الاصداراتمتفرقات 1مقالات

رحلة الخلق.. بين المسطور والمنظور

0032

قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق -صدق الله العظيم

توجيه من كتاب الله المسطور إلى كتابه المنظور ليتحقق التناغم بين العقل والقلب، فكانت بالنسبة لي آية غيرت حياتي فكرًا وإيمانًا، جَدَّدتُ فيها مفاهيمي وانطلقتُ رافعًا راية التغيير ومعلنًا بداية المسير. النظر في البداية.

 

لكن ما المقصد من كل هذا؟ ولماذا هذه الدعوة؟ قل.

“قل” أمر من مرسِلٍ إلى رسول للعالمين! لو لم يكن الخالق هو القوي العظيم العليم ما كان ليوجّهنا لهذا! هي دعوة تعلم، تحدي، معرفة، إثارة، استكشاف. ثم ينقلك لآية أخرى فيقول: وما أوتيتم من العلم إلا قليلا! وما هذه الآية إلاّ تحد أيضًا وحث على دوام المثابرة والتجديد والمزيد من البحث والعلم. إنها آيات تحرير الإنسان من أفهام الآباء والسابقين، وتنقية عقله من الميراث البشري المقدس، ليكون خطاب سيروا وانظروا لكل إنسان على اختلاف الأزمان رحمة وهدى وتقدمًا للعالمين. إن فتح ملف كيف بدأ الخلق هو في المقام الأول، من أجل أن نعرض الإسلام على العالم أجمع، إسلامًا قادرًا على استيعاب كل ما يَجِد من مكتشفات العلم ومن إنجازات الفكر الإنساني السوي، حتى يكون ديننا صالحًا ومصلحًا لكل زمان، كما أراد الله له أن يكون.

 

كان بإمكان الله سبحانه وتعالى عندما وجهنا هذه الوجهة أن يجيب على هذا السؤال، لكنه يعلم أن لكل باحث إدراكه الخاص وتجاربه المختلفة وتأملاته وتعليلاته ومقاييسه التي يخرج منها باستنتاجات وحكم، يطرح من خلالها منطقه في الإجابة على هذا السؤال، وبالتالي سيكون هنالك العديد بل الكثير من النتائج البحثية المختلفة، الاختلاف الذي سمح به الله وأباحه بل وحث عليه، ليأتي البشر بعد ذلك فيحتكرون تجاربهم ويعمموها بل ويفرضوها على الناس جبرًا! وأحيانا باسم الإله، مع أن مراد الله يخالف أهواء المستبدين.

 

 

الفلاسفة وسؤال البحث..

وعلى هذا سار الفلاسفة بالبحث عن أصل الوجود وبدايته وحقيقته؛ الفلسفة كما عُرِّفت في قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن للشيخ نديم الجسر، هي في جوهرها البحث عن الله.. رغم أن الكثير من الفلاسفة اليونانيين كفروا بالإله؟! نعم كفروا بآلهة اليونان، وأما الإله الحق فهم يبحثون عنه! منهم من يهتدي إليه، ومنهم من يعجز عقله عن تصوره، ومنهم من يقوده العجز إلى الضلال.

كانوا يبحثون عن إجابة لسؤال: كيف بدأ الخلق؟! مما أثار حفيظة أقوامهم وثنيين كانوا أم دينيين، فلاحقوهم وحرقوهم وصلبوهم وقتلوهم… والفرق بينهم وبين أقوامهم أنهم لم يقولوا: حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا! كما قال قومهم.. بل كما قال زعماء القوم السياسيين والدينيين فكانت العاقبة وخيمة.

 

ما هي حكمة الإبهام؟! وهل من إجابة؟

يقول الإمام فخر الدين الرازي أن من حكمة الإبهام الاجتهاد الدائم، ويعني بذلك لو أن الله أعطانا كل الإجابات لصار الدين مجرد بروتوكولات وروتين يقوم به الفرد بشكل آلي فتموت فيه الحياة، بينما، ولوجود الإبهام، صار الاجتهاد سمة من سمات المجتمع، وبالتالي كانت دراسة كل النصوص والتمعن فيها والعمل بما تقتضيه، ودراسة الاختلافات فيه، سمة دائمة مستدامة لا تزال تنعش التعامل مع الدين والدنيا حتى الآن.

إن لكل إنسان من هذه الأسئلة حاجة قد تتنوع من حاجات معرفية إلى فلسفية وعاطفية… الخ، تعدد وتنوع هذه الحاجات سينتج إجابات مختلفة ومتعددة وهذا ثراء بعينه. كما أن حاجة السائل نفسه تتغير مع تغير ظروفه وحاجاته ومستوى ادراكه، لذلك يبقى ويستمر في البحث عن جواب غير ذلك الجواب الذي أدركه وأرضاه بوقت سابق، وهنا الروعة.. روعة البحث.

لم يعطنا الله في كتابه إجابات عن هذه الأسئلة! وقوله تعالى: (إني جاعل في الارض خليفة) (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) (ويجعلكم خلفاء الأرض) كل هذه ليست أجوبة؟! نعم، هي مفاتيح ومناظير توجهنا لنكمل البحث، بل تُمَلكنا الاختيار وتدفعنا دفعًا إلى مائدة العلم.

إن قصة خلق الإنسان هي من المعارف التي أُمرنا بتحصيلها عن طريق السير في الأرض والنظر في الآفاق وإعمال العقل في قضايا العلم المتجددة. وهنا يحضرني قول المفكر الاسلامي الأستاذ خالد محمد خالد: لم يقم أحد من العلماء المسلمين بتنفيذ أمر الحق تبارك وتعالى (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق)، غير أن داروين دون أن يطلع على القرآن المجيد قد قام بتنفيذ ذلك، إذ استقل السفينة بيجل وطاف بها حول العالم جامعًا لعينات الأحياء من نبات وحيوان، ثم أخذ يبحث ويدقق ويتأمل وينظر كيف بدأ الخالق الكريم خلق تلك الأنواع. بغض النظر عن نتيجة نظر داروين إلا أن ما يعنينا تنفيذه لما أراد الله توجيه الإنسان إليه، البحث في كيفية بداية الخلق!

 

(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) -دعوة للتجديد..

لأنك لن تدرك عظمة الله وقدرته فتخشاه وتعرف قدره حتى تبحث فيما خلق وتخوض في الحكمة والمقصد.. مع كل هذا لن تعلم الحقيقة والحكمة المطلقة! لقوله تعالى: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً). في هذا دعوة للتجديد ودوام البحث وعدم الاعتماد على نتائج الآخرين وفهمهم وإدراكهم لأنك مخلوق فريد ولأن حِكَم الله عديدة لا تنفد!﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً) صدقت ربي ما أعظمك.. ثم إن امتلاك كل الإجابات وهذا مستحيل لا يعني امتلاك القدرة الكاملة والعلم الكامل، لأن كل الإجابات تعني الحصر، والحصر يفيد المحدود، وهو ما يناقض المطلق، فكيف يمكن لإجابات محدودة أن تسع المطلق؟ إن أدركه تنتفي صفة الإطلاق ليصبح محدودًا، لأن حكمة الله الخالق مطلقة وإدراك المخلوق محدود، لا ولن يدرك المحدود المطلق.

 

وما أوتيتم من العلم الا قليلا، عنوان النقص البشري والكمال الإلهي والحاجة البشرية، ليستمر البحث عن إجابات وليستخدم العقل كل الممكنات البشرية للبحث عن كيف بدأ الخلق؟ وأسئلة الوجود والحكمة من كل هذا، ولن نصل.. نعم لن نصل لغاية الحكمة، بل سنصل لما يرضينا و يكفينا، يكفي طموحنا.. حدودنا المُطَالَبين بتوسيعها لإدراك عظمة الخالق (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، أي علماء؟! لو نظرنا الى سياق الآية لخرجنا من تصنيف المفسرين التقليدين الذين أولوها بعلماء علوم الدين، الى معارف دنيوية كعلم الأرصاد (أنزل من السماء ماء) وعلم الزراعة (ثمرات مختلف ألوانها) وعلم الجيولوجيا (ومن الجبال) وعلم الأحياء (ومن الناس والدواب والأنعام)، لكن معناها اختُزل في فضاء الفقه، فأعرض المسلمون عن الدنيا وعلومها الى الدراسات الشرعية! ألسنا بحاجة لتجديد المفاهيم وتوسيع الأفق وتشجيع البحث العلمي وإطلاق ممكنات الإنسان لندرك عظمة الخالق وكماله وبالتالي معرفة الله والإيمان به، عقلًا وقلبًا وروحًا، معرفة متوازنة نعبد الله بها، فنخرج العباد من عبادة العباد الى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام؟

 

إلا ليعبدون..

(وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون) ماذا عن الملائكة؟ ألا يعبدون الله عبادة متواصلة؟ لا شك أن العبادة المقصودة ليست فقط هي الشعائر التعبدية، بل هي كذلك وأكثر، هي عبادة بمعناها الواسع الذي يشمل أعمال الدنيا بتنوعها وتنوع حاجات البشر وميولهم ورغباتهم، وهذا يعني أن لكل شخص بصمة وإجابة وغرض وحكمة في خلقه تختلف عن حكمة خلق شخص آخر لمقصد وهدف مختلف..

 

سِرت و نظرت.. فآمنت

إن المراد من (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) إظهار بديع كلام الله، وغناه وكماله!
اذهب أيها الإنسان وابحث عن أصل الوجود وانظر في خلقِك حتى وتأمل في العالم مِن حولك واطلع على الأفكار منذ بداية الخليقة فوالله لن تجد أعظم مما أبدعت!! دعوة للبحث عن الدليل و البرهان و حرية طرح الأفكار.. كل الأفكار، تواجه بعضها بعضًا ليكون البقاء للأصلح.

قمة الغنى والكمال “غني عن العالمين”، ابحث لن ترجع إلا إليّ وستجدني أينما ذهبت! ما هذا التحدي الرحيم؟ مسكين ذاك الإنسان الذي يحتكر رأيه وفكره وفهمه ويمنع المخالف من طرح آرائه. بل ضعيف! وهو بذلك أول من ارتاب وشكّ بفكرته!

 

شريف حسين حماده

للتحميل من هنا

 

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز برق للأبحاث والدراسات

جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للأبحاث والدراسات © 2016

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق