قبل أعضاء الكونغرس حيث أثار تصريحه مزيدًا من التفاعلات داخل الولايات المتحدة لا سيما بعد ما أعلن أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أخبره بعدم معرفته بما حصل لخاشقجي[8] . فيما لم تستقر مواقف ترامب إلا بعد إعلان النيابة العامة السعودية عن تبنيها موقفًا رسميًا في مقتل خاشقجي داخل القنصلية السعودية في تركيا[9]، حيث أعرب ترامب حينها عن ثقته بالراوية السعودية التي شددت على محاسبة المجرمين وتقديمهم للعدالة بالإشارة إلى ما بات يُعرف بالفريق السعودي الذي توجّه لتركيا قبل وقوع الحادثة والمؤلف من 15 شخصًا كانت السعودية قد وعدت بمحاسبتهم وإعدام المتورطين مقابل نفي كل التُهم الموجهة للأمير محمد بن سلمان.

وبخلاف كل الرهانات المتوقعة في تخفيف حدة العداء الغربي تجاه النظام السعودي إلا أنها لم تسفر إلا عن المزيد من الضغوط على الرئيس ترامب وصلت آخرها لاتهام مباشر من وكالة المخابرات الأمريكية سي أي إيه للأمير محمد بن سلمان بضلوعه المباشر بمقتل خاشقجي[10]، وسبب التقرير إحراجًا كبيرًا للرئيس ترامب وللنظام السعودي حتى وصل المطاف بترامب لرمي الذرائع نحو إسرائيل التي دخلت على الخط وأعلنت عن حرصها على حماية أمن المملكة السعودية والحفاظ على العلاقات التي تربطها معها في المنطقة، الأمر الذي دفع ترامب بنهاية المطاف
إلى تبني مطلب إسرائيل وأعلن بشكل علني ضرورة استقرار المملكة ونظامها حرصًا على أمن إسرائيل. وما يعزز هذا الطرح التصريح الذي أثار ضجة كبيرة أصاب العالم الإسلامي والعربي بذهول لحظة إفصاح ترامب بالقول: “لولا السعودية لكانت إسرائيل في خطر”[11]، وقد فُهم هذا التصريح في كل الأوساط السياسية أنه تعبير عن مدى أهمية ومتانة العلاقة الصلبة التي تربط إسرائيل بالمملكة، لذا فإن تركيزنا على مواقف ترامب وتفاعله في قضية خاشقجي بالتوازي مع الموقف السعودي يُظهران مدى رهان الطرفان الأمريكي والسعودي على الحفاظ على العلاقات الثنائية، فترامب يرى في بن سلمان شريكًا استراتيجيًا في تمرير سياسات بلاده وتنفيذها في الشرق الأوسط بما يتعلق باحتواء إيران وحل القضية الفلسطينية ومحاربة الإرهاب، ومع ذلك فإنه غير واضح بعد فيما إذا كان الطرفان سينجحان بالحفاظ على النواة الصلبة بينهما أمام سيل التصعيد المتواصل من الداخل الأمريكي والكونغرس ووسائل الإعلام.

لكن ثمّة سيناريوهات يمكن استشرافها لمستقبل العلاقات الأمريكية السعودية على ضوء التفاعلات المذكورة التي قد تحُدد في نهاية المطاف مصير ولي العهد محمد بن سلمان مع الأخذ بعين الاعتبار جميع التباينات داخل الولايات المتحدة.

خامسًا: مستقبل العلاقات السعودية الأمريكية

من خلال ما تم ذكره في الورقة يمكن القول إن مستقبل العلاقة السعودية الأمريكية ستدخل مرحلةً جديدة سواء استمر الأمير محمد بن سلمان في سدة الحكم أو غادرها ولعل سبب ذلك مرده إلى الصراع في الداخل الأمريكي التي ترى بعض مؤسساته إلى أن العلاقات السعودية الأمريكية لا تُختزل بشخص الأمير محمد بن سلمان على اعتبار أنها علاقات صلبة طويلة الأمد وتمتد لأكثر من تسعة عقود وأصحاب هذا الرأي هم أعضاء الكونغرس الذين يشكلون كتل متعددة ويطمحون إلى إغلاق عدة ملفات في منطقة الشرق الأوسط كحرب اليمن لذا يقومون بالضغط على السعودية من خلال ملف خاشقجي. بالمقابل فإن وزير الخارجية مايك بومبيو يُمثل موقف ترامب والبيت الأبيض وهؤلاء يرون أن مستقبل  العلاقات الثنائية مرتبطة بشخص الأمير محمد بن سلمان بناءً على الخط الساخن المفتوح مع ولي العهد محمد بن سلمان.

لذا فالسيناريوهات المتوقعة تُحدَّد كما اللآتي:

1_ سيناريو الإطاحة بولي العهد بن سلمان

يتبنى هذا الخيار كتل متعددة داخل الكونغرس والتي تضغط على إدراة ترامب للإطاحة بالأمير محمد بن سلمان وتعيين خلف له يضمن الحفاظ على المصالح الأمريكية السعودية، ذلك لأن أصحاب هذا الرأي يرون في بن سلمان شخصًا غير قادر على ضمان أمن المملكة ويحملونه المسؤولية عن زعزعة أمن الخليج والمنطقة برمتها كالأزمة اليمنية وحصار قطر التي أعطت مؤشرات لانهيار البيت الخليجي ما قد يُشكل خطرًا على المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، وترى أيضًا في بن سلمان شخصًا غير كفؤ لتنفيذ روية 2030 في دعم الديمقراطية داخل المملكة مستندين بذلك على أن بن سلمان فشل في حملات الفساد والنمو الاقتصادي واتجه لتكريس سلطته على حساب أصحاب الرأي و اعتقال الدعاة وانتهاك حقوق الإنسان.

وعليه فإن معتنقي هذا الخيار يستمرون في ممارسة الضغوطات على إدارة ترامب للوصول إلى غياتهم والتي تتطلب في نهاية المطاف تفاهمات مشتركة ونيل رضى إسرائيلي. وتحقيق هذا الغرض قد يكون من داخل المملكة السعودية عبر ضغط خارجي لإجبار بن سلمان على التنحي من دون إحداث اضطرابات تنعكس سلبًا على أمن واستقرار المملكة، إلا أن هذا الخيار مستبعد بالنظر إلى المعطيات وتداعيات قضية خاشقجي المتصاعدة والتي يتم الدفع بها باتجاه عدم تنفيذ هذا المطلب من قبل إدارة ترامب وإسرائيل.

2_ سيناريو بقاء بن سلمان في سدة الحكم

في مقال لوزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو نشرته صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية بعنوان الشراكة السعودية الأمريكية الحيوية[12] في 28- نوفمبر/تشرين الثاني 2018م قال فيه: “إن السعودية قوة كبيرة لأمن واستقرار المنطقة وإن تقليل العلاقات الأمريكية السعودية سيكون خطأً مميتًا لأمن الولايات المتحدة وحلفائها، وأشاد الوزير بجهود ولي العهد بن سلمان في محاربة الإرهاب ونفوذ إيران وطالب منتقدي التحالف السعودي الأمريكي بإعادة النظر بآرائهم”.

اللافت في هذا المقال أنه جاء بعد كل العواصف السياسية والضغوطات التي مُورست على إدرة ترامب بُغية تغير موقفه تجاه بن سلمان، ما يرشح مضي إدارة ترامب بالحفاظ على بقاء ولي العهد في سدة الحكم بدعوى الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية التي حصرها الرئيس بإدراة ولي العهد بن سلمان.

ويُعد هذا الخيار هو المُرجح على المدى المتوسط والبعيد لما يحمل رواده من عناصر قوة بالاعتماد على اللوبيات الصهيونية داخل دوائر المؤسسات الأمريكية والتي تدفع باتجاه حماية وضمان أمن الولايات المتحدة وإسرائيل عبر ضمان أمن واستقرار المملكة العربية السعودية، فيما قد يتطلب هذا الخيار تمييع تداعيات قضة خاشقجي وتسييسها للرمق الأخير وتعزيز مكانة صورة ولي العهد بن سلمان مع إجراء بعض التعديلات المستقبلية داخل الأسرة الحاكمة كمحاولة لامتصاص غضب الشارع العربي، وعليه قد نشهد تعديلات كثيرة داخل الأسرة الحاكمة قد تطال كل الشخصيات النافذة في البلاط الملكي إلى جانب فرض عقوبات اقتصادية، لكن هذا لن يقود إلى نجاح هذا الخيار إلا عبر طي كامل لملف خاشقجي إما بتحميل المسؤولية لشخصيات وجهات أخرى أو بصفقات دولية سياسية بين الدول الفاعلة والمباشرة.

خاتمة

إن مسار العلاقات التاريخية الأمريكية السعودية دخل منعطفًا هامًا في تاريخ البلدين على ضوء تداعيات قضية خاشجقي التي تعد واحدة من أكبر مسائل الأزمات السياسية الخارجية، وعلى الرغم من أن هذه العلاقة تعرضت سابقًا للكثير من الصدمات التي تم امتصاصها إلا أنها تقف اليوم على مفترق طُرق لأنها تختلف عن كل ما حدث قبلها نظرًا لحجم التناقصات داخل أجنحة الولايات المتحدة، والأزمات الداخلية التي تلف بحبلها حول عنق الرئيس ترامب والذي يعاني أساسًا من أزمة ثقة داخلية. ومهما حصل في مسألة خاشقجي فقد يتحمل الرئيس ترامب مستقبلًا عواقب السياسة التي انتهجها في إدارة مسألة خاشقجي وقد تُضاف قضية خاشقجي إلى ملف الاتهامات التي تُحاك ضده من قبل معارضيه داخل الكونغرس. وعلى صعيد بقية المؤسسات داخل الولايات أيضًا ستتحمل هي الأخرى عواقب تداعيات القضية على مستقبل العلاقة السعودية الأمريكية بعد نهاية ولاية ترامب ذلك لأنه من المعروف أن السياسات الأمريكية تُصنع من قبل كل المؤسسات وليست محصورة بمقام الرئاسة.

ومن خلال تأكيدنا على محطات العلاقات التاريخية وإيضاح التداعيات على ضوء التفاعلات في قضية خاشقجي من المؤكد أن العلاقات لن تقود إلى قطيعة فعلى صعيد المملكة ومن خلال ترجيحنا بقاء ولي العهد في سدة الحكم بناءً على المعطيات المذكورة في هذه الورقة سيترتب على المملكة أيضًا عواقب أشد وطأة من حليفتها أمريكا أهمها على الصعيد الاقتصادي حيال استمرار معادلة النفط مقابل الحماية ما يعني هدر المزيد من ثروات المملكة وإضعاف مكانتها المركزية كقوة مركزية ضابطة لأمن المنطقة وقوة روحية باسم بلاد الحرمين لأكثر من مليار ونصف الميار مسلم والذين باتوا ينظرون إلى أن المملكة العربية السعودية باتت مستهدفة لعزلها عن محيطها السني عن بقية دول النطاق العربي السني.

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز برق للاستشارات والدراسات المستقبلية 

جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للاستشارات والدراسات المستقبلية © 2018

[1] https://bit.ly/2TMHuMO

المرسال، قصة طائرة الداكوتا أول هدية من رئيس أمريكي لملك سعودي، ن- بتاريخ 22-3-2018م شوهد بـ 25- نوفمبر/ تشرين الثاني 2018م

[2] السعودية الهيئة العامة للإحصاء ، احصاءات التجارية الخارجية، شوهد بـ 25- نوفمبر/ تشرين الثاني 2018م

[3] https://bit.ly/2RbWLoH

الخليج الوطن التبادل التجاري بين أمريكا والسعودية ، ن- بتاريخ 2- مارس 2018م شوهد بـ 25- نوفمبر/ نشرين الثاني 2018م

[4] https://bit.ly/2KwdIHG

ستيفن كوك، نون بوست، لماذا أصبحت أمريكا مجبرة على حفظ علاقاتها مع السعودية، ن – بتاريخ 27-  شباط / فبراير 2017م، شوهد بـ 26- نوفمبر/ تشرين الثاني 2018م

[5] https://bit.ly/2vOeo32

الجزيرة، السعودية وأمريكا توقعان اتفاقيات بقيمة 460مليار دولار، ن- بتاريخ 20-5- 2017م شوهد بـ 27- نوفمبر/ تشرين الثاني 2018م

[6] https://bit.ly/2Q4nmaQ

TRT عربي، ترامب لا أريد أن أخسر الاستثمارات مع السعودية، ن- بتاريخ 22-أكتوبر 2018م شوهد بـ 28 نوفمبر / تشرين الثاني 2018م

[7] https://bit.ly/2yGUIkx

رويترز، ترامب قتلة مارقون ربما كانوا وراء اختفاء خاشقجي، ن- بتاريخ 15- أكتوبر 2018م شوهد بـ 28- نوفمبر/ تشرين الثاني 2018م

[8] https://bit.ly/2Az1CZM

رويترز، ترامب بن سلمان نفى علمه بما حصل للخاشقجي، ن- بتاريخ 16- أكتوبر، شوهد بـ 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018م

[9] https://bit.ly/2DZNDjT

يوت يوب، التلفزيون السعودين يذيع بيان النائب العام السعودي حول مقتل الخاشقجي، شوهد بـ 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018م

[10] https://bit.ly/2qRwIHF

بوابة الشرق، المخابرات الأمريكية تقلب الطاولة على بن سلمان، ن- بتاريخ 17-11- 2018م شوهد بـ 28- نوفمبر/ تشرين الثاني 2018م

[11] https://bit.ly/2FH9dvp

الجزيرة، ترامب لولا السعودية لكانت اسرائيل في ورطة كبيرة، ن- بتاريخ 22-11- 2018م شوهد بـ 28- نوفمبر 2018م

[12] https://bit.ly/2zurDtN

موقع مصرواي نقلًا عن وول ستريبت جورنال، بومبيو شراكتنا مع السعودية حيوية، ن- بتاريخ 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018م  شوهد بـ  28 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق