الاصداراتترجمات

لبنان: كيف وصل به الحال إلى هنا؟

“وقتها كانت الحرب بعيدةٌ، لكن ظلّها يظهر من حين لآخر، غالبًا على شكل هجومٍ إسرائيلي وردٍ من حزب الله، ذلك ضمن لعبة الطرفين في كره بعضهما، وعليه فكلٌّ من حزب الله وإسرائيل موجودٌ بناءً على وجود الآخر، فأحيانًا كان الحزب هو الذي يحدّد مواقعه عندما يطلق النار على الجانب الإسرائيلي من الحدود، وفي بعض الأحيان أيضًا كانت إسرائيل هي من توعز لحزب الله أن يطلق النار عليها”.

تشهد اليوم بلاد الأرز أزمةً سياسيةً واجتماعيةً خطيرة، كان بالطبع لهذه الأزمة أسبابها ذات التسلسل التاريخي، ثم تفاقمت ربطًا بالانفجار الرهيب في بيروت وبفيروس كورونا.

“لبنان ليس بلد تَسوّل”

ليديا سمربخش، عضو اللجنة التنفيذية الوطنية للحزب الشيوعي الفرنسي، والمسؤولة عن الشؤون الدولية.

ينوي إيمانويل ماكرون اتباع الخط المهين لأسلافه، من نابليون الثالث حتى يومنا هذا، الذين جعلوا من لبنان “دولةً ذات سيادةٍ مشروطة”، ذلك على حدّ تعبير الخبير الاقتصادي اللبناني جورج قرم.

لذلك تتحمّل فرنسا مسؤوليةً كبيرة عن المصير المأساوي للبنان، حيث شكّلت الخصومات الإمبريالية دولة لبنان الكبير عام ١٩٢٦، كما لا يخفى أنه وفي ظل الانتداب كانت باريس هي من أرست دعائم الطائفية في النظام العام للبلاد.

على وتيرة هذا التدخل الفرنسي وغيره من التدخلات من أطراف دولية متعددة، واصلت باريس دعم قادة المجتمع أيام الحرب الأهلية الذين دمّروا البلاد، كان من بين من تلقوا الدعم الفرنسي رفيق الحريري المقرب من جاك شيراك، والذي أطلق الموجة النيوليبرالية، والذي حظي على الدوام بدعم كلّ من باريس والرياض.

لكن يبقى قادة الحرب الأهلية في لبنان هم المسؤولون الحقيقيون عن الأزمة الحالية، فقد أدت (دَولَرة) الاقتصاد وإعادة الإعمار المفرطة في التمويل وانخفاض الضرائب على الأغنياء دون غيرهم واتفاقيات السوق الحرة، كلّ ذلك أدى إلى هذا الخراب الكبير الذي حلّ في البلاد.

حيث تصل مديونية لبنان اليوم إلى ١٧٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي، فوق ذلك أعلنت البنوك الخاصة عن خسائر فادحة لصالح هروب رؤوس المال وتجميد أموال المدّخرين، ثمّ انهارت العملة الوطنية وارتفع معدل التضخم وبيعت الخدمات العامة (الماء والكهرباء).

ثمّ  انفجرت فقاعة المضاربة في عام ٢٠١٩، الأمر الذي تسبب في أزمة اجتماعية، فارتفعت معدّلات البطالة والهجرة بشكل كبير، وانهارت القوة الشرائية، وأصاب الفقر ما لا يقل عن نصف السكان.

كلّ هذا وتستمر المؤسسة المالية المفترسة والأوليغارشية السياسية الفاسدة في خصخصة الموارد العامة للحفاظ على عملائها، وهي بالتأكيد على استعدادٍ لتدمير البلاد من أجل بقائها.

لقد ضاعف الوضع الاقتصادي الصعوبات، كذلك الحرب في سورية التي أدت إلى مليون ونصف لاجئ، ثم تأتي المنافسة الأمريكية ومحاولة إيران في فرض سيطرتها والضغط الإسرائيلي لتُلقي بثقلها على الوضع المتردّي في البلاد.

وحاليًّا ضاعف كلّ ذلك، بل وأدى إلى توجيه ضربة قاضية إلى الوضع اللبناني، وباء كوفيد-١٩ والأزمة الصحية، التي أعقبها انفجار ميناء بيروت الذي نتج عن إهمال أو توّرط القادة.

لطالما وجدت هذه الطبقة طرقًا للاستفادة من المآسي، وبالتالي كان يهدف تعيين مصطفى دياب كرئيس للوزراء مؤخرًا إلى “إجراء الإصلاحات التي فرضها صندوق النقد الدولي ومؤتمر سيدر(الذي كان يسعى إلى “محاولة استنهاضٍ جديدة للبنان بعد مؤتمرات دولية متعددة”)  بالطبع كلّ ذلك من أجل إطالة عمر النظام ليس إلا.

قام إيمانويل ماكرون بزيارتين إلى لبنان حتى الآن متبّعًا أسلوب ما بعد الاستعمار، داعيًا إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، لذلك فهو يعتمد على المجرمين الحاليين ويعزّز الطائفية بما يتعارض مع مطالب اللبنانيين.

الرئيس الفرنسي يلعب على فوضى البلاد، وعليه فمن المرجح أن تكون خيبة الأمل هائلة، الأمر الذي سيعرّض للخطر ما تبقى من مصداقية للسياسة الفرنسية، لبنان ليس بلد تسوّل، لدى لبنان من الموارد ما يكفيه ليخرج من لا شيء، لذلك فإن مساعدة لبنان تعني بالضرورة الاستماع إلى شعبه وإلى الحراك، والعمل من أجل دولةٍ مدنية وديمقراطية، ورفض أوامر صندوق النقد الدولي وتعليق اتفاقيات التجارة الحرة من أجل السماح بإعادة إحياء إمكانيات البلاد الزراعية والصناعية.

إن مساعدة لبنان تعني وضع حدٍّ لسخرية الاتحاد الأوروبي بشأن قضية المهاجرين، مساعدة لبنان تتضمن التشكيك في دعم باريس “غير المشروط” وكذلك سياسة إسرائيل وخطّة ترمب بشأن فلسطين، التي تُزعزع استقرار البلاد وتؤجّج تدخّل إيران وغيرها من الدول.

بديل “مبادرة درابزين”

(صدرت المبادرة عن 85 هيئة، من 16 ساحة في لبنان ضمن مطالب في الاقتصاد والقوانين وشكل الدولة وبنيتها واستقلالية القضاء والسيادة اللبنانية).

لمى قبانجي/ عالمة اجتماع، وجاد قبانجي/ مؤرخ.

تأتي زيارة ماكرون في الوقت الذي يتساءل فيه الكثيرون عن طبيعة النظام اللبناني، هل هو نظام مشترك؟  نظام نيوليبرالي؟ أم بوليسي؟.

هو في الحقيقة كل هؤلاء في نفس الوقت، لكن وصول الرئيس الفرنسي ذكّر الجميع بالطابع الاستعماري الجديد والأساسي للبنان، فكل الزعماء “الدينيين” والأحزاب يخضعون لدولٍ أجنبية، سواء لفرنسا أو لقوة إقليمية أو دولية أخرى، علاوةً على ذلك عاد ماكرون “ممثل المجتمع الدولي” مع رئيس وزراءٍ على القياس الذي يرغب به.

هو مصطفى أديب، سفير لبنان السابق في ألمانيا، فُرض على الطبقة السياسية اللبنانية باسم بقاء النظام ذاته الذي يعيش أزمةً شرعيّةً غير مسبوقة منذ انتفاضة ١٧ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٩، إذ في الوقت الذي تنشغل فيه السلطة الرسمية بتلقي التوجيهات، والترحيب بالرئيس الفرنسي بأبّهة خيالية، ينظّم الحراك اللبناني نفسه في الكواليس.

في الواقع على الرغم من الانفجار الإجرامي في مرفأ بيروت والأزمة الاقتصادية وفيروس كوفيد-١٩، تستمر المبادرات والدعوات لحشد الشارع في أعقاب انتفاضة تشرين الأول/أكتوبر.

الهدف الأساسي لهذا الحشد هو توحيد مختلف التيارات الموجودة داخل الانتفاضة حول مشروعٍ سياسي مشترك يهدف إلى “إقامة دولةٍ مدنية وديمقراطية” حسب تعبير عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني عمر ديب، ذلك للاستجابة  لمطالب الانتفاضة: العادلة الاجتماعية والخدمات العامة والاقتصاد المنتِج والعدالة المستقلة عن السلطة.

إحدى أحدث هذه المبادرات، تلك التي قدمتها ٨٥ منظمة، تحت مسمى مبادرة “درابزين”، تُعرف هذه المجموعة بأنها “شبكة أمان البدائل السياسية الموثوقة” للمعارضة التي لا تزال قيد الإنشاء “لكن يجب أولًا على هذه المعارضة أن تحرر نفسها من الاجتماع خارج اللعبة السياسية”، ذلك على حدّ تعبير أحد رسامي الرسوم المتحركة بول الأشقر.

يمثل هذا التجمع منظماتٍ تمّ حشدها خلال الانتفاضة، من منظماتٍ شبابية ومنظمات مجتمع مدني ونقابات مستقلة ظهرت خلال انتفاضة تشرين الأول/أكتوبر، كذلك أحزابٍ سياسية معارضة “غير طائفية”…، يتوقف نجاح هذا التجمع وغيره من المبادرات على مستقبل لبنان الذي يحتفل بمرور مائة عامٍ على وجوده في صورة دولةٍ فشلت في مهمتها الأساسية: تلبية احتياجات الضرورة الأولى لمواطنيها.

لكن الوقت ليس في جانب الشارع، لأن الجيش اللبناني الذي تموله الولايات المتحدة على مدى سنوات، حصل على سلطات مفرطة بموجب الأحكام العرفية، ذلك بفضل أصوات جميع أعضاء مجلس النواب باستثناء أسامة سعد الذي يشكل حزبه جزءًا من مبادرة “درابزين”.

مع ذلك يمثل الجيش آخر فرصة لهذا النظام الفاسد للبقاء على قيد الحياة، ومن أجل مواجهة هذا التهديد بالتحديد، يجب على الشارع أن ينظّم نفسه، كما يجب أن يمثّل البديل الذي طال انتظاره من اللبنانيين الذين يعيشون واحدة من أحلك الساعات في تاريخهم.

هل نحن بالفعل “في” حالة حرب؟

ميريام الحاج مخرجة لبنانية

قال أحد الفرنسيين ذات مرةٍ من عام ٢٠١٠، “إذا اندلعت الحرب في لبنان، فسوف أنضم للقوات الدولية لحماية المدنيين”.

وقتها كانت الحرب بعيدةٌ، لكن ظلّها يظهر من حين لآخر، غالبًا على شكل هجومٍ إسرائيلي وردٍّ من حزب الله، ذلك ضمن لعبة الطرفين في كره بعضهما، وعليه فكلٌّ من حزب الله وإسرائيل موجودٌ بناءً على وجود الآخر، فأحيانًا كان الحزب هو الذي يحدّد مواقعه عندما يطلق النار على الجانب الإسرائيلي من الحدود، وفي بعض الأحيان أيضًا كانت إسرائيل هي من توعز لحزب الله أن يطلق النار عليها.

إذًا، هل يمكن أن يكون انفجار بيروت في ٤ آب/أغسطس ٢٠٢٠ نهاية القصة أم بدايتها؟ هل ستُكتب بعد الانفجار نهاية الفلم أم بدايته؟ ومثلما شهدت هيروشيما نهاية الحرب العالمية الثانية، هل يمكن أن يكون انفجار بيروت بداية حكاية لا يمكن توقع نهايتها؟

في اليوم التالي للانفجار، وصل إيمانويل ماكرون وسحق السياسيين اللبنانيين، ثمّ فرض عليهم واجباتهم المدرسية، وحذّرهم أنه سيعود في الأول من أيلول/سبتمبر لمعرفة ما إذا كان الواجب المنزلي قد تمّ إنجازه أم لا.

في غضون ذلك، كان يجب النظر في تشكيل حكومة وحدةٍ وطنية، حكومة لا تعكس بالطبع طموحات شباب تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٩، محصلة القول؛ إن فكرة الحكومة المدنية التي تستجيب لمطالب “انتفاضة تشرين” لم يتمّ حتى ذكرها من أي طرفٍ من الأطراف الفاعلة في لبنان، بالمقابل هناك حديثٌ عن خصخصة كهرباء لبنان والميناء الذي انفجر مؤخّرًا.

وصل ماكرون بعد مائة عامٍ بالضبط من وجود لبنان كدولة ومن خطاب الجنرال غورو الشهير، لم يرَ ماكرون هذه الأعوام المائة، بل اعتمد في سياسته على نصائح كتاب تاريخٍ توقف في عام ١٩٧٥، لذلك فمن المؤكد أن لم يأتِ للتعبير عن حبه كما حاول بعض الناس التفكير، لأن سياسيي لبنان يتم التحكم بهم عن طريق فرنسا، لذلك لا حرج من القول أن ماكرون يعرف تمامًا أنهم يستمتعون عندما تُوجّه لهم المهانة.

مع زيارة ماكرون هذه، وفي الأيام التالية من الانفجار، استقبل ما تبقى من مرفأ بيروت مواكبَ لسفنٍ أجنبية، روس وفرنسيين وأمريكيين وأتراك…، وعلى شاشة التلفاز يُطلّ حسن نصر الله، يردّد في خطاباته المعتادة كلمة حربٍ أهلية عدة مرات، فيُثير تساؤلًا معروف الإجابة، هل هو بذلك يهدّد اللبنانيين أم يلعب دور العراف؟

وفي الفنادق الواقعة في منطقة الحمراء، يوجد صحفيون من جميع أنحاء العالم، بريطانيون ودنماركيون ويونانيون وروس…، لم يكن لدى لبنان من قبل مثل هذا العدد الكبير من الجنسيات.

إذا كان هؤلاء الصحفيون الأجانب قد أتوا لالتقاط صورٍ للميناء المنهار، ألن يكون الوقت قد حان أن يغادروا بعد أسبوع على الأكثر؟ أم أنهم ينتظرون شيئًا آخر؟ هل يتوقعون شيئًا غير الفطر الكيميائي الذي ظهر في سماء لبنان؟ أم شيئًا آخر غير الأجساد التي تجول بيروت غارقةً في هول الكارثة؟.

في هذا الوقت، أرسلت الولايات المتحدة  مكتب التحقيقات الفيدرالي FBİ  في مهمةٍ من المفترض أن تكون “التحقيق في هذه الكارثة”، وفرنسا من جانبها أرسلت جنودًا، فهل من الواجب على اللبنانيين أن يفرحوا لأنهم “مدلّلون للغاية”.

في ظلّ هذه “الزيارات”، وفي الميناء المنكوب، لا يمكن لأحدٍ أن يرى الأفق الذي اختفى بسبب كثرة السفن المتوقفة، من سفن مساعداتٍ إنسانية إلى حاملات طائراتNİTMİZ, TONNERRE, H88…) ).

وفي الشوارع التي دمّرها الانفجار، يتحول العديد من الأشخاص بأزياء غريبة ورؤوس شقراء، لدرجة أنه يصعب على أي عاقلٍ أن يُصدق أن كلّ هؤلاء الزوار لا ينتظرون شيئًا آخر بعد الكارثة، كارثة الفطر الكيميائي.

في ١٣ نيسان/أبريل ١٩٧٥، أطلق جورج (شخصية من فلم للمخرجة اللبنانية ميريام الحاج) النار على حافلةٍ ركابٍ فلسطينيين، وقتل حوالي ٣٠ شخصًا، أدى هذا الهجوم -حسب سيناريو الفلم- إلى حربٍ مدّتها ١٥ عامًا، بالطبع كانت حربًا أهلية، لكن نادرًا ما تكون الحرب الأهلية بدون دعم أطرافٍ أجنبية، وعلى ذلك؛ هل يمكن أن يكون هذا الانفجار شبيهًا بانفجار الحافلة؟ هل يمكن القول أن لبنان مقبلٌ على حربٍ لا تُبقي ولا تذر؟ أم أنّه بالفعل “في” حرب؟

في نفس الاتجاه، ومنذ آذار/مارس٢٠٢٠، أُغلقت حدود أوروبا أمام اللبنانيين باستخدام كوفيد-١٩ كذريعة، حتى أولئك الذين يحملون تأشيرة لم يعد بإمكانهم السفر في منطقة شنغن، وباعتبار أن لبنان من الدول الأقل تأثرًا بالفيروس،  فإن هذا القرار بدا غريبًا، في الحقيقة فإن اللبنانيين محتجزون كرهائن وبدون مخرج طوارئ.

بسبب كل ذلك، سيضطر اللبنانيون إلى تحمل أزمةٍ اقتصادية والسكوت على سرقة أموالهم من قبل البنوك، وفوقها انعدام الأمن، العبارة التي يتردد صداها بكثرة في بيروت.

معنى هذا الكلام، أن اللبنانيين مسجونون للخضوع للتجارب ومن يبقى منهم على قيد الحياة في نهاية هذه السلسلة المخبرية سيكون هو الشخص المختار.

حالة انعدام الأمن هذه هي حالة عشية الحرب، أو ربما حالة الحرب ضمنًا، انعدام الأمن مثل قطيع أغنام في شاحنة يعرف في داخله أن سيموت، ثم ينتظر الجميع من يأتي ليحميه من حالة الخوف التي يعيش فيها.

جيروم سكالسكي، لومانيتيه ٨ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٠

الرابط الأصلي من هنا



“الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر برق للسياسات والاستشارات“

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2020 



ء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق