الاصداراتمشاهد

ما بين تشكيل الحكومة وعودة نشاط تنظيم الدولة داعش

بعد اشتداد الجدل السياسي في الساحة العراقية على خلفية تشكيل الحكومة بقيادة رئيس الوزراء المكلف مصطفى الكاظمي بعد مخاض عسير لنيل الثقة، بسبب الاستقطاب السياسي بين القوى السياسية التي هدد بعضها بعرقلة عمل الحكومة بعدم منحها الثقة([1])، تمكن تنظيم الدولة داعش من استثمار بيئة الفوضى في البلاد ليعود مجددًا خلال الفترة الماضية إلى النشاط، بعد أن انحسرت عملياته بشكل كبير، حيث شن التنظيم عدة عمليات استهدفت مقار وقوى أمنية وعناصر من الحشد الشعبي، وتركزت في المنطقة الشمالية الشرقية من العراق، في محافظات ديالى وصلاح الدين وكركوك والأنبار. وتشير المعلومات إلى وجود نحو خمسة آلاف من عناصر تنظيم الدولة داعش، تمكنوا من إعداد شبكة متكاملة من الأنفاق في تلال حمرين والمناطق الوعرة من العظيم وأيضا في مناطق النفطخانة وجلولاء وخانقين. وهم يتحركون في المناطق الوعرة بين ديالى وصلاح الدين وكركوك، مستفيدين من الطبيعة الجغرافية الوعرة لتلك المناطق وأيضًا من وجود عشرات القرى المهجورة والمدمرة بسبب العمليات العسكرية التي تم شنها ضد التنظيم في وقت سابق([2]).

وقد ارتفع مستوى الهجمات الإرهابية التي تم شنها من التنظيم، حيث بلغت ما يقارب 90 عملًا إرهابيًا أواخر نيسان/أبريل، مستخدمين فيها الأسلحة المتوسطة والقذائف، ما يشير إلى تمكنه من الحصول على عتاد وإمداد لوجستي جديدين، وهو ما أكدته مصادر حكومية عراقية عندما أوضحت أن “فيلق القدس الإيراني نقل بالتنسيق والتعاون مع مليشيات الحشد الشعبي خصوصًا مليشيات كتائب حزب الله العراقي وعصائب أهل الحق وبدر منذ نهاية آذار/مارس الماضي المئات من مسلحي تنظيم الدولة داعش من الأراضي السورية إلى العراق في جزيرة البعاج وأطراف سنجار وتلعفر شمال وغرب الموصل، أما المجاميع الأخرى فتمركزت في صحراء الأنبار، فيما نقلت مليشيات كتائب حزب الله العراقي قسمًا آخر منهم إلى محافظة ديالى وأطراف كركوك ومحافظة صلاح الدين، وزودتهم بكل أنواع الأسلحة التي سيحتاجونها لتنفيذ عمليات إرهابية في العراق”([3]). ما يثير التساؤل حول وجود علاقة بين دعوات حل ميليشيات الحشد الشعبي التي انتهت مهمتها بإنهاء التنظيم سابقًا، وبين عودة الأخير إلى النشاط مجددًا([4]).

استراتيجيات التنظيم الجديدة

بعد الهزائم التي مني بها تنظيم الدولة في العام الماضي، أطلق حملة بعنوان (والنتيجة الأفضل يحققها الصالحون) بهدف إعادة تأكيد الولاء للتنظيم من قبل مختلف الجماعات التابعة له. وحصلت الحملة على دعم من الفروع الأساسية في العراق وسوريا وكذلك من المناطق النائية والداعمين في أفغانستان وأذربيجان وبنغلاديش والشيشان وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومصر وليبيا وموزمبيق ونيجيريا والفلبين والصومال، وتونس وتركيا واليمن.

وبعد مقتل البغدادي، أطلق تنظيم داعش حملةً مشابهة من المقالات التصويرية التي أظهرت مناصريه في مختلف البلدان يبايعون القائد الجديد. وشملت الحملة هذه المرة فروعًا في أفغانستان وأذربيجان وبنغلاديش وبوركينا فاسو والكونغو ومصر وإندونيسيا والعراق وليبيا ومالي وموزمبيق ونيجيريا وباكستان والفلبين والصومال وسوريا وتونس واليمن. ما أظهر أن توجهًا جديدًا سوف يسلكه التنظيم يطور عبره استراتيجياته وخططه للعودة إلى الفاعلية([5]).

وعليه تحاول قيادة تنظيم الدولة الجديدة اتباع سياسة عسكرية تتناسب مع ظروف المرحلة الحالية التي يمر بها، خاصة ضمن مناطق وجوده في سورية والعراق، هذه الاستراتيجية تختلف في مناطق سيطرة النظام السوري والعراقي عنها في مناطق وجود التحالف الدولي وحليفه قسد، ففي مناطق وجود نظام الحكم في سوريا والحكومة العراقية، يحتفظ التنظيم بوجود عسكري واضح المعالم، فهو يتمركز في مجموعات منتظمة في صحراء الأنبار الغربية ومناطق البادية الوسطى في سورية، كما يتحرك مقاتلوه بين جانبي الحدود السورية- العراقية بشكل مستمر.

وتقوم استراتيجية التنظيم الحالية في هذه المناطق على محاولة إعادة ترتيب صفوفه، واستقطاب المزيد من العناصر المقاتلة لتعويض حالة النقص البشري داخل التنظيم، بينما يتميز عمله العسكري الحالي على اتخاذ شكل حرب العصابات والضربات الخاطفة الموجهة، فالتنظيم يبتعد عن الهجمات المستمرة لعدم قدرته وكذلك يتجنب إيجاد أماكن سيطرة مستمرة في المدن أو أريافها كنقاط تمركز، ليجنب نفسه الاستهداف بالمعارك المباشرة، والتي يعجز أعداء التنظيم عن تحقيقها في الأماكن الصحراوية.

أما في مناطق سيطرة قسد، فالتنظيم يبتعد عن الوجود التنظيمي على الأرض لاستحالته مع وجود التحالف الدولي وطائراته، ويعتمد بدل منه على العمل السري الأمني للقيام بعمليات إرهابية خاطفة، مثل الاغتيالات وتفجير الآليات المفخخة التي تستهدف العنصر البشري المعادي له([6]).

كما أن العمل الأمني تقوم به شبكات أمنية مرتبطة بالتنظيم، مؤلفة من خلايا سرية من مبايعيه، لم يكشف عنهم بعد، وقد تم إعدادها للعمل في ظروف الصراع السلبية، كما أن بعض عناصر التنظيم، ممن استسلموا وأعلنوا تبرؤهم منه، ما زالوا يقدمون الدعم لهذه العمليات، وتمكن عناصر مطلوبون من التواري والاختباء في مناطق سيطرة التنظيم السابقة، بمساعدة الخلايا النائمة، ويشكل أولئك، الجهاز السري الضارب، الذي يعتمد عليه داعش في شن حرب أمنية طويلة الأمد([7]).

من جهة أخرى وحول معدل نشاط التنظيم، فمنذ سقوط الباغوز في آذار/مارس 2019 وحتى 19 آذار/مارس 2020، أعلن تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عن أكثر من 2000 هجوم في العراق وسوريا. وفي سوريا ادّعى قيامه بـ 973 هجومًا في المحافظات التالية وفق ما يلي: (580 دير الزور، 150 الرقة، 141 الحسكة، 48 حمص، 33 درعا، 16 حلب، 4 دمشق، 1 القنيطرة، 452 ديالى، 171 كركوك، 146 بغداد، 138 نينوى، 133 الأنبار، 71 صلاح الدين، 32 بابل)([8]).

شكل رقم (1) خارطة العمليات داعش بين آذار/مارس 2019-آذار/مارس 2020

المصدر: معهد واشنطن للدراسات

خيارات مواجهة التنظيم في ظل اشتداد الأزمة الداخلية

لا يبدو أن الحكومة العراقية قادرة مجددًا على تنظيم صفوفها لمواجهة أي عودة قوية محتملة لداعش، لكن بالمقابل فقد تجد قوات الحشد الشعبي هذه المرحلة فرصة لإعادة إثبات قوتها بعد الضربات والنكسات المتكررة التي تعرضت لها، لذلك فإن إعلان التعبئة والجاهزية لقتال التنظيم سيكون خلطًا للأوراق من قبل الميليشيات عدا عن أنه سيعرقل إلى حد ما من عمل الحكومة الجديدة بقيادة الكاظمي، وحينها ستكون هناك عودة للمربع الأول لكن الفارق الوحيد أن قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لن تكون مساندة على الأرجح لقوات الحشد في مواجهة التنظيم. كما أن ذلك يبقى مرهونًا أيضًا بقدرة القوات العراقية على إعادة هيكلة نفسها بما يتلائم مع قرار حيدر العبادي رئيس الوزراء السابق بدمج الحشد الشعبي في صفوف القوات النظامية ولا يبدو أن هذا الأمر وارد الحدوث على الأقل في المدى المنظور بحكم تمرد ميليشيات الحشد وسيطرتها الأمنية على عدة مفاصل في البلاد وأهمها منطقة أو قطاع غرب الأنبار، التي تشير إلى القسم الكبير من الحدود السورية العراقية بين معبر الوليد الحدودي وقضاء القائم، ولهذه المنطقة أهمية كبيرة بالنسبة لميليشيات الحشد إذ تضم الطريق السريع دمشق-بغداد، وكذلك طرق الالتفاف في منطقة عكاشات وصولًا إلى أنظمة الطرق السريعة شمال التنف. وتتسلم تلك المنطقة بشكل رئيسي ألوية أنصار الله الأوفياء (اللواء19)، ولواء الطفوف (اللواء 13)، وسرايا طليعة الخراساني (اللواء 18).

تجدر الإشارة إلى أن قاسم مصلح، آمر (لواء الطفوف) يقود أيضا ً قطاع غرب الانبار وهو المقر الرئيسي لكافة عمليات “قوات الحشد الشعبي” وهناك مقر في القطاع الفرعي في الرطبة، على الطريق السريع بغداد-دمشق. ويسيطر لواء الطفوف بالتعاون مع كتائب حزب الله على جميع عمليات التهريب والتجارة في المعابر الحدودية. وتدعم عناصر “كتائب حزب الله” كل من قوات الحماية على طول الحدود، وتقيم نقاط تفتيش أيضا على نقطة دخول الحصيبة، حيث الطريق الحدودي الطريق السريع 20. وتسيطر “كتائب حزب الله على نقطة دخول الحصيبة، حيث تقوم بتهريب آلياتها العسكرية للدخول إلى العراق والخروج منه دون تفتيشها على يد الجمارك. ويجري تنسيق العمل على معابر عكاشات الحدودية – حيث لا توجد عناصر تابعة للجمارك – عبر قاعدة تابعة لكتائب حزب الله “في قاعدة إتش-3 الجوية بالقرب من الرطبة([9]).

بالتالي فإن عملية مواجهة التنظيم لن تكون أمرًا سهلًا بالنسبة للأوساط العراقية المعنية بذلك وسوف يتم استثمار هذا الأمر سياسيًا وأمنيًا بالنسبة لتيارات وقوى معينة تهدف للعودة بقوة مجددًا إلى دائرة صناعة القرار الأساسية في البلاد، خصوصًا بعد موجة الاحتجاجات الكبيرة التي حصلت ومازال بعضها قائمًا ضد السياسات الحكومية لذلك فإن عودة تنظيم الدولة داعش ستتيح لقوى عدة تصدر المشهد من جديد.


([1]) “جلسة وشيكة بالبرلمان العراقي للتصويت على حكومة الكاظمي”. الحرة، 5-5-2020. https://arbne.ws/3dvIy0F

     “الحكومة العراقية الجديدة في مواجهة إرث ثقيل”. مركز الروابط للدراسات، 7-5-2020. https://bit.ly/2zmKVDS

([2]) “عودة داعش”.. هل ستستطيع القوات العراقية مواجهة التحدي؟”. الحرة، 5-5-2020. https://arbne.ws/2WbE5KF

([3]) “داعش” في العراق من جديد بأسلحة إيرانية”. شبكة العين الإخبارية، 21-4-2020. https://bit.ly/2WAaw4f

([4]) “مخاوف من عودة داعش إلى العراق فى ظل تفشى كورونا.. فورين بوليسى: التنظيم الإرهابى سيستغل انشغال أمريكا وحلفاءها بالوباء للعودة للعراق.. والعراقيون يخشون من تحول بلادهم إلى ساحة للمعارك مرة أخرى”. اليوم السابع، 8-4-2020. https://bit.ly/3fud3FW

([5]) “بعد عامٍ على باغوز، لم يُهزم تنظيم «الدولة الإسلامية» ولم يعاود الظهور (بعد)”. معهد واشنطن للدراسات، 25-3-2020. https://bit.ly/2LeqUlD

     “المشهد العراقي: احتمالات عودة نشاط تنظيم الدولة بعد البغدادي”. مركز برق للسياسات، 27-1-2020. https://bit.ly/35Fni5D

([6]) “داعش” في العراق: عودة تسابق محاولات الوصول إلى زعيمه”. العربي الجديد، 20-4-2020. https://bit.ly/2SG7udG

([7]) “How ISIS Is Restructuring and Repositioning”. Chatham House, February 2020. https://bit.ly/3fv7RS4

       ” After Latest Turn, Is Muqtada al-Sadr Losing Influence in Iraq?, Chatham House, 12-2-2020. https://bit.ly/35JbPSD

([8]) انظر المرجع رقم (4).

([9]) “توسّع الميليشيات التابعة لإيران في العراق: “الجماعات الخاصة” الجديدة”. معهد واشنطن للدراسات، آب/أغسطس 2019. https://bit.ly/3b9BFjP

     “الميليشيات الشيعية في العراق وسوريا ولبنان ما بعد سليماني”. معهد واشنطن للدراسات، 30-1-2020. https://bit.ly/35MjVKs

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق