الاصداراتالنافذة الإسرائيليةترجماتمتفرقات 1

الجذور الاجتماعية للاضطرابات الإسرائيلية

الجذور الاجتماعية للاضطرابات الإسرائيلية
 
كانت “دافني ليف” إحدى المُشاركات في الاحتجاجات التي اندلعت في إسرائيل مؤخرًا، وهي الاحتجاجات التي بدأت في منتصف شهر يوليو/ تموز، وذلك عندما لم تستطع ليف -الناشطة والمخرجة الإسرائيلية-تحمل تكلفة الإيجار الآخذ في الارتفاع. وبدلًا من البحث عن شقةٍ جديدةٍ، اتجهت إلى شارع روتشيلد -الأكثر فخامةً في المدينة- لتنصب خيمة وتدشن حملة عبر الفيس بوك تدعو المواطنين من خلالها للانضمام إليها. سرعان ما اشتعل فتيل الاحتجاج ليعصف بمشهد اجتماعي أطبقت عليه عقودٌ من الإصلاحات النيوليبرالية الشرسة. أعقب ذلك سبعة أسابيع من الاحتجاجات المشتعلة، لتصل إلى أوجها في 3 سبتمبر/أيلول عندما اجتمع أكثر من 450 ألف شخص -وهو ما يعادل 6% من إجمالي عدد السكان- في المظاهرات التي اندلعت في تل أبيب وحيفا والقدس وانتشرت في جميع أنحاء البلاد.
ولا تعتبر احتجاجات الإسكان أمرًا جديدًا بالنسبة للإسرائيليين، فاحتجاجات حي الشيخ جراح شرقي القدس والعراقيب في النقب ليست إلا بعض الأمثلة الأخرى. لكن الجديد في هذه الاحتجاجات هو الشرائح الاجتماعية التي بدأتها، والتي لم تتضمن أكثر الشرائح تضررًا من الخلل الاقتصادي؛ مثل المراكز السكانية المتداعية في النقب وسديروت ولا الشرائح المُعدمة أو جنوب تل أبيب المليء بالمهاجرين. ولكنها تضمنت المناطق الشمالية الغنية من المدينة، تلك التي ارتاد سكانها الجامعة العبرية وجامعة تل أبيب والمعاهد الدينية الخاصة بالنخبة؛ أولئك الذين أدَّوا الخدمة العسكرية وأبناء الطبقة البرجوازية أو البرجوازية المتداعية الذين كانوا يتوقعون وصولًا سلسًا إلى مستقبل مُزدهر، ثم اصطدموا بأطلال عقد اجتماعي إسرائيلي مهشَّم.
بدأت الشكوى مع الزيادة السريعة في أسعار الجُبن، ثم انتقلت لأزمة الإسكان، ثم توسعت لاحقًا لتصبح أزمة عامة: بلدٌ مليءٌ بالمليارديرات، لكنه بلا شبكة نقل تعمل بكفاءة. بلدٌ يُنتج طائرات زنانة عالية التقنية تُباع للجيوش في جميع أنحاء العالم، لكن تحصل ثلث قوته العاملة على الحد الأدنى للأجور. بلدٌ لا يزال صدى كلمة الاشتراكية يتردد في بعض أركانه، لكنه ثاني ديمقراطية صناعية على مستوى العالم تتسم باللامساواة الاجتماعية. وانصبَّ اهتمام الاحتجاجات في هتافاتها وشكاواها ومطالبها على الثورة والعدالة الاجتماعية داخل إسرائيل، ولم تعبأ بأربعة ملايين فلسطيني محاصرٍ في غزة أو في الضفة الغربية، ولا بأولئك اللاجئين في مخيمات الشتات.
 
وقد شملت التركيبة الديموغرافية للمظاهرات نطاقًا واسعًا من السكان. إذ بدأها خريجو الجامعات المنتمون للطبقة الوسطى. ولكن انتشار المظاهرات في المستوطنات يُشير إلى أن الاحتجاجات ضمت قاعدة اجتماعية-اقتصادية واسعة. والأهم هو مشاركة الطبقة الدنيا: اليهود العرب (المزراحيم)، والتي تُقدر أعدادهم بحوالي 90% من سكان البلدات الحدودية المحفوفة بالمخاطر مثل بلدات شمال وجنوب إسرائيل، حيث تتعمد النخبة الأوروبية البيضاء تسكين المزراحيم على الشريط الحدودي لدولة إسرائيل حماية لحدودها. أما القاعدة الأكبر للاحتجاجات فشغلتها الطبقة الوسطى – حوالي 60% من المتظاهرين- وعلى عكس الانتقادات التي وُجهَت للاحتجاجات لاقتصارها على فئات معينة، شارك عرب إسرائيل أيضًا في المظاهرات وخرجوا إلى الشوارع والساحات العامة في إسرائيل بمدن الناصرة وعرابة وسخنين وباقة الغربية وحيفا ويافا وأماكن أخرى.
 
وتُشير استطلاعات الرأي إلى أنَّ نحو 87% من الإسرائيليين أيَّدوا الاحتجاجات. من بينهم 98% من ناخبي حزب كاديما، و95% من ناخبي حزب العمل. والحزبان يُعدَّان من معاقل الطبقة المتوسطة والمتوسطة العليا. كما أيَّد الاحتجاجات نحو 85% من ناخبي حزب الليكود الذي يرأسه بنيامين نتنياهو، والذي يعتمد في جزء من دعمه على الطبقات الفقيرة. في حين دعم 87% من حزب شاس -الذي يمثل الركيزة الأساسية للمزراحيم- تلك الاحتجاجات أيضًا.
وهذه الإحصائية الأخيرة تحمل دلالة هامة، فعرب إسرائيل، خوفًا من قمع الدولة ويأسًا من إظهار الولاء لكيان -لم يرغب فيهم من البداية -كانوا تاريخيًا مترددين إزاء الخروج إلى الشوارع، ودائمًا ما كانوا قلقين من عنف الدولة وتحذيراتها الشفوية ووصمهم بالخيانة.
يغض الكثيرون الطرف عن هذه الاحتجاجات باعتبارها مجرد شكوى مستوطنين من ارتفاع الإيجار. لكن هذه النظرة تغفل عن الطبيعة غير المسبوقة لتلك الاحتجاجات. فمن قبل تأسيس إسرائيل، أقْصيَت أسئلة الطبقية الاجتماعية، والقمع والتباين الاجتماعي داخل المجتمع اليهودي من الأجندة الإسرائيلية. “نضمن أمن الدولة أولًا، ثم نعالج مسألة الفقر” كانت تلك هي العبارة التي ترددها “الطبقة الجديدة” من الجنرالات ومسؤولي الحكومة بالتعاون مع الرأسماليين اليهود، في الداخل والخارج، الذين أسسوا إسرائيل.
ولكن الحديث عن الطبقية الاجتماعية من شأنه أن يؤسس لمشروعٍ اجتماعيٍ يختلف عن ذاك الذي تَخَيلته النخب الإسرائيلية التي حرصت على بناء دولة يهودية “يؤدي فيها اللصوص والعاهرات اليهود أعمالهم بالعبرية”(1) على حد قول دافيد بن غوريون. لذلك أُرجِئَتْ -في خضم الحرب المُستمرة- احتياجات الطبقة الفقيرة بشكل دائم.
هل وصل هذا التأجيل إلى نهايته إذًا؟ لا يزال الوقت مبكرًا لإطلاق حكم نهائي، ولكن يبدو أن هناك أمرين واضحين بهذا الصدد. الأول: هو أن هذه الاحتجاجات لن تكسر بنية السلطة الإسرائيلية. والثاني: هو أن ما حدث يُمثل تصدع أولي -يُنذر بتصدعات لاحقة- داخل الصهيونية.
 
سيكون جيدًا إذا ما كنت مخطئًا بشأن النقطة الأولى، فلم يكن أحدٌ يتوقع سقوط شاه إيران عام 1977، قبل أن تطيح به الاحتجاجات التي استمرت في الشوارع لشهور. كما لم يكن ليتنبأ أحد بصعود هوجو تشافيز في احتجاجات كراكاس عام 1989 التي اجتاحت البلاد ضد إجراءات التقشف النيوليبرالية في فنزويلا. الثورات بطبيعتها أحداثٌ لا يمكن التنبؤ بها، إذ يترك الناس حياتهم اليومية المعتادة بحثًا عن الخلاص. في مثل هذه اللحظات، يُمكن لإيمانهم في قوتهم الذاتية، بصفته أحد أشكال الغضب الجماعي، أن يخلق فرصًا لم يكن من الممكن أن يتوقعها أحدٌ أو يعتقد بأنها مُمكنة قبل وجودها بفترة قصيرة، ويُصبح التغيير الجذري نوعًا من السراب، حَوَّله الناس فجأة إلى حقيقة.
 
تصدعات
تشعل ومضات الإبداع البشري-النار في البِنى التي صُممَت لإخمادها، كما هو الحال مع غريزة الحرية. ولا توجد بِنية محصَّنة ضد الثورة كبنية إسرائيل، إذ تعتمد على اقتصاد حرب كينزي عسكري يرتبط بشكل وثيق بالإمبريالية، ونظام اجتماعي وقانوني تنقسم من خلاله الطبقة العاملة استنادًا إلى معايير عربي-يهودي ديني-وطني، ونظام تعليم حكومي يغزو عقول مواطنيه بالعنصرية، علاوة على نظام اقتصادي مادي ورمزي صُمم لحل الصراعات الطبقية الإسرائيلية في نطاق عداء عرقي-قومي.
ومع ذلك، فالتصدعات داخل المجتمع الإسرائيلي حقيقية، بصرف النظر عمَّا إذا كانت عميقة بما يكفي لتحطيم الأساس الذي بُني عليه أم لا. فنسبة 90% من السكان عاجزين عن تحمل متوسط سعر الوحدات السكنية، وهو الوضع الذي وصفه داني بن شَهَر، المُحاضِر بجامعة تل أبيب، بأنه “قنبلة اجتماعية موقوتة”، ومن العوامل التي تسببت جزئيًا في هذه الأزمة هي انتشار ظاهرة الشقق الخالية في القدس وتل أبيب التي تأتي إليها النخبة اليهودية غير الإسرائيلية في الصيف، ثم تعود إلى باريس ولوس أنجيليس. ولا يتوقف ارتفاع الأسعار عند سوق العقارات فحسب، إذ يقول رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال (الهستدروت) عوفر عيني: “إذا كنت قبل ذلك قادرًا على الذهاب إلى السوبر ماركت وشراء بعض الأشياء بقيمة 700 شيكل، فاليوم يُكلف ذلك الضعف. ولا علاقة لهذا التغير بمؤشر الأسعار. ففي حالة ارتفاع ذلك المؤشر بنسبة 3%؛ ترتفع أسعار السوبر ماركت بنسبة 30%. ولا يوجد من يستفيد من هذه الزيادة في الأسعار سوى الحكومة”.
 
ولكن كلمات عيني وطبيعة وظيفته ليستا إلا محض ادعاء، إذ أن الهستدروت هو اتحاد عمال ظاهري فقط، بل وفي الواقع يُساعد في عملية تراكم رأسمالي مرتبطة على نحو وثيق بجهاز الدولة، وتنظيم الأجور، علاوة على تحويل ملكية الشركات الحكومية لأشخاص ذوي مصالح سياسية في القطاع الخاص عن طريق السرقة التي تسمى مجازًا خصخصة. وكعادتها، لا تعبأ الدولة بمصالح الفئات المحرومة، وينصب اهتمامها على مصالح الميسورين بعناية كبيرة وكفاءة عالية، إذ تسيطر الآن عشر مجموعات تجارية كبيرة على 30% من القيمة السوقية للشركات العامة، في حين تتحكم ستة عشر مجموعة في نصف الأموال داخل البلاد كلها.
 
وعلاوة على ذلك، فزعم استفادة الحكومة من زيادة الأسعار مشكوك فيه. إذ ربما تتبع الحكومة سياسات تضخمية، ولكن تاريخيًا، أدت هذه السياسات إلى إعادة توزيع النفوذ الاقتصادي من الطبقات الدنيا والمتوسطة في المجتمع الإسرائيلي إلى الطبقات العليا. وترتبط تلك السياسات بالدوائر الرأسمالية العابرة للقومية، وهي المستفيد الحقيقي من ارتفاع الأسعار. أما الحكومة والساسة فليسوا إلا طبقة خارجية، لذلك لا تعبأ بهم النخب الإسرائيلية كثيرًا. وفي خضم اقتصاد احتكاري بشكلٍ ملحوظ، تزداد الأسعار ارتفاعًا، في حين أن الأجور ليست قريبة حتى من مواكبة هذا الارتفاع.
لذلك لا يُعَد حديث عيني إلا تذكيرًا للمسؤولين في الدولة بأن التماسك الاجتماعي الإسرائيلي قد أصبح مهترئًا، بمعدل ضرائب من بين أعلى المعدلات في العالم الغربي في مقابل حجم الإنفاقات الاجتماعية. كما كان يخبرهم عيني بضرورة الاستجابة حتى لا يتسبب هذا التداعي في تهديد الاستقرار الاجتماعي الإسرائيلي. وبشكلٍ واضح،  أعلن عيني معارضته إسقاط نتنياهو، موضحًا أن الاحتجاجات “يجب ألا تُمزق الأجندة الوطنية” التي تُعبر عن التماسك المجتمعي وتُشير إلى التوافق حول مشروع الاستيطان الكولونيالي، والذي تستخدمه النخب الإسرائيلية لدفع الجماهير نحو دعم وتأييد النزعة العسكرية.
 
 
العدالة الاجتماعية في إسرائيل والمشروع الاستيطاني 
 
يُمكننا أن ننظر للاحتجاجات باعتبارها نتاج عملية استبدال المساواتية النسبية -وليس الاشتراكية- التي بدأت منذ السنوات الأولى لتأسيس دولة إسرائيل بسياسات مركزة وخصخصة الثروة الاجتماعية. وخلال منتصف السبعينات تمكنت النخبة من تحقيق أمرين: زيادة نفوذها وتنحية الطبقات الدنيا من الهرم الاجتماعي. وقد فعلت ذلك من خلال دمج ذكي بين سياسات إعادة التوزيع ونزع الملكية، وهو نظام يجري فيه السيطرة على السخط الاجتماعي وتحويله إلى التركيز على السياسات البديلة للرعاية الاجتماعية وعمليات الاستيطان وتعزيز النزعة العسكرية وذلك من خلال وسائل مادية ورمزية، مع وجود قاسم مُشترك بين كل هذه الأمور وهو حل المشاكل الاجتماعية الداخلية على حساب السكان الأصليين … الفلسطينيين.
 
وكان هذا الاتجاه قد أخذ طابعًا مؤسسيًا في فترة ما بعد تأسيس الدولة، إذ استغل بن غوريون وغيره من المؤسسين حالة الشوفينية وتبجيل الدولة آنذاك لضم ملايين من المهاجرين الجدد للطبقة الجديدة المرتبطة بالدولة، وتعيينهم في مناصب الهستدروت العليا وغيره من مؤسسات الدولة. وهو ما كتب عنه موشيه شاريت، ثاني رئيس وزراء لإسرائيل، الذي رأى أن هذه السياسات كريهة، إذ قال: “ينبغي على الدولة من وجهة نظرهم [بن غوريون والعسكريين] أن تنظر إلى الحرب باعتبارها شيء رئيسي، بل وربما باعتبارها الوسيلة الوحيدة لزيادة الرفاهية وإبقاء القلق الأخلاقي … ولهذا الغرض يمكننا اختلاق المخاطر، بل نحن ‘ملزمون’ بفعل ذلك”. في تلك الأثناء كان بن غوريون يُسَوِّق الحرب والاضطراب للقوى الاستعمارية الكبرى، حدث ذلك أولًا مع بريطانيا وفرنسا في نكبة سيناء، ومع غيرهما لاحقًا.
 
وبحلول منتصف الستينيات عندما انخفضت التعويضات الألمانية إلى حدٍ كبير، ضربت إسرائيل أزمةٌ اقتصاديةٌ شديدةٌ. لذلك تحركت النخبة الإسرائيلية للتعامل مع هذه الأزمة ولمواجهة أزمة الاضطرابات العَرَضَية بين المهاجرين من شمال إفريقيا التي وقعت بسبب حرب عام 1967. وهي الحرب التي أدت إلى احتلال الضفة الغربية وغزة بالإضافة للتعاون مع الأم الراعية الجديدة لإسرائيل: الولايات المتحدة. وعلى صعيد آخر، بدأ المشروع الاستيطاني في ضم قاعدة اجتماعية من المزراحيم مع غيرهم، وذلك بموافقة ضمنية وصريحة من الساسة والنخب الاجتماعية على حدٍ سواء. وقد لعبت عدة عوامل مادية ورمزية دورًا في تشكيل أساس هذه القاعدة الاجتماعية.
أولًا: عندما دُمِجَ الفلسطينيون في الأراضي المُحتلة في القوى العاملة الإسرائيلية، شق المزراحيم طريقهم صعودًا داخل التراتبية الاجتماعية الاقتصادية بإسرائيل، ليتحولوا بذلك إلى برجوازية ثانوية. وكما وضحت مجموعة من اليهود المغاربة للكاتب الإسرائيلي عاموس عوز “إذا أعدنا لهم تلك الأراضي؛ سيتوقف العرب عن القدوم بحثًا عن العمل، وحينها سنعود مرة أخرى إلى الأعمال المتدنية. إذا لم يكن هناك سببٌ آخر، فنحن لن نسمح لكم بإعادة هذه الأراضي … طالما بقى بيغن في السلطة، فإن ابنتي بأمان. وإذا عُدتم أنتم (حزب العمل وآخرين) إلى السلطة، فإن أول ما تفعلونه هو تعريضها للخطر”.
 
ثانيًا: ينتمي نمط حياة معظم المستوطنون داخل الخط الأخضر وكذلك في المستوطنات التي تُحيط بالقدس الشرقية إلى أسلوب حياة المزراحيم، وذلك وفقًا لملفات وزارة الدفاع الإسرائيلية. ويمكننا أن نستنتج من ذلك أن الطبقات الدنيا هي الأكثر تأييدًا ودعمًا للمشروع الاستيطاني. إذ أن هذا المشروع يعالج مظالمهم الاجتماعية والاقتصادية بأرخص الطرق المُمكنة، والسبب وراء بناء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية هو أن أرخص الأراضي هي تلك التي سُرقت حديثًا، وطالما لم تًسرق كلها بعد، فثمة المزيد الذي يُمكن الاستيلاء عليه. يُعتبر الاحتلال الإسرائيلي مشروع استعماري استيطاني، لذا فإن خدعة حل التناقضات الاجتماعية في إسرائيل ودرء غضب اليسار الشعبي يجري عبر الاستيلاء على موارد المجتمع الفلسطيني، وهي الفكرة التي لطالما بدت براقة في عيون النخب الإسرائيلية. إذ تفضل هذه النخب إعادة توزيع ما استولي عليه من الفلسطينيين من أجل زيادة ثرواتهم وسعيًا لإعادة ضبط المجتمع.
ثالثًا: بقدر ما يزداد الضغط الاجتماعي من أجل الحصول على أسعار سكن معقولة أو لإنفاق حكومي على الرعاية الاجتماعية، إلا أن صعود ذلك الضغط يعبر جزئيًا فقط عن السؤال حول سياسات التوزيع الحكومية الحالية. وجانب آخر من هذا السؤال هو مستقبل هذا التوزيع الذي وعدت به حكومتا حزبي العمل والليكود على حدٍ سواء. إذ يتطلع الفقراء إلى تملك وحدات سكنية أو أراضٍ منخفضة التكلفة في المستوطنات، فليس باستطاعتهم أبدًا تحمل تكاليف مثل هذه الوحدات في المناطق الحضرية. ومن المعروف أن المنطقة التي تؤدي فيها سياسات الرعاية الاجتماعية دورًا جيدًا هي الضفة الغربية. وتظهر استطلاعات الرأي تأييدًا شعبيًا ساحقًا فيما يتعلق بالحفاظ على المستوطنات وبقاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. وربما يعلم هؤلاء المُشاركون بقدر بسيط حجم الدور الذي يلعبه التوسع الاستيطاني في تعزيز التماسك الاجتماعي الإسرائيلي، فهو يُمثل الوعاء الذي يستوعب الضغط الاجتماعي للطبقات الدنيا.
رابعًا: استثمر الجيش والمستوطنون في المشروع الاستيطاني بشكلٍ كبير. ويحتل المستوطنون بشكل متزايد الخطوط الأمامية ووحدات النخب، وهي تلك الوحدات التي سيُطلب منها الانسحاب من المستوطنات كما هو متصور في حل الدولتين. بالطبع، تُمثل المستوطنات مُشكلة، لكنها أيضًا عرض لمشكلة أعمق. فلم يكن الوصف الذي أطلقه عليها الليبراليون الإسرائيليون والأمريكيون الواقعيون شيئًا وهميًا حينما وصفوها بأنها “أصل كل الشرور”.
خامسًا: بالنسبة للطبقات الدنيا في إسرائيل-ومعظمهم من اليهود العرب- كان موقفًا ناجحًا عندما تمكنوا من اعتبار أنفسهم جزءًا من الطبقة اليهودية المهيمنة اجتماعيًا وإثنيًا في مقابل تصور يصبحون فيه جزءًا من الطبقات العربية الدنيا إلى جانب الفلسطينيين. إذ أن العنصرية الموجة ضد العرب توفر مكاسب رمزية ومادية أيضًا. فمن خلال العنصرية تمكن المزراحيم -تاريخيًا- من إثبات انتمائهم لإسرائيل بطرق بالغة الحماسة أو حتى متعصبة، وذلك ضمن الاقتصاد الرمزي للكراهية الذي شيده مؤسسو الدولة. ويعلق سامي شيطريت على هذه المسألة قائلًا: “لطالما كان اليهود الشرقيون مستعدين دومًا للمشاركة في’ معركة‘ الكراهية والاضطهاد الموجهة ضد الفلسطينيين. إذ منحهم الاحتلال وسيلة للحصول على هوية قومية رخيصة … هوية تطابق هوية الأشكناز القومية”.
 
إلا أن هذا الوعي يؤدي إلى الانقسام، وذلك إذا أخذنا في الاعتبار أن حقيقة خلفيتهم العرقية قد تعرضت للخيانة وهو ما لم يتطلب مجهودًا لاكتشافه. ويُضيف شيطريت: “عندما أُجبر المزراحيم دائمًا على أن يكونوا معادين للعرب، كانوا في نفس الوقت معادين للعرق العربي داخلهم”. لذلك كان المزراحيم -تاريخيًا- أكثر عنصرية من الأشكناز المؤسسين. ولا تزال العنصرية باقية على الرغم من أن الرموز الثقافية الخاصة بها قد أُزيلت جزئيًا من المجتمع الإسرائيلي. واستنادًا إلى كون معظم اليهود لا يشتركون في تراث واحد، فإن الانقسام ما بين المزراحيم والأشكناز لا يزال باقيًا ويتمثل في التصويت على أُسس إثنية واستمرار الفصل المكاني. ووفقًا لما كتبه سامي سموحا: “فإن معظم اليهود الشرقيين يتشاركون نفس الذاكرة الجماعية التي تسرد تعرضهم على نطاق واسع لأنواع من التمييز الإثني والقمع الثقافي وسوء المعاملة أثناء فترة الخمسينات. وهذه هي بعض المؤشرات التي تُشير إلى أن المشكلة الإثنية الهادئة ربما لا تزال تولد الحقد والفتنة”.
وأخيرًا، فإن أصحاب المراكز العليا في الجيش بالإضافة إلى أولئك المستثمرين في قطاع البناء أو أولئك المستفيدين من العمالة الفلسطينية الرخيصة، يستثمرون جميعًا في المشروع الاستيطاني. وما بين تلك النخبة التي تستثمر في المشروع الاستيطاني والتأييد الشعبي الواسع له، ليس غريبًا أن يستمر ذلك المشروع. ويوفر الاحتلال واستمرار الحرب مبررًا شعبيًا لعسكرة إسرائيل. وإذا كان هناك شيء واحد لا تريده الطبقات العليا في إسرائيل، فهو الخلاف الداخلي بينهم. معظم النخبة الإسرائيلية تحصل بشكلٍ مباشر على فائدة اقتصادية قليلة من المشروع الاستيطاني، إلا أن تكلفة بقاء الاحتلال أرخص من إنهائه، على الأقل في الوقت الراهن.
 
الاستيطان والهوية في حقبة نيوليبرالية
 
وتبرز أهمية الاحتلال كذلك على مستوى الصراع الأيديولوجي حول هوية المجتمع الإسرائيلي، وهو الصراع الذي يطرح السؤال حول ما كانت عليه هذه الهوية وما ستؤول إليه في المستقبل. ويشير اليمين الإسرائيلي بشكل مستمر إلى أن المنطق الذي يطرح مسألة إنهاء الاحتلال يمكن تطبيقه أيضًا على عملية نشأة وتكوين دولة إسرائيل بأكملها. فهم يرون أنه إذا ما كان احتلال اللد وعكا وأشدود مبررًا في عام 1948، فإن احتلال الضفة الغربية في عام 1967مبررٌ أيضًا. ويمكن القول أن ثمة حجة في منطقهم: فإذا كان الاحتلال الإسرائيلي غير مُدان في عام 1948، فلماذا يُصبح مُدانًا فجأة في عام 1967؟
 
وتتعلق الإجابة على هذا السؤال بحقيقة أعمق، ألا وهي الدور الذي يلعبه الإيمان بشرعية المُمارسات الإسرائيلية داخل المجتمع الإسرائيلي. وهو المجتمع الذي يضم خليطًا غريبًا من الكتل الاجتماعية: الحريديم ويهود وسط وشرق أوروبا والمهاجرين من الأحياء شديدة التدين من بروكلين، بالإضافة إلى يهود إثيوبيين وعراقيين، وكرد، وجزائريين، علاوة على المهاجرين القادمين من روسيا مؤخرًا والتي تشكل نسبة غير اليهود منهم حوالي 15-20%، بل وربما تصل إلى 50%.  وتعتبر الصهيونية هي الغلاف الذي يحافظ على تماسك هذا المجتمع المنقسم الذي لم يولد أكثر من 25% من سكانه داخل إسرائيل.
فليس من المرجح أن يلحظ هذا المجتمع الذي وحدته القومية الانقسامَ الأبرز، ألا وهو الاتساع المستمر في الفجوة بين الأغنياء والفقراء. لذلك قد يتسبب الانسحاب من المستوطنات في إذابة تلك الرابطة القومية التي تربط المجتمع الإسرائيلي. ولهذا السبب فإن النخبة تؤجل باستمرار مسألة التسوية النهائية. كما تفضل هذه النخب ركود عملية السلام التي لم تعد جارية والتي لا تُحقق إلا سلامًا قصير الأجل مقارنًة بفكرة انسحاب حوالي 250 ألف أو 500 ألف مستوطن. فمثل هكذا انسحاب قد يُمزق المجتمع الإسرائيلي على المستوى الاقتصادي والإثنى. ويبدو أن قلة صغيرة على استعداد للتفكير بتكلفة هذا الانسحاب طالما أن الوضع الراهن لا يُكلف إلا القليل.
ولكن هذه التكلفة تتغير باستمرار، إذ أن الاقتصاد الإسرائيلي قد أصبح متداخلًا مع تحولات النظام الاقتصادي العالمي. فمنذ منتصف الثمانينيَّات، عملت النخب الإسرائيلية ببراعة على الجمع ما بين الاحتلال والنزعة العسكرية والوحدوية ضمن توافق اجتماعي سلس. وبحلول نهاية هذه الفترة، وصل الإنفاق العسكري إلى حوالي 30% من إجمالي الناتج المحلي. وساعد هذا الإنفاق بالإضافة إلى معدلات التضخم المرتفعة على تحويل الاقتصاد الإسرائيلي إلى نظام احتكاري تُسيطر عليه مجموعات تجارية ضخمة. وفي المقابل، قامت الحكومة بوضع أُسس مرحلة جديدة من التنمية وهي خطة يوليو/تموز عام 1985 للاستقرار الاقتصادي. وقد أفسدت هذه الخطة العقد الاجتماعي من خلال إنهاء الدعم الحكومي وتخفيض قيمة العملة ووضع حد لزيادة الأجور بالإضافة لفتح الاقتصاد للاستثمار الأجنبي. وهذا الأخير تحرك بِشَرَهٍ من أجل شراء الأصول الإسرائيلية على نحوٍ ضخم.
ومع دخول حقبة العولمة، ظهرت الحاجة إلى وجود طريقة جديدة للتعامل مع الفلسطينيين، ووجدت إسرائيل ضالتها في اتفاقية أوسلو التي مثلت سعي النخبة لتحقيق مهمة مستحيلة. فعلى جانب، كان عليهم أن يحافظوا على بقاء الاحتلال بأقل سخطٍ ممكن بالإضافة إلى محاولة تطبيع علاقة إسرائيل بالمنطقة سيعًا لتحويلها إلى مركز إقليمي للتكنولوجيا الفائقة. ومن جانب آخر، كان عليهم الحفاظ على الروح القومية والتماسك الاجتماعي، دون أن يتسبب أيًا من ذلك في إلحاق ضررٍ بالغ بالجيش الذي يُمثل أرضًا خصبة لنخبة المجتمع الإسرائيلي. من جانبه، سدد شارون للنخبة الإسرائيلية أرباحها من عملية السلام من خلال تعميق أُسس المشروع النيو ليبرالي في الدولة، وهو المشروع الذي تسبب في تعظيم الأزمة الاقتصادية التي تمر بها الطبقة المتوسطة وفوق المتوسطة. بمعنى آخر، لقد وُلِدَتْ احتجاجات روتشيلد مع هذا المشروع.
 
ولكن بعد ثماني سنوات من النهب الهائل في عهد بوش، أتت إدارة أوباما لتُجدد التزامها بـ “عملية السلام” مما دفع التوترات المتأصلة في المجتمع الإسرائيلي إلى صدارة المشهد مرة أخرى. وتتمثل تلك التوترات في الضغوط الناجمة عن الروابط التي تجمع ما بين النخبة المحلية والرأسمال العالمي والحاجة إلى المحافظة على بقاء الاحتلال بأقل سخطٍ ممكن بالإضافة إلى العسكرة المتزايدة والتعصب الرجعي، وقد تسبب هذه العوامل على حد قول غابرييل آش في وجود “مطالب قوية لا تدعو إلى السلام بقدر ما ترغب في اختفاء الحرب”.
تلك هي معادلة التكلفة والعائد التي يُمكن لاحتجاجات 14 يوليو وتبعتها أن تؤثر فيها بشكل غير مباشر. إذ يُمكن لهذه الاحتجاجات التي تسلط الضوء على حقيقة أن الاحتلال والنزعة العسكرية التي تُنتجه وتُعيد إنتاجه، كلاهما يعتمد على ويعيد إنتاج الانقسامات الإثنية. وتعمل هذه الانقسامات على تحويل الانتباه الشعبي عن الانقسام الأعمق من أي شيء آخر، ألا وهو الانقسام بين من يملكون ومن لا يملكون.
 
فلسطين والاحتجاجات حضور أم استئصال
وقد أمضى المتظاهرون السبعة أسابيع الماضية في صراع ضعيف مع النخبة المرتبطة بالدولة. وعلى مستوى ما، يمكننا أن نرى أن ذلك الأمر كان مهمًا للغاية لأنه تجاوز الانقسام التاريخي بين الاشكناز والمزراحيم، وهو الانقسام الذي يُعد واحدًا من التصدعات التي استخدمها النخبة للحفاظ على السلطة. والأمر الملفت للنظر أكثر هو أن المتظاهرين لم يسعوا إلى محاكاة المتظاهرين المصريين فحسب، بل كانوا يرجون ذلك في وسائل الإعلام الرئيسية. إذ كانوا يرددون علنًا وبلا خجل استخدام عبارة النموذج العربي، مدعين أن الربيع العربي قد ازدهر ليتحول إلى الصيف الإسرائيلي. وفي خضم ذلك الحدث، تحدث أحد الأفراد من الطبقة المتوسطة قائلًا: “عليّنا أن نفعل مثلما فعلوا في مصر، يلا، تحرير، جهاد”. وترددت هتافات من نوع “الشعب يريد العدالة الاجتماعية”، في تقليد واضح للهتافات العربية التي تعاقبت في أرجاء المنطقة على مدار الثمانية أشهر الأخيرة. وهذه المظاهر التي تحول النموذج المصري إلى نموذج يُمزق المُحرمات الاجتماعية الإسرائيلية، يُعتبر واحدًا من أكثر الأمور البارزة وأقلها ملاحظة في هذه الاحتجاجات.
على الجانب الآخر، سألني صديقٌ من غزة ذات مرة إذا ما كان الإسرائيليون يعتبرون أنفسهم ضيوف على المنطقة أم ينوون البقاء. وبطريقة مؤلمة نسبيًا، يبدو أن احتجاجات الخيام ربما تكون بداية بارقة إجابة على هذا السؤال، ولكن علينا أن ننظر مليًا حتى نراها. فبدون دعوة للتعامل مع المظالم الفلسطينية، سنكون بصدد شيء ما كان ولايزال غريبًا وغير واقعي في هذه الاحتجاجات التي تطالب بالعدالة الاجتماعية.
بينما يعاني الفلسطينيون تحت وطأة احتلال امتد لعقود طويلة، تبدو التعقيدات الخاصة بالسخط الاجتماعي الداخلي في إسرائيل والفروق البسيطة المتعلقة بأسباب التعبئة الاجتماعية -المفهومة إلى حدٍ ما-مدعاة للسخرية والاستهزاء. إذ أن تكلفة الخبز بالنسبة لأسرة يهودية في عسقلان هو مشكلة حقيقة، ولكن في تراتبية المعاناة لا يًمكن مقارنة تجربة هذه الأسرة بأخرى كانت تعيش في مخيم غزة للاجئين في عسقلان عندما كانت تُسمى المجدل وهي تلك المدينة التي جرى تطهيرها في عام 1948.  وربما قد دُمر مخبزهم أثناء حرب عام 2008-2009 التي كانت يدعمها بشكل كامل معظم الإسرائيليين الذين يشتكون الآن من ارتفاع أسعار الخبز. ولهذا السبب استجاب الفلسطينيون بشكل واسع لهذه الاحتجاجات بتجديد الدعوة إلى المقاطعة وسحب الاستثمارات وتطبيق العقوبات. ويرجع السبب وراء ذلك -جزئيَا- إلى الخوف من التعامل مع هذه الاحتجاجات باعتبارها بديلًا عن العقوبات وليست مكملة لها.
 
وإذا نظرنا إلى هذا الوضع من الخارج، فإن هذه الثغرة التي تظهر عندما يأتي الحديث عن جوهر المظالم الفلسطينية، تحديدًا الاحتلال، ليست إلا غيابًا سوسيولوجيًا غريبًا. تشبه هذه الحالة وضع الأمريكيين الفقراء من المزارعين قبل الحرب الأهلية عندما كانوا يطالبون بحدٍ أدنى للأجور دون أن يمتد بصرهم لأولئك المكبلين بالأصفاد في الحقول المجاورة لتلك التي يتعرضون فيها للاضطهاد. لكن حقيقة أن المجتمعات العنصرية تنتج حركة احتجاج عنصرية لا يمكن تجنبها. ومع ذلك، فإن حركات المقاومة يجب أن تبدأ بما لديها من موارد لا بما تتمناه من موارد. وكما وضح المؤرخ ستوتون ليند ذلك في أحد كتبه حين قال: “من هم العمال الذين قاموا بالثورة الروسية؟ إنهم أنصار التحيز الجنسي والقوميون ونصفهم كانوا أميين. لكن هذا النوع من النضال ما يلبث أن يغير الشعب”. وهذا هو التحول الذي رأيناه في شكل غير ناضج في تضامن المزراحيم والأشكناز داخل الاحتجاجات، تضامن توسع ليشمل الجبهة الفلسطينية الإسرائيلية.
بالإضافة إلى ذلك، يُمكننا القول أن الشعوب تُعبر عن مقاومتها للاضطهاد -في المقام الأول- وفقًا للسياقات التي يتجلى فيها هذا الاضطهاد. وبالنسبة للمواطن الإسرائيلي العادي الذي انضم إلى هذه المًظاهرات، لا يدخل الاحتلال ضمن خبرة الاضطهاد التي يتعرض لها. وفي الواقع، يُنظر إلى الاحتلال باعتباره جزءًا من عملية تأجيج المشاعر الصهيونية وحماية الروابط اليهودية الداخلية المشتركة، بحيث لا يتمكن المواطن اليهودي الإسرائيلي من ملاحظة القمع المجتمعي الداخلي أو التصرف تجاهه. كثيرًا ما يُنسى أن اليسار الصهيوني قد اعتاد الحديث عن مسألة الاحتلال، لكن جُل فعله ليس أكثر من مجرد كلام لإلهاء المعارضين. وليس هناك معنى لإعادة مسألة الاحتلال إلى النقاش الوطني الإسرائيلي دون أن يُصاحب ذلك فعل سياسي لوضع حد له، ويبدأ هذا الفعل بالتحرك في المجال العام وفرض المطالب.
 
ومن خلال هذه الرؤية يُمكننا أن نفهم مشاركة “عرب إسرائيل” –كما يطلق عليهم- على استحياء في هذه الاحتجاجات إلى جانب المتظاهرين اليهود تعبيرًا عن مطالبهم. إذ نصبوا “خيمة 48” في وسط شارع روتشيلد. ونُظمت مسيرات كبيرة في حيفا ويافا تضُم حشودًا مشتركة من اليهود والعرب وكان بها متحدثون فلسطينيون أيضًا، وانتشرت المخيمات في المدن والقرى التي يسكنها عرب إسرائيل. وبحسب تعليق الناشطة المهتمة بالعدالة الاجتماعية عبير قبطي: “فإن معظم الفلسطينيين قد اختاروا ألا يعزلوا أنفسهم وأن تكون أصواتهم حاضرة في هذا الحراك. مظاهرات 14 يوليو/تموز تُمثل فرصة للفلسطينيين من أجل تنظيم أنفسهم وتحفيزها. ومع ذلك، فلن تُحقق هذه الاحتجاجات التغيير الذي يسعى إليه الفلسطينيون. إذ تُمثل الاحتجاجات فرصة لخلق فضاءًات للمًمارسات التي لطالما عمل النظام الإسرائيلي على منعها. يُمكننا أن نرى الشعب وقد اتحد وهو ما يُمثل عامل قوة بحد ذاته، وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه الاحتجاجات لن تتجاوز الحدود الصهيونية، ربما تُحقق بعض المطالب المُحددة لكنها لن تغُير البُنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المُهمينة”. إن الرعاية الاجتماعية والإسكان وكذلك التعليم لا تشغل اليهود حصرًا أو الفلسطينيين بل تشغل الفقراء، والفلسطينيون هم من بين أكثر الفئات الاجتماعية فقرًا في إسرائيل.
 
وعلاوة على ذلك، فإن تحويل موارد الدولة من الإنفاق العسكري إلى مشروعات البنية التحتية الاجتماعية ربما لن تقدم عونًا للفلسطينيين في حقيقة الأمر. لكن ذلك لا يعني أن تغييرًا مثل ذلك لن يعود بالنفع عليهم، إذ يُسهم ذلك في إضعاف آلة القمع والاحتلال التي تضرب المجتمع الفلسطيني بلا هوادة. وفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن نحو 16% من الناتج المحلي الإسرائيلي مُخصص للإنفاق العسكري ويصب قدرًا كبيرًا من هذه النسبة في حساب المجمع الصناعي العسكري الإسرائيلي الآخذ في النمو بشكلٍ سريع. يُمكننا القول وبدقة أن الاحتلال لا يتطلب الحفاظ على هذا الإنفاق. ولكن السلام والعوائد التي تتحقق على أثره يمكنها بالكاد أن تتناسب مع مجتمع أُسس ودُعِم من خلال حالة الحرب والتدفق المُستمر للأسلحة والاستثمار العسكري المُوجه من الولايات المتحدة.
 
ربما سيكون تأثير هذه الاحتجاجات في الوعي الإسرائيلي أكثر أهمية من تلك الانتصارات البُنيوية. وذلك هو السبب وراء خوف الحكومة الإسرائيلية من هذا الحراك. إذ أن أي انتصارات قد تُمثل درسًا قاسيًا لأولئك الذين يشكلون التروس والروافع وسائر الآلات الطنين في نظام الفصل العنصري، درس مُفاده أن الاحتلال والعنصرية لا يُمثلان وسيلة للسيطرة الاجتماعية على المجتمع الفلسطيني المُحطم فحسب، بل للسيطرة على الطبقات الدنيا الإسرائيلية كذلك.
ولكن كيف تُفكر تلك الطبقات -التي تخضع لقمع هو الأقرب لما يتعرض له الفلسطينيون- في الاحتلال الذي يُحافظ على نظام الفصل العنصري الإسرائيلي بأبشع الطرق المُمكنة؟ في الواقع، إن مأساة اليسار الإسرائيلي الذي ينتشر تحديدًا بين الطبقات العاملة هي أن هذه الطبقات ذاتها كانت – تاريخيًا- هي الأكثر دعمًا للاحتلال والأكثر عنصرية تجاه العرب. لذا، فإن هذه القطاعات الاجتماعية تُشكل قاعدة لحزب الليكود اليميني وحزب شاس حليفه في التشكيل الحكومي. وطالما بقي العرق هو الحد الفاصل في هذه الصراعات، لا الطبقة؛ سيظل شبح الانقسام الطائفي يلوح في الأفق دومًا.
وتُعتبر مسألة الحد الفاصل وإعادة رسمه أحد أهم الصراعات داخل المجتمع الإسرائيلي، وهو ذلك الصراع الذي تُساهم فيه خيام “عرب إسرائيل”. وكما تصف قبطي فإن “العديد من تلك الخيام يُشارك فيها نشطاء يهود مما يخلق بديلًا لنظام الفصل القائم ويتحداه”.
الاحتجاج من الداخل
بالإضافة إلى ذلك، ومع إصرار الحكومة الإسرائيلية على تمييز تلك المظاهرات باعتبارها “اجتماعية” لا “سياسية”، إلا أنها دخلت في مواجهة مفتوحة مع المُحتجين. ففي العديد من الحالات، اعتقلت الدولة النشطاء بعنف، وقد حدث ذلك -على سبيل المثال- في مظاهرة للأمهات العازبات أمام مبنى (أميدار) وهي شركة الإسكان العام المملوكة للدولة. وقد أشار رؤوبين أبيرجل -أحد مؤسسي حركة الفهود السوداء- إلى أن قوات الشرطة تقمع الاحتجاجات التي تُنظم في “الفناء الخلفي” لإسرائيل، أي جنوب تل أبيب، بينما تبقى الأمور هادئة ومستقرة في شارع روتشيلد، فمتظاهريه سلوكهم حسن، ولو أساؤوا الأدب؛ يسهل شرائهم، وهو ما سيسعى المسؤولين الإسرائيليين لفعله بأرخص ثمنٍ ممكن.  يُدرك المسؤولون في إسرائيل أن أي إعادة توجيه للإنفاق العسكري نحو قضية الإسكان من شأنه أن يرسي قواعد لانتصارات أكبر، أكثرها أهمية يرتبط بأن الآفاق الجديدة لما هو مُمكن أو عقلاني كي نُناضل من أجل أن تُصبح فجأة أكثر وضوحًا.
 
وفي نفس الوقت، كانت القوى الداخلية لاحتجاجات 14 يوليو/تموز تتصارع فيما بينها -خلسة في بعض الأحيان- من أجل كسر أي ارتباط بسيط بين الحشد الفلسطيني واليهودي. وجرى ذلك تحديدًا من قِبل الاتحادات الطلابية المُمولة جيدًا، والتي قدمت للاحتجاجات الكثير من الجهود على مستوى التنظيم والتمويل رغبًة منها في تحويل زخم الاحتجاجات بعيدًا عن الصراع الطبقي المشترك. ويذكر أنه في أثناء هذه الأيام كانت طبقة الأشكناز المتوسطة تعيش بشكل جيد بينما كان اليهود العرب والمسلمون والمسيحيون على حدٍ سواء ما بين محرومِ أو كادح في الطبقات الدنيا للمجتمع الإسرائيلي. وليس مثيرًا للدهشة، أن تقوم رئاسة الاتحادات الطلابية- فيما يشبه انقلاب داخلي- بمحو المظالم الفلسطينية من قائمة المطالب الخاصة بالاحتجاجات مثل الاعتراف بقرى بدو النقب غير المعترف بها بالإضافة إلى توسيع الحدود البلدية للقرى والمدن الفلسطينية حتى يُسمح لها بالنمو الطبيعي.
ربما يكون من العبث أن نتوقع من أولئك الذين تربطهم علاقة مفتوحة مع النخبة الإسرائيلية، أو أولئك الذين يرجون الأكل من وعائها مرة أخرى، أن يرسموا العلاقات الطبقية اللازمة لتمرد يهودي فلسطيني مشترك يستند إلى قاعدة طبقية. أولئك الذين يأملون في الانضمام إلى الطبقة المتوسطة العليا لن يتمكنوا أبدًا من الربط بين الدعم الحكومي الإسرائيلي الضخم للاستثمار في التكنولوجيا الفائقة لخصخصة المنشآت الصناعية المملوكة للدولة من جهة، وتمزيق العقد الاجتماعي من جهة أخرى. كما أنهم لن يذهبوا أبدًا لتحليل الأسباب الكامنة وراء عدم توقف سياسات العسكرة والحروب المستمرة والصواريخ التي تسقُط على شمال وجنوب إسرائيل من العرب، لن يتمكنوا من معرفة الأرباح العسكرية المعقدة التي تنتُج عن الاضطهاد والقمع والقتل. بل أن غياب هذا التحليل سيجعل الشريحة الأكبر من الطبقات العاملة متاحة دائمًا للتعبئة من أجل التيار اليميني الشعبوي والقوى الفاشية.
 
خاتمة
إذاً ما الذي يحدث في إسرائيل؟ مهزلة؟ احتجاج من أجل عيش أفضل؟ تذمر طفولي بسبب أسعار الإسكان؟ حلمًا بعيد المنال بنضال مشترك، أو اقتفاء لأثر باهت يعود للحزب الشيوعي الفلسطيني الزائل يظهر في المتخيل الإسرائيلي؟  قاعدة اجتماعية لتيار فاشي وكارثة إقليمية تسير بحذوها؟. ربما ما نشهده هو كل هذه الأمور. ثمة سيناريوهات مختلفة للتعايش تلوح في خضم واقع غير مستقر، لكن تحقيق الأفضل بينها يتطلب تغييرًا في المجتمع الإسرائيلي وفي وعيه، ويتطلب في الوقت ذاته ضغطًا خارجيًا من خلال دعوات المقاطعة والعقوبات، ويبقى ما يتمخض عنه المستقبل رهن إرادة كلاهما معًا.
ما سيحدث في المستقبل هو أمر متروك -جزئيًا- للإسرائيليين كي يقرروه. وكما يقول بريخت في أحد قصائده: ” أيها الجنرال، دبابتك قوية تسحق الغابات وتقتل مئة رجل، لكن بها عيباً واحداً أنها تحتاج إلى سائق … أيها الجنرال، الإنسان مفيد جدًا، يمكنه أن يطير ويمكنه أن يقتل لكن به عيبًا واحدًا: إذ يمكنه أن يُفكر”، لذا فإن الآلة الإسرائيلية لا يمكنها أن تعمل بلا بشر. والسؤال هو هل يحمل “رجال إسرائيل الجدد” هذا العيب؟. تنتهي كل مظاهرة في تلك الاحتجاجات بالنشيد الوطني والتلويح بالعلم الإسرائيلي. وأولئك الذين نصبوا أنفسهم قادة يتهافتون من أجل الدعوة إلى عودة آلة القتل الأشكنازية، أي دولة الرفاهية\ الحرب، وعلى جانب آخر يظهر احتمال لدخول اليسار الصهيوني في شتاء طويل تغمره العزلة والخمود، ليعيد التوافق الاجتماعي إلى مكانته التاريخية باعتباره محض إصرار على التذمر فحسب، ليشتكي من الاحتلال دون أن يحرك ساكنًا لفعل شيء.
في بلدٍ ملتزم بالدفاع عن شرعية ما حدث في الماضي، نجدُ معظم المواطنين لديهم مشكلة في تجاوز الإجماع الوطني فيما يتعلق بتجاهل مسألة الاحتلال. وهو ما يستدعي معارضة وحشية من قِبل التيار الشعبوي اليميني، أي جولة أخرى من التطهير العرقي، تجد وقودها في جنودٍ من الطبقات الاجتماعية الدنيا، من أجل عقد اجتماعي تسعى فيه الطبقة العليا للحفاظ على سلطتها بأي طريقة ممكنة.
يجثم التاريخ الإسرائيلي على عقول المنتمين له كما لو كان جبلًا. وبغض النظر عن قدرة الإسرائيليين على إزاحته، فإنه يبقى سؤالاً عليهم التعامل معه. وإذا أقدموا على المحاولة، فربما يفشلون. ولكن بدون محاولة فإن الفشل أكيد، ولن يكون هذا فشلهم وحدهم بل فشلنا كذلك. لأننا سوف نُورث عالمًا مليئًا بالدم والدمار.
___________
(1) يقصد بذلك الوصف أن إسرائيل ليست أرض الله أو محلًا للشعب المختار وسائر تلك التصورات التي كانت جزءًا من الدعاية والأيديولوجية الصهيونية، بحيث تختفي منها تلك الصراعات الاجتماعية بما فيها الطبقية الاجتماعية، بمعنى أن الحديث عن الطبقة ومحاولة علاجها أقرب إلى أساطير لا تنتمي إلى التصورات التي تخيلتها النخبة عن دولة كباقي الدول تضم على أرضها لصوص وعاهرات وصراعات طبقية وغيرها.
لتحميل المقال كاملا من هنا
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للأبحاث والدراسات © 2017

“الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز برق للأبحاث والدراسات 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق