الخميس 5 نوفمبر 2026
مقال

الدين والديمقراطية

17 دقيقة قراءة

د. نبيل الفولي

نال النظام السياسي الديمقراطي نصيبًا كبيرًا من الانتشار في العصر الحديث؛ نظرًا لأنه قد صاحَبَ – برغم قدم أصله – الطفرة الغربية الحديثة وما صنعته بالعالم من تغيير عميق في كل مناحي الحياة، فكان نظامَها السياسيَّ المفضَّل، ومعه اتسع الاهتمام بالحريات، وظهر ذلك في سلوك المواطنين الغربيين وأحوالهم.

وساعدت هذه السمعة الجيدة للنظام الديمقراطي على امتداد العمل به – بطريقة حقيقية أو شكلية – إلى كثير من دول العالم الأخرى، بل أصبحت كلمة “الديمقراطي” و”الديمقراطية” وصفًا لكثير من الدول والأحزاب السياسية في العالم؛ سواء أكانت هكذا بالفعل، أم كانت شمولية تحكم بالحديد والنار؛ مثل: جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (اليمن الجنوبي)، وجمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية (كوريا الشمالية)، وجمهورية إثيوبيا الديمقراطية الاتحادية، وحزب اليسار الديمقراطي بالأردن، والتجمع الوطني الديمقراطي بالجزائر، وغير ذلك مما يُثبت أن هذا المصطلح السياسي صار جاذبًا إلى درجة أن بعض الأنظمة الشمولية انتحلته.

ونلاحظ وجود مفارقة جغرافية حضارية في سيرة الديمقراطية وعلاقتها بالدين في العصر الحديث بين الغرب والعالم الإسلامي، وهذا ما تحاول هذه السطور القيام به، مع اقتراح صيغة مؤوَّلة لهذه الديمقراطية تكون أكثر استجابة لتطور تجربتها التاريخية؛ لأن توظيف الوسيلة الواحدة في أكثر من بيئة ثقافية ينبغي أن يراعي طبيعة البيئة التي تطبقها، ويستفيد من تراكم الخبرة الخاصة بالتجارب السابقة للأخذ بهذه الوسيلة.

الدين والديمقراطية في الغرب:

مع سيطرة الحداثة على الحياة الغربية بدا أن الدين قد أخذ مكانًا هامشيًا بعد أن كان هو كل شيء هناك، وسيطر التيار الإنساني الذي يؤمن بالإنسان وقدراته على إدارة وتوجيه هذه الحياة، وكانت الديمقراطية هي الأداة السياسية الأهم التي اتخذها هذا المساق لصياغة نظامه السياسي كما سبق.

لم تكن المجتمعات الغربية في حاجة إلى إقناع طويل بجدوى هذا النظام السياسي الممتد في تاريخه إلى العصر اليوناني، وفي تاريخ غيره إلى ما هو أبعد من ذلك؛ خاصة مع ما امتاز به النمط الديمقراطي من حياد وتفعيل لحقّ المواطن العادي وغير العادي في اختيار حكّامه والرقابة عليهم، لكن هذه المجتمعات – في المقابل – كانت في حاجة إلى الاقتناع بأن الدين يمكن أن يكون مفيدًا لهذه الديمقراطية، وأنه لابد لها من الدين حتى مع الأخذ بهذا النظام السياسي، وأنه لا تناقض ضروريًا بينهما يمكن أن يحول دون تعايشهما في سياق ثقافي واجتماعي واحد.

وليس عندنا في حقيقة الأمر صورة واحدة لعلاقة الدين بالديمقراطية في الغرب الحديث لا سلبًا ولا إيجابًا، والمقارنة بين النموذجين السياسيين الأمريكي والفرنسي تكشف عن هذه الحقيقة، أي التعارض بين هذه النماذج في تقبل تعايش الدين مع الديمقراطية ورفضه، وقد أوضح الباحث الاجتماعي الفرنسي بيير بوريه هذا بقوله: “التعارض الحقيقي يكمن بلا شك في أن الحرية الدينية في أحد جانبي الأطلنطي (يعني الولايات المتحدة) هي التي تحتل المرتبة الأولى، لدرجة أن الفصل بين الكنيسة والدولة نشأ عن ذلك، بينما على الجانب الآخر (أي فرنسا) وفي ظل وهم النضال ضد الظلامية وعرقلةِ التقدم، كان الأفق هو أفق التطلع إلى التحرر من كل الآراء ووجهات النظر؛ حتى تلك الدينية، تأثرًا بالأفكار التحررية التي ظهرت وانتشرت في ذلك الوقت”، ثم يقول: “بهذا المعنى فإن الفَرْق السياسي بصدد درجة استقلالية الدولة  ليس هو الذي يفصل بين أمريكا وفرنسا، إنما وجود نموذجين غريبين الواحد منهما عن الآخر تجاه علاقة المجتمعات الحديثة بالخبرة الدينية” (هرفيه- ليجيه وويلام: سوسيولوجيا الدين ص 48).

وفي هذا السياق يوجد مفكر فرنسي آخر مهم ينتمي إلى القرن التاسع عشر ركز اهتمامه على قضية الدين والديمقراطية في بلاده وفي الولايات المتحدة الأمريكية، وهو أليكسي دي توكفيل (ت 1859م)، الذي رصد انبثاقَ المجتمع الحديث عبر التحولات السياسية التي مر بها بمجيء الديمقراطية وما ترتب عليها. وقد عُني صاحبا كتاب “سوسيولوجيا الدين” بدراسة هذا الجانب من هذه الشخصية المهمة وغير المعروفة كثيرًا مع تميزها كما سيظهر، فنقلا لنا ما رآه من مخاطر الديمقراطية التي يؤيدها، لكن مع ضرورة الالتفات إلى الأعراض السلبية التي تصحبها؛ مثل: النزعة الفردية الحادة التي تضعف الرابطة الاجتماعية، وفقدان القيم المدنية، والطغيان الناعم، وديكتاتورية الرأي العام، وتراجع الفكر المبدع والمستقل (ص 50).

كان توكفيل يدرك مبدئيًا خطأ مواقف الكنيسة الكاثوليكية في التدخل إلى جانب الاستبداد في عصره، فمع أن “أجمل حلم في حياته عندما دخل معترك الحياة السياسية كان الإسهام في التوفيق بين روح الحرية وروح الدين، لكنه اصطدم بشكل خاص مع كل ما يشير إلى أن الكاثوليكية في زمنه لا يبدو أنها قادرة على أن تتوافق مع الديمقراطية”، ولأجل هذا عارض بشدة ميل الكنيسة إلى اعتماد عصمة البابا التي أُقرت بعد وفاته بقليل، ووقف في وجه كاردينال ليون الذي دافع عن هذه العقيدة الجديدة، وقال له ليكشف أنه يتسبب بهذا في عزلة الكنيسة: “كيف؟! إن أمامك قرنًا صعب المراس لا يعترف ويعارض السلطة حيث توجد في كل مكان، إنك تعيش وسط أمة ترتاب وتشك في كل شيء، ولن تدعم إلا بصعوبة إمبراطورية القوانين التي صنعتها هي بنفسها، أمة لا تبدي أي احترام لأي سلطة، حتى تلك السلطة التي خلقتها هي بنفسها” (ص 54).

ومع هذا تنبه توكفيل بذكاء إلى ما تحمله النزعة الديمقراطية المنفردة بنفسها من مخاطر، حتى إنها بدت لديه تهديدًا محتملًا للحريات بسبب بزوغ الفرد بنزعته المستقلة، فهذا عنده “يعكس وبهدوء كل ما يملكه كل مواطن من نزوع نحو التوحد مع ما يشبهه من بين الجموع، وإلى الانسحاب بعيدًا مع عائلته وأصدقائه”، وهنا “تضع المساواة البشر الواحد بجانب الآخر دون رابطة مشتركة تربط بينهم” (ص 56).

كما كان الرجل بصيرًا بخطورة طغيان الأغلبية، وأنها “تتحمل مسؤولية توريد طوفان من الآراء الجاهزة إلى الأفراد، وتعفيهم بالتالي من ضرورة أن يشكلوا هذه الآراء بوسائلهم الخاصة”؛ لذا يرى أن الرأي العام في المجتمعات الديمقراطية يصبح “نوعًا من الدين تكون فيه الأغلبية بمثابة النبي” واجب الطاعة، ومن هنا يصبح الرأي العام في حقيقته “مظهرًا للإكراه والتبعية” (ص 58) شئنا أم أبينا.

ومع أن هذه ليست كل أفكار الرجل المهمة في هذه القضية، لكن من المؤكد أنها أفكار خطيرة وأساسية ولم تأخذ حظها المناسب من الاهتمام والدراسة؛ لأنها ضد الأجواء العامة التي كان الرجل يحذّر منها. ويكمل طرحه للإشكاليات السابقة حول الديمقراطية عرضُه بعض الحلول لها، فيعتبر الدين “عنصرًا أساسيًا للوفاق الاجتماعي الذي يحمي المواطنين الديمقراطيين ضد المطالب غير المعقولة لمعرفة كل شيء، وبالتالي لتغيير كل شيء” (59- 60)، ومن الضروري لديه “أن يشترك البشر في بعض المعتقدات الأساسية، وأن يتفقوا على بعض الأفكار الرئيسية التي بسبب وجودها بعيدًا عن حدود الشك المنهجي، لا تتعرض للجدل، ويمكنها بالتالي وبلا صعوبة أن تكون قاعدة صُلبة للمجتمعات الديمقراطية… لدى البشر إذن (كما يعبر بنفسه) مصلحة كبيرة في إنتاج أفكار محكمة بدقة عن الله، عن روحهم، عن واجباتهم العامة نحو خالقهم ونحو من يماثلونهم” (ص 60- 61).

وقد تعمدت الإكثار من النقل فيما سبق تأكيدًا على أهمية هذا النوع من الأفكار المظلومة، والتي كانت مرشحة لأن تمثل بابًا لحل كثير من الإشكالات التي عاشتها الحياة الحديثة بسبب نظرها إلى الأمور بنظرة جزئية وحادة في وقت واحد، ولو أنها اكتسبت مرونة آراء توكفيل في رفض تعسف رجال الدين وتعسف الديمقراطية معًا، لشهدنا نموذجًا أكثر توازنًا في رسم النظام السياسي الحديث.

ومهما يكن من أمر، فإن الدين في هذا الطرح الذي قدمه توكفيل يمكن كذلك أن يقدم – في نظري – السند الأخلاقي للديمقراطية؛ لأنها ليست سوى نظام وفلسفة للاختيار السياسي فقط، وليست منظومة متكاملة للحياة كما هو شأن الدين؛ خاصة حين ننظر إلى الإسلام وتشريعاته ومنظومته الأخلاقية الواسعة. وتحتاج هذه الديمقراطية إلى أخلاق اجتماعية مناسبة حتى يمكنها النجاح، وأفضل مصدر لاستمداد هذه الأخلاق هو الدين.

وليس صحيحًا أن الديمقراطية لا تنجح إلا في بيئة ليبرالية – غربية أو شرقية – كما هي الدعوى العريضة التي يسوّق لها بعض الكتّاب العرب (يُنظَر في هذا مثالًا الدكتور عزمي بشارة رئيس المركز العربي للدراسات)، بل هي قابلة للنجاح في كل بيئة تخلو من الاستبداد ولدى أفرادها إيمان بجدوى هذا النظام في تسيير الحياة السياسية.

جدل الدين والديمقراطية إسلاميًا:

وأما الفكر الإسلامي الحديث، فقد شهد نزاعًا حول الديمقراطية وتوافقها مع الشريعة الإلهية أو تعارضها، فنادت التيارات السلفية في مجملها، وحزب التحرير، وبعض زعماء جبهة الإنقاذ الجزائرية، وبعض الأصوات الفكرية في جماعة الإخوان المسلمين (سيد قطب مثلًا)، وزعامات من الجماعة الإسلامية في شبه القارة الهند باكستانية (المودودي مثلًا)، والجماعة الإسلامية المصرية، وغيرهم؛ نادوا – مع تفاوتات بينهم – بنبذ الديمقراطية، باعتبارها منتجًا غربيًا له فلسفته ويضادّ في طبيعته أصلًا من أصول الدين، وهو حفظ حق التشريع لله تعالى وحده، كما أن الأخذ بها – في نظرهم – هو نبذ للشورى الثابتة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

في حين نادى آخرون في هذا السياق بتبني النموذج الديمقراطي باعتباره نمطًا محايدًا وغير منحاز في نفسه للثقافة التي عاش فيها، فتحدث رواد الإصلاح في القرن التاسع عشر – مثل الطهطاوي والأفغاني – بإعجاب عن النظام الجمهوري والحريات التي تصحبه، ثم تناول بعض مفكري القرن العشرين، ومنهم عباس العقاد (ت 1964م)، النظام الديمقراطي، واعتبره نظامًا إسلاميًا، سبق المسلمون إلى تطبيقه على الوجه الأكمل، واعتبر عبد الرزاق السنهوري (ت 1971م) الديمقراطية ضمانة يمكن توظيفها دستوريًا في كبح الاستبداد، وألف توفيق الشاوي (ت 2009م) كتابه “الشورى أعلى مراتب الديمقراطية”. وثمة قانوني ثالث بارز أيضًا وقف إلى جانب الديمقراطية واعتبر غيابها هو الثغرة القاتلة في مشروع النهوض والتحرر الوطني المصري والعربي، وهو طارق البشري (ت 2021م)، ومن مؤلفاته: “الديمقراطية ونظام 23 يوليو 1952- 1970″، و”دراسات في الديمقراطية المصرية”.

ووقف في صف الأخذ بالديمقراطية نظامًا سياسيًا كذلك مجموعة أخرى من المفكرين الإسلاميين والمشايخ أصحاب الأسماء الكبيرة، ومنهم: الشيخ محمد الغزالي، والدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور محمد عمارة، والدكتور راشد الغنوشي، وغيرهم.

ولعل هذا التيار الثاني هو الذي ساد الساحة الإسلامية في عمومها في نهاية الأمر، أو غلب رأيه عليها على الأقل، وساعدت التطورات السياسية على أن يخفف التيار الأول من موقفه الرافض للنظام الديمقراطي، وربما قَبِله تمامًا في حالات؛ وعبرت عن ذلك مثلًا مشاركات سلفية واسعة في الانتخابات التي أُجريت في عدة بلدان عربية وإسلامية، كما هو الحال في الكويت ومصر، حتى صاروا ممثَّلين في البرلمانات.

ولما كانت التجربة الديمقراطية الحديثة منتجًا غربيًا خالصًا، فلا غرابة أن نجد اختلافات مماثلة لما سبق حول تسكينها أو رفضها في بيئات غير غربية؛ مثل الصين والهند ودول أمريكا اللاتينية، وإن لم يكن هذا موضوعنا هنا، إلا أن مجرد الإشارة إليه تكشف عن إشكالية المنتج الثقافي الوافد من الخارج بحمولته التي ترافقه وما يمثله من إشكالية أمام أي شخصية أي جماعة أخرى تتعامل معه.

الديمقراطية أداة مرنة:

النظر إلى الديمقراطية على أنها جسد ثابت لا يتعرض للتطوير يحتاج إلى مراجعة وتصحيح؛ إذ يمثل ظلمًا للتجارب الإنسانية التي تقدم أدوات مشتركة وعامة يمكن أن تفيد منها مختلف المجتمعات. وعند النظر في هذا الجانب سنجد أن تطوير الديمقراطية ينتج في الأساس عن أمرين:

الأول: النقد النظري الذي يطرحه المفكرون حول الديمقراطية:

فقد تعرّض النموذج الديمقراطي للنقد الشديد منذ القِدَم، وعلى يد المفكرين والفلاسفة اليونان أنفسهم، وتركزت مآخذهم الأهم عليه فيما يلي:

1-  في ظل النظام الديمقراطي يعيش الناس حسب أهوائهم (كما رأى أرسطو وأفلاطون ويوربيدس وإيسوكراتيس)، بمعنى أن الحرية فيها مطلقة العِنان تمامًا، وإن صادم الفعلُ الحر القيمَ الثابتة والأخلاق المحترمة.

2-  الديمقراطية “تنشر نوعًا من المساواة بين المتساوِين وغير المتساوين على حد سواء” – كما عبر أفلاطون – والناس كما ينطق الواقع ليسوا جميعًا متساوين، بل يتفاوتون في المواهب والقدرات ومستويات الإدراك وغير ذلك.

3-  في النظام الديمقراطي “تصبح جمهرة الشعب هي الحاكمة بدلًا من القانون، يحدث هذا عندما يكون للقرارات فاعليتها أكثر مما للقانون” – كما قال أرسطو (انظر: أ. جونز: الديمقراطية الأثينية، ترجمة د. عبد المحسن الخشاب، ص 72 – 85).

وقد أثيرت مثل هذه الانتقادات حديثًا وزيد عليها، واهتم كثير من “الإسلاميين” أيضًا بتوجيه سهام النقد الشديد إلى النموذج الديمقراطي باعتبار المرجعية الفكرية المغايرة التي انبثق منها، وبالنظر إلى وجوه التصادم في الأسس التي يقوم عليها النموذج قياسًا إلى الأساس العقائدي الذي يتكئ عليه الفكر السياسي الإسلامي كما سبق.

والحق أن النقد الكاشف لبعض العيوب لا يستلزم ضرورةً هدم المعبد، أو رفض المنتَج كله، ولكنه يعني الحاجة إلى تطويره فقط، وهنا أشير إلى فكرة الفيلسوف الأمريكي كارل بوبر حول أسلوب النقد الذي يقوم عليه العلم، ويكفل “تعريض النظرية لأقسى اختبار ممكن لتعيين الأخطاء وحذفها” (أسطورة الإطار في دفاع عن العلم والعقلانية: ترجمة د. يمنى طريف الخولي – مقدمة الترجمة ص 10)، فالنقد هنا عملية إيجابية تنمو بالمنتج البشري – عقليًا كان أم ماديًا – وتُعِدّه ليكون أكثر صلاحًا للتطبيق وتحقيق الفائدة للجماعة البشرية.

الأمر الثاني الذي يؤدي إلى تطور الديمقراطية: مآزق التطبيق التي تتعرض لها:

والحقيقة أن مشكلات التطبيق هي المحكّ الثاني الذي يُثبت حاجة أي منظومة إلى التطوير، أو إمكانية استمرارها كما هي، وقد تعرضت الديمقراطية لمآزق متكررة يمكن من خلالها فهم حاجات النموذج كي يصير أقرب إلى ضمان الاستقرار وتنمية الحياة عند تطبيقه.

1-  ومن هذه المآزق الجزئية – إن استخدمنا مصطلح المنطقيين – ما حدث في الجولة الأولى من انتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2004م، حيث تقدم زعيم الجبهة الوطنية الفرنسية “جان ماري لوبان” الموصوف من الجميع بأنه “يميني متطرف” لينفرد في جولة الإعادة مع منافسه جاك شيراك، ويهدد الحياة السياسية الفرنسية بعاصفة قادمة. وأكد الاندهاش العالمي والتظاهرات الصاخبة في الشارع الفرنسي عقب ظهور النتائج بتقدم لوبان في هذه الجولة أن الفائز قد يكون هو الشخص الآخر الذي يعارض عمومُ الناخبين تقدمه، ولكنه فاز فقط لمجرد خلل في التوازنات وتناحر في صفوف الفرقاء الآخرين. مما يعني أن الإجراء الديمقراطي يقدم قاعدة صماء، لا تأتي دائما بمن ترغب أغلبية الشعب فيه.

2-  هذه الرسالة من البر الأوروبي سبقتها رسالة أخرى منه تحمل نفس المغزى العام، وتمثلت في فوز “اليميني المتطرف” أيضًا يورج هايدر في الانتخابات النمساوية متفوقًا في كسب أصوات الجماهير على خصومه جميعا، وهو ما يعني أن الجماهير قد تتعرض لعملية دغدغة إعلامية ودعائية تسوقها إلى خيار قد لا يكون هو الأفضل لها، كما تسوق الإعلانات التليفزيونية المكثفة الناس إلى شراء ما لا يحتاجون!

3-   وأهم من هذه المشكلات الجزئية ما تعانيه الديمقراطية حاليًا من أزمة ناجمة عن تأثير أصحاب النفوذ بأنواعه – خاصة في المراكز العتيقة والعتيدة لتطبيق الديمقراطية الحديثة كالولايات المتحدة وفرنسا – في توجهات ونتائج الديمقراطية، وتبرز في هذا تهم كثيرة بتلقي مساعدة ودعم مالي وغير مالي من دول خارجية، كما هو في اتهام الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا سركوزي دعمًا من معمر القذافي في انتخابات سنة 2007، وكذلك ما يشاع عن تدخل الروس في الصراع الانتخابي بين ترامب وهيلاري كلينتون في عام 2016.

والحديث عن الديمقراطية الغربية واستيلادها في عالمنا الإسلامي، ليس إلا حديثًا عما ينبغي أن نأخذه وما ينبغي أن ندعه من التجربة الحضارية الغربية عمومًا، وهي مشكلة قديمة يدور الجدل الحاد حولها في الساحة الإسلامية منذ أكثر من قرن ونصف، وافترقت الآراء فيها بين خيارات ثلاثة:

أ‌-  “حَرْفية” في النقل ترى أخذ الكل أو ترك الكل.

ب‌-  و”قطيعة” لا ترضى إلا بالبراء التام الذي لا يميز أصلًا من فرع، ولا يفرق بين ما لدينا بديل عنه وما لا يتوافر لدينا بديل عنه، بل لا تتميز لدى أصحاب هذا الاختيار المجالات التي يجوز الانتفاع بإنتاج الآخرين فيها من غيرها.

ت‌-  و”حكمة” تتحسس مواضع النفع والإفادة فتأخذ بقدر، وتكيِّف ما تأخذه مع الواقع الإسلامي المتميز عن الواقع الذي استُجلبت منه التجربة.

وقد جربنا اختيار “الحَرْفية” في التغريب في تونس منذ الاستقلال عن فرنسا وإيران الشاه وغيرهما، وحصاد هذه التجارب لا يخفى على أحد، فنسبة الفساد الإداري والأخلاقي وانتهاك حقوق الإنسان والاستئثار بالسلطة في هذه العهود بتلك الدول ظلت هي الأعلى في العالم.

وجَرّبتْ اليمن قبل الثورة وعُمان حتى أوائل السبعينيات العيش في تجارب الماضي بلا محاولة للنهوض والتطوير الذاتي أو الانتفاع بما لدى الآخر، وكانت النتيجة أن جُرِفَت التجربتان كلتاهما في تيار الحياة الحديثة المتصاعد، وصراعِ أيديولوجيات الحرب الباردة الذي دفع القوى العظمى إلى العمل على زيادة مواطئ أقدامها في أنحاء العالم قدر استطاعتها.

أما اختيار “الحكمة” فلم يأخذ حظه المناسب من التطبيق في الساحة السياسية الإسلامية إلى الآن، وتحاول إيران أن تقدم نموذجًا لهذا الاختيار، لكن القيود التي تضعها ولاية الفقيه، ووضع السلطة المطلقة في يد شخص واحد غير منتخب، أو في يد من يؤثّرون عليه تحول دون منطقية هذه التجربة، ولعل فشل محاولة الأكاديمي المتفتح محمد خاتمي الإصلاحَ من داخل هذا النظام تؤكد أن البنية نفسها تحتوي على عيب خِلْقي يمنع الحصول على ثمرة ناضجة للتجربة الديمقراطية الإيرانية.

الشورى والديمقراطية:

وحسب اختيار “الحكمة” عند النظر إلى الديمقراطية لابد أن نؤكد أنها ليست مقابِلة للشورى؛ لأن الشورى مبدأ لابد له من منظومة سياسية تطبقه، في حين أن الديمقراطية نظام اختيار ومنظومة سياسية تحاول قيادة الحياة الداخلية للدولة، وليس هذا مدحًا للديمقراطية ولا تقليلًا من شأن الشورى، ولكنه تحديد وظيفي لهما.

لقد أقر الإسلام الشورى مبدأً من مبادئ الحياة الاجتماعية والسياسية للمسلمين، مِثْلها مثل العدل وأداء الأمانة إلى أهلها، وتَرَك أشكال تطبيقها في الحياة السياسية لاجتهاد الأمة؛ لأن أكثر أمور السياسة تقع في منطقة السماح التشريعي، أي ضمن الموضوعات التي حكمها الإسلام بمبادئه وأسسه العقائدية دون أن يفصل في بيان أحكامها وأنماطها كما فصّل في أعمال الصلاة والحج والصوم مثلا، نظرًا لتعرض السياسة للتغير المستمر حسب ظروف الواقع الاجتماعي البشري.

ومن هنا نستطيع أن نقول: إن الانتفاع بالتجربة الديمقراطية الغربية عندنا وارد في باب رعاية المصالح، ومن باب استمداد الحكمة – الخادمة لهذه المصالح – أنَّى وجدناها، ومن أي فمٍ خرجت.

وفي الوقت نفسه لا يلزمنا أن نأخذ هذه الديمقراطية بحذافيرها وأسسها العقائدية، بل يجب أن نطوِّعها بحيث تصير أكثر مناسبة لنا. وأبعد من ذلك أملا: يمكن أن نطورها لتُتَلاشى سلبياتها، ونقدم منظومة سياسية حديثة تتجاوز الديمقراطيةَ نفسَها كما فعلت أجيال من أسلافنا في زمنها.

إن الديمقراطية هنا أشبه ما تكون بالدواوين التي نقلها المسلمون عن الفرس والروم في عهد عمر بن الخطاب، ثم عرّبوها في عهد عبد الملك بن مروان، فالديمقراطية تعني المشاركة والاختيار الحر وصندوق الاقتراع والمجلس النيابي ورقابة الأمة، والدواوين أطر وظيفية تقوم برعاية مصلحة عامة من مصالح الأمة المسلمة (ديوان الخراج مثلا) أو مصلحة خاصة بفريق منها يعيش في ظرف خاص أو يقوم للمجتمع بوظيفة خاصة (ديوان الجند مثلاً).

النموذج الديمقراطي يدور حول الإنسان، ويعزز موقعه في صياغة الحياة العامة التي هو شريك فيها، وفي الإسلام يشغل الإنسان مكانًا أبرز من هذا بما سخّر الله له من المخلوقات، وأنعم عليه من النعم الوفيرة في نفسه والكون من حوله، حتى بدا بملكاته وقدراته أكثر تفوقًا من كل شركائه الأرضيين.

ولعل أنسب ما نسمي به عملية تطويع النموذج الديمقراطي هذه هو “تأويل الديمقراطية”، وهي عملية تتكئ على ركنين:

الأول: استبعاد الأسس التي تتصادم مع المسلمات القِيَمية لنا؛ مثل إعطاء الجماهير أو من ينوب عنهم حق التشريع المطلق، وتحل بدلًا من ذلك قضية الاجتهاد التشريعي التي تتم بالتعاون بين العالم الشرعي وخبراء الشأن الذي يتم الاجتهاد فيه.

الثاني: إضافة العناصر الأكثر مناسبة لواقع التطبيق عندنا، ولعل منها: المساواة بين الناس في أصل المواطنة، بحيث يكون لجميع الراشدين – رجالًا ونساء ومسلمين وغير مسلمين – حق التصويت بصوت واحد، ومن نبغ من هؤلاء وبرز في خبرة من الخبرات أو علم من العلوم ضوعفت قيمة صوته دون غيره.

إن النموذج الديمقراطي يدور حول الإنسان، ويعزز موقعه في صياغة الحياة العامة التي يشارك فيها، وفي الإسلام يشغل الإنسان مكانًا أبرز من هذا، حيث يمثل قطب الرحى في الحياة الأرضية المخلوقة، فالوحي ينزل لهدايته، والمطر يهطل لشرابه وطعامه، والحساب في الآخرة على الحسنات والسيئات – على حد ما نعلم – خاص به في المقام الأول، وكذا تسخير الليل والنهار والشمس والقمر والبحار والأنهار وتمهيد الحياة لعيشه فيها، وإمداده بالإمكانات التي تساعده على ممارسة الحياة، إلخ.

وهذه المقارنة تعني أننا أولى من غيرنا – على مستوى النظر والتطبيق معًا – بأن نكرم الإنسان، ونشركه في صناعة الحياة في بلادنا مباشرة وبشكل حقيقي.

تنويه: الأفكار الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي المركز

المزيد من المقالات

الكل المقالات

التوظيف الديني للسياسة

د. نبيل الفولي العناية بدراسة الاستغلال السياسي للدين كبيرة قديمًا وحديثًا، حتى صار الأمر جزءًا من مفهوم الدين وسببًا لنشوئه…

انضم إلى القناة