الاصدارات

سياسة اعتقال الدعاة في السعودية

قراءة في الدوافع واستشراف للمآلات

استكمالاً لمُخرجات مِنحة تدريب الباحثين، المنفّذة في سبتمبر/ أيلول 2018م، يَنشر برق الإستشاري مَشاريع التَخرّج المُقّدمة من المتدرّبين الأوائل

تمهيد:

   ما إن هدأت حرارة الجو قليلًا في الخليج العربي مع بداية الربع الأخير من العام 2017، حتى لفحت المنطقة بشكل عام والمملكة العربية السعودية بشكل خاص عاصفة من الإجراءات والقرارات السياسية الحادة والقالبة للتموضعات الداخلية والخارجية. فبداية، حوصرت دولة قطر، وعلى الصعيد الداخلي تم عزل ولي العهد الأمير محمد بن نايف وتولى الأمير محمد بن سلمان مكانه. سار هذا جنبًا إلى جنب مع دعاية ولي العهد الجديد لرؤيته الإصلاحية للمملكة المعروفة بـ 2030، والتي أرادها الشاب الطموح أن تكون ذات عمق عربي وإسلامي وقوة استثمارية رائدة ومحور ربط للقارات الثلاثة.[1] عقب ذلك جاء تصريح وزير الخارجية السعودي عادل الجبير ليدشن حملة اعتقالات واسعة  للمعارضين بقوله: “إنّ الاعتقالات جاءت لإحباط خطة متطرفة كان هؤلاء يعملون على تنفيذها، بعد تلقيهم تمويلات مالية من دول أجنبية”[2]. هذه الاعتقالات شملت وجوهًا بارزةً من دعاةٍ وعلماء دين ورجال أعمال ومعارضين اجتماعيين.

   نهدف في هذه الورقة إلى البحث عن الجذور التاريخية لسياسة الاعتقال في المملكة العربية السعودية، ومن ثم تحليل خلفيات وبواعث هذه السياسة، ونختم بالسعي إلى استشراف مستقبل ملف الدعاة المعتقلين في سجون المملكة.

1- مدخل تاريخي لسياسة اعتقال الدعاة:

يمكن أن نلخص تاريخ الاعتقال في السعودية ضمن موجتين:

الموجة الأولى:

  بعيد ورود أنباء للملك فهد بدخول القوات العراقية الأراضي الكويتية في 2 آب/ أغسطس 1991[3]، وبدعوة من الملك السعودي وصل وزير الدفاع الأمريكي آنذاك ديك تشيني إلى السعودية مع بعثة عسكرية كبيرة واجتمعا بتاريخ 7 آب/ أغسطس 1990.[4] تمخض عن هذا اللقاء قرار في غاية الأهمية وهو الاستعانة بالقوات الأمريكية لإخراج الجيش العراقي من الكويت من جهة ومنعه من الوصول إلى الحدود السعودية من جهة أخرى.

  كان لهذا القرار صدىً كبير لدى العلماء والدعاة المصلحين، حيث أدى إلى بروز طبقة معارضة تبلورت آراؤهم فيما عرف حينها بـ”مذكرة النصيحة”. شملت جملة من المطالب الإصلاحية الدينية والاجتماعية. نتج عنها عزل سبعة من هيئة كبار العلماء من الموقعين على المذكرة في تاريخ 02 كانون الأول/ ديسمبر 1992. وعلل النظام السعودي آنذاك إقالتهم لحالتهم الصحية المتردية.[5] وشهدت المملكة العربية السعودية في الفترة الممتدة من عام 1992 إلى 1994 حملة من أشرس حملات الاعتقال ضد المعارضين الإسلاميين، حين اعتقل خلال هذه الفترة العديد من المواطنين السعوديين في مقدمتهم الشيخ سلمان العودة وسفر الحوالي، وفي عام 1994 اعترف وزير الداخلية الأمير نايف باعتقال 110 مواطن سعودي لقيامهم بأعمال ضد الأمن القومي .[6]وحدث ذلك بتأييد النصف غير المعتقل من هيئة كبار العلماء.

  أغلب الأسماء المعتقلة غادرت السجون في سنة 1994 بعد مراجعات فكرية في السجون مع رجال العلم بإشراف الداخلية في وقتها.

الموجة الثانية:

  شهدت منطقة الخليج والسعودية خاصة تحولات جيوسياسية كبرى خلال السنة الماضية 2017، بَدءًا من القرار الرباعي القاضي بمقاطعة دولة قطر، تلاه عزل ولي العهد السعودي الأمير نايف بن سلطان وتولي الأمير محمد بن سلمان مكانه، أحدث هذا الأمر هزةً في أوساط العلماء فانقسموا إلى مؤيد علني ومعارض ساكت، إلا أن هذا لم يمنع وقوع  موجة الاعتقالات الثانية في مطلع أيلول/ سبتمبر 2017، حيث اعتقلت شخصيات بارزة دعوية كالشيخ سلمان العودة وسفر الحوالي، إضافة إلى علي العمري وعوض القرني ورجل الأعمال عصام الزامل[7] الذي سيتكرر اسمه في أحد فصول هذه الدراسة، ناهيك عن مجموعة تم اعتقالهم سابقًا كعبد العزيز الطريفي.

   لم يتغير كثيرا التبرير الرسمي عن الموجة الأولى وهذا تصريح وزير الخارجية عادل الجبير: “وجدنا أن عددًا منهم يتلقون تمويلًا من أجل زعزعة استقرار السعودية”[8]. ومن الملاحظ أن هيئة كبار العلماء برئاسة عبد العزيز آل الشيخ لم تتأخر في دعم هذه الموجة، قوله: “إن استهداف الوطن في عقيدته وأمنه ولُحمته الوطنية جريمة يؤخذ على يد مرتكبها ولا تقبل هوادة فيها” .[9]

2- خلفيات سياسة الاعتقال:

أولًا: سياسة الاعتقال ونظرية العلاج بالصدمة:

  إنّ رؤية ولى العهد الأمير محمد بن سلمان الإصلاحية للمملكة 2030 لن تتأتى إلا في وجود الأمن والاستقرار في الداخل السعودي، وإن إحداث صدمة داخل هذا البلد الآمن من خلال إحداث أعمال عنف من شأنها إحداث صدمة، إلا أن ذلك سيمنع توفر تلك الشروط. لذلك فإن الصدمة التي نعنيها ليست صدمة حقيقية مباشرة تستهدف الجسم السعودي، بل إنها صدمة تصورية على حدود المدارك الحسية، تتم من خلال إقناع الأفراد بخطورة ذلك الجيش القادم من وراء الخليج لتحطيم أسوار الكعبة، أو ذلك العدو المتأهب لاقتحام الحدود الجنوبية للمملكة، ولم تعد عملية الإقناع هذه صعبة  بعد وصول صواريخ الحوثي إلى أطراف مطار الرياض الدولي.

ثانيًا: سياسة الاعتقال ورؤية ولي العهد 2030:

  لطالما كانت آمال الشعوب معلقة على أكتاف قادتها وزعمائها، وما كان الشعب السعودي بدعًا من الشعوب ليغير هذه القاعدة الخالدة، حتى جاء الشاب الثلاثيني من ولاية ولاية العهد ليعلن عن عهد “إصلاح” جيد[10] تصدر من خلاله المشهد في السعودية، لتأتي بعده موافقة مجلس الوزراء السعودي برئاسة الملك سلمان في 25 نيسان/إبريل 2016[11]،هذه الموافقة شجعت الأمير محمد بن سلمان إلى التقدم خطوة إلى الأمام تمثلت في عزل ولي العهد وقتها محمد بن نايف ومبايعة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد الجديد مساء الأربعاء 21 يونيو/ حزيران 2017[12].

  الذي يهمنا في هذه السطور هو إيجاد العلاقة بين رؤية ولي العهد الجديد وحملة الاعتقالات التي رافقتها حيث أثارت رؤية ولي العهد مخاوف العلماء في المملكة، وكشف ذلك عن موقفين، الأول: رافض ابتداءً ثم مساند، تكشفت ملامح هذا التيار بعد معارضة رئيس هيئة كبار العلماء ومفتي المملكة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ لتصريحات الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للترفيه عمرو المدني حول إمكانية إقامة حفلات غنائية بالمملكة[13]، إلا أن تصريح ولي العهد لرويترز بتاريخ 07 كانون الثاني/ يناير 2017 كان كافيًا لإسكات هيئة كبار العلماء[14]، ليمهد الطريق لتجريم البقية المعارضة للمشروع.

  من ناحية أخرى أطلقت بعض الأصوات جملة من الاعتراضات المتعلقة بتوجهات ولي العهد من وجوه متعددة والتي نلخصها على الشكل الآتي:

أولًا: معارضة للسياسة الاقتصادية لرؤية 2030:

من أبرز الأسماء المعارضة المهندس الشاب رجل الأعمال عصام الزامل.

ثانيا: معارضة للسياسة الاجتماعية لرؤية 2030:

أغلب الأسماء المعتقلة تندرج تحت المعارضة الاجتماعية أي الدعاة والعلماء الذين سبق ذكرهم في هذه الورقة.

ثالثا: معارضة للسياسة الخارجية لرؤية 2030:

يمكن ملاحظة التهم الموجهة للمعتقلين من نوع الانتماء إلى “جماعات إرهابية” خارج المملكة، أو التعامل مع دول معادية، وهم المحتجون على “القطيعة مع دول شقيقة والعداوة مع جماعات مقاومة وحركات سياسية”.

خاتمة: استشراف ملف الدعاة المعتقلين في سجون المملكة العربية السعودية.

  إن استشراف ملف الدعاة المعتقلين يمر عبر محورين اثنين، الأول: مدى استجابة المجتمع السعودي لسياسة الصدمة وتعافيه منها، والمحور الثاني: درجة تقدم مشروع ولي العهد الإصلاحي ومدى واقعيته على أرض الميدان. وفي ختام هذه الورقة نلخص البنود الواسعة لرؤية المملكة 2030 حتى يسهل علينا تتبعها في المستقبل.

الرؤية الاقتصادية:

تحديث الاقتصاد السعودي وتحويله من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج، من خلال مجموعة برامج مقترحة[15].

الرؤية الاجتماعية:

تحديث المجتمع السعودي بعد تقويض دور العلماء في السياسة الاجتماعية، وتغيير المناهج الدراسية.

الرؤية الاستراتيجية:

إعادة صياغة تحالفات جديدة مع دول المنطقة، من خلال تطويع السياسة القطرية في علاقاتها مع حماس، وكذلك ضم مصر والأردن إلى خندق رؤية 2030 من خلال إنشاء مدينة “نيوم”[16] على الحدود المشتركة للدول الثلاث في صحراء العقبة والتي ستمهد الطريق إلى النفوذ الإسرائيلي في المنطقة لتفتح عهد جديد من الصفقات الكبرى[17].

  بناءً على ما تقدم، نستطيع التنبؤ بانفراج ملف الدعاة والعلماء المعتقلين في السجون، في ظل انتشار حس اجتماعي بحقيقة الصدمة وعواقب سياسة الاعتقال، وكذلك ظهور نزاع داخل العائلة الحاكمة فيما يتعلق بهذه السياسة[18]، من ناحية أخرى تأخر طرح أسهم شركة آرامكو للتداول العام[19]، التي تعد جوهر الدعم المالي لرؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان للمملكة 2030.

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مركز برق للاستشارات والدراسات المستقبلية 

جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للاستشارات والدراسات المستقبلية © 2018

قائمة المصادر:

1- الموقع الرسمي لرؤية المملكة 2030.

https://bit.ly/2NwwTG5

2- روسيا اليوم: تقرير: الجبير يكشف أسباب إيقاف بعض الدعاة والأكاديميين ورجال الأعمال في السعودية.

https://bit.ly/2Nyd9SA

3- خالد بن عبد العزيز، مقاتل من الصحراء، الطبعة الأولى 1996، مطابع الأوفست الجديدة ،صفحة 37.

4-  كتاب موجز تاريخ العراق من ثورة العشرين إلى الحروب الأمريكية والمقاومة التحررية وقيام الجمهورية الثانية، دكتور كمال أديب، الطبعة الأولى 2013، دار الفارابي بيروت، ص 208.

5- مجلة الوعي: بيان مذكرة النصيحة.

 https://bit.ly/2NydGny

6- كتاب تاريخ العربية السعودية بين القديم والحديث، دكتورة مضاوي الرشيدي، دار الساقي. نسخة غير مرقمة.

7- حساب معتقلي الرأي على تويتر.

https://bit.ly/2xFIb15

8- روسيا اليوم: تقرير: الجبير يكشف أسباب إيقاف بعض الدعاة والأكاديميين ورجال الأعمال في السعودية.

https://bit.ly/2Nyd9SA

9- حساب هيئة كبار العلماء في السعودية على تويتر

https://bit.ly/2PVdE5V

10- مدونة الجزيرة: مقال: تلخيص كتاب عقيدة الصدمة صعود رأسمالية الكوارث. نعومي كلاين.

https://bit.ly/1zaGp4N

11- رؤية 2030: تقرير: موافقة مجلس الوزراء السعودي على رؤية 2030.

https://bit.ly/2zoJm6e

12- قناة العربية: تقرير: مبايعة الأمير محمد بن سلمان وليًا للعهد.

https://bit.ly/2xx9pqw

13- مجلة نون الإخبارية: مقال: البريك ليس آخرهم…مشايخ السعودية على مقصلة الإقصاء.

https://bit.ly/2xAtDzs

14- وكالة رويترز للأنباء: تقرير: ولي ولي العهد السعودي يضع استراتيجية لمواجهة اعتراض رجال الدين على الإصلاحات.

https://bit.ly/2xAKXo0

15- الموقع الرسمي لرؤية المملكة  2030.

https://bit.ly/2NwwTG5

16- الموقع الرسمي لمشروع “نيوم”.

https://bit.ly/2PYaQou

17- نون بوست: مقال: كيف يوفر مشروع “نيوم” قنوات اتصال خلفية بين السعودية وإسرائيل.

https://bit.ly/2I8pyXm

18- .Young Saudi pretender’s days are numbered  The Sunday Times: https://bit.ly/2NduP5N

19-  CNN عربية: مقال: ثلاثة أسباب وراء احتمال تأخر طرح آرامكو إلى 2019.

https://cnn.it/2FCTARc

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق