الخميس 5 نوفمبر 2026
مقال

المُتدين والسياسي بين الشرعية والأهلية

18 دقيقة قراءة

الدكتور نبيل الفولي

لا يخفى أن مثل هذا العنوان لا يؤخَذ على عمومه، وإنما سيق هذا السياق للتأكيد على معنى الأهلية الأخلاقية والعقلية والبدنية، بل النفسية والاجتماعية والفطرية، التي يجب توفرها في أي إنسان يقوم بوظيفة ما من الوظائف – والسياسة منها – إن كنا نتكلم عن وضع مثالي متكامل؛ إذ يجب أن يتوفر فيه ما تحتاج إليه من إمكانات وقدرات، وذلك حسب الوظيفة نفسها وما يلزم للقيام بها.

ولا يغيب عنا كذلك ضخامة ما تحتاجه الوظائف السياسية من إمكانات؛ خاصة المناصب الكبيرة، من قدرة على التخطيط والعمل والتنفيذ؛ لذا لا يصلح لها أي شخص، ومهما وُجد معه من مجالس استشارية وخبراء ومعاونين أكفَاء فإنهم لا يغنون عن لزوم كونه هو نفسه مؤهَّلا للوظيفة التي يقوم بها.

ونحن ندرك من البداية أن رجل الدولة ليس ساحرًا يقلب الموازين بلمسة من عصاه، ولا رجلاً خارقًا يعمل وحده في فراغ، وفي المقابل ليس رجل الدولة المؤهلُ رقمًا مهملاً، ولا مخلوقًا عاجزًا عن التأثير وصناعة الواقع بإدارته للبيئة حوله بشتى أصناف الضغوط التي توجد فيها. وهذه هي الثنائية المتكاملة للمفكرَينِ الفرنسيين بيير رينوفان وجان باتيستدوروسيل التي اشتهرت في الدراسات السياسية، فقد ركّز الأول – في كتاب مشترك لهما – على الضغوط التي تحتويها البيئة من الجغرافية والسكان والمصالح الاقتصادية والمشاعر القومية والمشاعر الجماعية، وإن كان لا يقول بالحتمية، في حين ركّز الثاني على دور رجل الدولة الذي يتفاعل مع هذه العوامل، ويمكنه توجيهها والتأثير فيها.

الشرعية والأهلية:

مَن قلّب نظره في شاغلي المناصب السياسية في العالم شرقه وغربه، لا في عصرنا ولا بلادنا فقط، بل في العالم كله والعصور كلها، فسيجد أن الأغلبية منهم لم يكونوا مؤهلين لهذه الوظائف بالدرجة الكافية، مع اختلاف الطرق التي جاءت بهم إلى سدة الحكم، ومع اختلاف الأنظمة السياسية التي اعتمدوها، والفلسفة التي أقاموا عليها حكمهم للبلاد وسياستهم للرعية.

واختلاف طرق الوصول إلى السلطة تضعنا أمام منازعة مهمة بين شرعية الحاكم وأهليته، فهل يمكن أن تَغفر له أهليتُه عدمَ شرعيته، أو شرعيتُه عدم أهليته؟ وهنا علينا أن نؤكد أن الاتكاء على التاريخ والاعتماد على التجريد يمنحانا فرصة للهروب من ضغط الواقع، وإن كنا سنتماس معه بالتأكيد في بعض المواضع؛ شئنا أم أبينا.

لا شك أن الصورة المثلى للحاكم هي أن يجمع بين الشرعية والأهلية معًا، فينال السلطة بطريقة معتبرة ومرضية في عرف الجماعة التي يحكمها، وكذلك يحسن إدارة دولاب الدولة مستعينًا بمن يراه مناسبًا من المعاونين والمستشارين، ومؤسِّسًا لما يحتاجه من الهيئات واللجان المساعدة له للقيام بواجبه على الوجه الأفضل قدر الإمكان.

فإذا فقد الحاكم أحد هذين الركنين، فنحن لا نملك أن نفاضل بينهما فنقول إن الديكتاتور المتغلب الذي يحسن إدارة الدولة أفضل لها من الحاكم الشرعي الفاشل، لسببين؛ الأول: أننا لو قلنا بهذا فسنعطي مسوغًا لكل مالك للقوة أن ينقلب على السلطة ويغتصبها، والسبب الثاني: هو أن الدساتير كما تشتمل على مواد تتعلق بالإجراءات المتبعة عند طروء الأمراض المانعة لصاحب السلطة من البقاء فيها؛ مثل الجنون والعمى، فإنها تشتمل على شروط أخرى لعزله؛ كالخيانة والرشوة، ويمكن أن تضاف إليها مواد تتعلق بحال عدم وفائه بصورة فادحة بما وعد به عند ترشحه للسلطة.

ولعل الحالة الوحيدة التي تبدو فيها شخصية المتغلب مهمة، هو ظهورها وقت الفوضى، وقيامها بلمّ الشمل الاجتماعي، وتكوين قوة عسكرية للدولة تستطيع بها أن تدفع عن نفسها الأخطار، ثم فَرْض نفسه حاكمًا بعد ذلك. وقد ظهر هذا كثيرًا في التاريخ، حتى يمكن أن نتصور أنه أحد قواعد انتقال السلطة، وربما التحول من فرع حاكم إلى آخر خلال النظام الوراثي، فيكون القائد الجديد هو المتغلب الذي أنقذ المجتمع من الفوضى، وحَمَاه من التشرذم، وجمع قوته على هدف واحد يعمل الجميع له، ولا يعمل بعضهم ضد بعض.

ولا نبالغ إذا اعتبرنا سيف الدين قطز بعد انهيار سلطة الأيوبيين، ونابليون بعد أن عمت الفوضى أنحاء فرنسا من جراء الثورة الفرنسية وتطوراتها؛ لا نبالغ إن اعتبرنا هذين النموذجين متقاربين من هذه الناحية، وجاء حضورهما التاريخي تحولاً كبيرًا للأوضاع السياسية في بلديهما وعصريهما. وليس مفاجئًا أن تكون مثل هذه الشخصيات من البطولة بمكان؛ لأن الأوضاع التي تدخّلوا فيها قد غلب عليها الخلل والاضطراب، ولم تكن السلطة في بدايتها حينئذ مغنمًا يحرص الأشخاص العاديون أو الجبناء عليه، بل هي مغرم يمثل الإقدام عليه نوعًا من المجازفة الخطرة، كما أنهم أبطال أيضًا – كما أشرت – لما أحدثوا من تحول تاريخي في عصريهما.

ولعلنا نلاحظ فرقًا واضحًا مثلاً بين الحالتين السابقتين وبين تولي رضا بهلوي العرش في إيران بعد عزل أحمد شاه آخر سلاطين القاجاريين خلال عشرينيات القرن العشرين؛ وذلك أن بهلوي تولى السلطة في وقت فوضى وضعف بلاده ضعفًا شديدًا، لكن برعاية بريطانية بسبب خوف لندن من تغلغل الشيوعية في إيران في ظل الظروف المضطربة فيها حينئذ. وقِسْ على ذلك كثيرًا من الحالات التي تولت السلطة في ظل نوع من الاضطراب في بلادها لكن برعاية خارجية طلبت ثمن ذلك ولاء مطلقًا فيما بعد، وهو الأمر الذي أدى في إيران فيما بعد إلى عزل رضا بهلوي سنة 1941 وتولية ولده محمد رضا بهلوي – شاه إيران الشهير المعزول لاحقًا – بدلًا منه.

توسيع المجال:

ما الذي يُطمِع شخصًا ما نجح في مجال في أن ينتقل إلى مجال آخر؛ له بالأول علاقة، أو ليست له به علاقة؛ خاصة حين يكون الانتقال من مجالٍ ما إلى مجال العمل السياسي؟

يعيدنا هذا السؤال إلى مركز الموضوع الذي نكتب فيه، وللإجابة عنه فإن الاستقراء يضع يدنا على ثلاثة أسباب تجتمع وتفترق لتعدية الإنسان نشاطه من مجال اجتماعي إلى آخر، وهي كما يلي:

–     أن حلاوة النجاح تؤكد ثقة الإنسان بنفسه، وقد يستقر في ذهنه أن نجاحه الأول يعني امتلاكه للقدرات المـُعينة على النجاح في غيره، فينتقل إليه، أو يجمع بينهما. ولعل هذا من الجوانب النفسية التي لا يحس بها صاحبها، وإن كانت حاضرة بقوة في خلفية تصرفاته.

–     أن الثقافة التي يمتلكها الإنسان قد تكون شمولية؛ أي تعالج شتى قضايا الحياة والعيش البشري، فيرى ممتلك هذه الثقافة أنه الأجدر بأن ينفِّذها، والأقدر على مراعاة ما تقتضيه، وهذا ظاهر في أصحاب المعارف الدينية التي لها سلطة التحريم والتحليل، وتكون في نفوس الجماهير أقوى معنويًا من سلطة الدولة، فيسعى أصحابها إلى الحصول على سلطة وولاية سياسية بمقصد ونِيّة أو أخرى.

–     أن الناجح في مجال ما قد يسعى إلى حماية مصالحه بالنشاط في مجال آخر ذي تعلُّق به، من خلال دعم اتجاهاتٍ وأناس بأعيانهم في هذا المجال الآخر مقابل آخرين، ثم يتطور به الأمر إلى أن يشارك بنفسه مباشرة في هذا المجال، وهذا واضح جدًا فيمن يشارك في العمل السياسي من رجال التجارة والأعمال.

ويكاد يكون هذا الأمر ظاهرة من ظواهر السياسة في العالم والتاريخ؛ أعني الانتقال إليها من مجال آخر بعد النجاح فيه، بل قد نقول إن السياسة ليست وحدها التي شهدت هذه الظاهرة، وإن كانت الأبرز، فإن ابن آدم تحكمه مطامع لا تنتهي من الازدياد من المال والوجاهة والنفوذ، فكثيرًا ما يتحول الرياضي إلى ممثل وإلى سياسي وإلى رجل أعمال، وقد يغادر الممثل أو الأديب أو الرسام مجال التمثيل والأدب والرسم ويغرق في عالم السياسة، ويترك العسكري عمله إلى السياسة أو القانون أو التدريس الأكاديمي. وفي هذا كله تتردد أسماء كثيرة شرقية وغربية مثل: العسكري دوايت أيزنهاور، والممثل رونالد ريجان، ورجل الأعمال دونالد ترامب، والرسام أدولف هتلر، ولاعب الكريكت عمران خان، ولاعب كرة القدم جورج ويا، والأديب فاتسلاف هافل الذي انقسمت في عهده تشيكوسلوفاكيا دولتين، وغيرهم.

ومع كل هذا، فمن أخطر صور توسيع الإنسان لمجال نشاطه الاجتماعي، والانخراط في السياسة بعد النجاح في غيرها: تحول الثوار جماعيًا إلى حكّام، والنظر إلى هذا على أنه أمر طبيعي وتلقائي، فهم الذين ضحوا، وهم الذين قاتلوا، وواجهوا الطغيان والمخاطر الهائلة، وبالتالي هم الأولى بالحكم وسياسة البلاد، مع أن الأصل هو ارتباط المسألة بشرطها كما سيأتي.

إن ما شهده تاريخ الثورات الناجحة في الشرق والغرب إلى الآن هو تحوُّل الثوار تلقائيًا إلى حكام بدون استثناء تقريبًا، ونتجت عن هذا ظواهر سلبية معروفة؛ أخطرها ما يلي:

–     عموم الفوضى وامتدادها، ومن أشهر نماذجه: الثورة الفرنسية التي ربما قتلت من الشعب الفرنسي باسم الثورة والثوار أكثر مما قتل ملوك آل بوربون، بما فيهم لويس السادس عشر نفسه.

–     تركّز السلطة في يد ديكتاتوريات خطيرة راكمت طبقات فوق طبقات من التخلف والظلم، كما هو شأن ثورة أكتوبر في روسيا، وثورة يوليو في مصر، وثورة القذافي في ليبيا.

–     تحوُّل الحكم إلى ولاية فقهية يديرها أصحابها بسذاجة مفرطة، وبحسابات دينية تسوِّغ وجودهم في السلطة، ولا تحسن تسيير شؤون العباد، كما هو الحال في ثورة خميني في إيران.

هل هي مثالية؟

حين نتكلم عن شروط الوظيفة السياسية، وأنه ينبغي أن يُختار لها أهلها الملائمون لها، فنحتاج إلى تأصيل هذه المسألة حتى تصير أكثر ملامسة للواقع الحياتي الذي يحيط بالناس.

من المؤكد أننا لا نبحث عن وضع بشري مثالي؛ لأننا حتى لو بحثنا عنه هنا فلن نجده أصلًا إلا على صفحات الكتب لدى الفلاسفة والأدباء الحالمين، ولكن مع هذا نؤكد أن الأصل هو تولي الوظائف وتوليتها لمن يصلحون لها، أو من هم أجدر بها وأصلح لها قدر الإمكان، وقد راعى الإسلام هذه المسألة مراعاة دقيقة، ووردت فيه لأجلها نصوص كليّة مهمة، منها ما يلي:

–     قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (النساء: 58).

–     وروى البخاري في صحيحه (الحديث 6496) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة”، قال: كيف إضاعتُها يا رسول الله؟ قال: “إذا أُسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة”.

–     وروى مسلم في صحيحه (الحديث 1825) عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ألا تَستَعمِلُني؟ قال: فضَرَبَ بيَدِه على مَنكِبي، ثُمَّ قال: “يا أبا ذَرٍّ، إنَّكَ ضَعيفٌ، وإنَّها أمانةُ، وإنَّها يَومَ القيامةِ خِزيٌ ونَدامةٌ، إلَّا مَن أخَذَها بحَقِّها، وأدَّى الذي عليه فيها”.

–     وروى أحمد في مسنده (الحديث 21) عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من ولي من أمر المسلمين شيئًا فأمَّر عليهم أحدًا محاباة، فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا حتى يدخله جهنم”.

–     وروى الطبراني في المعجم الكبير (الحديث 11216) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ومن تولى من أمراء المسلمين شيئًا، فاستعمل عليهم رجلًا وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك وأعلم منه بكتاب الله وسنة رسوله، فقد خان الله ورسوله وجميع المؤمنين”.

وهنا تكون تولية غير المؤهَّل شيئًا من الشأن العام معصيةً دينية، وليست مجرد مخالفة إدارية، ولا إسقاطًا عاديًا لقواعد السياسة الصحيحة في إدارة شؤون الناس والأوطان. والمعاصي الدينية – كما استقر في البحث الشرعي – لا تأخذ وزنًا واحدًا، بل أوزانًا متباينة جدًا، وذلك حسب أثرها ضيقًا واتساعًا واستمرارًا وانقطاعًا، وكلما كانت المخالفة أكثر اتساعًا في المكان وامتدادًا في الزمان كانت فداحتها وإثمها أكبر، وهذا هو ما يبدو في مسألة تولية الأمر من ليس أهلًا له أكثر من غيرها.

شروط المتدين:

قد يكون المتدين الذي نكتب عنه هنا مجرد شخص عادي ملتزم بالآداب والتعاليم الدينية، لكنه ليس عالمـًا متوسعًا فيها، وقد يكون عالمـًا في واحد أو أكثر من المعارف والعلوم الشرعية، فما الخصائص التي يمكن رصدها لكل منهما؟ وما خصائص رجل السياسة حتى نعرف متى يستحق الشخص الخوض فيها بقطع النظر عن كونه عالمـًا في الدين أو غير عالم؟

المتدين بدينٍ ما هو الشخص الذي يظهر عليه – بقطع النظر عن حقيقته المخفية عنا – الارتباط بتعاليم الديانة التي ينتمي إليها، من جهة المظهر (الهَدْي الظاهر)، والارتباط بدُور العبادة، والتمسك بالأخلاق والعادات الدينية أو ذات البعد الديني، ويمتلك مع هذا ثقافة دينية بدرجة يتفاوت المتدينون فيها تفاوتًا واضحًا، فتكون في بعضهم قشرة رقيقة، وفي بعضهم الآخر ذات عمق فكري وعقدي لا يصل بصاحبه إلى أن يكون عالمـًا أو مفكرًا، لكنه يربطه بما يدين به رباطًا علميًا جيدًا، ويمثل لديه مسوِّغًا كافيًا لهذا الارتباط.

والأدبيات الاجتماعية هي التي تحاكم هذا المتدين، وتحكم له أو عليه، فتُخضعه لمقاييسها واعتباراتها؛ بمعنى أن الجماعة التي ينتمي إليها المتدين – وإن كان عالمـًا – هي التي تحاسبه بمقاييس الدين نفسه، يسوقها في ذلك مدى اتفاق سلوكه العملي مع دعواه التدين، فإن كان سلوكه يناقض مظهره ودعواه، اعتبروا تدينه زائفًا، وقد يحاسبونه حسابًا شديدًا تبعًا لمستوى تناقضه مع ما يظهره من التدين. وكأن هذا هو شرط التدين الأكبر، وهو أن تنسجم دعوى صاحبه مع سلوكه، وإلا حاسبه المجتمع حسابًا شديدًا حيًا وميتًا.

ولدينا نموذج مهم على هذا الحساب ظهر في رحلة الصحابي الفارسي سلمان رضي الله عنه وهو يبحث عن الهداية، ففي حديث له في مسند أحمد (الحديث رقم 23225) قال: “قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا الأسقف في الكنيسة، قال: فجئته، فقلت: إني قد رغبت في هذا الدين، وأحببت أن أكون معك؛ أخدمك في كنيستك، وأتعلم منك، وأصلي معك. قال: فادخل، فدخلت معه، قال: فكان رجل سوء؛ يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها أشياء، اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلال من ذهب ووَرِق. قال: وأبغضته بغضًا شديدًا لما رأيته يصنع، ثم مات، فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء؛ يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئا، قالوا: وما علمك بذلك؟ قال قلت: أنا أدلكم على كنزه، قالوا: فدلنا عليه! قال: فأريتهم موضعه، قال فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبًا ووَرِقًا، قال: فلما رأوها قالوا والله لا ندفنه أبدًا، فصلبوه ثم رجموه بالحجارة”.

ومثل ذلك نجده في ثقافات وعصور مختلفة بصورة أو أخرى، ومن أشهرها في الذاكرة الحالية: الواعظ الديني الأمريكي الشهير جيمي سواجرت، صاحب المناظرة الشهيرة مع الشيخ أحمد ديدات رحمه الله، فقد امتلك سواجرت شهرة جماهيرية كبيرة جعلته مثالًا للتدين والتقوى المسيحية ونجمًا إعلاميًا كبيرًا يتكلم باسم المسيح عليه السلام، حتى انكشفت علاقاته الجنسية المنحرفة، ومعاملاته المالية المشبوهة، فجردته الكنيسة من صفته الكنسية، ووصفه الجمهور بالمنافق.

ومن المؤكد أن هذا الحكم لا ينطبق على كل من عاقبته الجماعة؛ إذ قد يسيطر على الناس نوع من الهيجان تحركه عقول الرعاع، فيعاقبون شخصًا تحت ضغط الدعاية المضادة، في حين أن الحقيقة هي أن ما يجري هو صراع سياسي أو ديني بين أطراف لا يملك أحدها أن يثبت الحق لنفسه على الآخر بالحجة والدليل، فيلجأ الأقوى منها إلى سلاح الجماهير للخلاص من خصمه، كما هي حالة القديس آريوس، وسافونا رولا، وجان دارك، وغيرهم.

وربما يبدو الإمام أحمد بن حنبل في رأي جماعة المعتزلة وأنصارها في وقته من هذا النوع، لكن عادت الأمور في حالته إلى نصابها بعد أن رفع الخليفة المتوكل العباسي المحنة، ونصر السنة.

ويقترب من هذا كذلك: مثال جريج الراهب الذي ورد حديثه في الصحيحين (البخاري 2482، ومسلم 2550)، فقد حكى النبي صلى الله عليه وسلم أنه “كان رجلٌ في بني إسرائيل يقال له جريج يصلي، فجاءته أمه، فدعته، فأبى أن يجيبها، فقال: أجيبها أو أصلي، ثم أتته فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات! وكان جريج في صومعته، فقالت امرأة: لأفتنن جريجًا، فتعرضت له، فكلمته فأبى، فأتت راعيًا، فأمكنته من نفسها، فولدت غلامًا، فقالت: هو من جريج، فأتوه وكسروا صومعته، فأنزلوه وسبوه، فتوضأ وصلى ثم أتى الغلام، فقال: من أبوك يا غلام؟! قال: الراعي، قالوا: نبني صومعتك من ذهب، قال: لا، إلا من طين”، فقد كاد اندفاع العامة يقتل الرجل الزاهد، حتى أيده الله بتلك الكرامة، فاندفع عنه العقاب الاجتماعي بعد أن ظهرت للناس الحقيقة.

شروط العالم:

يُشترَط في العالم أولاً ما يشترط في المتدين من التوافق سلوكًا وخلقًا مع المعرفة الدينية التي يحملها، وإن كان بعضهم يستطيع بذكائه أن يناور في هذه النقطة، فيحالف السلطان على حساب الجماهير، ويجامله على حساب الدين، اعتمادًا على أن رؤية العامة القاصرة قد تفصل بين العلم والعمل، فتعترف له بالأول دون الثاني؛ هذا بالرغم من أن الرؤية السلفية الأولى – التي كانت عليها أجيال الأمة المتقدمة – لم تكن تفصل أحدهما عن الآخر، وقد عبرت عن هذا عبارة جامعة للحسن البصري قال فيها: “إنما الفقيه: الزاهدُ في الدنيا، الراغبُ في الآخرة، البصير بأمر دينه، المداوم على عبادة ربه”، وأتى رجلٌ التابعيَّ الشهير عامر بن شراحيل الشَّعْبيَّ فقال له: أفتني أيها العالم! فقال الشعبي: إنما العالم من خشي الله عز وجل”، وقال إبراهيم الخواص: “ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العالم من اتبع العلم واستعمله، واقتدى بالسنن وإن كان قليل العلم”.

وما عدا هذا من شروط، فقد روى أبو إسحاق الشاطبي (ت 790هـ) عن شيخه أبي علي منصور بن علي الزواويّ (ت بعد 770هـ) أنه كثيرًا ما سمعه يقول: “قال بعض العقلاء: لا يُسمَّى العالم بعلم ما عالمـًا بذلك العلم على الإطلاق حتى تتوفر فيه أربعة شروط؛ أحدها: أن يكون قد أحاط علمًا بأصول ذلك العلم على الكمال، والثاني: أن تكون له قدرة على العبارة عن ذلك العلم، والثالث: أن يكون عارفًا بما يلزم عنه، والرابع: أن تكون له قدرة على دفع الإشكالات الواردة على ذلك العلم”، ثم قال الشاطبي: “وهذه الشروط رأيتها منصوصة لأبي نصر محمد بن محمد الفارابي الفيلسوف في بعض كتبه” (الإفادات: ص 107). وهي – كما يبدو واضحًا – شروط فنية خالصة إن جاز التعبير، أي تتعلق بالمعرفة ذاتها احتواء وأداء.

وثمة أحاديث كثيرة في المصادر والكتب عن شروط الفقيه كي يكون فقيهًا، والمفسر حتى يعتبر مفسرًا، والمجتهد حتى يُحسَب مجتهدًا (انظر مثلًا: عبد القاهر البغدادي: عيار النظر: ص 184- 185)، وهكذا، ولكن لا نطيل بذكرها هنا؛ لأنها ليست هدفًا لنا في ذاتها، وإنما نريد أن نقول: إن من توفرت فيه هذه الإمكانات والصفات مع القدرة على ممارسة الوظائف السياسية والعامة، فلا شك أنه سيكون من المفيد الاستعانة بهؤلاء الذين يمهرون في تسيير أمور الناس مع وجود بعد سلوكي وعلمي وشرعي مكين في شخصياتهم.

صفات الشخصية السياسية:

نال الحديث عن صفات أو شروط القاضي والإمام الأعظم كثيرًا من اهتمام الفقه السياسي الإسلامي (السياسة الشرعية)، وأما شروط “السياسي” باعتباره وصفًا مطلقًا يشمل كل من يشتغل بالسياسة، فلم ينل مثلَ هذا الحظ من العناية المباشرة، وإن كانت شروط القاضي والإمام يمكن أن ينطبق كثير منها على من يمارس العمل السياسي بكل مستوياته.

وفي المصادر الإسلامية الأساسية نجد إشارات مهمة ومجملة إلى شيء من هذه الصفات العامة؛ منها الآية الواردة في قصة طالوت وجالوت حين اعترض بنو إسرائيل على اختيار قائد لهم أقل شهرة ومالاً منهم، فقيل لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 247)، ومنها قول ابنة رجل مدين الصالح عن موسى عليه السلام بعد أن أعانها وأختها على سقي الغنم في شهامة ورجولة: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (القصص: 26).

ويمكن تقسيم شروط العلماء في الخليفة صاحب الإمامة العظمى إلى شروط اختيارية ليست داخلة تحت إرادة الإنسان؛ مثل: البلوغ، والعقل، والذكورة، وسلامة الحواس، والنسب القرشي، وأخرى تقع في دائرة اختياره، وهي: الإسلام، والعدالة، والعلم الشرعي الذي يبلغ به درجة الاجتهاد، وثالثة ترجع إلى الفطرة والتربية والإعداد، وهي: القدرة على تدبير شؤون الدولة على الصورة المناسبة.

والنسب القرشي أثار ويثير كثيرًا من الإشكالات منذ زالت الخلافة العباسية سنة 656هـ، وهو لا يعنينا هنا إطلاقًا؛ لأنا لا نتكلم عن الإمامة العظمى أو الخلافة خاصة، بل مطلق الاشتغال بالسياسة، فهل يجب أن يكون السياسي في العالم الإسلامي مجتهدًا في فروع الدين وأصوله، أو على الأقل عالمًا مقلدًا على مذهب من المذاهب المعتبرة في الأصول والفروع؟

لا شك أن هذا الشرط قد سقط عمليًا منذ قرون طويلة، وأن الصالح من أصحاب السلطة ممن لم يكن عالمًا مجتهدًا، كان يقرّب إليه أهل الفطنة من العلماء، ويجعلهم بطانته، يكمل بهم نقصه، ويضعهم موضع المستشارين والوزراء والمفتين في الأمور العامة.

وأما القدرة على تدبير شؤون الدولة التي يتولاها، فهو الشرط الأساس الذي لا تنازل عنه في اشتغال الإنسان بالسياسة؛ لأنه يكاد يكون بمعنى ممارسة السياسة، أو تعريفًا بوظيفة السياسي الذاتية، فلا يصلح لها العالم المتضلع بالمعرفة الشرعية لمجرد أنه عالم، ولا المهندس الماهر لمجرد أنه مهندس، ولا الطبيب، ولا رجل الأعمال، ولا الرياضي، ولا غيرهم لمجرد هذه الأوصاف، إلا أن يكون سياسيًا له ملكة الإدارة وتسيير الشؤون العامة.

وبعد، فلعل المحطات التي عبرتها هذه السطور تبدو أحيانًا في صورة استطرادات، أو موضوعات مختلفة تخرج أحيانًا عن الفكرة الأساسية، ولكني قصدت العبور إلى فكرتي الأساسية بهذه الطريقة الاستدعائية المتدرجة، لنصل إلى أن كل من يدخل عالم السياسة وليس أهلًا لها، متدينًا كان أو غير متدين، فإنه يمثل رقمًا سالبًا في جهاز دولته ومجتمعه الذي ينتمي إليه، وهذا يعني أن المجتمع يجب أن يتعاون في الوصول إلى أفضل الوجوه في المؤسسات الصغيرة والكبيرة، وفي الأحياء والمدن والقرى حتى تخوض غمار هذا البحر الواسع.

ويعني كذلك أن طهارة الدين ليست مسوِّغًا وحدها تعطي المتدين الحق في المشاركة في صناعة السياسة، وأن السياسي الذي يخلو من الدين والارتباط بتعاليمه، ويحمل رؤية معادية له، يصلح أن يحكم أمثاله فقط؛ لأنه يتنكر لهوية المجتمع الذي يحكمه، وقد عانت المجتمعات في ظل مثل هذه الوجوه من المحاربة الخفية والمعلنة للدين، واتباع سياسات غير سوية في المباعدة بين الجماهير ودينها.

تنويه: الأفكار الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

المزيد من المقالات

الكل المقالات

التوظيف الديني للسياسة

د. نبيل الفولي العناية بدراسة الاستغلال السياسي للدين كبيرة قديمًا وحديثًا، حتى صار الأمر جزءًا من مفهوم الدين وسببًا لنشوئه…

الدين والديمقراطية

د. نبيل الفولي نال النظام السياسي الديمقراطي نصيبًا كبيرًا من الانتشار في العصر الحديث؛ نظرًا لأنه قد صاحَبَ – برغم…

انضم إلى القناة