الاصداراتالنافذة السوريةتقدير موقف

زيارة الأسد إلى موسكو

888

يبدو أن زيارة الأسد إلى موسكو سببت حالة من الصدمة والارتباك في أكثر من عاصمة عربية وإقليمية ودولية، حيث لم يُعلَن عن هذه الزيارة إلا عندما عاد الأسد إلى دمشق، وتحمل هذه الزيارة وهي الأولى للأسد خارج سورية منذ انطلاقة الثورة السورية منذ حوالي خمس سنوات، تحمل رسائلَ عدّة وتثير الكثير من التساؤلات، وتترك الكثير من الانطباعات، لاسيَّما أنها تمت بدعوة من الرئيس بوتين شخصيًا للأسد.

من الانطباعات على هذه الزيارة، أنها كانت إلى موسكو ولم تكن إلى طهران الحليف الأقرب لنظام الأسد الابن والأب لسنوات طويلة، وربما أراد بوتين بهذه الزيارة التأكيد على أنَّ روسيا بيدها مفاتيح حل الأزمة السورية عسكريًا ودبلوماسيًا، وأنها الأقدر على حماية الأسد ونظامه، وتأكيدًا لذلك جرت عدة لقاءات واتصالات دبلوماسية بين موسكو والعواصم الفاعلة في الملف السوري، سواء أكانت السعودية أو تركيا أو طهران أو غيرهم من العواصم.

لم يرافق الأسدَ أيٌّ من شخصيات نظامه، بل جاء فردًا وواجه الكثير من أقطاب النظام الروسي وعلى رأسهم بوتين، وهناك تحليلات تؤكد أن بوتين أراد من الأسد موافقة مباشِرة منه على ما تُخطط له موسكو، وربما بما يتعلق بمصير الأسد ذاته في لحظة ما، بعيدًا عن مراوغة نظام الأسد التي اشتهر بها طويلًا.

ومن الرسائل التي حملتها هذه الزيارة أنَّ الأسد باقٍ، ولا حل للأزمة من دونه، على الأقل لفترة انتقالية يتم الترتيب لها بين العواصم المعنية، ومن الرسائل أيضًا أنَّ موسكو لا تقاتل في سورية بلا شروط، أو حسبما يريد الأسد، بل وفقًا لما تُمليه المصالح الروسية، وأن تدخل روسيا العسكري خاضع في النهاية لوجود مبادرة سياسية تقودها موسكو لحل هذه الأزمة.

بدا الأسد شاحبًا ومرتبكًا ويكرر الشكرَ لموسكو على مساعدتها “سورية”، كما أنه كرر كلمة “إرهاب” كثيرًا، وقال إن روسيا تنقذ “سورية”، وإذا كانت روسيا خلال عدة أيام من تدخلها العسكري المباشر في سورية تنقذ النظام السوري، فهذا يُؤكد أن تدخل إيران وحلفائها عبر سنوات الثورة الخمس لم يستطع أن يمنع نظام الأسد من التآكل والانهيار شبه التام.

من المعروف عن بوتين أنه يقوم بمغامرات عسكرية خارج حدود بلاده، ومنها غزو جمهورية جورجيا الشريك السابق لروسيا في الاتحاد السوفيتي، حيث كان ميدفيديف الرئيس الشكلي لروسيا، أما بوتين فكان رئيس الوزراء وصاحب القرار فيها. وكذلك احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم الأوكرانية بعد نشوب حرب شبه أهلية هناك، وها هو في السنة التالية يقوم بالتدخل عسكريًا وبشكل مباشر لدعم نظام الأسد، وهو بهذا يربط مصيره السياسي بمصير الأسد ونظامه، ويفرض على من يستطيع مبادرته ذات النقاط التسعة، التي بدت تتضح معالمها وتتسرب تفاصيلها، ومنها ألّا يترشح الأسد في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى بعد الانتخابات البرلمانية، وربما تصريح رئيس مجلس الوزراء التركي داوود أوغلو أن أنقرة تقبل ببقاء الأسد مدة شهور يصب في السياق ذاته، وليس ببعيد بعض تصريحات الجبير وزير الخارجية السعودي بأنه يجب البدء بمرحلة انتقالية تنتهي برحيل الأسد.

ومن المثير للاستغراب أن أيًّا من العواصم الداعمة للثورة السورية -بشكل ما- لم تقم باستشارة الائتلاف السوري بصفته الكتلة الكبرى في المعارضة السورية (المعتدلة)، بعيدًا عن القوى الإسلامية الراديكالية (داعش وغيرها)، فيما يتم طبخه من مبادرات، وعلى رأسها المبادرة الروسية الآخذة بالتبلور، وهذا يدل على أن القوى المعنية بالأزمة السورية سواء التي مع الأسد أو التي ضده وصلت لنتيجة مفادها “لا حل للأزمة إلا عبر الدبلوماسية”، ومن خلال تنازلات متبادلة من الأطراف كافة، ولكنَّ الأمور تُشير إلى أن أغلب هذه التنازلات سوف تكون على حساب الثورة السورية وتضحيات الشعب السوري.

إن التدخل العسكري الروسي المباشر وزيارة الأسد إلى موسكو، أكدت للجميع أن الولايات المتحدة لم تكن الفاعل الرئيس في مجريات الأحداث ومستقبل سورية من بين القوى الكبرى، ولن تكون كذلك بعد الآن، حيث تَعتَبِرُ روسيا أنها ومن خلال دعم الأسد تحمي خاصرتها الجنوبية في القوقاز –كما تزعم-حيث يوجد بعض المتشددين الإسلاميين والذين من الممكن إذا انتصرت داعش –حسب رأي موسكو-أن ينتقل الكثير من عناصرها لفتح جبهة في جنوب روسيا، وهي بهذا التدخل -كما تقول موسكو-تحمي أمنها القومي. متناسية أن الثورة بدأت سلمية ولم تكن داعش موجودة، ولكن داعش وَجَدَت أرضًا خصبة عندما بطش النظام السوري بالشعب السوري بكافة الأسلحة، وعند تدخل إيران وحلفائها بدافع طائفي لدعم النظام السوري. وهذا يشير إلى أن أيَّ دعمٍ جديد لنظام الأسد يستدعي بالضرورة تقوية جبهة داعش، حيث أن نظام الأسد وداعش متشابهان في أنهم يقتلون الشعب السوري، ولا يريدون له اختيار نظامه السياسي. لقد لمس الجميع تقبلًا وتفهمًا ما من أوروبا للتدخل الروسي، وربما يعود ذلك لقناعة أوروبا أن استمرار الأزمة السورية دون حسم سواءً كان عسكريًا أو دبلوماسيًا سيؤدي إلى تواجد ملايين اللاجئين الجدد على أراضيها، وهذا ما لا تحتمله أوروبا سواءً على الصعيد الاقتصادي أو الاجتماعي وربما لا تحتمله أيضًا على المستوى الديني. لذلك نجد أن أوروبا صامتة عن قناعة بما تزعمه موسكو بأن تدخلها جاء لضرب داعش، وسيتبع هذا التدخل العسكري مبادرة سياسية عادلة بحسب وجهة نظر روسيا.

قد يبدو أن طهران تراجعت إلى الخلف خطوتين عند التدخل الروسي، لكن من الواضح أن هذا التداخل يصب في مصلحتها استراتيجيًا وطائفيًا، وأن طهران بعد أي تسوية سياسية –إن تمت-ستعاود دعم حلفائها في النظام السوري الذي لن يتغير كثيرًا، ليعود الجميع لنقطة البداية!

يبدو أن الجميع قد قال كلمته أو أوشك فيما يتعلق بالأزمة السورية، فيما عدا الشعب السوري الذي يقتل كل لحظة وبكل اللغات، وهو يُصرُّ على إكمال ثورته التي بدأها منذ خمس سنوات ولا يعرف متى ستنتهي!

للتحميل من هنا

 

جميع الحقوق محفوظة لدى مركز برق للأبحاث والدراسات © 2016

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق