الاصداراتمقالات

ماقبل الثورة.. ومابعد الانقلاب

 

000

 

توصيف عبد الله القصيمي للعرب بأنهم (ظاهرة صوتية) يعني أيضاً أنهم ظاهرة (شكلانية). فكثيراً ما يتنازعون على المصطلحات دون الالتفات إلى مضامينها أو أهدافها ونتائجها. وقليلة هي الكتابات التحليلية التي حاولت تجاوز الثنائيات والخروج بخيار ثالث. من هذه الكتابات مقال لميساء شجاع الدين بعنوان (احتجاجات الثلاثين من يونيو .. استحالة الثورة وصعوبة الانقلاب) حاولت التوفيق بين الانقلاب والثورة والخروج بفهم موضوعي لما حدث.

ومن الكتابات غير العربية مقال لتوماس فريدمان بعنوان (الثورة المصرية) كتب فيه:

“من أجل فهم سبب اندلاع التحركات الشعبية المعارضة للإخوان المسلمين .. من الأفضل تجنب لغة السياسة (هل كان انقلابا عسكريا؟ هل كانت ثورة شعبية؟) والتركيز بدلا من ذلك على لغة القانون والنظام”. ثم ذكر سبب رئيسي هو “سرقة” الإخوان للثورة.

عندما نقول بوجود خيارات أخرى غير (أهون الشرين، مع أو ضد، ثورة أو انقلاب) فإننا نقصد وجود خيار أهم وهو الخيار النقدي. وهو خيار ليس برسم البيع ولا القطف. قد يكون بهذا المعنى (حياد إيجابي) لا يتضمن الوقوف بين الخيارين بالتأمل الصامت. وقد يوصف في محصلته النهائية بأنه (مع) أو (ضد) إحدى هذه الثنائيات، لكن ليس على نحو مباشر أو مطلق أو من أجل اتخاذ موقف، وإنما من أجل تحسين شروط نجاح الخيارين، خصوصا تلك الشروط النقدية التي ترتبط بالثورات، مثلما فعل أدونيس في موقفه النقدي لكل من النظام والثورة أو المعارضة، مع تحفظنا على موقفه الحقيقي من كليهما.

عندما يعجز المواطن العادي عن رؤية هذا الخيار أو المسار النقدي فلا لوم عليه. اللوم يقع على أولئك الذين يقتاتون على هذا المسار، كُتاب، صحفيون وساسة، وخصوصا المتخصصون في النقد والتحليل السياسي الذين يخوضون منذ زمن معركة شرسة بين مؤيد ومعارض.

عندما يعجز هؤلاء عن تطوير مفاهيم جديدة لوصف ما يحدث من متغيرات سياسية ويكتفون باستخدام المتداول البائد من المصطلحات -ثورة أو انقلاب -فهم يضعون أنفسهم في مرتبة رجل الشارع العادي الذي لم تتوفر له الثقافة النقدية اللازمة لوصف ما يدور فيجد نفسه مجبراً إما على الانحياز المطلق أو الصمت.

والانحياز المطلق والمباشر يعني الانتصار للخيار التحريضي أو لـ (الحب الأعمى). وعندما يقع في هذا الفخ أساتذة يحملون درجة الدكتوراه في العلوم السياسية، فهذا لا يعني التشكيك في صحة شهاداتهم الأكاديمية الورقية، بقدر ما هو تشكيك في قدراتهم التحليلية إن لم نقل في قدراتهم العقلية على التفكير والتطوير.

الشحن السياسي لا يختلف عن الشحن الطائفي إلا في كونه شحن مؤقت أو مرحلي، وهذا ما يمارسه بعض المنتمين للطوائف السياسية ذات الخلفيات العقائدية أو الأيديولوجية من الطرفين الإسلامي/ الإخواني والعلماني. كما يمارسه بعض المستفيدون ماديا أو معنويا من هذه الطوائف السياسية.

قلنا بوجود انقلابات تتحول إلى ثورات، عندما تنجح في تحقيق إنجازات اقتصادية واجتماعية وثقافية. وهناك ثورات تتحول إلى انقلابات عندما تفشل في تحقيق تلك الإنجازات. وهذه محاولة للخروج من مأزق الثنائيات. والسبب ليس فقط لتغير أو تطور مفهوم الثورة والانقلاب، وإنما أيضاً بسبب النظر إلى الهدف أو النتيجة المنشودة من وراء هذين المفهومين.

يمكن الاحتجاج بأن كل الانقلابات السابقة – للربيع العربي -كانت تنشد تحقيق تلك الإنجازات. لكن أياً من تلك الانقلابات لا تنطبق تماماً على الحالة المصرية، لسببين رئيسيين، أولاً: لأن الانقلابات السابقة على السلطة كانت تسعى منذ الوهلة الأولى للسيطرة عليها، وثانياً لأنها حدثت بدافع شخصي/فردي ودون تفويض شعبي.

وهنا علينا العودة لتاريخ الانقلابات العسكرية وتحديداً في بلد مثل موريتانيا من أجل التفريق بين نوعين من الانقلابات، فالانقلاب الذي قام به أعلى ولد محمد فال (في 3 أغسطس/آب 2005) ضد نظام معاوية ولد الطايع ثم سلم السلطة طواعية إلى رئيس منتخب هو سيدي ولد الشيخ عبد الله، ليس كالانقلاب الذي قام به كل من محمد ولد عبد العزيز ومحمد ولد الغزناوي سنة 2008 ضد رئيس منتخب هو سيدي ولد الشيخ عبد الله بسبب إقالته لهما.

المؤشرات الأولية لانقلاب السيسي كانت تشير لوجود تشابه مع انقلاب فال مع فارق مهم هو دعم الانقلاب العسكري بانقلاب مدني قام به قطاع كبير من الشعب المصري. وهنا يتبادر سؤال: ماذا لو كان المشير طنطاوي انقلب أو تدخل في ثورة 25 يناير، هل كانت ستسمى ثورة أم انقلاب؟!

ليس مهماً في هذا السياق توصيف ما حدث في 3 يوليو بأنه ثورة أو انقلاب، الأهم هو الحديث عن أسباب خروج الشارع في 30 يونيو ثم السؤال: هل كان تدخل الجيش هو الخيار أو المخرج الوحيد المتاح أم كان هناك خيارات أخرى، والأهم النظر في هدف أو نتيجة ما حدث، خصوصاً على المدى البعيد. فكل ثورة أو انقلاب هو، من وجهة نظري، محاولة تغيير قد تتحول إلى ثورة بما تنجزه لاحقاً، أو إلى انقلاب حين تفشل في تحقيق تلك الإنجازات. بعبارة أخرى، كل انقلاب أو ثورة هو تغيير تكتيكي مرحلي مرتبط بأهداف استراتيجية، والتاريخ أو الزمن وحده هو من يثبِّت أحد المفهومين: ثورة أو انقلاب. وأداء السيسي حتى الآن يبين أن انقلابه نسخة من انقلاب 2008 في موريتانيا. انقلاب لم يهدف لتسليم السلطة للشعب عبر انتخابات ديموقراطية ولا لتحويل الانقلاب إلى ثورة وإنما للاحتفاظ بالسلطة، وليس أدل على ذلك من اتباع نفس سياسة مبارك في اتخاذ الإخوان بعبع للبقاء في السلطة.

باستثناء ثورات التحرر من المستعمر الأجنبي، يمكن القول بأن أغلب الثورات العربية التي سبقت “الربيع العربي” لم تكن سوى انقلابات. نستثني منها انقلاب 23 يوليو 1952 في مصر الذي تحول إلى ثورة بما حققه من إنجازات على الصعيد الوطني والقومي. أما فيما يتعلق بثورات “الربيع العربي” فلم تكن سوى مشاريع ثورات تم إجهاضها أو سرقتها من قبل قوى الداخل أو الخارج.

خروج بضعة آلاف إلى الشارع في الدول الديموقراطية يبعث برسالة قوية مفادها أن المواطنين يريدون تغييراً. ولإقناع الرئيس مرسي بأن أعداد من خرجوا للشارع أكثر من هذا الرقم بكثير، تم تصوير الاحتجاجات من الجو. لكن الرئيس مرسي ظل على موقفه، ربما لأنه شاهد بعين واحدة عدد الملايين المؤيدة له، ولم يشاهد بالعين الأخرى أعداد المعارضين لسياساته بمن فيهم أولئك الذي أسهموا في فوزه في الانتخابات. وهو بذلك صار مبارك ثانٍ، حين قدَّم مصلحة الجماعة على مصلحة المجتمع، واستمد شرعيته كمبارك – وغيره من الحكام العرب – بالاستقواء بالخارج.

أرى أنه لا أهمية كبيرة للمفاضلة أو المقارنة بين أعداد من يخرجون تأييدا أو معارضة لرئيس ما منتخب، الأهم هو أن أي رئيس يصبح محل خلاف أو نزاع، يمكن أن يؤدي إلى عدم الاستقرار، فإن حسم هذا الخلاف تحدده آليات الديموقراطية المعمول بها في كثير من الدول والمجتمعات الديموقراطية، وهو الدعوة إلى انتخابات مبكرة، أو الانسحاب من المشهد السياسي عند من يفهمون بالإشارة من استطلاعات الرأي العام، ولنا في هذا السياق أمثلة تاريخية كثيرة لا داعي لسردها هنا.

لا شك في أن الإخوان قد درسوا كافة السيناريوهات الممكنة وأفضلها لصالح (الجماعة) وتوصلوا إلى أن الوضع الحالي، الذي يصورهم كضحايا ومظلومين، هو الأفضل بالنسبة لجماعتهم وعشيرتهم.  لذلك لم يقم الرئيس مرسي/الإخوان بإقالة وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي لعلمهم بأن قرار كهذا سيزيد من غضب الشارع ضدهم وسيضيف دليل إضافي على رغبتهم في الاستحواذ على كل مفاصل السلطة.

رفض الرئيس مرسي والإخوان الدعوة لانتخابات مبكرة، ربما يعود لاعتبارهم أو لاعتقادهم بأن شرعية صناديق الاقتراع شرعية مقدسة تنتهي قداستها فقط عندما تنتهي عدة الولاية، وينسون بذلك أن صاحب الصندوق هو من خرج ضدهم.  ثم لعلمهم المسبق بأنهم سيخسرون في هذه الانتخابات كون كثير ممن خرجوا ضدهم كانوا ممن انتخبوا مرسي. لذلك فضلوا الركون على خيار الدعم الخارجي لهم ودعم أنصارهم في الداخل.

قلنا، في أثناء الأحداث، أن انقلاب الجيش لم يكن تقويضاً للشرعية الديموقراطية وإنما تأكيداً للشرعية الثورية والشعبية. وقد رأى هيكل في تأخر بيان الجيش 4 ساعات عن موعده، تأخراً مخيفاً لا يتفاعل مع أحداث الشارع التي سبقته. لكن إذا كانت أعداد الخارجين ضد مرسي كبيرة إلى القدر الذي يسمح بتسميتها ثورة فلماذا تحتاج الثورة الشعبية إلى تدخل عسكري؟ وكمراقبين يمكن أن نسأل:

هل تدخل الجيش شوه من قيمة الثورة؟

الذي حوَّل الثورة إلى انقلاب هو التدخل العسكري والذي رسخ مفهوم الانقلاب هو أداء السيسي في الحكم حتى الآن. المراقبون من الداخل يقولون إن أسباب تدخل الجيش في مسار الثورة هو فشل المشاورات مع مرسي والإخوان ووصولها إلى طريق مسدود، وإصرار هؤلاء على الاحتفاظ بالسلطة مهما كلف الأمر من تضحيات، ومهما كان عدد الملايين المعارضة. من هنا رأوا أن المزيد من الانتظار ليس في صالح مصر، ومن هنا قال السيسي بأن تدخله كان لدواعي وطنية وليس لدواعي سياسية. وقد أثبتت الأيام عدم صحة ما قاله السيسي.

الكاتب ياسر رزق (رئيس تحرير المصري اليوم، الذي أبعده الإخوان عن رئاسة تحرير الأخبار) كتب، قبل 30 يونيو، مخاطباً مرسي بأنه سيدخل التاريخ كأول رئيس لمصر حوَّل الثورة إلى انقلاب عسكري، لكن الرئيس مرسي والإخوان كانوا مصرين على رؤية جزء من الصورة يتناسب مع الطابع الذي اتبعوه طوال مسارهم السياسي، والسؤال:

هل أن ما حدث في مصر سيعتبر مناسبة لمراجعة كافة القوى لمسارها السياسي والفكري؟ وماذا بعد الانقلاب و/أو الثورة؟

من خلال تأمل أداء النخب الليبرالية والعلمانية في مصر, قبل الثورة وبعدها, يمكن الحكم بفشلهم في إدارة المرحلة ما بعد الانتقالية, لأسباب كثيرة, منها عدم قدرتهم على التنظيم, لدرجة لم يستطيعوا فيها تنظيم خطاب إعلامي يحظى بقبول واحترام كافة الأطياف, و ضعف تواصلهم مع الشارع, ولهذا يبقى العسكر البديل الوحيد القادر على الإمساك بزمام أمور السلطة حتى تنضج كافة القوى إلى مستوى من الوعي السياسي والديموقراطي يعي متطلبات ما قبل الثورة وما بعدها ويمنع العسكر من الانقضاض على السلطة مجدداً.

للتحميل من هنا

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز برق للأبحاث والدراسات

جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للأبحاث والدراسات © 2016

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق