الاصداراتمتفرقاتمتفرقات 1

الربيع العربي: هل هو طفرة أو ثورة "الجزء الثالث"

الربيع العربي هل هو طفرة أو ثورة
من الجدير ذكره أنه وفي سياق مطالعتنا لطفرة الربيع العربي علينا أن نعود إلى “أسْ” المشكلات العربية التي أدت إلى ما نحن عليه من خراب ودمار للأرض العربية والخيرات المادية والثروات والإنسان، هو كامن في طبيعة التوريث في مقاليد الحكم والسلطة من ناحية، وآلية نشوء دول المشرق العربية ومغربه، الدول الدمى كبديلة للغزاة الأوربيين والمستعمرين التقليديين. وهي في البدء والنهاية صنيعة الاستعمار الأوربي المشمولة باتفاقيات (سايكس – بيكو) عام 1916، التي أفسحت المجال رحباً لسياسة “فرّق تسد” البريطانية وغيرها، والساعية لصناعة دول وممالك وإمارات وجمهوريات من ناحية ثانية. وأمست كل دولة عربية مُعتدة بذاتها وحكامها مُتخذة أقرب طرق للاستئثار بالسلطة والحكم الوراثي تارة، والحكم العسكري الموصول بالانقلابات في كثير من الأحوال، تحت ذرائعية مُتخفية بشعارات كبرى عربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية القضية المركزية تلك الدجاجة التي تبيض دكتاتوريات متعددة المرجعيات ومقولات النهضة العربية والأسلمة السياسية. وذهبت رؤى ومحاولات النهوض العربية والقومية والإسلامية الدعوية والجهادية والتربوية أدراج الرياح. تلك التي أدار مفاعيلها -كما أسلفنا- روّاد “مشاريع النهضة العربية الاصلاحية”، وسار على هديهم فلاسفة ومفكرين عرب ومسلمين من مختلف التيارات الفكرية والمجتمعية من أحزاب قومية ويسارية وشيوعية وإسلامية. وهي في مجملها رؤى وأفكار ونظريات مجيدة في محتواها النظري والفكري لرجال مُخلصين في تجلياتهم الفكرية، وبمثابة إضاءات منيرة في دروب العرب المظلمة الموصولة بالجهل والتخلف في ذلك الوقت. والتي غدت أشبه بصورة عاكسة لعصر التنوير الأوروبي على الطريقة العربية والإسلامية.
 
 في الأولى ما قبل مؤامرة “سايكس- بيكو” كانت الرؤى والأفكار متماهية ومتناسلة في غالبيتها من واحة الاستعمار الغربي الأوربي أيضاً، ومستعارة من واحة تجاربه لاسيما عصر التنوير التي أعقبت الثورة الفرنسية، أما المرحلة الثانية والمواكبة ليوميات الاستعمارين الفرنسي والإنكليزي والتي شهدت نكبات العرب المتعددة وأكثرها قساوة وإيلاما “نكبة فلسطين الكبرى عام 1948” والتي شهدت فورة فكرية وثقافية ونضالية متعددة الوسائط والآليات والأحزاب، والتيارات والمتأثرة أيضاً بعصر القوميات الأوروبية، ولكن بصورة مبتسرة ومختزلة لا تليق بمقامات الجغرافيا والتاريخ والحضارة العربية الإسلامية، المغايرة تماماً لتلك المجتمعات والمكونات والثقافات الأوروبية قاطبة. نجملها في ثلاثة تيارات رئيسة في مناهجها وبرامجها الفكرية وفلسفتها الوجودية وهويتها الثقافية كأيديولوجيات تعج بالخصوصية. وهي مُدرجة وفق ما نجتهد، بما يأتي:

  • التيارات الإصلاحية والأصولية الدينية المسيحية والإسلامية وما يتصل بها من أيديولوجيات.
  • التيارات القومية والعربية وتفرعاتها الحزبية والأيديولوجية.
  • التيارات العلمانية الشيوعية وتفرعاتها الأيديولوجية.

 هذه التيارات الرئيسة الفكرية والثقافية والحزبية الأيديولوجية، هي وليدة الواقع العربي المتأزم بغزاته وطغمته والعاكسة لهمومه وشجونه، وسابرة لمفاصل تخلفه وجلاديه من جميع الطبقات والمكونات البشرية وفئاته الاجتماعية التي أفرزتها في نهاية المطاف، والمؤتلفة من جموع بشرية رافضة وثائرة على هكذا اتفاقيات استعمارية في مراحلها الأولى، والتخلص من سطوة النظم العربية الاستبدادية في حالتها الثانية. وكانت كلا الحالتين مُبشراً ببوادر النهضة العربية باعتبارها ردود أفعال مناهضة للأوضاع العربية القائمة، وبمثابة المحاولة المشروعة في رفض المظالم السلطوية والاجتماعية. والتي شكلت القاعدة المادية لنشوء الوعي الذاتي الفردي والجمعي لمثقفي النخبة العربية حينذاك، على اعتبار أن مثل هذه النخب العربية هي الواجهة الثقافية والمرجعية الواجب اتباعها والأخذ برأيها في عمليات التعبئة الجماهيرية الشعبية من أجل الوصول للسلطة السياسية الحاكمة في هذا البلد العربي أو ذاك. وبقيت الذهنية العربية الشعبية وللأسف، تراوح في مراحل بداوتها الرثة الأولى المُعشبة بروح القبلية والتفكير العشائري والعرقي والطائفي ومسارات التيه، والتجهيل ولم ترتق إلى مستوى المسؤولية والأحداث. والتي لا يُمكنها واقعياً أن تُنتج فعلاً ثقافياً عقلانياً يرتقي بأفراد المجتمع عموماً وقبولها الطوعي والنفعي في كثير من الأحوال، المهادنة والموالاة للطبقة الحاكمة خصوصاً وتنكرهم لدورهم ووظيفتهم الاجتماعية، وتجاوزهم المسؤولية القيمية القانونية والأخلاقية لذواتهم الوجودية والفكرية، ويصدق بهم قول الفصل في الحكمة المتوارية من قصيدة: (الأمم الأخلاق إن ذهبت ذهبوا).
ونرى في يوميات الربيع العربي التي نعتبرها أقرب لتوصيفنا للطفرة، هي حالة رفض وتمرد طارئة، سرعان ما تلاشت في ظلالها آمال وأحلام الخارجين في مداراتها اليومية في كل بلد من بلدان الربيع العربي، والذين حملوا راياتها بصدورهم العارية التي واجهت الرصاص والموت، وما تزال تواجه أسلحة القمع والطغيان متعددة الوسائط والأساليب. لأنها عفوية بنت ساعتها غير مؤسسة على التراكم النضالي والمطلبي، فضلاً عن فقدانها لقيادة مقتدرة وحكيمة مُتناسبة مع حالتها العفوية الطارئة. وغير مُحصنة ببرنامج واقعي ينظم صفوفها ويُسلحها بوعي ذاتها وقدراتها وتوجهاتها، بما يُمكنها من تحقيق أهدافها وصمودها لأكثر وقت من الزمن. ويُساعدها في خوض معركتها المشروعة لمناهضة الطغاة، ويُمكنها أيضاً من عدم التراجع أمام الضربات الدامية والموجعة من الأنظمة الدكتاتورية العربية الحاكمة أو الاختراق والاحتواء. فالنظم الحاكمة القمعية والأمنية الدكتاتورية العربية هي أكثر فعالية وشراسة ووحشية وتوحشاً في آليات قمعها وقدرتها في إدارة مفاعيلها القهرية، ومقدرتها الواضحة على كبح جماح حركة الجماهير الشعبية ونكوصها وتشتيت قدراتها واجتماعها وسعيها الحثيث لاختراقها بإحداث ثورات مُضادة، عبر تشكيل معارضات وهمية مؤتلفة من أفراد أو كتل بشرية انتهازية أو ممن يدينون بالولاء التام لخيارات الحاكم الطاغي وأجنداته الشخصية، وخادمة لاستمراره ومصالحه وديمومة بقائه وبقائها. وبالتالي تحقيق الانتصار الساحق على الفئات الاجتماعية الرافضة والمطالبة بحقوقها. والتي أفقدت الربيع العربي حتى مسوغات طفرته، بسبب قسوة الأنظمة العربية السلطوية الحاكمة وقدرتها على القمع ومزاولته وخبرتها الفائقة فيه، ولعل سورية أبلغ نموذج في هذا السياق.
 في حالة “طفرة” الربيع العربي التي حُرّفت عن مسارها وأهدافها النبيلة فقد اتشحت بوابة الوعي الفردي والجمعي المجتمعي في مدارات الوجود والوطن ومفاهيم المواطنة والحريات ومعابر الفكر والثقافة بالسواد، وغشيت ببؤس الثقافة والمثقفين وخروج حركة غالبية جماهير المثقفين والنخبويين خصوصاً من دثارها الثوري والوطني، ووصمها بعلاقات شبهة وسلوك خارج عن سياق مكارم الوجود والأخلاق، والظهور في مواقف غير مفهومة ولا مبررة بل مشبوهة في كثير من الأحوال. وسارت مثل هذه النخب الثقافية في غالبيتها بمثابة أبواق موصولة في لعبة المصالح الشخصية الضيقة والمزدوجة في مسارات مُغايرة، تنحو عكس تيارها ومناهل أفكارها ومراجعها الأيديولوجية والسلوكية، متدثرة بالسواد الدامي والنفاق السلوكي ومُتحصنة برمادية المواقف، التي تُطيح بكل ما هو جميل ومشرق في حياتنا العربية والإسلامية، لمصلحة السياسي المنافق والمهادن والمبرر لأفعال النظم الشمولية العربية الدكتاتورية وطغماتها الحاكمة. وهذا يدعونا للمكاشفة الفكرية والثقافية المرجوة والمُشتهاة في أزمنة انعدامها كطبقة طليعية فاعلة، واغتيالها في وضح النهار.
 حيث كانت وما تزال عموم قطاعات الشعب وخاصته وقودها، سواء رغبت أو تخاذلت أو صمتت أو انحازت لحكامها وجلاديها وقتلتها، كونها شعوباً مخدوعة أو مقهورة أو مُضللة وبأيديها مكنت الحكام الطغاة من التمسك بالسلطة واستقدام الدمار والخراب وأبحر الدماء المهدورة لأوطانها وشعوبها، وسعت من أجل تكريس أبديتها الحاكمية في استجلاب شذاذ الأفاق العالميين متنوعي الأهداف والمشاريع لاستعمار بلادنا العسكري المباشر، واستلاب مُتجدد لخيراتنا المادية والبشرية وما يتصل بها من قدرات وإمكانيات. وأمسينا كشعوب عربية في حسبة معيارية واحدة، مجرد عبيد وقطعان بشرية متحركة ندور في فلك بيدر المُستعمر الجديد وأفعال الطغاة وفسادهم. شعوب نعيش الصدمة الحياتية ولوثة الصدام الدامي ما بين الأخوة الأعداء. تلك الموصولة بالتآمر الدولي والعربي في بعض جوانبه، ونماذجها المعروفة مثل: (مؤسسات هيئة الأمم المتحدة) والنظام العربي الرسمي الحكومي (جامعة الدول العربية) والأيديولوجي (الأحزاب والحركات والمنظمات) بجميع تصنيفاته وأوصافه من (علمانية، وشيوعية، ويسارية، وعروبية، ودينية إسلامية) والغزوات الصهيونية والمجوسية والروسية والأمريكية وسواها. وما فعلته هذه النخب العربية المُثقفة في غالبيتها، والمتخفية في جلد حربائها الحزبية والأيديولوجية والعرقية والطائفية والثقافية والأمنية والعسكرية الصادمة للحريات خدمة للطغاة من الحكام.
ونحسب أن غالبية النخب العربية تلك الخارجة من جلدها وتكوينها ودورها الطبيعي هي من أكبر مصائب عالمنا العربي، والتي أصابت طفرة الربيع العربي بمقتل. والتي آثرت أن تستبيح بدورها المشبوه حريات الأوطان والأراضي والهوية والإنسان. نُخب في غالبيتها سقطت وتسقط في أوحال قذارتها ومعابر سلوكها الشائن والمفارقة لأقوالها ونظرياتها، وسوء أفعالها مواقفها وتنكرها لذاتها الفكرية ومكانتها الطبيعية، وتخليها عن لعب دور الطليعة الثورية والقدرة على تحمل المسؤولية وحمل راية الحرية وكرامة الوطن والمواطنة والإنسان. باعتبارها كانت ذات يوم –كما أسلفنا- تمثيلاً للطليعة المتوقع منها الشيء الكثير وبما كانت عليه كمعقد الآمال في سياقاتها المنطقية، حينما كانت مُنحازة لخيارات شعوبها العربية بخاصتهم وعامتهم. ولمُلبية لطموحات جماهيرها المتمردة والثائرة والمظلومة والرافضة لمعابر الطغيان العربية، والحاكمية الظالمة القائمة والحد من ظاهرة سرقة خيرات الأوطان المادية والبشرية وسفك دمها واستباحتها. لكنها يا لعارها انحازت للقاتل والفاسد وبالتالي خيانتها لطبقتها وتاريخها ومواثيقها الأيدولوجية وأهدافها وبرامجها، وآثرت وقوفها المفضوح بجانب الطاغية الحاكم والمستبد والدكتاتور. فشرائح النخبة العربية نجدها في غالبيتها أكثر تزمتاً وفاشية وقهراً لشعوبها وأوطانها، وبيعاً لمواقفها لمن يدفع أكثر. وكأنها بذلك هي مجرد سلعة في سوق النخاسة الحاكمية، وخديعة سياسية وثقافية وقنبلة موقوتة وصادمة انفجرت وما زالت تنفجر في صفوف الشعوب العربية التي تُنادي بحقوقها وحريتها وكرامتها وخروجها عن حاكمها الدكتاتور والظالم.
  فالمجتمعات العربية منذ تفرعات سايكس-بيكو، القطرية، محكومة بثقافة الاستبداد والفساد والانقياد، والخضوع التام لسلطة الحاكم العربي الطاغية منهم (الملكي والأميري والجمهوري والأيديولوجي) تلك المفروضة على بلداننا العربية التي عايشت حقبة الاستعمار الأوروبي والغزو المباشر وغير المُباشر. وقدمت نماذج هشة لدول حديثة الاستقلال، مُغلفة بتوهمها كدول وبقيت بعد الاستقلال الشكلي مسكونة بالنزعات الطبقية والعشائرية، وامتداد طبيعي لذاكرة “داحس والغبراء” ومرحلة البداوة الرثة. ومعبراً مناسباً لمغامري السلطة لاسيما العسكريين منهم لاغتصاب السلطة وخضوع بلدانهم في غالبيتها لأنظمة الحكم العسكرية، ذات المنهج والمحتوى الثقافي والفكري والسلوكي المربوط بذهنية “الحذاء العسكري” وشرعة تنفيذ الأوامر بلا مناقشة أو اعتراض أو محاورة عقلانية أو تردد أو تململ من شعوبها واجبارها بوسائطها الأمنية والقمعية بجميع مكوناتها وأدواتها، السير في هدى القائد الملهم والمنزه والدكتاتور الممنوح سلطاته من سلطة الرب.
  في ظلال النظم العربية الدكتاتورية تم اغتيال الثقافة والوعي الثقافي والفكري بأبشع الصور والأشكال، وأمست المحاورة أو المثاقفة والفعل الثقافي المحمول بالوعي الجمعي والمجتمعي جريمة كبرى تودي بصاحبها إلى مقصلة الإعدام مباشرة وبلا تردد. وكانت الثقافة وما زالت في مفاعيل الوعي العقلاني مُصادرة ومُغيبة. وهي الضحية الأولى والأخيرة في مساقات وعي المواطن العربي القاصر لذاته ودوره في بناء قيم المجتمع، والمُنكشف على استبداديته المعروفة والمغايرة تماماً لمسالك الوعي الحقيقي القاضي بإعمال العقل والمكاشفة المحمودة من أجل بناء مواطن ووطن مُعتز بأبنائه وكرامته وحرياته وديمقراطيته.
 لقد عاشت الشعوب العربية وهم الثقافة وتوهمها كنخب ردحاً من الزمن، وكانت اللحظة الفارقة والكاشفة في طفرة “الربيع العربي” لتكشف تخاذلها في أول تجارب حقيقية لشعوبها في مواجهة الحكام الطغاة والمُصنعين. وبالتالي وضوح المواقف والرؤى والرؤيا وتبيان حالات النكوص والخذلان، وخواء الفكر والوعي والممارسة الثقافية في حياتنا اليومية الأسرية والمجتمعية، وبجميع المعابر والمكونات والفعاليات والسلطات المتساوقة مع ثقافة البهائم، ولكل حظيرة عربية “مرياعها” الذي يقود قطيعه ودوره الوظيفي في مستوى “بهيميته” وعبوديته لأسياده، ونفعيته وذكورته وغروره وبقائه على رأس قطيعه في سلطة قمعية لشعوبها وخيرات أوطانها وكرامتها. 
  كانت رياح التغيير العربية الفطرية والعفوية والصادقة في راهن العرب المعاصر، مُتجلية في أبهى صورها من خلال “طفرة الربيع العربي” والتي كانت بداياتها مُبشرة وواعدة ومبتدأها تونس ثم بقية الأقطار اليمن أو ليبيا أو مصر وسورية. لكن وظيفية الحكام الطغاة المُصنعين عبر (سايكس-بيكو) -كما أسلفنا- ومتوالياتها وصولاً لاجتياح العولمة متعدد المجالات والميادين والكاسحة والمراعية لمصالحها الأمريكية، ومصالح التحالف الدولي الأعجمي العالمي والرأسمالي الربوي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية خصوصاً، والتي تلمست المنطقة العربية مداراتها الأولى وفق استراتيجيات بناء الشرق الأوسط الجديد أو الكبير أو الفوضى الأمريكية الخلاّقة.
 تلك الاستراتيجيات الأمريكية القائمة على اللعب على حبال التوهم والمشاعر وإذهاب العقول العربية المُفكرة، واتباع ثقافة الاحتواء لعدمي الموهبة والكرامة لتصنع منهم بيادق فاعلة ومتحركة في خدمة مصالحها بيادق بمرتبة حكام عبيد طغاة. وأدخلت العالم العربي ودول الربيع العربي في ماخور التيه والضياع واختلاط جميع الأوراق القيمية والهويات الوطنية والقومية والعقائدية. ولتمسي حركة الجماهير الشعبية والمدنية والأيديولوجية والأصولية الدينية والطائفية المُعلبة الإسلامية والمسيحية وسواها، وقوداً سهلة ومناسبة لتطبيق استراتيجية “الفوضى الخلاقة ” الأمريكية بجميع قذاراتها، تلك المصنعة في معامل اختبارات الأجهزة الأمنية والعسكرية والاقتصادية المتناسبة ولعبة الأمم والمصالح.
 جعلت من ” الربيع العربي” بمثابة الثورة المُبشرة بالتغيير وقلب المعادلة الحاكمية، وثورة شعبية عفوية ساعية لإسقاط أنظمة العسكر والاستبداد العربية، وتسعى بالوسائط السلمية أن تُجبر تلك السلطات القمعية على مغادرة مواقعها وكراسيها الفاسدة إلى غير رجعة. إلى مُجرد سحابة صيف وتوهم ثورة. لتمسي طفرة ” الربيع العربي” نسمة عابرة في سماء العرب تتلاشى في متاهات العسكرة المقصودة، وتفقد خاصيتها وهدفها وجوهرها من خلال ركب الولايات المتحدة الأمريكية صهوتها وموجتها وتغيير مساراتها، ونجاحها بإخراجها من ميدانها الحقيقي كشعوب ثائرة، وتحويلها لحروب اهلية وحملة سلاح وقتلة إرهابيين وخارجين على القانون.
 ولتنفث فيها سمومها المتناسلة-كما ذكرنا- من استراتيجيات ” الفوضى الأمريكية الخلاقة” ولتفعل فعلتها الشائنة والمثيرة للجدل، والقائمة على تشويه مسارات الربيع العربي وفق منطقها العدواني التي أدخلت المنطقة العربية ودول الربيع العربي في مغربه ومشرقه في أتون حروب أهلية دموية وطائفية وأصولية ما بين الأخوة الأعداء. مبنية على مفاعيل مقولة: أن العرب لديهم كل (القابلية للاستعمار) -على حد قول “مالك بن نبي”- والتخلف المستوطن في العقول والحواس والأفعال. وبالتالي استنهاض بداوتهم الرثة وعشائريتهم الدامية والماثلة في سلوك الكبير منهم قبل صغيرهم، والذكورة قبل الأنوثة. ولتنشب براثين أظافرها القاتلة في المعتقدات الدينية، وتجعلها حروب مُستترة حينا، ومُعلنة في كثير من الأحيان على الدين الإسلامي الحقيقي وهدم قيمه وتشويهه وترويج مظاهر إسلامية خادعة، عرقية وطائفية مُصنعة بأيديهم وحصرها في حروب ضروس ما بين سنة وشيعة. تحقيقاً لمآرب عدوانية وأهداف استعمارية متجددة، تنسجم وتاريخهم الحافل بمظاهر حروب فرنجة متعددة الجنسيات. وما اختراع فصائل وحركات على شاكلة “داعش وأخواتها”، وتعميم سلوكهم العدواني تحت أكاذيب ” محاربة الإرهاب”-والارهاب في عرف الأعاجم والأمريكي خصوصاً هو “الدين الإسلامي السني” – ولتغرق دول الربيع العربي في حروب داخلية وأهلية طاحنة مُبددة للثروات الوطنية والقومية، ومُدمرة للأبعاد الوجودية والتاريخية والحضارية والمعالم الثقافية، وقاتلة للطبيعة وحرية وكرامة الإنسان.
 ولا يتوهم أحدٌ قط، أن الولايات المتحدة الأمريكية وعملائها في المنطقة العربية براء، فهي ما زالت مُمسكة بخيوط اللعبة القذرة السياسية منها والعسكرية والاقتصادية وخلافه. تُحركها وفق رؤية مصالحها وبرامجها التكتيكية والاستراتيجية، عملاً بفلسفتها الذرائعية والتبريرية الحالية والقائمة على أساس: (التضحية بالآخر) غير الأمريكي بالطبع. وتصلها منافعها وإتاواتها المالية في راحة تامة، وبالتوازي مع قاعدتها المتقدمة في المنطقة العربية والمتمثلة بالكيان الصهيوني الذي يعيش أجمل أيامه الذهبية من الأمن والأمان وحرية الحركة والتدخل والعربدة العسكرية والدبلوماسية متطاولة المنافع.
 لقد فقدت طفرة “الربيع العربي” في ظلال الفوضى الأمريكية الخلاّقة في يومياتها الطموحة مبررات فرحتها، وطوت مساحة حلمها المشروع في الحرية والكرامة والتغيير وإحقاق الحقوق المدنية المطلبية والخدمية البسيطة، واستبدالها بمشاريع جديدة متناسلة مع تجليات الفوضى الأمريكية الخلاقة، وإعادة انتاج سايكس-بيكو جديد على الطريقة الأمريكية لقرن قادم، من خلال ضخ الروح الجديدة في هياكل ميتة وعدمية وآيلة للسقوط، لأنظمة متكلسة وبالية فقدت مبرر وجودها وقدرتها على لعب دورها العبودي في مدارات اللعبة الأمريكية القذرة. وأية نظرة موضوعية متفحصة لدول الربيع العربي وسورية على وجه التخصيص تشي بحقيقة الواقع، وحجم المأساة التي تعيشها شعوبنا العربية، ثمنا لبقاء حاكم طاغية ودكتاتور على كرسي الحكم، وجوده على رأس السلطة، يُعد من ضرورات استعمارية أعجمية وصهيونية خالصة أمريكية جملا وتفصيلا. وأصبح الحلم العربي في ربيعه مجرد طفرة عابرة في مدارات العرب العاربة والمتصهينة. 
هذا السلوك الشائن من غالبية النخب العربية المثقفة، ينسحب على جميع فعاليات ومكونات المجتمعات العربية التي كانت تعيش حالة نفاق مع ذاتها النفعية، ومصالحها المغلفة بأوراق “سلوفان” زاهية وبراقة وخادعة. وثبت أنها طبقة انتهازية ونفعية ومجرد خدم وتابعين وعبيد لمصالحهم الموصولة بالطبع بمصالح الحاكم العربي الطاغية ودولته الأمنية. تدثروا لباس الكهان والرهبان والأئمة والمنظرين السياسيين والمبررين لأفعال الحاكم الطاغية وبطانته وحاشيته، وخانوا ذواتهم الفكرية والاستنسابية بأقل المكاسب الأنية الضيقة حفاظاً على رؤوسهم وديمومة بقائهم في ظلال الحاكم الدكتاتور ومنافعهم لديه ومنافعه لديهم، وجوه لعملة واحدة ديدانها قتل وتدمير وفساد وفقدان بشر وخيرات أوطان. 
إن المجتمعات العربية تغوص في بحر جهلها وتخلفها، وهي ما زالت مجتمعات رعوية في فطرتها، تعيش بداوتها الرثة بالرغم من مواكبتها الخادعة والمُتساوقة مع رياح العصر العولمي والمعلوماتي والتقني، آلية في سلسلة سلوكها وأشبه بماكينة تقنية متحركة في فضاء العدم التفكُّري -كما أسلفنا- موصولة بثقافة الانتقال الفطري بالعدوى وتقنيات التعلم المُستعار مُنحازة في بداوتها الرثة لثقافة الاستبداد والعشائرية والقبلية، والانقياد البهيمي لسلطة الحاكم بأمره ومزرعته ومملكته وإمارته وجمهوريته وحزبه وأيديولوجيته.
 وهي حالة عامة ومتماثلة في جميع الدول العربية من المحيط إلى الخليج عموماً ودول الربيع العربي على وجه التخصيص. حكام طغاة وحكومات مستبدة وطاغية جملة وتفصيلا عسكرية أو شبه مدينة، وشعوب فقيرة ومُجهلة وتعيش أوضاعها الحياتية المزرية ومجرد كتل بشرية تسير في ركاب مشيئة الحاكم القائد والمعصوم والدكتاتور بسلطته الأمنية والقمعية المتوهمة بأن سلطاته المستبدة تزيفاً لواقع وحقائق. أو تلك الأكاذيب المكشوفة لسلطتهم الممنوحة من الله ومن الشعب وعلى طريقته الخداعية أيضاً قوامها القمع والحذاء العسكري والقبضة الأمنية، لا مكان فيها لحرية الرأي والفكر والثقافة والمحاورة. والوطن بجميع مكوناته وثرواته هي ملكية خاصة للحاكم الطاغية ولورثته من بعده، الشعب فيها مجرد بيادق وعبيد منتجين خدمة لمنافع القائد الدكتاتور وحاشيته وبطانته. دورهم فقط فتات لاستمرار حياتهم في أروقة مزرعته والتي يسمونها مجازاً وطن. وطن مُختزل بشخص فرد بحجمه وشخصانيته الفردية الأبدية المفتوحة على القتل والاستبداد والفساد والدم المراق هنا وهناك.
 هذا الأمر يقودنا لإجراء مكاشفة منطقية وحوار تفاعلي بناء، ومُصالحة ثقافية فكرية في جميع أبعادها الوجودية والرمزية والواقعية مع الذات العربية، كأفراد يعيشون في ظلال أسر ومجتمعات محكومة بتاريخ وعادات وتقاليد وثقافة مجتمعية ومعايشة يومية مع الأحداث الكبرى والطفرات، وحكام وأحزاب وتيارات ومدارات أفكار متعارضة ومتناقضة في كثير من الأحيان. وتستوجب بحكم الضرورة هذه المُكاشفة الحوارية الصادقة مع الواقع العربي ووقائعه المؤلمة والتي تدعو للرثاء.
 لأن الثقافة الحقيقية والموضوعية ومزاولتها حسب اعتقاد الحكام الطغاة وحاشيتهم وبطانتهم الأمنية، هي ترف فكري ومضيعة للوقت ومُذهبة لعقول الناس، وتقود لمواقف وأماكن لا يرغبها الحاكم الطاغية ولا يسمح بها، لأن في تداولها ما بين صفوف الشعب هي حتما نهاية له. ولذلك كانت طلقة الرحمة الأولى والأخيرة من قبل الحاكم العربي الطاغية والدكتاتور والمستبد وأجهزته الأمنية والقمعية متوجهة نحو الثقافة والمثقفين الحقيقين. واستبدالها بديمومة تواجده على كرسيه الأبدي. ولتمسي الثقافة الحقيقية الضحية والقربان بأن معاً وتُدجن لمصالح الحاكم الدكتاتور ولتغدو أداة طيعة خادمة لديمومته. ومُكرسة لفلسفته القائمة على المحو والإمحاء الثقافي وإذهاب العقول، وانتفاء مساحات الوعي الذاتي الجمعي والمجتمعي والعودة للبداوة الرثة بجميع مساوئها.
 
قد شكلت الثورات المضادة لطفرة الربيع العربي والمتجلية في أشكال وتشكيلات سياسية واقتصادية وعسكرية، المُنتجة في المعابر المُستحبة والمتاحة لصناع القرار الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في ظلال إدارة الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” في ولايتيه الأولى والثانية، وشكلت رافعة حامية وداعمة لقواعدهم العربية المُعلنة والخفيّة، والمُتجسدة بالحكام الطغاة التي ساهمت في تخيرهم ودعمهم من أجل قمع شعوبهم وسرق خيرات بلدانهم البشرية والمادية. ومن خلال ركوبهم موجة الربيع العربي وطفرتها وفطرتها وصدقها مع شعاراتها المرفوعة: ” الشعب يُريد اسقاط النظام” ومراوحتها في المكان. وأخرجتها من واحتها وجوهرها المطالبة بالحرية والكرامة وبعض الحقوق. لتحولها إلى مجرد حركات تمرد وانشقاقات وفصائل مسلحة وإرهابين يحملون السلاح، وخلطت جميع الأوراق الخيرة بالشريرة، بالجاني القاتل الدكتاتور وموازاته بالضحية والمظلوم والمقتول، وافتعال حروب أهلية دموية وطائفية وعشائرية واصولية ما بين أبناء الوطن الواحد، والتسريع في دخول الجميع في الحلقات المفرغة والدوران في مدارات التيه وضياع الهوية والأوطان والمواطنة والتاريخ والأرض والإنسان. وبالتالي الحفاظ على الأنظمة الفاسدة والقاتلة وتمكينها من الحاق الهزيمة بشعوبها ونهب ما تبقى من ثرواتها وتاريخها ووجودها كدول، وتعزيز الأجهزة القمعية والأمنية لأنظمة الطغاة العرب لاسيما في سورية. وما التحالف الخفي معها في سياق مخرجات الحواضن التي تحتويها جعبتها السياسية والإعلامية تحت أكاذيب “محاربة الإرهاب”. وبالتساوق أيضاً مع فشل دول طفرة الربيع العربي في الخروج من أزماتهم وما تخلله من أحداث ومتغيرات، تشي بحقيقة الواقع المؤلم لتلك الدول والتي أمست لا تملك قرارها، وهي تابعة هامشية ولعبة متحركة في مسارات الألعاب الدولية والتي تُمسك الإدارة الأمريكية سواء أكانت جمهورية أو ديمقراطية جميع خيوطها. وقُبرت أحلام الحالمين من الشباب العربي الذين كانوا وقوداً مجانية لطفرة الربيع العربي. ولم ترتق حركتهم الاحتجاجية إلى مستوى التنظيم والتعبئة الجماهيرية وإنتاج واختيار البرامج المناسبة والقادرة على المواجهة وولادة قادة من داخلهم ومتساوقة مع أحلامهم وأمانيهم في الحرية وسُبل نيلها بعضاً من الحقوق المدنية والمطلبية المشروعة وبقيت في سياق طفرة عابرة وحسب ولم تصل إلى الحد الأدنى من مفهوم ثورة.
 لتحميل المقال من هنا
 
 
 

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز برق للأبحاث والدراسات 

جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للأبحاث والدراسات © 2017

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق