تونس: هل يتحول غضب الشارع إلى ضغط سياسي؟
الأحد 18 تشرين الأول/أكتوبر 2026
شهدت العاصمة التونسية، السبت 17 تشرين الأول/أكتوبر، أكبر مسيرة ضد الرئيس قيس سعيّد منذ سنوات، بمشاركة أحزاب من أطياف مختلفة ومحامين وأطباء وصحفيين وعاطلين عن العمل ومنظمات مدنية. لكن دلالتها الأهم ليست في حجمها، بل في اجتماع قوى فرّقتها الخلافات طويلاً، تحت مظلة الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي انتخب صلاح الدين السالمي أميناً عاماً في آذار/مارس الماضي.
تكشف المسيرة عن مأزق أعمق في تجربة سعيّد. فمنذ تركيز السلطة بيده عام 2021، ضاقت مساحة العمل السياسي وتزايدت ملاحقة المعارضين، وصولاً إلى الحكم بالسجن المؤبد على راشد الغنوشي في حزيران/يونيو 2026، والحكم على عبير موسي بالسجن 12 عاماً في كانون الأول/ديسمبر 2025. لكن السلطة، وإن نجحت في إحكام قبضتها الأمنية، لم تقدم بديلاً مقنعاً عن الديمقراطية؛ إذ تتواصل الأزمة المعيشية وتتراجع الخدمات، مع انقطاعات المياه والكهرباء ونقص الأدوية والسلع الأساسية. إنها معادلة السيطرة القمعية من دون معالجة أسباب السخط الذي فجّر ثورات الربيع العربي، وكانت تونس شرارتها الأولى.
وتتجاوز دلالة المسيرة حدود تونس، لتطرح سؤالاً عن قدرة السلطات العربية التي أعقبت الربيع العربي على احتواء الشارع بصورة دائمة. فتراجع موجة الاحتجاجات لا يعني زوال أسبابها، كما أن إغلاق قنوات التغيير السياسي لا يلغي إمكانية عودة الحراك حين تتراكم الأزمات المعيشية والسياسية. غير أن عودة الشارع لا تعني وحدها اقتراب التغيير؛ إذ يبقى ذلك مرهوناً بقدرة الاتحاد العام التونسي للشغل على تحويل الحشد إلى ضغط مستمر يصل إلى الإضراب العام، وبصمود وحدة المعارضة بعد انتهاء المسيرة. ومن دون ذلك، قد تبقى الاحتجاجات لحظة اعتراض قوية، من دون أن تفرض تحولاً في موازين القوى.