آخر الأخبارأخبار

مقابلة البروفيسور: سامي العريان

سامي العريان (1)
تأسيساً على خبرة تتجاوز الأربعين عاماً في الدفاع عن القضية الفلسطينية ومواجهة نشاط اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية، تحدَّث الدكتور سامي العريان (أستاذ الفكر السياسي في جامعة صباح الدين زعيم – بإسطنبول) لمركز برق عن رؤيته لمآلات الأوضاع السياسية عقب فوز الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” خاصةً فيما يتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية في المرحلة المقبلة.
 
 
في البداية نحتاج إلى الاقتراب أكثر من خبرتكم عن اللوبي الصهيوني؟
ربما تكون منظمة (إيباك) هي أول ما يرد على الذهن حين يُذكر اللوبي الصهيوني لكنها ليست الوحيدة ولكنها الأهم. فاللوبي الصهيوني يتكون من عدد كبير من المنظمات والمؤسسات يقوم كل منها بدور مختلف ويَجري التنسيق بينهم بشكل غير مُباشر. بعض المؤسسات تختص بالبحث ووضع السياسات مثل معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، والذي بدأ عام 1983 منبثقا من (إيباك) لإجراء دراسات دورية حول تطوير العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ثم تطور دوره ليشمل دراسة محيطها الإقليمي مثل لبنان وسوريا والأردن ومصر وتركيا. ويقوم المعهد كذلك على إعداد توصيات ومقترحات بسياسات وتشريعات كما يوفر المعلومات اللازمة حول القضايا التي يهتم اللوبي بالعمل عليها. كذلك يفرخ الخبراء ويدربهم ثم يقدمهم للمهام النوعية؛ “فمارتن إندك” -الذي أسس المعهد- انتقل بعدها للعمل كمساعد لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط ثم دعمه اللوبي ليكون سفير الولايات المتحدة في إسرائيل لدورتين، وقد عينه أوباما في 2013 ليكون المفاوض الرئيسي في مباحثات السلام بين السلطة الفلسطينية والكيان الإسرائيلي. كما يختص المعهد بالتشابك مع مراكز الفكر الأخرى والتأثير على اتجاهاتها من خلال المشاركة في الندوات والمؤتمرات البحثية.
في المقابل نجد أن منظمة مثل مجلس رؤساء المنظمات اليهودية في أمريكا تتولى العلاقة مع البيت الأبيض مباشرة. وتركز منظمة (إيباك) جهودها في التنسيق المباشر بين الكونجرس والأجهزة الإدارية الهامة كوزارة الخارجية ووزارة الدفاع، ووكالة الاستخبارات الأمريكية CIA أيضاً. وعلى الرغم من وجود قوانين تجعل من إعطاء (الإيباك) لوثائق استخباراتية لإسرائيل قضايا تجسس يعاقب عليها القانون إلا أن المنظمة لا تتوقف عن المحاولة وهو ما أوقعها في العديد من المرات في قضايا تجسس كانت تتخلص منها باستخدام نفوذها حتى تغلق التحقيقات.
 
ما حجم تأثير اللوبي الإسرائيلي على دولة مؤسسات كالولايات المتحدة؟
علينا أن نعترف أن اللوبي لديه قدرة جيدة على العمل المنظم، فمنظمة مثل (إيباك) أكثر عملها مع الكونجرس. وبنشاطها مع أعضاء مجلس النواب ومجلس الشيوخ يمكن القول أنها تتحكم في ما يقرب من 70 % من أعضائه. كذلك فإن المال السياسي، والذي تقوم على تجميعه عشرات اللجان اليهودية الصهيونية في جميع أنحاء الولايات الأمريكية، يلعب دوراً كبيراً في التأثير على توجه النواب. ورغم أن الجالية اليهودية تمثل أقل من 2 % من الشعب الأميركي إلا أنها تقدم 65 % من ميزانيات الحملات الانتخابية للحزب الديمقراطي و35 % من تمويل الحملات الانتخابية للحزب الجمهوري، وهذا من أبرز وسائلهم في جذب النواب، إذ معظم النواب ينصب اهتمامهم على إعادة انتخابهم. وهناك اعتقاد لدى العديدين من السياسيين الأمريكيين أن اللوبي لديه القدرة على حسم النتائج لصالح من يريد منذ الثمانينيات بعد استهدافه لبعض المرشحين وإسقاطهم، ويعد من أبرزهم المرشح الجمهوري “تشارلز بيرسي” الذي انتخب لعضوية مجلس الشيوخ 18 عاما وكان رئيس لجنة العلاقات الخارجية، لكن اللوبي احتشد ضده وأسقطه لصالح بول سايمون الديمقراطي الصهيوني، وكذلك عضو مجلس النواب “بول فندلي” الذي هزم بعد استهدافه من قبل اللوبي بعد أن أبدى تعاطفا للقضايا العربية رغم انتخابه احدى عشر مرة متتالية أي طيلة 22 سنة قضاها في مجلس النواب. هذا ما يدفع أعضاء مجلسي النواب والشيوخ عادة لقبول التعاون مع (الإيباك) لكي لا يخسروا مقاعدهم في الدورة اللاحقة.
وسوى الكونجرس، يذكر كتاب “قوة اليهود” في أميركا لجوناثان جولدبيرج، كيف تمكن مجلس رؤساء المنظمات اليهودية في الثمانينات من دفع البيت الأبيض لتقديم 40 مليون دولارتحت بند المساعدات الإنسانية للسودان ولكن في حقيقتها كانت رشوة لنائب الرئيس السوداني في مقابل تسهيل نقل عشرة آلاف من يهود الفلاشا إلى إسرائيل عن طريق السودان خلال الحرب بين إثيوبيا وإريتريا، وهو ما تم اقراره خلال 48 ساعة تحت مظلة المساعدات الإنسانية في الكونجرس دون عقد جلسات نقاش أو استماع.
 
إلى أي مدى يؤثر اللوبي على النواب الديمقراطيين مقارنةً بنظرائهم؟
لفهم العلاقة بين النواب الديمقراطيين واللوبي الصهيوني، تجدر الإشارة أولاً إلى أن الجالية اليهودية في الولايات المتحدة في غير موضوع إسرائيل تميل إلى الاتجاه الديمقراطي، ولا تتفق مصلحتها مع الحزب الجمهوري إلا في دعم إسرائيل. فالحزب الجمهوري مثلا بتأثير اليمين المسيحي-لديه رؤية للتعليم الحكومي ينبغي بموجبها إقامة الصلاة في المدارس وربط الطلاب بالمقولات الدينية وقيم الرأسمالية وهي أمور تهدد معتقدات أبناء الجالية اليهودية. لذلك تفضل الجالية فصل الدين عن الدولة فصلاً تاماً باعتبارهم أقلية دينية.
تاريخياً، ارتبط اليهود بالحزب الديمقراطي لأنه حزب مفتوح للأقليات نسبياً وعملوا على السيطرة على جزء كبير منه.  إلا أن المتطرفين منهم في دعم مشروع إسرائيل الكبرى لاسيما منذ اتفاقيات أوسلو أصبحوا يميلون إلى الحزب الجمهوري في توجه السياسة الخارجية الأمريكية الداعمة لسياسات إسرائيل العدوانية والاستفزازية، لاسيما أيام هيمنة المحافظين الجدد في العقد الأول من هذا القرن أيام جورج بوش الابن. والآن في ظل إدارة ترامب، والتي تُكّن الكره والحقد للاسلام والمسلمين، تؤيد بقوة استمرار سياسات الهيمنة والاستيطان والتهويد ودعم إسرائيل اللا محدود. كل ذلك يقدمه الحزب الجمهوري عن اعتقاد وإيمان بدعم من جماعات اليمين المسيحي والتي بالرغم من أنها تكره اليهود لعنصريتهم وتعصبهم، تعبد إسرائيل لكون وجودها ضرورة حسب معتقداتهم في مسألة نزول المسيح في آخر الزمان في فلسطين وهزيمة أعدائهم الذين هم المسلمين حسب تفسيراتهم.
 
 
هل تنوع التيارات في الكيان الصهيوني ينعكس على تكوين اللوبي في الولايات المتحدة؟
ربما كان هناك اهتمام بتمثيل حزب العمل والليكود في اللوبي الصهيوني قبل عقدين أو ثلاثة عقود. إلا أن اليسار في إسرائيل لم يعد له وجود منذ بداية التسعينات. وعلى هذا تتجه مواقف اللوبي في الولايات المتحدة منذ ذلك الوقت إلى اليمين بما يمكن وصفه أنه بات على يمين الليكود فهو لا يؤمن بحل الدولتين ولا يرى للفلسطينيين أي حقوق سياسية. حتى أنه يقف ضد المساعدات التي تحصل عليها الأجهزة الأمنية الفلسطينية رغم دور هذه الأجهزة في دعم الكيان العبري. وإذا أتت أي انتخابات لهذا الكيان برئيس وزراء إسرائيلي يريد تسوية سياسية مع الطرف الفلسطيني فإن هذا يسبب أزمة، مثلما حدث أيام رابين حين ذهب إلى أميركا بعد أوسلو، فقد انتقده اللوبي انتقاداً شديداً لاتجاهه نحو تسوية سياسية مع عرفات ورأوه منحرفاً عن الخط الصهيوني.
 
 
هل لهذا التطرف الأيديولوجي علاقة بنجاح ترامب ووصوله إلى المنافسة النهائية من بين المرشحين الجمهوريين؟
مطلقاً، فعلى العكس مما يعتقده البعض، ترامب لم يكن خيار اللوبي الصهيوني. فملف إسرائيل لم يكن عليه اختلاف بين المرشحين الجمهوريين غير أن ترامب براجماتي غوغائي ومقامر لا يهمه شيء سوى أن يكسب ولا يلتزم بأيديولوجية وتاريخه يؤكد هذا تماماً. ومع هذا فهم مضطرون إلى التعاون معه الآن لا سيما أن دائرة مستشاريه فيها العديد من الصهاينة والمعادين للعرب والمسلمين اهم الآن ملتفون حوله وسيكون لهم تأثير كبير على قراراته-فيما يخص الصراع العربي الاسرائيلي، “كستيفن بانون” و “دافيد فريدمان” وصهره “جاريد كوشنار”.
انتشر في الصحف الاسرائيلية مؤخراً تحذيرات من تطرف ترامب على تماسك المجتمع الصهيوني، خشية أن تؤدي السياسات اليمينية إلى تفكيك الأيديولوجية الصهيونية وانهيار شرعيتها نهائياً خاصة مع تنامي الخطاب ما بعد الصهيوني بين الأكاديميين وفي الأوساط الثقافية. فما رأيكم؟
الصهيونية قدمت نفسها كجزء من المشروع الحداثي القائم على التنوير والنهضة والانعتاق من الاستبداد. غير أن العدوان وحروب الكيان المستمرة مع الفلسطينيين وما كشفته كتابات الأكاديميين الجدد للرواية التاريخية الرسمية وسياسات الدولة غير الديمقراطية أدى لتحول عدد لا يستهان به من النخبة والنشطاء اليهود عن الأيديولوجية الصهيونية وخاصة في الولايات المتحدة. بالطبع لا يزال هناك متطرفون، إلا أن الأعداد التي ارتدت عن الصهيونية بين الشباب كبيرة، ولا يكتفي معظمهم بالوقوف عند التحول الفكري بل ينشطون في حركات لانتقاد الكيان وعدائه، حيث توجد في معظم الجامعات تجمعات طلابية باسم (طلاب من أجل العدالة لفلسطين). ومن اللافت للنظر أن أعداداً كبيرة من أنصار هذه الحركات هم من الطلاب اليهود الذين أصبحوا معادين للكيان الصهيوني وأيديولوجيته. وما أود التنبيه إليه هنا أن المجتمع الصهيوني ليس محصناً بل مفككاً ويمكن اختراقه لكن بوعي وفهم وصبر وسعة أفق.
 
كيف يمكن أن تكون تبعات نقل السفارة الأمريكية إلى مدينة القدس على وضع المدينة دولياً؟
الحقيقة يدهشني حجم الصخب الدائر حول هذا القرار، فالأرض التي تعتزم الحكومة الأمريكية تخصيصها للسفارة في القدس الغربية، يعتبرها ما يسمى بالمجتمع الدولي منذ عقود طويلة ضمن المجال الإسرائيلي. وحتى المفاوض الفلسطيني لم يعد يطالب بهذا الجزء من القدس. بالطبع لابد من تسجيل موقف رافض لكن يجدر بنا أن نلتفت لسياسات التهويد وقضم الأراضي والاستيطان والتي هي أكثر خطورة. نقل السفارة هو عمل رمزي وشكلي، بينما ما يحدث في الضفة الغربية والقدس-على سبيل المثال-في ظل ترامب قد يمثل تحولاً خطيراً في ديمغرافيا المدينة ومستقبل الكيان الفلسطيني.
 

ما هي التهديدات التي ترى أن وجود ترامب قد يعزز خطورتها؟

بالنسبة لغزة أعتقد أن الكيان الصهيوني قد توصل الى طريقة عملية خبيثة في التعامل معها وهي ما يطلق عليه سياسة (قص العشب) وذلك بشن هجمة عنيفة عليها كل عامين أو ثلاثة تنشغل بعلاج آثارها فلا تزيد قوتها عن حدود معينة، فهم يقصوا حشيشها كلما طال. أما الضفة فتكثف إسرائيل الضغوط على أهلها بدعم الأجهزة الأمنية لكي تضمن الاستقرار بقمع المقاومة ونشر الإحباط، في الوقت الذي تتوسع فيه بالاستيطان والتهويد وفرض سياسات الأمر الواقع حتى نصل لمرحلة يكون من المستحيل معها إقامة دولة فلسطينية. ولا أستبعد أن تختار الحكومة اليمينية توقيتاً في ظرف دولي خطير ومحتقن تعمد فيه إلى تهجير عشرات الآلاف من السكان في الضفة قسرياً لتبسط عليها سيطرة كاملة وتضمها إلى كيانها نهائياً. هذا لا يعني بالطبع نجاح هذا السيناريو لأن الشعب الفلسطيني لن يقبل مطلقا أن يغادر أرضه مرة أخرى ولو واجه الموت.
بعض الشباب العربي رحب بترامب كونه ينتهج سياسة الحرب السافرة والتي قد تسهم في إنتاج صحوة مقاومة، بعكس سياسات أوباما التي كانت أقرب إلى الاستيعاب والاحتواء، فهل تظن أن تطرف ترامب قد يخدم المقاومة بأي صورة؟
المسألة أكثر تعقيداً. فالمجتمع الفلسطيني قد تشظى لعدة مجتمعات، كل منها يعاني تحديات مختلفة. فالمواطن في غزة يواجه تحدياً يومياً بفعل الحصار الذي يكمل هذا العام عشر سنوات. وقد ارتفعت نسبة البطالة إلى 40 %، يتخرج الشباب من الجامعة ولا أفق لديهم، ومعظم اعتمادهم على المساعدات الخارجية. وينبغي ألا ننسى أن القطاع يعتمد في كثير من احتياجاته الأساسية على الاحتلال نفسه كالكهرباء. بينما في الضفة يجد المواطن نفسه أسيراً لقريته أو مدينته التي يسكن فيها مع صعوبة الانتقالات بين المدن من كثرة الحواجز ونقاط التفتيش فضلاً عن قبضة الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية. الفلسطينيون في أراضي 48 لديهم تحديات مختلفة تنبع من الجانب العنصري المتأصل في الجانب الصهيوني، بينما فلسطينيو الشتات لا سيما أبناء المخيمات في دول الطوق لديهم تحديات من نوع آخر. المحصلة أن سياسات ترامب في الدعم المطلق لسياسات العدوان الاسرائيلي ستزيد من حجم هذه التحديات وتزيد من تعقيداتها وتجعل الطرف الأضعف دائماً في موقف الدفاع وتحت ضغوط هائلة لتقديم التنازلات والاحساس بالإحباط.
 
لكن مع ذلك حدثت انتفاضة …
لنفرق في قراءة الانتفاضة بين المستوى الإعلامي والمستوى الحركي، فعلى الأرض لم يتحرك سوى أفراد بينما لم تشارك القوى السياسية بشكل جاد، ولن تحدث انتفاضة حقيقية إلا إذا تم تفكيك الأجهزة الأمنية التي هي أكبر عقبة أمام أي حراك. لكن الشعوب الحيّة عند التحديات العظيمة تقدم استجابات مبدعة. والشعب الفلسطيني أثبت بعد قرن من الصراع أن لديه اصرار عنيد على مواجهة التحدي وإرادة جبارة على المقاومة ومواجهة المشروع الصهيوني.
 
 
إذن فأي وسائل المقاومة تراها أكثر فعالية وتأثيراً في الوقت الحالي؟
على سبيل المثال، ينتشر الآن في عدد من الدول حركة المقاطعة الشاملة المعروفة باسم BDS وهي حركة تدعو لمقاطعة الكيان الصهيوني، سياسياً واقتصادياً وثقافياً وأكاديمياً. ونشاط هذه الحركة يُكبّد الكيان الصهيوني مليارات الدولارات كل عام. كل ساحة من ساحات الصراع مع العدو سيكون لها مهمة استراتيجية. هذه المهمة تنصب في اتجاهين: صمود الشعب والمحافظة على روح المقاومة وانتشارها، واستنزاف العدو الصهيوني في كافة المجالات والساحات حتى تفكيك مشروعه العدواني والعنصري، ولكل ساحة وسائلها المختلفة. غزة تقوي من قوتها العسكرية لتردع العدو وتمنع العدوان أو تجعل كلفته عالية جدا وتعمل على فك الحصار ورفع المعاناة. الضفة تنتفض في انتفاضة شعبية شاملة ومستمرة تستخدم فيه كل تكتيكات المواجهات الشعبية والعصيان المدني والمقاومة الرافضة لكل سياسات ورموز الاحتلال. الخارج يصعد من حملات المقاطعة والعزلة والملاحقات ضد الكيان الأسرائيلي ورموزه في كل دول العالم لا سيما الدول التي تقدم له الدعم المادي والمعنوي والغطاء السياسي والرفاه الاقتصادي. باختصار نحن بحاجة إلى استراتيجية شاملة لتفكيك ومحاصرة هذا الكيان مع المحافظة على إرادة قوية لتحقيق صمود ووحدة شعبنا الفلسطيني. ويجب أن ننبه هنا أن جوهر الصراع ليس بين مسلمين ويهود بل بين حق وباطل. والهدف منه هو تفكيك كيان عنصري ظالم معتدي بل وانقاذ الدين اليهودي الذي اعترف به الاسلام واليهود غير المعتدين من براثن هذه الحركة السياسية التي وظّفَت الدين لتحقيق أهدافها العنصرية والاستعمارية.
 
في واحدة من تغريداته المثيرة للجدل أكد ترامب أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تترك الكيان يعامل بازدراء وعدم احترام في إشارة منه لتصعيد الدعم الأميركي للكيان دولياً، فكيف يمكن أن ينعكس هذا على وضع إسرائيل في المجتمع الدولي؟
لتحقيق أهدافها، تتسم السياسة الأميركية بالتدرج. فلكي يتمكن ترامب من دعم حكومة نيتنياهو في تنفيذ مخططاتها، سيعمل على تقوية تحالفات الولايات المتحدة مع جيران إسرائيل لخدمة الأخيرة. والحقيقة أن هذا يجعل وضع حركة المقاومة الفلسطينية في غاية السوء، فعلى مدار العقود الماضية كانت تجد دعماً من مصر وسوريا أو من إحداهما. الآن حركات المقاومة الفلسطينية فقدت كل الداعمين باستثناء قلة محدودة الإمكانات. فوجود حماس في قطر مثلاً مؤشر على عدم وجود حليف إقليمي حقيقي في المنطقة.
لطالما احتفظت الدول العربية بمسافة بينها وبين إسرائيل وكانت تضع الملف الفلسطيني دوماً على طاولة مباحثاتها مع الغرب، بحيث تحصّل بعض المكتسبات ولو كانت شكلية. بينما الآن، معظم الدول العربية تعتبر إسرائيل حليفها الاستراتيجي وتجعل عداءها للحركات الإسلامية هو جوهر الصراع في المنطقة. وهذه كارثة حقيقية. بالطبع هذا سيقوي من الوضع الاستراتيجي للدولة العبرية الذي لا بد من مواجهته بالانتفاضة الشاملة في الداخل والعزلة الكاملة لها في الخارج.
 
 
ما هي فرص اليسار الإسرائيلي في انتخابات ما بعد نتنياهو؟
إذا كان السؤال حول اليسار بتعريف اليسار عالمياً، يمكن القول أنه ليس هناك يسار إسرائيلي، فالاختلاف بين ما تسمى بأحزاب اليسار في اسرائيل وأحزاب اليمين، ليس اختلافاً حول الأهداف وإنما السياسات والوسائل. وإذا كان لدى بعض الأحزاب سياسات يفترض أن تكون يسارية فكلها تتعلق بالشأن الإسرائيلي الداخلي، أما كل ما يتعلق بالشأن الفلسطيني فمتفق عليه تقريباً، مثل ملف القدس والاستيطان والأمن والجدار العازل وحتى حل الدولتين انتهت صلاحيته لدى الجميع. حزب العمل والذي غيّر اسمه إلى “الاتحاد الصهيوني” لا يعتبر نفسه يسار، إذ هو حزب على يسار اليمين المتطرف.
أضف إلى ذلك أنك إذا أردت حساب نسبة كل الرافضين للسياسات العنصرية الاستيطانية الآن في الكنيست فإنهم لن يتجاوزوا 20 مقعداً، أي أن وزنهم ضعيف في مواجهة أحزاب اليمين بتشكيلاته المتفرعة بقيادة نيتنياهو وليبرمان وليبيد إلى أقصى اليمين مثل نفتالي بينيت والأحزاب الدينية المتطرفة، فكتلتهم تزيد عن 70 مقعد من أصل 120. بالطبع تكوين الحكومة يجري بالتحالفات ولا يستبعد أن يتوافق حزب يميني مع كتلة يسار اليمين تلك، لكن هذا لا يخرج عن مساحة الشؤون الداخلية. أما إذا واجه التحالف قضية تتعلق بالشأن الفلسطيني فإن الخلاف لا يتجاوز حدود الأساليب والخطوات التكتيكية كما حدث مع إيهود باراك عندما كان رئيس وزراء عن حزب العمل وإيهود أولمرت عن حزب كاديما خلال العقدين الأخيرين.
اليسار الصهيوني الذي لازال مؤمناً بحل الدولتين لم يعد يمثله سوى عدد محدود مثل حزب ميريتز، وهم من يلتقي بهم عباس من حين لآخر، لكن ليس لهم تأثير كبير. طبعاً لا نغفل مؤسسات المجتمع المدني المحسوبة على اليسار ونشاطها في فضح التجاوزات الإسرائيلية وانتقاد مخططات الاستيطان مثل “بيت سيليم”، لكنها تبقى حركات اجتماعية ليس لها تمثيل سياسي. لا يوجد اليوم سياسي نافذ يقدر على تبني هذا الاتجاه لأن المجتمع الاسرائيلي بمجمله يعتبرها مجموعات خائنة تقف ضد مصالح إسرائيل.
وبشكل عام، لا توجد فرصة حقيقية لليسار في إسرائيل، لأن البيئة السياسية لا تتسع إلا لليمين بتطرفه مع غياب كل وسائل الضغط والمقاومة. الضغط الحقيقي يتطلب حراكاً منظماً كحركة رفض (الأبارتايد) في جنوب افريقيا منذ ثلاثة عقود لكي تترك تأثيراً على المجتمع. المجتمع الإسرائيلي لا يقوى على حالات التعبئة العامة الطويلة أو المستمرة وكثيراً ما رأينا كيف تخور قواهم في أسابيع خلال الحروب على غزة. فإذا استطاع المقاوم الفلسطيني إيجاد طريقة يتحملها الشعب تضع إسرائيل في حالة التعبئة العامة المستمرة فهذا يمثل ضغطاً حقيقياً يمكن استثماره. وإن كنت أعتقد أن صعود متطرفين “كنفتالي بينيت” ووجود ظهير لهم في الولايات المتحدة “كشيلدون أديلسون” و “جورج فريدمان” و “جاريد كوشنار” وغيرهم ممن لاتزال إسرائيل الكبرى غايتهم، يُعَقد المسألة.
 
بالحديث عن إسرائيل الكبرى، هل تعتقد أن للكيان الصهيوني طموحات في المنطقة خارج فلسطين، قد تستغل وجود ترامب لتحقيقها؟
في عام 1982 كتب “أوديد ينون” وهو أحد المفكرين الصهاينة خطة بعيدة المدى للكيان الصهيوني، يمكن تسميتها بالخارطة الجديدة للشرق الأوسط، تحدث عنها آرييل شارون في كلمته الافتتاحية لاجتماع ممثلي حلف الناتو عام 1983، وأعيد تناولها حديثاً بين مراكز الأبحاث. وهي تتلخص في تقسيم دول الشرق الأوسط إلى دويلات، ما يُضعف من قدرة كل دولة قد تمثل أي تهديد للكيان الصهيوني لتبقى إسرائيل قوة واحدة مهيمنة. وهذه الخطة كما آلت اليه الأوضاع في المنطقة ليست بعيدة المدى، بل يمكن بسهولة فهم كثير من الخلافات بين تركيا والولايات المتحدة في إطار ضغط الأخيرة لتنفيذ سياسات تتماشى مع هذا المخطط. وليس انفصال جنوب السودان عن شماله بمعزل عن دعم إسرائيل. فضلاً عن ما تلاه من محاولات في العراق وسوريا ولبنان. كما أن دولاً مثل السعودية تعتبر مستهدفة لولا تماسك حكومتها المركزية حتى الآن. في السعودية وبعض دول الخليج الكثير من الشركات الصهيونية التي تتخذ طابعا غربياً ليسهل انتشارها، وكذا الحال في شمال العراق فلم يعد خافياً على أحد اختراق الموساد للمنطقة.
 
الخلاصة أن هناك خطة إسرائيلية قديمة لتقسيم المنطقة ولقد تزامن إحياء هذه الخطة مع وجود حكومة إسرائيلية متطرفة وإدارة أمريكية تؤمن بنظرية صراع الحضارات بل تجاهر بقرب حربها ضد الإسلام والمسلمين. أضف إلى ذلك وجود صراعات جانبية وطائفية وإثنية في المنطقة تحيد عن جوهر الصراع. هذه بالطبع ليست حتمية تاريخية وإنما تمثل تحدياً كبيراً يمكن للأمة أن تستجيب له وتواجهه إذا أحسنت في اتخاذ خياراتها الاستراتيجية وتنفيذها للشروط الثلاثة اللازمة للنجاح في تحقيق أهدافها: إجماع الرؤية وإجماع الإرادة وإجماع العمل.
 
 
أجرى الحوار: خديجة الخولي
*باحثة متدربة في مركز برق للأبحاث والدراسات
لتحميل المقابلة هنا
 
 
 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للأبحاث والدراسات © 2017

“الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز برق للأبحاث والدراسات 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق