الخميس 5 نوفمبر 2026
مقال

التوظيف الديني للسياسة

18 دقيقة قراءة

د. نبيل الفولي

العناية بدراسة الاستغلال السياسي للدين كبيرة قديمًا وحديثًا، حتى صار الأمر جزءًا من مفهوم الدين وسببًا لنشوئه عند بعضهم، وفي مقابل ذلك أُعطيت مساحة محدودة للحديث التنظيري عن توظيف المتدينين للسياسة؛ على أهمية هذه القضية الثانية في الربط الإيجابي بين الدين والسياسة.

ويأتي هذا القصور على الرغم من أن توظيف الدين للسياسة أمر مسوَّغ وطبيعي، فمن حق المتدين أن يستعين بشتى مجالات النشاط الإنساني لخدمة أغراضه الدينية السوية؛ كما هو الحال مع الاقتصاد والتعليم والرياضة والفن، ومن هنا بدا أنه لا حاجة إلى البحث في هذه النقطة بحثًا تنظيريًا نقديًا إلا في نطاق ضيق.

ونسعى فيما يلي إلى معالجة أسباب هذا الإهمال النسبي، ثم نطرح إشكالات أخرى مهمة في المسألة؛ مثل أن التوظيف الديني للسياسة هل جاء نابعًا من طبيعة الأديان نفسها، أو أنه من تطوراتها التاريخية؟ وهل جاء ضمن نوبات تعصب ديني، أو في نطاقٍ مشروعٍ للاستعانة بمجالات الحياة المختلفة لخدمة الفكرة الدينية؟ ومع هذا وذاك: ما العلامات التي نعرف بها أن الدين يوجه السياسة، أو أنها هي التي تسيطر عليه وتستعمله؟

وقبل الولوج إلى تفاصيل هذه المسألة لابد من تعريف المصطلح الأساس الذي تقوم عليه، وهو “التوظيف الديني للسياسة”، وأعني به أن يبادر أتباع دين ما إلى الانتفاع بالأدوات السياسية المتاحة لهم في تحقيق أهداف دينية نابعة من الدين نفسه. فالدين له أهداف تتعلق بتصوراته العقدية ونظراته إلى الحياة والأحياء والكون والإنسان، وأهداف تتصل بنسقه الأخلاقي، وأخرى تتعلق بنظمه الشعائرية، فمهما استعملنا السياسة في خدمة هذه الأهداف بطريقة أو أخرى، فإننا نكون أمام صور من التوظيف الديني للسياسة.

وجدير بالتنبيه في هذه المقدمة أيضًا: أن الدين منظومة مفاهيم وبرنامج سلوكيات وأعمال، في حين أن السياسة مجرد مجال من مجالات الحياة؛ لذا لا ينبغي أن يُسمَح لمجال واحد – سياسة كان أو غيره – أن يطغى على فهمنا وتفسيرنا للدين ولا على تطبيقنا وعملنا به.

ضعف الاهتمام.. لماذا؟

يرجع ضعف وتشتت الاهتمام بالبحث النظري في التوظيف الديني للسياسة إلى عدة أمور أساسية؛ ربما يأتي في مقدمتها الأمور التالية:

  • لا أخلاقية التعامل مع الدين – بما له من قداسة وإجلال في نفوس المتدينين – باعتباره سلعة تُوظَّف خادمًا للسياسة والاقتصاد وأغراض أصحابهما؛ إذ عادة ما يحفز هذا الأمرُ أصحاب الأديان على الذب عنها، وحمايتها من هذا التشويه، كما يدفع هذا الموقف أيضًا بخصوم الأديان إلى التشهير بها، ووصفها بأنها لا تزيد على كونها أحابيل لأغراض خبيثة.
  • الخلط الدائم بين الاستغلال السياسي للدين والتوظيف الديني للسياسة؛ خاصة حين يكون الحديث على ألسنة الخصوم الحريصين على كسب المنافسة، فيسارعون إلى اتهام الآخرين – حال قِرانهم بين الدين والسياسة – باستغلال الدين لأجل تحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، فبدا أنه لا فرق بين المسألتين، مع اختلافهما في الحقيقة كما سيظهر.
  • ويلحق بالنقطة السابقة أن الحدود لا تكون واضحة في تسخير الدين للسياسة أو السياسة للدين في كثير من الحالات، وقد يكون المميِّز في بعض الحالات هو مجرد نية الفاعل السياسي التي يصعب التعرف عليها عادة، لكن سنجد فيما يلي مقاييس أخرى نحدد من خلالها من يسخِّر الآخر؛ الدين أم السياسة؟ ويؤكد ذلك المفهوم المتداخل أن المتدين قد يسعى إلى توظيف أفكاره الدينية في المجال السياسي باستعمال وسائل غير نظيفة، فيتناقض مع روح الدين نفسه، ويقترب من حال استغلال الدين في تحقيق أغراض سياسية.
  • شيوع الرأي الماركسي بأن الدين ما هو إلا أداةُ سيطرةٍ وتغييب للوعي نتجت عن التطور الاجتماعي والصراع بين الطبقات، وهذا يعني أن طبيعة الدين – في نظرهم – راجعة إلى أنه وسيلة اجتماعية خادمة لأغراض المسيطرين وذوي المصالح، فالأصل عندهم هو أن يتم توظيف الدين من قبل التاجر والصانع والسياسي وأمثالهم. وهذا أيضًا يبدو في نظر المتدين تشويهًا للرسالة النبيلة للدين، لكنه لم يبعثه ليؤلف في التنظير لفكرة التوظيف الديني السويّ للسياسة وغيرها من مجالات الحياة.
  • كذلك من الأمور التي تفسر لنا قلة الاهتمام بالبحث في التوظيف الديني للسياسة بحثًا فكريًا نقديًا: وفرة المؤلفات التي تتناول المواقف والآراء والتشريعات الدينية في قضايا وأمور الدولة والسياسة، فشغلت الناس بها عن البحث النقدي العام والمنظَّم في قضايا توظيف السياسة دينيًا.

وقد يبدو البحث في هذه المسألة يسيرًا ومتأتيًا لمن شاء من الدارسين بلا جهد فكري كبير، إلا أن هذه ليست الحقيقة؛ لأننا لا نتكلم عن آراء الأديان وتشريعاتها ذات العلاقة بالسياسة وأعمالها، مما قررته مصادر الأديان نفسها واجتهادات فقهائها ومشرّعيها اللاحقة، بل عن نظرات المتدينين إلى المجال السياسي باعتباره موضعًا لالتقاء الفكرة الدينية بالنظرة والممارسة السياسية، وباعتباره كذلك محلًا لتجلي النظر الديني في صورة عمل سياسي.

ولعل هذا يوضح المقصود بالبحث النظري والنقدي في التوظيف الديني للسياسة، فلا أعني به أن يحدد أهل كل دين آراءهم في السياسة، وكيفية معالجتهم للشأن السياسي، وأحكام دينهم الخاصة بهذا المجال، بل أعالج أمرًا من وراء ذلك، وهو اعتبار السياسة مجلىً من مجالي التطبيق الديني، وعلاقة ذلك بطبيعة الدين ومفهومه، والدوافع التي تؤدي بالمتدين إلى الولوج إلى عالم السياسة.

الدين والحياة:

يقابل وجودَ الدين وجودُ مخاطبين يتلقون عنه، وقد ضمَّن الاجتماعيُّ الفرنسي المعروف إميل دوركايم (ت 1917م) تعريفه الشهير للدين ما يفيد وجود جماعة معتنقة له، فقال ما ترجمته: “الدين منظومة موحَّدة من المعتقدات والممارسات المتعلقة بأشياء مقدسة، أي معزولة ومحرَّمة، وهي معتقدات وممارسات توحِّد في جماعة معنوية… جميعَ من ينضمون إليها”([1])، ومع أن وجود هؤلاء المعتنقين للديانة ليس جزءًا من حقيقة الدين نفسه، ولا حتى من أعراضه الخاصة، إلا أن من العبث أن يكون ثمة محتوى فكري أو ديني أو أخلاقي أو علمي لا يخاطب أحدًا؛ سواء أكان دينًا، أم فكرة إصلاحية، أم مذهبًا فلسفيًا، أم مشروعًا سياسيًا، إلخ ذلك.

وحياة الناس (المخاطبين بالدين أصلا) تتضمن – مع هذا – أنماطًا وألوانًا من النشاط الاجتماعي والتجاري والسياسي والفني وغيرها، وحين يمارسون هذه النشاطات يمثل رصيدهم من المعلومات والتصورات والقناعات الدينية وغير الدينية جسرًا تَعْبر عليه اختياراتهم ومواقفهم، أو بعبارة أخرى: تمثل مجالات النشاط الإنساني مواقع لتجلي قناعاتهم واعتقاداتهم وآرائهم الدينية وغير الدينية؛ إذ لا يأتي الفعل البشري من فراغ؛ خاصة حال كونه نمطا مستمرًا من السلوك لا مجرد تصرف عابر.

ومن بين مجالات الحياة المتعددة بدت الحياة السياسية إشكاليةً وذات مكانة خاصة في وقت واحد؛ نظرًا لعموم تعلقها بحياة الناس ومعايشهم، ونظرًا لما تمنحه من سيادة عامة وإمكانات ومواقع بارزة لبعض الأفراد، ولما يتولاه هؤلاء من إدارة الجماعة ورعاية شؤونها، وللبروز والظهور المصاحب لهم؛ خاصة حين يمثلون بلادهم في اللقاءات والعلاقات مع الدول الأخرى وممثليها. ومهما تكلمنا عن المساواة الإنسانية، وقيام العلاقة بين الحاكم والمحكوم على عقد اجتماعي يقدم فيه الحاكم خدماته لشعبه مقابل سلطة وفوائد أخرى؛ مهما تكلمنا عن هذا، فإن بروز الحاكم على غيره من أصحاب الوظائف والأعمال – ولو في عيون الجماهير وفي نظر من لا يعرف قدر العلم من العلماء – أمر لا ينكره منكِر في طول التاريخ وعرضه بدون استثناء لأي شعب تقريبًا.

وتعطينا كلمة سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه (ت 36هـ) الشهيرة بأن “الله تعالى يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن” مفاتيح مهمة حول ما تتيحه السياسة للدين من مساحة يتمدد فيها حال مراعاة السياسي له، واهتمامِه بأن يكون له حضور في الحياة العامة ونشاطات الدولة والمجتمع، فكأن السلطان هو أكبر أداة تنفيذية عامة لأي فكرة، فإن كان برنامجه الذي يعمل به يتيح للدين موضعًا، أو يتكئ إلى رؤية دينية، كان في ذلك ممن يخدمون الدين بالسياسة.

والدين هنا ليس شخصًا يحصد فوائد أو مكاسب مادية أو معنوية من توظيفه، بل هو مبادئ ونظام سلوكي يعرض نفسه على الحياة والأحياء، فمن آمن به ورأى أنه يمكن أن يمنح الحياة خيارات مفيدة، سعى إلى الاستفادة به؛ لأنه يمثل جزءًا أساسيًا من ثقافته، ويشكّل رؤيته للحياة والأحياء.

ويصعب هنا أن نَفْصل استفادة الدين من مجال السياسة عن استفادة المتدينين منه، ولو معنويًا، وهذا شيء طبيعي؛ لأن الإنسان ينحاز إلى هويته وثقافته بتلقائية ويحامي عنها، ومن هنا يهمه أن يكون لدينه حضور في مسارات الحياة المختلفة ما دام له تعلق بها. وفي الحقيقة ليس هذا الانتفاع هو المنتقَد في سيرة المتدين، ولكن أن يتحول تديينه للسياسة إلى مشروع عنصري ضد الآخرين، أو أن تكون له أهداف يحققها على حساب الدين، فلا يكون الدين سوى مظهر أو قناع يخفي وراءه أهدافه الحقيقية.

ولابد من التأكيد على أن وهمًا كبيرًا سيطر على دراسة الدين في العصر الحديث، وهو أن الدين – مهما تكن طبيعته – يمكن فصله عن الحياة وعزله في أماكن العبادة الخاصة به. وهو وهم كبير لأن الجانب العقدي من الدين يمثل مسلمات لدى مئات الملايين من الناس في العالم ممن يعيش كثير منهم في قلب الأحداث العالمية أو الإقليمية أو الوطنية في صورة سياسيين ورياضيين وفنانين وأدباء وصحفيين وغير ذلك، كما يمارس كثير منهم بعض شعائر دينه على الأقل، ولن يتحقق الفصل بين الحياة والدين إلا بانعزال هؤلاء عن الحياة، وهذا هو ما يمكن أن نفسر به الحضور الدائم للدين حتى في أشد الثقافات حرصًا على الفصل بين الدين والحياة.

وقد يقال إن هذا حضور للمتدينين لا للدين نفسه! والحقيقة أن مآلات الأمور الحالية في الولايات المتحدة وإسرائيل مثلا تدل على أن حضور المتدين في السياسة والاقتصاد يؤول حين يصبح في مركز قوة وتأثير إلى حضور الدين نفسه ومقولاته في الحياة والقرار السياسي، وهذا ما يسهل ملاحظته من الخطاب الذي تتبناه إدارة دونالد ترامب وفريقه الإداري.

ومع بُعد الفرق بين المثالين، فإن حضور التابعي العالم رجاء بن حيوة إلى جانب بعض خلفاء بني أمية كاد يكسر حلقة المُلك الوراثي الأموي الذي اعتُبر مجافيًا لروح السياسة الشرعية، إذ وظّف “رجاء” هذه العلاقة في تحسين استخلاف عمر بن عبد العزيز إلى سليمان بن عبد الملك عند وفاة هذا الأخير، وصوّر له بحقٍّ أن هذا ما تفرضه عليه الأمانة الشرعية وتقوى الله الذي يتأهب للقائه. وقد كانت الكلمات القليلات التي ألقاها العالم على الخليفة في هذا الصدد، وهو في حضرة الموت، منعرجًا سياسيًا كبيرًا، وأكدت على إمكانية استعادة الأمة لشبابها وحيويتها بتصحيح مسارها، وإعادتها إلى جادة الطريق.

وفي علاقة الدين بالحياة تبقى لدينا إشكالية أخرى تتعلق ببنية الأديان نفسها وعلاقتها بهذا التوظيف، وهي أن كثيرًا من الأديان يركز على الشأن الروحي والديني الخالص، وليس له صلة بشؤون الحياة العامة، ولا يخصها بأحكام وتشريعات تنظم عملها، إلا ما يكون من دعوات أخلاقية عامة؛ فكيف وجدت مثل هذه الديانات طريقها إلى الممارسة السياسية؟

لابد من التأكيد أولا على أن عزل الدين عن مسار الحياة أمر يكاد يكون مستحيلا، إلا أن يُجمِع كل المتدينين على أن يتحولوا إلى رهبان يعتزلون الحياة في الأديرة والصحارى والكهوف، ولا تكون لهم بالحياة والأحياء الآخرين أي صلة مؤثرة، بل لا تكون ثمة صلة جامعة بين هؤلاء المترهبنين أنفسهم.

وهذا يعني أن الإنسان كائن فاعل، وكلما تمكّن في مجال سعى إلى زيادة هذا التمكن، أو إلى الانتقال إلى مجال آخر غيره، وهو في كل هذا يحمل مواقفه الفكرية والثقافية ومسلماته الدينية والاعتقادية التي ينحاز إليها ويتعصب لها.

توظيفان:

التوظيف الديني للسياسة – كما سبق تقريره – حق طبيعي لأصحاب أي فكرة؛ أي أن لهم أن يبحثوا لها عن مجال عملي تتحرك فيه، وتعبّر عن نفسها من خلاله، ولا يسد هذا النقصَ برامجُ الأحزاب السياسية؛ لأن من المفترض في هذه البرامج أنها تقدم رؤية محايدة تخاطب كل أطياف المواطنين في حالات التنوع الديني أو المذهبي أو الثقافي في الوطن الواحد، وتميل برامج الأحزاب في الوقت نفسه إلى التطبيق لا التنظير، وإلى طرح رؤى لمعيشة أفضل للمواطن.

لكن عند النظر في واقع التجارب التي وُظِّفت فيها السياسة توظيفًا دينيًا سنجد طريقتين لهذا التوظيف:

الطريقة الأولى: أن يكون الدين نفسه معنيًا في تعاليمه بمجال السياسة، أو على الأقل له مبادئ عامة يحكمها به، فيسعى أصحابه إلى تقديم رؤيته وتشغيلها في سياقات سياسية، مع التركيز على التوظيف نفسه، بعيدًا عن أي تحريض ديني أو إلحاق أذى أو ضرر بهذا الطرف أو ذاك. فالتوظيف هنا ذاتي، إن جاز التعبير؛ أي أنه منبعث من اهتمامات الدين نفسه (بقطع النظر عن كون ذلك نصًا في الدين أو تفسيرًا له من رجاله أكثر حداثة وتطورًا)، ولا يعنيه إلحاق ضرر بأحد، وإن كان قد يحدث هذا الضرر باعتباره نتيجة طبيعية للتنافس على جغرافية واحدة، أو هدف واحد.

وهذا ظاهر بصورة جليّة في كثير من فصول التاريخ الإسلامي؛ بدءًا بسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي اجتمعت فيه وَحْدَه السلطة الزمانية والدينية في صورتها الإلهية؛ أعني أن شغله لمنصب الإمامة الجامعة هذا كان حقًا منحه الله إياه، ومن عداه، بدءًا بصاحبه الجليل أبي بكر الصدّيق وبقية الخلفاء الراشدين المهديين – رضي الله عنهم وأرضاهم – إلى آخر من يشغل هذه المناصب من المسلمين، فليس له حق إلهي في إمامة زمانية ولا دينية، بل ليست لأي منهم إمامة دينية أصلا؛ بمعنى أنه ليس له منصب يمثل فيه جزءًا من الملة نفسها كما هو حال الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن كان كل إمامٍ مسؤولا عن حماية حُرمة الملة وحدودها، والسلطةُ الزمانية التي يحصلون عليها إنما تأخذ شرعيتها من اختيار الجماعة المسلمة لهم وبيعتها إياهم.

والقارئ للسيرة النبوية يجد فيها توظيفًا واضحًا وواسعًا لكل مجالات الحياة في خدمة الدين ومبادئه؛ وذلك بغرض إبلاغه إلى الناس إبلاغًا تامًا، وتطبيق مختلف مبادئه في مجالات الحياة التي اتسعت لها وشملتها. ومجرد حضور شخصية النبي صلى الله عليه وسلم – بما له من مقام بشري متفرد في الرسالة التي بُعث بها – في سياق سياسي؛ هو في نفسه نوع من التوظيف الديني للسياسة؛ وذلك أنه بطبيعة الحال سيستعمل أدوات السياسة في إتمام مهمة البلاغ العملي والنظري لما كُلِّف بتبليغه، ومن ذلك مثلا: المراسلات التي راسل بها ملوك عصره، فهي فعل سياسي، لكنه وُظِّف في تبليغ مضمون ديني: “من محمد رسول الله إلى عظيم… أَسْلِم تسلمْ يؤتك الله أجرك مرتين”.

كما بدا التوظيف الديني للسياسة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه من بعده كذلك في تطبيق قوانين البيع والشراء والزواج والطلاق والميراث والجنايات والحرب والسلم وأمثالها وفقًا لتعاليم الإسلام.

والحروب العديدة التي خاضها النبي صلى الله عليه وسلم ضد خصومه هي أيضًا من التوظيف الديني في المجال السياسي. وهنا لابد أن نعرف أن حروب النبي صلى الله عليه وسلم كانت بهدف دفع عدوان حاصل أو عدوان محتمل، أو عقوبةً على إعانة المعتدين على المسلمين، أو على تحريضهم على العدوان عليهم. وكان السبب الأساس لعدوان المعتدين على المسلمين في الزمن الأول هو اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه دينًا مخالفًا لدين العرب؛ يتضمن نقدًا شديدًا لفكرهم الديني واعتقاداتهم واعتقادات أسلافهم الذين ورّثوهم هذا التراث الوثني، كما مثَّل الدين الجديد – في نظرهم – تهديدًا كبيرًا وخطيرًا لمصالح أهل التجارة والسلطة وللقيادات القَبَلية في ذاك الزمان.

ولا يقتصر هذا النموذج من التوظيف الديني للسياسة على المسلمين، بل يمكن أن نجد له في مختلف الأزمنة أمثلة في كثير من البيئات المتدينة؛ خاصة ذات التاريخ الطويل، ومن ذلك إنشاء الأحزاب ذات الخلفية الكاثوليكية في أوربا في القرنين الماضيين برضا وتشجيع من الفاتيكان نفسه في وجه موجات العلمانية والليبرالية والاشتراكية المعادية للدين، وتجييش البابا يوحنا بولس الثاني (ت 2005م) لقوى الكنيسة الكاثوليكية في أمريكا الجنوبية للتخلص من التأثير الماركسي على الفكر الديني المسيحي لكنيسته، وكانت تقف وراءه قوى سياسية واقتصادية كبيرة في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية.

ويبرز هنا مثال آخر، وهو سعي بعض رجال الدين الهندوس إلى السمو بالشخصية الهندوسية في العصر الحديث، ففي أوائل القرن التاسع عشر وصف الحاكم العام للهند فرانسيس رادون (ت 1826م) الجموع الهندوسية بأنهم يكتفون بأداء الوظائف الحيوانية، وفي غير كفاية أيضًا، ولا يزيد ذكاؤهم على ذكاء الكلب أو القرد أو الفيل! وعلل هذا بأن رجال الدين البراهمة يكرسون هذا الوضع؛ حتى تبقى لهم سلطتهم وسيطرتهم على تلك الجموع الكبيرة. فسعت بعض الزعامات الدينية الهندوسية إلى تأهيل الشخصية الهندوسية ليكون لها نصيبها من المشاركة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في الهند، ومع أن هذا جاء في كثير من الأحيان على حساب المسلمين، إلا أننا مضطرون إلى اعتبار من قام بهذا الدور بأدوات شريفة، وبدون تآمر مع الاستعمار، وبدون عنصرية ضد الأديان الأخرى؛ مضطرون إلى اعتبار فعله توظيفًا سويًا للسياسة في خدمة الدين وأتباعه.

والمثال القريب لهؤلاء هو الزعيم الهندوسي الشاب سوامي فيفيكاناندا (ت 1902م)، وإن كان يقول بوحدة الأديان، إلا أنه استهدف إحياء الروح القومي لدى أبناء ملته بدون استهداف الآخرين، ودعا إلى الضبط والتنظيم الاجتماعي والأخلاقي لقومه قبل أي مشاركة في الشأن السياسي، فكان ملهمًا للجيل التالي الذي تحررت الهند من الاستعمار البريطاني على يديه وسط اختلاف مع بعض المسلمين (مثل محمد علي جناح) على العمل المشترك، واتفاق مع بعضهم الآخر (أبو الكلام آزاد مثلا).

وأما الطريقة الثانية لتوظيف الدين في مجال السياسة: فتقوم على تقديم تفسير للرؤى الدينية لا يراعي ذات المفاهيم الدينية والتفسيرَ التقليدي لها، بل يقدم تفسيرًا راديكاليا يركز على موقع الآخر المخالف، ويسعى بهذا التفسير إلى إزاحة المخالف عن مواقع التمثيل القومي أو الديني أو المذهبي.

ومن أمثلة ذلك: ما فسّر به الحزب الهندي الحاكم (بهاراتيا جاناتا) فكرة قومية الديانة الهندوسية تفسيرًا لا يقف عند حدود القول بأن الهندوسية ديانة مغلقة وغير تبشيرية وأنها خاصة بأهل الهند، كما هو معلوم من الميراث الفكري والديني لهم، ولكن تخطّى ذلك إلى القول بأن الهند خاصة بالهندوس، وأن من ليس هندوسيًا من أهل الهند فهو إما مارق عن ديانتهم، كما هو حال البوذيين والجينيين والمسيحيين والمسلمين، أو من نسل الغزاة الذين تتابعوا على البلاد طوال تاريخها. وظهر أثر ذلك في برامج الحزب وتصرفات أتباعه العنصرية؛ خاصة ضد المسلمين الذي عانوا ويعانون من القتل والضرب والسجن وهدم مؤسساتهم ومساجدهم.

وكذلك يمكن أن نتكلم عن الأصولية اليهودية في إسرائيل، فهي متدينة في الحقيقة، وتعتقد بالمقولات الدينية العنصرية التي تعطيهم امتيازًا ليس لأي أمة ولا دين آخر، وبالحق المطلق فيما زعمت كتبهم أنه حق لهم مهما مرّ عليه من العصور والتحولات في شكل العالم والسياسات التي تحكمه، ومهما نتج عن ذلك من قتل ونفي وتدمير للمنازل في الضفة الغربية وقطاع غزة.

التمييز بين التوظيفين:

يبدو الفرق بين توظيف الدين لأغراض سياسية وتوظيف السياسة لأهداف دينية في المقصد من التوظيف، والوسيلة المستعملة فيه، والنتيجة الحاصلة منه، والسلوك المتبع عند وقوع التعارض بين مقتضيات السياسة والموقف الديني، وفيما يلي بيان موجز بكل واحد منها:

  1. المقصد من التوظيف: سبق بيان أن نية الممارس لأي نشاط لا يسهل تبينها، ومع هذا فإن السياسي لكثرة بروزه للناس وتصريحه بالمواقف، يمكن التعرف من بعض القرائن المصاحبة لأفعاله وأقواله على طبيعة اجتماع العمل السياسي والديني في سلوكه، وإن مضى وقت استطاع فيه إخفاء مقصده من هذا النشاط، فإن تطورات الأحداث يمكن أن تساعد على الكشف عن الحقيقة، ومن ذلك مثلا ألا يكترث بالهجوم على المقدسات الدينية، ولا يعظّم شعائر الله وحرمات دينه.
  2. الوسائل المستعملة في التوظيف: وذلك أن الدين لا يقبل أن تكون الوسائل التي تتحقق بها أهدافه غير شريفة، ولا يوجد دين يرى أن الغاية تبرر الوسيلة بمعنى ارتكاب أي قبيح لأجل خدمة ما يراه أصحاب الأديان حقًا لا مرية فيه. وإن كانت تفاسير بعض رجال الدين تأتينا بالعجب في كل زمان وكل دين، حتى تحوَّلت البوذية مثلا – وهي أكثر الأديان مسالمة حسب تعاليم مؤسسها – إلى ديانة مقاتلة في بعض أقطار آسيا، وليته كان قتال دفاع عن حُرمة انتُهكت، ولكنها مطامع رهبان السوء في الثروة والمال، كما هو حالهم في ميانمار، وعلى رأسهم قائد حركة “969” المتطرفة: أشين ويراتهو.
  3. نتيجة التوظيف: فإن كانت تشويهًا للدين، وفوائد يجنيها السياسي من وراء ذلك، فهو استخدام للدين في أغراض سياسية، وإن بقي الدين مصونًا، وتتحقق الأهداف المستقيمة المقصودة من نزول الدين إلى دنيا السياسة، فالعكس هو الحاصل.
  4. عدم إزاحة الدين عند تعارضه مع الموقف السياسي.

ومع هذا كله فلابد أن نوقن بأن تبادل التوظيف بين الدين والسياسة يؤكد أن لكل منهما فائدة عند الآخر يمكن أن يحققها له، ولا مانع من تبادل المنافع بينهما بدون إخلال بمبادئ الصدق وقيم الأمانة، كما أن الدين والمُلك متكاملان في الوظائف والأدوار في حياة البشر، وقد أدرك بعض الملوك القدامى هذا الأمر جيدًا، فقال أردشير الملك الفارسي يخاطب ملوك فارس من بعده – كما ورد في عهده: “اعلموا أن المُلْك والدين أخوان توأمان، لا قوام لأحدهما إلا بصاحبه؛ لأن الدين أسُّ المُلك وعماده، ثم صار المُلك بعدُ حارسَ الدين، فلابد للمُلك من أسّه، ولابد للدين من حارسه؛ لأن ما لا حارس له ضائع، وما لا أس له مهدوم” (ص 53 – نشر إحسان عباس).

ولعل من المناسب في ختام هذه السطور أن نورد بعض التوصيات كما يلي:

  • لا ينبغي أن نسمح للسياسة بضجيجها العالي بأن تطغى على فهمنا وتفسيرنا للدين، ولا ينبغي في المقابل أن نقبل الزعم بوجود قطيعة بين الدين والسياسة؛ إذ يلتقي الدين في أغلب صوره مع الحياة في أغلب مجالاتها على الأقل، وإن تفاوتت الأديان بطبيعة الحال في مقدار ونوعية ما تقدمه حول الحياة عامة والحياة السياسية خاصة من تشريعات وتصورات وأحكام.
  • الدراسة النقدية لتجارب التوظيف الديني للسياسة أمر جدير بالعناية (ومنه مشروعات الإسلاميين في عصرنا)، ومن شأن هذه الدراسة أن تعالج كثيرًا من الإشكالات الناجمة عن مشاركة المتدينين في الحياة السياسية، فمع كون هذا حقًا من حقوق كل صاحب فكر أو دين، ما دام يسلك سبيلا رشيدًا ومشروعًا، إلا أن واقع التجارب يحتاج إلى مزيد من الضبط المنهجي والأخلاقي.

[1] – إميل دوركهايم: الأشكال الأولية للحياة الدينية.. المنظومة الطوطمية في أستراليا ص 72- 73، ترجمة: رندة بعث، الطبعة الأولى، سلسلة ترجمان، المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، الظعاين، قطر، بيروت 2019م.

تنويه: الأفكار الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

المزيد من المقالات

الكل المقالات

الدين والديمقراطية

د. نبيل الفولي نال النظام السياسي الديمقراطي نصيبًا كبيرًا من الانتشار في العصر الحديث؛ نظرًا لأنه قد صاحَبَ – برغم…

انضم إلى القناة