السبت 7 نوفمبر 2026
التحليل السياسي

مراوحة تبحث عن مبادرة: هل يعود ترامب إلى الحرب على إيران؟

5 دقائق قراءة

لم تكن نتائج الانتخابات النصفية الأميركية في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2026 خسارة عادية لحزب الرئيس. فقد انتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلسي الكونغرس، وقلبوا مقاعد في ولايات محافظة تقليدياً، بينها تكساس وكانساس وكارولاينا الجنوبية. ولم يتأخر تفسير الهزيمة؛ إذ أقرّ الرئيس دونالد ترامب بأن إيران كانت أحد أسبابها، وربط الحرب مباشرة بارتفاع أسعار البنزين، فيما حمّل نائبه جي دي فانس الحرب مسؤولية الخسارة.

القراءة التقليدية أن هزيمة كهذه تدفع الرئيس إلى التراجع والبحث عن تسوية. لكن المعطيات ترجّح العكس. فالهزيمة رفعت دافع ترامب إلى إنهاء الحرب بانتصار سريع بدل تركها إرثاً مكلفاً لولايته الثانية، ورفعت في الوقت نفسه سقف طهران. فصار التفاوض بين الطرفين أداة لكسب الوقت والتجهيز أكثر منه طريقاً إلى اتفاق.

رهان الإرث

لا يستطيع ترامب الترشح لولاية ثالثة في 2028. لكن ما بقي له هو إرثه السياسي وصورة النهاية التي يريد أن يغادر بها البيت الأبيض. وإذا استمرت الحرب معلقة بلا نتيجة، سيدخل الجمهوريون الانتخابات الرئاسية المقبلة وهم يتحملون تبعات مواجهة مكلفة لم تحقق أهدافها. ومن هنا يبدو الحسم العسكري، في حساباته، طريقاً لتحويل عبء الحرب إلى رصيد سياسي.

ويمنحه انسداد الداخل دافعاً إضافياً للتحرك. فسيطرة الديمقراطيين على الكونغرس ستقيّد أجندته التشريعية وتفتح الباب أمام التحقيقات والرقابة، وإن لم تسلبه صلاحياته العسكرية. والإدارة لم تتخلّ عن الخيار العسكري؛ إذ بحث ترامب مع فريقه للأمن القومي في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر استئناف العمليات، فيما تواصل القيادة العسكرية استعداداتها لاحتمال العودة إلى ضربات واسعة. لكنه لم يصدر قراراً بذلك، وما زال يدرس خيارات تشمل التصعيد والضغط الاقتصادي والتفاوض.

وتبقى المشكلة في شكل الحسم المطلوب. فالحصار البحري الطويل، الذي يدعمه مدير الاستخبارات المركزية جون راتكليف ووزير الخزانة سكوت بيسنت، يُبقي أسعار الطاقة مرتفعة ويطيل أمد المواجهة. وهذا ما يصعب على ترامب تسويقه بعد أن ربط بنفسه الحرب بكلفة الوقود. لذلك يميل على الأرجح إلى ضربة عسكرية كبيرة يراهن على أنها تفرض تنازلات إيرانية وتفتح مضيق هرمز، بدل استنزاف مفتوح.

لكن هذا المسار يواجه اعتراضاً داخل الإدارة. فقد قاد فانس خلال الأشهر الماضية توجهاً يدعو إلى إنهاء الحرب باتفاق، محذراً من كلفتها السياسية. وأجرى خلال الأسبوعين الماضيين اتصالات غير مباشرة شبه يومية مع الوسطاء القطريين والباكستانيين، وبعث برسالة إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي يقترح فيها استئناف التفاوض المباشر. وهكذا يتجاوز الخلاف الموقف من إيران وحدها، إلى الطريق الذي سيحفظ إرث ترامب ويحدد موقع الجمهوريين في انتخابات 2028.

سقف طهران

على الضفة الأخرى، قرأت طهران النتائج دليلاً على أن الحرب ألحقت بترامب خسارة سياسية داخلية. وذهب رضائي إلى اعتبارها هزيمة أميركية في الميدان وفي واشنطن معاً.

هذه القراءة تشجع إيران على التمسك بشروطها، خصوصاً مع إدراكها أن ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع شعبية الحرب يضغطان على الإدارة الأميركية. ويكرر وزير الخارجية عباس عراقجي أن بلاده لن تتراجع عن شروط إنهاء الحرب وفتح المضيق. لكن رفع سقف المطالب يحمل نتيجة عكسية؛ إذ يمنح ترامب مبرراً للقول إن الدبلوماسية لم تحقق المطلوب، وإن الخيار العسكري لا يزال ضرورياً. ونقلت أكسيوس عن دبلوماسيين منخرطين في الوساطة ومستشارين لترامب أن الخطاب الإيراني الاحتفائي بنتائج الانتخابات قد يجعل عودته إلى الحرب أرجح.

ولهذا يتفاوض الطرفان ويستعدان في آن. فلقاء رضائي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، والتحركات التي يقودها الوسطاء، يكشفان استمرار البحث عن مخرج، لكن فجوة الشروط لا تزال واسعة. وتبدو المفاوضات حتى الآن أداة لكسب الوقت واختبار الطرف الآخر، مع احتفاظ كل طرف بأدوات الضغط ومواصلة استعداداته.

الإقليم بين الردع والتصعيد

تتزامن هذه التطورات مع اتساع شبكة التعاون الدفاعي في الخليج. فقد فعّلت الرياض وأنقرة وإسلام آباد في 5 تشرين الأول/ أكتوبر ترتيبات الردع المشترك بعد هجمات حوثية، ونشرت باكستان قوات في المملكة. وصادق البرلمان التركي في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر على اتفاقية الدفاع الثلاثي المعروفة بحلف مكة. وفي 21 تشرين الأول/ أكتوبر، وقّعت الدوحة مع أنقرة وإسلام آباد وجاكرتا مذكرة «بدر» للتعاون في التصنيع الدفاعي والتدريب والبحث والتطوير. كما وقّعت دمشق والرياض اتفاق تعاون دفاعي خلال زيارة الرئيس أحمد الشرع، وكشفت رويترز عن إرسال عسكريين سوريين لتقديم المشورة والتدريب للقوات السعودية واليمنية.

لا تعني هذه التحركات تشكّل جبهة موحدة ضد إيران، ولا أن الدول المعنية تتجه بالضرورة إلى المشاركة في حرب جديدة. فقد أكدت أنقرة وإسلام آباد أن حلف مكة دفاعي، ولا تتضمن مذكرة بدر التزاماً بالدفاع المشترك. والدوحة نفسها تبني قدراتها وهي تقود الوساطة بين واشنطن وطهران. أما الخطوة السورية فتبدو على الأرجح مدخلاً للانخراط في الحرب اليمنية، وإن ظلت حتى الآن في حدود المشورة والتدريب. لكن هذه التحركات مجتمعة تشير إلى تغير في البيئة الأمنية المحيطة بطهران، وإلى سعي دول الخليج لتوسيع خياراتها الدفاعية ورفع كلفة أي رد إيراني عليها.

وعلى جبهة الاحتلال الإسرائيلي، يلتقي هذا المسار مع رغبة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المعلنة في إسقاط النظام الإيراني، ومع ضغوطه لاستئناف الضربات بعد الانتخابات الأميركية. غير أن هذا التقاطع لا يعني تطابق الأهداف. فنتنياهو يتحدث عن تغيير النظام، بينما يركز ترامب على إنهاء الحرب بنتيجة يستطيع تقديمها إنجازاً. كما أن إعلان ترامب وقف المساعدات العسكرية السنوية لحكومة الاحتلال بنهاية العام يكشف تباينات في العلاقة، وإن لم يكن دليلاً كافياً على افتراق استراتيجي بين الطرفين.

ترجيح مشروط

لا يعني اجتماع الدوافع السياسية والاستعدادات العسكرية أن ترامب حسم العودة إلى الحرب. فقد قال بعد الانتخابات إنه لا يخطط لضربات فورية، وما زال الاتفاق مطروحاً. ويؤكد رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني أن التوصل إليه ممكن، فيما يدفع فانس باتجاه تسوية تتيح للإدارة الخروج من المواجهة.

لكن الهزيمة الانتخابية لم تجعل التراجع سهلاً. فأي اتفاق ممكن اليوم سيُقرأ في واشنطن وطهران معاً اعترافاً بأن الحرب لم تحقق أهدافها. وهذا ما لا يحتمله ترامب الباحث عن إرث، ولا تحتاج طهران إلى تقديمه وهي ترى خصمها مهزوماً في الداخل.

لذلك يبقى الأرجح أن تعود الضربات بزخم أكبر، في صيغة تبحث عن حسم سريع لا عن حرب استنزاف. ويظل هذا الترجيح مشروطاً بأمرين: أن تخفض طهران سقفها قبل أن تُغلق النافذة، أو أن تثمر وساطة فانس اتفاقاً يقنع ترامب بأنه أقل كلفة على إرثه من حرب لا يضمن نهايتها. فإن تحقق أحدهما تغيّر المسار. وإن لم يتحقق، فالأسابيع التي تسبق مطلع كانون الثاني/ يناير هي الأخطر في هذه الحرب منذ أشهر.

انضم إلى القناة