الاصداراتمشاهد

الجزائر وَالمغرب، أزمةٌ جديدةٌ فِي العلاقاتِ العربيّةِ العربيّة.

مقدمة:

تشهد العلاقات بين الجارتين الجزائر والمغرب توترًا منذ عقودٍ بسبب خلافاتٍ على عدة ملفات، أبرزها الحدود البرية المُغلقة منذ عام 1994، وإقليم الصحراء المتنازَع عليه بين الرباط وجبهة “البوليساريو”، لكن وتيرة الأزمة ارتفعت مؤخرًا بعد قطع الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب وسط اتهاماتٍ متبادلةٍ بالمسؤولية عن التسبب في تأجيج الأوضاع، ما يثير تساؤلاتٍ عن مستقبل الأزمة القائمة والمسارات التي يمكن أن يدخل فيها الطرفان.

إعلان الجزائر قطع علاقاتها الرسميّة مع المملكة المغربيّة:

بعد أشهرٍ من التوتر المتصاعد وتبادل الاتهامات بين المغرب والجزائر، أعلن وزير الخارجية الجزائري رمطان العمامرة، عبر بيانٍ متلفزٍ يوم 24 من آب/أغسطس، قطع علاقات بلاده رسميًا مع المغرب، وسرد عدة مبرراتٍ للقطيعة، أبرزها:

– قيام المغرب بــ”أعمالٍ غير وديةٍ وعدائيةٍ ضد بلاده منذ استقلالها”[1].

– تنفيذ أجهزة الأمن والدعاية المغربية حربًا إعلاميةً واسعة النطاق ضد الجزائر.

– دعم حركتي “الماك” و”رشاد” المُتهمتين بالضلوع في حرائق الغابات الضخمة التي شهدتها البلاد، وقتل وحرق الشاب جمال بن إسماعيل.

الخارجية المغربية أعربت عن أسفها للقرار الجزائري “غير المبرر”، ورفضت بشكلٍ قاطعٍ “المبررات الزائفة والعبثية التي بُني عليها القرار” – على حد وصفها -، معتبرةً أنّ هذا القرار “كان متوقعًا بالنظر إلى منطق التصعيد الذي تم رصدُه خلال الأسابيع الأخيرة”[2]، حيث تعتزم إغلاق سفارتها في الجزائر ردًا على هذا الإجراء[3].

قرار القطيعة سبقه بأيام اجتماع استثنائي للمجلس الأعلى للأمن الجزائري بحضور الرئيس عبد المجيد تبون؛ لإعادة النظر في علاقات بلاده بالمغرب[4]، برغم توجيه ملك المغرب محمد السادس دعوةً للجزائر لإنهاء الخلاف القائم بين البلدين وفتح الحدود بينهما دون شروط[5].

لكن السبب المباشر للأزمة الدبلوماسية الأخيرة، هو إثارة وزير الخارجية الجزائري رمطان العمامرة قضية الصحراء الغربية، خلال اجتماع حركة “عدم الانحياز”، الذي عُقد في شهر تموز/يوليو الماضي، عَقِبَ دعوته الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس إلى الإسراع في الوصول إلى حلٍ سياسيٍّ عادلٍ ودائمٍ يضمن حق تقرير المصير لشعب الصحراء الغربية[6]، ليردَّ عليه مندوب المغرب في الأمم المتحدة عمر هلال بمذكِّرةٍ وزعها على أعضاء الحركة الدولية، استنكر فيها إثارة العمامرة للقضية، مُعلنًا دعم بلاده لـ”حق تقرير مصير شعب القبائل”[7]، ما دفع الجزائر لاستدعاء سفيرها في الرباط للتشاور، مبررةً ذلك بعدم تلقيها أي توضيحاتٍ من السلطات المغربية بشأن موقفها من حديث هلال الأخير.

أبرز ملفات النزاع بين المغرب والجزائر:

في واقع الحال فإنَّ قضية الصحراء الغربية ليست الملفَّ الوحيد الذي يشكّلُ جانبًا من النزاع بين الجانبين، إلا أنّها ملفٌ أساسيٌّ في تصعيد التوتر بسبب تضاربِ أهداف كلِّ طرف فيها؛ فالرباط ترى أن من حقها السيادة على الصحراء الغربية، فيما تدعم الجزائر جبهة “البوليساريو” التي تخوض نزاعًا من أجل “الاستقلال”، لتردَّ المغرب على ذلك بدعم حركة “استقلال منطقة القبائل” في الجزائر والمعروفة باسم “ماك” المُصنّفةٌ على لوائح “الإرهاب” في الجزائر[8].

كما توجه الجزائر اتهامات للرباط بدعم حركة “رشاد”، عبر قادةٍ سابقين في “جبهة الإنقاذ الإسلامية” – المصنّفة أيضًا على قوائم “الإرهاب” في البلاد[9]، إلى جانب اتهامها بالتجسس على مسؤولين ومواطنين جزائريين عبر برنامج “بيغاسوس”، حيث أكدت وزارة الخارجية الجزائرية: “إنها تحتفظ بالحقّ في تنفيذ استراتيجيتها للرد”، لكن المغرب رفض تلك الاتهامات[10].

العلاقة بين البلدين شهدت بوادر التأزم بشكلٍ أكبر في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر 2020 بعد التدخل العسكري المغربي في النقطة الحدودية لـ”الكركرات” العازلة بين الصحراء الغربية وموريتانيا، وذلك ردًا على توغل جبهة “البوليساريو” بالمنطقة[11].

بالمقابل تتهم المغرب جارتها الجزائر بمحاولة تصدير أزمتها الداخلية إلى الخارج، في إشارةٍ إلى الحراك الشعبي وردود الفعل الغاضبة على الفشل أمام موجة الحرائق وأزمة كورونا[12]. كذلك هناك اتهامات متبادلة حول محاولة كل طرف إغراق الآخر بالمخدرات[13]، ويبدو أن السبب الأهم في الخلافات القائمة بين الجارتين منذ عقود هو “انعدام الثقة” بينهما.

ولم يكن الملف الاقتصادي بعيدًا عن الخلاف بين الجانبين، إذ أعلنت وزارة الطاقة في الجزائر التزام بلادها بتغطية جميع إمدادات إسبانيا من الغاز عبر خط أنابيب مباشرٍ يربط البلدين، وبالتالي التخلي عن خط أنابيب “ميدغاز” الذي يمرُّ عبر المغرب، والذي كانت تستفيد منه الرباط عبر العائدات المالية مع كمياتٍ سنويةٍ من الغاز، وجاء الإعلان بعد “تكذيبٍ” رسميٍّ للسلطات المغربية بأنها غير مستعدةٍ لدعم مرور الغاز عبر أراضيها[14].

وبرغم أنَّ الأزمة بين الجارتين قائمةٌ منذ عقود؛ إلا أنّها لم تؤدِّ إلى قطع العلاقات الدبلوماسية إلاّ في الفترة الأخيرة، فيما تسود الآن مخاوف من قطع العمل القنصلي كذلك، ما سيكون له ضررٌ بالغٌ على مواطني البلدين، وربما هذا ما يُفسّر سبب الحملات المتكررة على مواقع التواصل من قبل الجزائريين والمغاربة للتأكيد على أنَّ المشكلة “ليست بين الشعبين وإنما بين الحكومتين”، فيما ندد نحو 200 مثقف وأكاديمي بالمجتمع المدني في الجزائر والمغرب بالتدهور الأخير في العلاقات، ووقعوا على عريضة “العودة إلى العقل” لإنهاء التوتر، محذرّين من أنَّ الأزمة القائمة تتعارض مع مصالح الشعبين والمنطقة، وقد تسفر عن “مواجهة غير طبيعية”[15].

قرار الجزائر الأخير دفع دول مجلس التعاون الخليجي ومصر وموريتانيا إلى بذل جهود دبلوماسية لتقريب وجهات النظر بين الطرفين، وإيجاد حلول لإنهاء الأزمة القائمة بالحوار، كما دخلت فرنسا والولايات المتحدة على الخط، ودعت إلى تحسين العلاقات الثنائية بين البلدين، بهدف معالجة قضايا إقليمية وثنائية بشكل أفضل مثل “الإرهاب والهجرة غير الشرعية وتهريب المخدرات والتكامل التجاري” إلا أنه هذه الجهود لا تزال غير فعالة.

الخاتمة:

على ضوء ذلك؛ فإنَّ الخلاف الجزائري المغربي مبنيٌّ على العديد من الملفات الخلافية المتراكمة بين الجانبين، والتي لا يبدو أنَّ من الممكن طيّها أو تجاوزها بسهولة؛ بسبب عدم تقديم أي من الطرفين أيَّ تنازلات أو بوادر حسن نية في ظل أجواء عدم الثقة؛ خاصة فيما يتعلّق بالتهديدات المتعلقة بالأمن القومي لكلا الجانبين اللّذين يدعم كلٌّ منهما أطرافًا لدى الآخر تسعى لنيل الاستقلال مثل جبهة “البوليساريو” أو “حركة استقلال منطقة القبائل”، ما يزيد في تعقيد خيوط التقارب بين البلدين، ويُصعّب الوصول إلى تسوياتٍ مُرضية. وبالرغم من التوترات والتدهور المستمر في العلاقات؛ ولن تحول الأزمة إلى  نزاعٍ عسكريٍ مسلحٍ بينهما لعجز الطرفين عن تغطية حربٍ مفتوحة، لذلك لم تظهر طوال العقود الماضية بوادر الرغبة في المضي قدمًا نحو خيار الحرب المباشرة، وإنما القيام بإجراءاتٍ سياسيةٍ ودبلوماسيةٍ واقتصاديةٍ مضادة، أو حرب بالوكالة.


[1] https://2u.pw/lcCqS

النهار، العمامرة: ثبت تاريخيًا أن المملكة المغربية لم تتوقف يومًا عن القيام بأعمال عدائية ودنيئة ضد الجزائر

[2] https://2u.pw/ZyWWY

أصوات مغاربية، بعد القرار الجزائري.. رئيس الحكومة المغربية لـ “أصوات مغاربية”: عودة العلاقات قدر محتوم

[3] https://2u.pw/uoxQK

عربي بوست، بعد قرار قطع علاقاتها بالرباط.. الجزائر تلمح للاستغناء عن خط لنقل الغاز إلى أوروبا عبر المغرب

[4] https://2u.pw/X9Tlw

وكالة الأنباء الجزائرية، تبون يترأس اجتماعًا استثنائيًا للمجلس الأعلى للأمن

[5] https://2u.pw/yqeHc

هسبريس، نص الخطاب الملكي في الذكرى الـ 22 لعيد العرش

[6] https://2u.pw/RmF3U

سبوتنيك، وزير خارجية الجزائر يدعو المجتمع الدولي إلى الاهتمام بقضية تجدد القتال في الصحراء الغربية

[7] https://2u.pw/l8nMH

البوابة الوطنية، المغرب يرد على استفزازات وزير الخارجية الجزائري الجديد أمام اجتماع حركة عدم الانحياز

[8] https://2u.pw/BMie5

تغريد في تويتر لرئاسة الجمهورية الجزائرية

[9] https://2u.pw/X2Klq

بي بي سي عربي، ماك ورشاد: ماذا نعرف عن هاتين الحركتين ولماذا صنفتهما الحكومة الجزائرية ضمن “قائمة الإرهاب”؟

[10] https://cutt.us/z8cuH

الحرة، بيان رسمي جزائري بعد تقارير عن تجسس المغرب على مسؤولين عبر “بيغاسوس”

[11] https://2u.pw/EBiQv

القدس العربي، قصف للبوليساريو يستهدف معبر “الكركرات” والجيش المغربي يرد

[12] https://2u.pw/c5h1A

عربي 21، تصعيد غير مسبوق بين الجزائر والمغرب.. ما مصيره؟

[13] https://2u.pw/aWHDO

عربي اندبندنت، تهمة تهريب المخدرات توتر العلاقات الجزائرية المغربية

[14] https://2u.pw/SCaDo

الأناضول، الجزائر تتخلى عن إمداد إسبانيا بالغاز عبر المغرب

[15] https://2u.pw/Cg3jn

بي بي سي عربي، الجزائر والمغرب: مثقفون وناشطون يوجهون “نداء إلى العقل” ويدعون لحل الأزمة بين البلدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
برق في صندوق بريدك !

اشترك في قائمة مركز برق البريدية ليصلك كل جديد عبر بريدك الإلكتروني