الاصداراتالنافذة السوريةمتفرقاتمتفرقات 1مقالات

المحرقة المستمرة في العراق والشام والشرق الأوسط الجديد

888
 
 
المحرقة المستمرة في العراق والشام والشرق الأوسط الجديد
إذا كانت النازية الألمانية قد تسببت بالحرب العالمية الثانية، ونتج عن ذلك هزيمتها وإعادة تشكيل نظام عالمي جديد وضعه المنتصرون من أمراء الحرب العالمية الثانية (الحلفاء)، فإنّ ملامح الشرق الأوسط الجديد باتت تلوح في الأفق، وسط حريق شرق أوسطي هائل، ساهمت بتشكيله “النّازية السُّنية” المتمثلة ب ” تنظيم الدولة” في سورية والعراق.
يُعتقد بأنّ صعود النزعة النازية المتطرفة في ألمانيا كان مرتبطاً بالظّلم الذي لحق بالأمّة الألمانية بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، حيث يوفّر الشعور بالظلم أفضل الظروف الموضوعية لنمو مختلف أنواع التطرف القومي، العرقي أو الدّينيّ. في المقابل، يتغذّى تنظيم الدولة بشكل كبير على الظُّلم الشديد والممارسات الطائفية التي لحقت بالعرب السنة في العراق ولاحقاً في سورية كما نشهد في الوقت الراهن، حيث تغوّل النفوذ الإيراني الطائفي عبر أذرعه من مختلف المليشيات الطّائفية.
وبشكل ما، كان ظهور فكر تنظيم القاعدة – والذي وُلد تنظيم الدولة من رحمه -وصعوده مرتبطاً أيضاً بالقمع الشديد الذي تعرّضت له مختلف الحركات الإسلامية في سورية ومصر والجزائر ومختلف البلدان الإسلامية، إضافة إلى غياب ثنائية الاستقطاب الدولي بعد سقوط الاتحاد السوفييتي (والتي وفرت شيئاً من التناقضات الدولية التي حاول الإسلاميون الاستفادة منها كالحالة الأفغانية)، حيث يُبنى فكر القاعدة من الناحية النظرية على دعوة الإسلاميين الوطنيين لترك مقارعة “الأذناب” والتي يقصد بها الأنظمة الوطنية، والتّركيز على “رأس الأفعى” التي تدعم هذه ” الأنظمة الوظيفية”، والتي وبمجرد انهيارها – أمريكا التي تتزعم النظام العالمي –  فإنّ الأنظمة الوظيفية العميلة سوف تتساقط تباعاً، وفق هذا التّصور، فإنّ نمو تنظيم الدولة ذي الجذور القاعدية كان استمراراً في حركية ردود الفعل التي تنحو نحو التّطرف تحت تأثير قسوة القمع الذي يولّد الشعور بمرارة الظلم.
بيد أنّ الحالة العراقية قد أضفت الكثير فوق هذا، فقد انخرط العديد من الضّباط العراقيين البعثيين السابقين (الأمنيين والعسكريين) ضمن تنظيم ” دولة العراق الإسلامية”، بعد أن وجدوا فيه ملاذاً يُعبّر عن غضبهم وحنقهم الشديد من إسقاط نظامهم وفقدهم لمكانتهم بعد حل الجيش العراقي السابق، إضافة إلى الظّلم العام الواقع عليهم باعتبارهم من “السُّنة”.
انعكست العقلية الأمنية البعثية على طبيعة التنظيم، مما جعل سلوكه مشابهاً للأنظمة القمعية البوليسية التي انتهجت القتل والاعتقال التعسفي بذريعة خيانة الوطن والشعب، ليمارس الممارسات ذاتها بذرائع أخرى دينية كالردّة والخروج على امام المسلمين. وعلى اعتبار أنّ التنظيم يُمثّل الطّفرة الوراثية التشويهية التي طرأت على تنظيم القاعدة، فهو يعتبر ابناً – وان كان عاقّاً – للفكر ” السّلفي الجهادي”، الفكر الذي تعتبر أسماء مثل: أبي محمد المقدسي، وأبي قتادة الفلسطيني ومن أبرز منظريه ومفتيه. ونظراً لما أسلفناه من تأثير ” الضباط البعثيين السابقين” الواضح على التنظيم فكراً وسلوكاً، يُفضّل بعض الدّارسين للتنظيم تصنيفه تحت عنوان” الجهادية البعثية”.
قراءة لخطاب العدناني الأخير (ويحيى من حيّ عن بينّة):
“فالأرض إذا ضاعت يمكن استردادها، أما الحكم الثوري إذا سقط فإن ذلك يعدّ كارثة لسورية، وللأمّة العربية بأسرها…”
من المُبرّرات التي ساقها النظام البعثي في سورية لهزيمة 1967 وبيع الجولان.
في محاولته لتبرير التّراجعات القادمة المتوقعة فضلاً عن تلك التي مضى بها الزمن، لا يبتعد العدناني (سوري) النّاطق باسم التنظيم عن ذات الأسلوب البعثي التبريري الذي سقناه آنفاً، حيث يقول” وهل انهزمنا عندما خسرنا المُدن في العراق وبتنا في الصحراء بلا مدينة ولا أرض؟ وهل سنُهزم وتنتصرين إذا أخذتِ الموصل أو سرت أو الرقة أو جميع المدن وعُدنا كما كنّا أول حال؟ …كلاّ! إنّ الهزيمة فُقدان الإرادة والرّغبة في القتال”.
وفق المعايير الجديدة التي وضعها العدناني للنصر، فإنه يتنصّل من مباهلته ومن ادّعاءاته العنترية السابقة، وما بنيت عليه “دولة الخلافة” وفق اعتباره أصلاً، فهو قد أعلنها خلافة بعد “توسعها وتمكينها” في العراق وسورية، الأمر الذي يؤكد أهمية الأرض والتمكين وفق معاييره نفسها، ولكنها محاولات لتبرير الهزيمة التي تلوح في الأفق.
اللافت للنظر أيضاً في خطابه، أنّه يخاطب أمريكا مستهزئاً” أين خارطة الشرق الأوسط الجديدِ التي أتيتِ بها أمريكا؟ أنسيتيها أم تناسيتيها أم نحن من رسمها وبات دمارُكِ وزوالُكِ وشيكاَ؟ أين العراق المُوحَّد الحرّ وأين الديمقراطية؟”.
ومن الواضح أنّ العدناني يجهل أو يتجاهل الخرائط والحقائق الجديدة على الأرض، والتي أسهم تنظيمه بشكل فاعل في رسمها وفق المواصفات الأمريكية إلى حد بعيد، ليست المواصفات المعلنة التي يذكرها العدناني، فتلك فقط للدعاية والتمويه، بل تلك التي نجدها في مراكز الدراسات، والتي تتحدث عن تقسيمات واقعية على الأسس العرقية والطائفية داخل الحدود، وان لم يتم تغيير الحدود.
أما الحديث عن زوال ودمار أمريكا وسط التقارير التي تتحدث عن تراجعهم فلا يبتعد كثيراً عن هرطقة وزير الإعلام العراقي البعثي الذي طالما تحدث عن انتصاراتهم المجلجلة على العلوج إلى أن أخبره أحد الصحفيين وهو يشتد علواً في خطابه عن هزائم “العلوج” أن ينظر فقط إلى نافذته ليشهد الدبابات الأمريكية قرب وزارته!
وفي خطابه أيضاً، يُنظّر العدناني للقتال لأجل القتال، دون أي اعتبار للمصالح والمفاسد والغايات التي شرع من أجلها القتال كما يذكرها الفقهاء إستنباطاً من النصوص الشرعية، يؤكد ذلك حيث يقول ” نقاتل حتى الموت وان فنيت الزروع وان هدمت البيوت وان هتكت الاعراض وزهقت الانفس وسالت الدماء!”. كما ويقرر واجباً يدّعي أنّ القران أوجبه، وهو قتال كل الكفار في وقت واحد ودون استثناء، والاستدلال بذلك على صحة النهج القويم، حيث يقول: ” إلا أن قرآننا يحتّم علينا مقاتلة العالم بلا استثناء”
تنظيم الدولة والصفقات:
لا تتحدث الأوساط الجهادية عادة عن منطق الصفقات مع الكفار باعتباره مناقضاً لقضايا الولاء والبراء، القضايا التي تعتبر من أصل العقيدة، إلا أنّ بعضاً ممّا حيك وراء الكواليس قد تمّ الحديث عنه، فتحدث الدكتور سيد امام صاحب كتابي “العمدة في اعداد العدّة” و”الجامع في طلب العلم الشريف” الشهيرين عن صفقة القاعدة مع ايران حيث قال في لقاء تلفزيوني:
“كانت القاعدة تأخذ مواقف قوية ضد الشيعة قبل 11 / 9، لما حصل 11/9.. تغير الموقف منهم، وهذا حصل باتفاق صريح بين مسؤول اللجنة الشرعية في تنظيم القاعدة وبين المخابرات الإيرانية في مدينة زاهدان الإيرانية وهي على الحدود بين أفغانستان وباكستان وإيران.. على أن تأتي كل العائلات إلى إيران”.
وهو الأمر الذي أكده أبو حفص الموريتاني أيضاً حيث أكّد في مقابلة تلفزيونية أيضاً: “تمّ هنالك تنسيق مع بعض الجهات على أن ندخل إيران دخولًا إنسانيًّا.. حيث كانت معنا بعض الأسر.. وبعض الأرامل والأيتام.. وتم الاتفاق على ألا تكون إيران منطلقًا لأي عملية ضد أية جهة أخرى.. وتمّ الوفاء بهذه الالتزامات… الإيرانيون تعاملوا معنا كورقة يستفيدون منها.. وكانوا متمسّكين بسيادتهم فلم يحقق معنا أي من الأمريكان أو العرب”..
أما العدناني نفسه فأكد أنّ القاعدة وبسبب وجود قادتها في ايران قد طلبت من التنظيم عدم تنفيذ عمليات في ايران، حتى أنه قال” “وظلّت الدولة الإسلاميّة تلتزم نصائح وتوجيهات شيوخ الجهاد ورموزه؛ ولذلك لم تضرب الدولة الإسلامية الروافض في إيران منذ نشأتِها، وتركت الروافض آمِنين في إيران، وكبحَت جِماح جنودها المستشيطين غضبًا، رغمَ قدرتها آنذاكَ على تحويل إيران لِبرَكٍ من الدماء، وكظمَت غيظَها كلّ هذه السنين تتحمّل التُّهَمَ بالعمالة لألَدِّ أعدائِها إيران لعدم استهدافها، تاركةً الروافض ينعمون فيها بالأمن امتثالًا لأمر القاعدة للحفاظ على مصالحها وخطوط إمدادها في إيران…فليسجل التاريخ أن للقاعدة ديناً ثميناً في عنق ايران!”..
إلا أنّ العدناني لا يُوضّح بدوره لماذا استمر هذا الالتزام بعدم ” تحويل ايران لبرك من الدماء” رغم الانفكاك عن تنظيم القاعدة”، بل لماذا تم تنفيذ العمليات المختلفة من قبلهم داخل السعودية وتركيا واليمن وفرنسا وتحويلها إلى برك من الدماء فيما ظلت ايران تنعم بأمنها الداخلي!
نديم البالوش، الشخصية الجدلية التي تعتبر قريبة من التنظيم، والذي قتل أو انتحر مؤخراً في السجون التركية كان قد تكلم عن منطق الصفقات التي يعقدها ” الجهاديون” ذاكراً عدة حالات، منها محاولة قياديين في القاعدة في العام 2008 عرض صفقة على النظام السوري لقاء إطلاق سراحهم على أن يتبنوا مقتل الحريري، رئيس الوزراء اللبناني السابق.
البالوش، ورغم تأييده العام للتنظيم، اتهم بشكل غير مباشر قياديين مفترضين بتسليم مدينة تدمر للنظام والروس، حيث تم – بحسب البالوش – وضع أعداد كبيرة من المقاتلين لمقاومة قوات النظام خارج المدينة في التلال الجرداء المحيطة، الأمر الذي جعلهم في مرمى واضح مكشوف للطيران الروسي الذي حصد أكثر من 400 مقاتل منهم بحسب التقارير، مما أوجد حجة لقيادة التنظيم للانسحاب من المدينة، رغم إمكانية البقاء فيها والمقاومة لفترة طويلة كما حدث في الرمادي بحسب البالوش.
ريف حلب الشمالي..رمزية دينية أم صفقات ومصالح جيواستراتيجية؟
رغم كل التّراجعات للتنظيم في مساحات واسعة من شمال سورية، والتي كان معظمها لحساب وحدات الحماية الكردية، وبعض التراجعات أمام قوات النظام السوري التي فكّت الحصار عن مطار كويرس وتقدمت باتّجاه مدينة الباب، فإنّ التنظيم حافظ على المناطق الحدودية في ريف حلب الشمالي، وصدّ هجمات فصائل المعارضة المدعومة من تركيا، بل وأكثر من ذلك، تقدم مؤخراً حتّى استطاع فصل اعزاز عن مدينة مارع ليتم حصار مارع والهجوم عليها من قبل التنظيم بكثافة دون النجاح حتى الان باحتلالها.
رغم الأهمية الرمزية لهذه المنطقة لاعتبار وجود بلدة دابق فيها (لوجود الأحاديث النبوية في آخر الزمان التي تذكر المدينة)، ولاعتبار إصرار التنظيم على تحقيق الثأر لمقتل العقيد حجي بكر ( الذي قتل في تل رفعت قرب مارع)، إضافة لأهمية المنطقة الحدودية باعتبارها لا تزال منفذاً لعمليات تهريب الأجانب الذي يلتحقون بالتنظيم قرب بلدة الراعي، إلا أنّ كل ذلك لا يمكن أن يفسر مدى الشراسة التي يبديها التنظيم في مقاومة فصائل المعارضة رغم الدّعم المدفعي التركي، حيث تؤكد بعض المصادر أنّ المقاومة الكبيرة للتنظيم وخاصة في هجومه الأخير، يأتي في سياق الرسائل الأمريكية والروسية لتركيا، حيث تزامن مع غارات روسية مكثفة على الريف الشمالي لحلب، ومع الصور التي تظهر الجنود الأمريكيين وهم يحملون شعارات وحدات حماية الشعب الكردية، والتي تعتبر الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، والذي تعتبره الحكومة التركية ارهابياً، حيث تخوض القوات التركية حرباً ضروساً معه في الجنوب الشرقي من تركيا.
هذه الرسائل -عبر التنظيم -الى تركيا تضمنت أيضاً مئات من صواريخ الكاتيوشا التي أطلقها التنظيم على مدينة كيليس التركية. ويُدعم هذا التصور بالحقائق على الأرض في ريف حلب الشرقي، حيث تتراجع قوات التنظيم أمام قوات سورية الديمقراطية (وحدات الحماية الكردية عمودها الفقري) شرقي نهر الفرات وغربي، حيث أصبحت هذه القوات على مسافة قريبة من مدينة منبج الاستراتيجية الهامة في ريف حلب الشرقي غربي نهر الفرات.
الحلول العادلة فقط يمكن أن تسمح بإيجاد البديل المقنع:
يتغذّى التنظيم على شعور المظلومية لدى المسلمين السنة في العالم بشكل عام، والعرب السنة في العراق ثم في سورية بشكل خاص، وبالتالي، فإن استمرار دعم السياسات الطائفية القمعية دون الوصول إلى صيغة عقد اجتماعي تحقق عدالة انتقالية يعني استمراراً لدعم التنظيم في الواقع العملي.
في المقابل، على العرب السنة أن يتركوا دعم التنظيم دون أي اعتبار لفكرة أنه ” أقل الضررين” في مواجهة الحشود الطائفية، لأنّ ” أقل الضررين” هذا على فرض وجوده يستلزم جلب “الضرر الأكبر” وكل الأضرار عملياً، فلا مناص من ازاحته والتّخلص منه لوقف هذه المحرقة السنية المستمرة، والوصول إلى بديل حقيقي لتمثيلهم، يؤمن بالنضال السياسي إلى جانب العمل العسكري، والذي يمكن أن يصل إلى حقوقهم المسلوبة، على الأقل بشكل مشابه لما حدث في البوسنة.
 

للتحميل من هنا

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز برق للأبحاث والدراسات

جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للأبحاث والدراسات © 2016

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق