الاصداراتالدراسات الاستراتيجية

حقيقة صفقة القرن

تمهيد:

تصدّر مصطلح صفقة القرن محور دول الشرق الأوسط، وتعددت الأطروحات والسيناريوهات المقترحة والأهداف الكامنة وراءها، لكن ما رشح في حملة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 22- تشرين/نوفمبر- 2016 م عن نية إدارته التوصل لحل الصراع العربي الإسرائيلي، وإبرام اتفاق سلام في الشرق الأوسط، أعاد تدوير مباحثات القضية الفلسطينية من جديد بعد تعثرها لربع قرن.

يدفع ترامب بمشروع صفقة القرن إلى الأمام عبر مدخلين، الأول: تمثّل بتنفيذ وعده بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس[1]، في 6- حزيران/يونيو- 2018م، محققًا بذلك ما عجز عنه أسلافه من الرؤساء الأمريكيين، والثاني: ذهب باتجاه تعزيز مرحلة التطبيع العربي الإسرائيلي لإخراج إسرائيل من دائرة العداء، وجعلها شريكا وجوديا في كبح الخطر الإيراني في المنطقة، وقد رغب ترامب الاستفادة من عامل تهيئة المناخ العربي، بهدف تسويق مشروعه عبر سلسلة جولات دبلوماسية قام بها صهره ومستشاره جاريد كوشنر وجيسون غرينبلات المبعوث الأمريكي للسلام لمنطقة الشرق الأوسط منتصف حزيران/يونيو 2018م في أربع دول عربية (الأردن والسعودية- مصر وقطر)، بهدف ترويج خطة أمريكية تصب في صالح إسرائيل تسعى إلى تصفية القضية الفلسطينية واختزالها من قضية سياسية إلى قضية إنسانية اقتصادية.

تباينت الروايات حول طبيعة الصفقة ومحدداتها وأهدافها، ففي الوقت الذي ترى فيه إدارة ترامب أنها فرصة لإحلال السلام مع الفلسطينيين، ظهرت مواقف رأت بأن ما يظهر من الصفقة يشير إلى أنها محاولة لتصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي، ومحاولة لإعطاء شرعية للكيان الصهيوني لاغتصاب ما تبقى من المناطق الحيوية في فلسطين.

نتناول في هذه الورقة مفهوم صفقة القرن واستعراض مواقف الأطراف الفاعلة ومُحددات نجاح وفشل الصفقة بنظرة استشرافية مستقبلية.

أولًا: مدخل تاريخي

في الواقع لا ينفصل ما يقوم به الرئيس الأمريكي الحالي ترامب وفريقه عن مسار مباحثات السلام الإسرائيلية- الفلسطينية الذي عمل عليه القادة الأمريكيون. فقد حاول الرئيس نيكسون إجراء عملية سلام لكنه فشل بعد أن أُجبر على التنحي بسبب فضيحة (ووتر غيت) خلال فترة ولايته عام (1969-1974)، عقبها محاولة سلام فاشلة للرئيس جيمي كارتر خلال فترة حكمه عام (1977-1981)، ثم عرض الرئيس الأمريكي رونالد ريغان خطته التي قدمها في 1- سبتمبر/أيلول- 1982، وباءت بالفشل.

كما حاول الرئيس بيل كلينتون استضافة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك في كامب ديفيد صيف عام 2000، وتم تقديم ما عُرف بمعايير كلينتون لكنها قُوبلت بالرفض من إسرائيل، ومع وصول الرئيس بارك أوباما لسدة الحكم في البيت الأبيض اتخذ من صنع السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين أولوية في بداية رئاسته لكن سرعان ما تراجع عنها بعد فشل وزير خارجيته جون كيري في التوصل إلى اتفاق سلام، و اكتفى آنذاك بالامتناع عن التصويت على قرار قيام دولة فلسطينية[2] على الأراضي التي احتلت عام 1967، وبعد شن الكيان الصهيوني حربًا على قطاع غزة في عام 2014 توقف مسار المباحات حتى مجيئ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلطة عام 2017.

وعلى الرغم من عدم الكشف عن البنود الحقيقة لمشروع ترامب، إلا أنًّ ما صدر عن التقرير السياسي الذي قدمه أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطيني صائب عريقات لاجتماع المجلس المركزي الفلسطيني الذي عقد في 14-15 يناير/كانون الثاني 2018 م، أعطى صورة تقريبية عن تفاصيل الخطة الأمريكية التي ينوي الرئيس الأمريكي عرضها على الفلسطينيين، حيث قال: إنَ الخطة تشمل ضم الكتل الاستيطانية الكبرى بالضفة لإسرائيل، وإعلان قيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح، وإبقاء السيطرة الأمنية لإسرائيل، إلى جانب الاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة أبدية لإسرائيل ونقل سفارتها إليها[3].

وقد تبدو مقاربة ترامب هي أقرب اليوم لرؤية رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق أولمرت حيث طرح في عام 2006م، خطة سلام بهدف إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، والتي كانت تحمل عرضًا لمبادلة الأراضي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وترسيم حدود تُقام على طول الجدار الإسرائيلي العازل، على أن تقوم إسرائيل بضم نحو 6.3 من أراضي الضفة إليها، وهي مناطق تضم نحو 75 % من المستوطنات اليهودية، كما تضمن العرض إنشاء ممر آمن بين جنوب الضفة الغربية وقطاع غزة[4].

كذلك لا يخرج مصطلح صفقة القرن عمّا طرحه مستشار الأمن القومي الإسرائيلي  جيورا إيلاند في عام 2010م، إذ اقترح أحد حلَّين لتسوية القضية الفلسطينية الإسرائيلية. الأول: فدرالية أردنية فلسطينية من خلال إعادة تأسيس الدولة الأردنية على شكل ثلاث دويلات: الضفة الشرقية، والضفة الغربية، وقطاع غزة. الثاني: تبادل المناطق وهو مبني على أساس أن تتنازل مصر عن 720كم2 من أراضي سيناء لصالح أراضي الدولة الفلسطينية، بإضافة مستطيل يمتد من رفح إلى حدود مدينة العريش طوله 24كم  وعرضه 30 كم، وهو ما يوازي 12% من مساحة الضفة الغربية، في المقابل ستحصل مصر على أرضٍ من جنوب النقب بالمساحة نفسها في منطقة وادي فيران، وسيسمح لمصر بشق نفق طوله 10كم يربط بينها وبين الأردن يكون تحت سيادتها، إضافة إلى مد خط سكك حديدية وطريق سريع وأنبوب نفط تعود عائداتها الضريبة لمصر. ووفق المشروع سيتوسع الفلسطينيون شمال سيناء التي ستُضم إلى غزة، وسيُسمح لهم ببناء مطار دولي وميناء بحري على ساحل المتوسط[5].

ثانيًا:  أهداف ترامب من صفقة القرن

حسب دراسة صادرة عن مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي خلصت إلى أن الرئيس الأمريكي يهدف من وراء خطته إلى تحقيق عدة أهداف للولايات المتحدة الأمريكية يمكن إحاطتها بما يأتي:

1_ توفير ظروف إقليمية لتحقيق استراتيجية الأمن القومي الأمريكي.

2_ تحقيق المصالح القومية للولايات المتحدة من خلال لعب دور طويل الأمد في منطقة الشرق الأوسط.

3_ تحقيق المصالح الاقتصادية للولايات المتحدة بواسطة تعزيز أمن واستقرار المنطقة.

4_ استمرار أمريكا في تحكمها في موازين القوى لمنع صعود أي دولة منافسة تهدد مصالحها الإقليمية.

ولتحقيق هذه الأهداف، أشارت الدراسة إلى أن إدارة ترامب ترى في حل القضية الفلسطينية أولوية لأمن واستقرار المنطقة، فكلّفت دول عربية بالعمل على جلب الفلسطينيين لطاولة المفاوضات مع إسرائيل[6].وحسب رؤية ترامب فإنًّ مشاركة الدول العربية في تحقيق عملية السلام الفلسطيني الإسرائيلي، من شأنها أن تُعزز العلاقات الإسرائيلية الخليجية التي تعد مطلبًا أساسيًا في إضعاف إيران.

ثالثًا: دور الأطراف الفاعلة

في الصراع العربي الإسرائيلي دخلت العديد من الأطراف كوسيط في عملية السلام ومن بينها دول عربية مارست العديد من الضغوط على السلطة الفلسطينية، لإعادتها إلى طاولة المفاوضات التي توقفت جراء استمرار الكيان الإسرائيلي في بناء المستوطنات على أراضي الضفة الغربية.

1-الدور الإسرائيلي

لا يخفى على أحد أن الحراك الدبلوماسي الذي تقوم به إدارة ترامب من أجل تمرير مشروع القرن تقف وراءه إسرائيل التي نجحت في إقناع الولايات المتحدة في الضغط على مصر والسعودية والأردن لحل قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، القائم على استمرار سيطرة إسرائيل على مساحات ضخمة من الضفة الغربية، واعتمد كيان الاحتلال على مبدأ الأرض مقابل السلام، مستفيدًا من عامل الوقت في قضم الأراضي الفلسطينية على حساب حقوق الشعب الفلسطيني في حق العودة وتقرير المصير.

ويسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي وصل إلى السلطة عام 2009، إلى استغلال الظروف التي تمر بها المنطقة العربية ومخاوف بعضها من تنامي الخطر الإيراني، من أجل الصول إلى حالة من التحالف العربي الإسرائيلي وبالتالي تطبيع العلاقات بشكل كامل من أجل مواجهة ما يسمى بالخطر الإيراني. وعلى صعيد آخر استمر كيان الاحتلال ممارسة الضغوطات على الداخل الفلسطيني من خلال وضع العراقيل أمام أي محاولة لحل الصراع وشملت الضغوط شن حروب على قطاع غزة، ومصادقة الكنيسيت  الإسرائيلي على جعل مشروع القدس الموحدة عاصمة أبدية للشعب اليهودي[7] وأخيرًا قانون القومية اليهودية.

وعلى ضوء نص المشروع الإسرائيلي الذي كتبه مستشار الأمن القومي الإسرائيلي اجيورا أيلاند [8] فإن المكاسب التي ستحصل عليها كل من هذه الدول تُوضح لنا الأدوار المنوطة لها.

2_ الدور المصري

تملك مصر أوراق ضغط قوية على السلطة الفلسطينية، وخاصة على سكان قطاع غزة باعتبارها المنفذ الوحيد له، ومن خلال جملة المكاسب المصرية من صفقة القرن، يمكن استشراف مدى أثر هذه الأوراق إذا ما عزمت مصر على استخدامها.

إذا ما قبلت مصر التنازل عن مساحة 720كم2 في شبه جزيرة سيناء لصالح إسرائيل فإنها ستحصل مقابلها على مساحة مقدمة من إسرائيل في صحراء النقب، بالإضافة إلى أن تل أبيب ستسمح للقاهرة بشق نفق يربط بين مصر والأردن يبغ طوله 10كم2 ويخضع لسيادتها الكاملة كما ذكرنا سابقًا، وبذلك ستتخلص مصر من عقدة القطيعة الجغرافية بين البحر المتوسط شمالًا والبحر الأحمر جنوبًا، وستصبح حركة الملاحة البحرية بين مصر والأردن والسعودية والعراق، متاحة دون الحاجة لإذن من إسرائيل، وعليه ستجني مصر مكاسب اقتصادية هائلة من خلال حصولها على نصيبها من الجمارك والرسوم مقابل كل حركة تتم بين الأردن والعراق ودول الخليج في اتجاه ميناء غزة.

وبعيدًا عن الجزم فيما إذا كانت مصر تسعى لتحقيق هذه الأهداف أو لأبعد منها، فما كشفته وسائل الإعلام أكدت أن مصر كانت من بين الدول التي رحبت بجهود عملية السلام التي تقوم بها الإدارة الأمريكية وفق بيان صدر عن القاهرة بعد لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وكوشنر وغرينبلات[9]. وما يعزز أكثر الرأي القائل بانخراط الدور المصري في عملية القرن الأخيرة، ما تم كشفه بين عامي 2014- 2015م عن تسريبات نُسبت للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بعرضٍ قدمه للفلسطينيين مفاده تقديم مساحة تُقدر 1600كم2 من شبه جزيرة سيناء لإقامة حكم ذاتي لهم كبديل عن القدس لكن المحاولة باءت بالفشل بعد رفض الفلسطينيين آنذاك.

تسريبات أخرى كشفت عنها صحيفة نيويورك تايمز تشير إلى تسجيلات صوتية بين ضابط مخابرات مصري وإعلاميين، وبحسب التسجيلات فإنًّ ضابط المخابرات المصري قدم إملاءات للإعلاميين المصريين وطالبهم بترويج رواية السلطة المصرية بشأن إخلاء قبائل سيناء[10]. بحجة تعزيز دور مصر بمكافحة الإرهاب، وهي المنطقة نفسها التي تسعى إسرائيل للحصول عليها من مصر لتوطين الفلسطينيين.

3_الدور الأردني

أيضًا حسب رواية اجيورا أيلاند فإنًّ الأردن هو الرابح الأكبر من صفقة القرن فمنظومة الطرق والسكك الحديدة وأنبوب النفط، ستربط الميناء الدولي في غزة الكبرى عبر النفق المصري الأردني بدول الخليج، وعليه سيحصل الأردن على إطلالة على البحر المتوسط (ميناء غزة) ومن ثم يحقق ترابطًا مازال مقطوعًا مع غزة، إضافة إلى ذلك سيستفيد الأردن من الميزات الاقتصادية عبر حركة البضائع القادمة من أوروبا والمتجهة إلى العراق والخليج.

كما سيتخلص الأردن من المشكلة الديموغرافية داخل أراضيه، فنسبة كبيرة من سكانه من أصول فلسطينية وأعدادهم في تزايد مستمر ويحتاجون لفرص عمل، وبالنظر إلى وضع الأردن في 2018 فقد شهد منتصف حزيران/يونيو2018م موجة احتجاجات شعبية ومظاهرات مناهضة لقرار ضريبي على أسعار المحروقات والمشتقات النفطية، انتهت بإلغاء القرار من قبل الملك عبد الله الثاني[11]. لذا ففي اللحظة التي تقام بها غزة الكبرى والميناء والمطار ستنشأ فرص عمل كبيرة للفلسطينيين بعد أن تؤمن المملكة لهم سهولة الحركة والتنقل.

وأمام جملة المكاسب للمملكة الأردنية تبقى هي الأكثر ضررًا من أخطار وتداعيات الصفقة، على اعتبار أنها الوصية على الأماكن المقدسة في القدس وسكانها يمثلون أكثر من 70% من سكان فلسطين، الأمر الذي قد يقود إلى انفجار داخلي يخلط الأوراق السياسية والاقتصادية معًا إذا ما استطاع الداخل الفلسطيني إفشال تمرير الصفقة.

4_ الدور السعودي

تعتبر المملكة العربية السعودية الفاعل الأبرز في موضوع حل الصراع العربي الإسرائيلي، غير أنّ المملكة التي نعهدها اليوم بحكم الأمير محمد بن سلمان، هي غيرها التي شهدناها إبان حقبة الملك عبد الله بن عبد العزيز عندما طرح مبادرة السلام العربية صيف 2002م [12]، والتي نصت في أهم بنودها على انسحاب كيان الاحتلال الإسرائيلي من الأراضي العربية التي احتلها في 4 -يونيو/حزيران- 1967م، والتوصل لحل عادل لمشكلة اللاجئين وفقًا لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194.

وقد تراجع الاهتمام السعودي بالقضية الفلسطينية في العقد الأخير على وقع الاهتزازات التي تعرضت لها المملكة بعهد الأمير محمد بن سلمان، ويعود الأمر إلى سببين. الأول: دخول المملكة في حرب اليمن منذ عام 2015. الثاني: الأزمة الخليجية مع دولة قطر التي انعكست آثارها على الداخل السعودي، ما دفع محمد بن سلمان إلى القيام باستدارة جذرية لسياسات المملكة الداخلية والخارجية، بهدف الحفاظ على مركزية السعودية ضمن محور الشرق الأوسط كدولة إسلامية تحتضن أكبر رموز المقدسات الإسلامية.

ولتعزيز قدرة المملكة على مواجهات الارتدادات، استطاع الأمير بن سلمان تشكيل تحالفات عربية عُرفت بالتحالف العربي الإسلامي لمواجهة الإرهاب في عام 2015، بالإضافة إلى تحالف المملكة مع الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة خطر تمدد النفوذ الإيراني. وقد يُفسر سلوك المملكة الجديد بما يُعرف بالتقاء المصالح بين المملكة العربية السعودية واسرائيل، التي استثمرت بدورها ظروف المملكة ودفعتها للتقارب مع إدارة ترامب لممارسة دور فاعل في مشروع صفقة القرن. وقد كشفت العديد من وسائل الإعلام الغربية والعربية عن مدى التقارب والتنسيق الإسرائيلي الأمريكي السعودي لحل مسائل السلام والصراع في المنطقة، وسبق أن حصلت قناة العاشرة الإسرائيلية على وثيقة سرية وصفتها بغير المسبوقة صادرة عن الخارجية الإسرائيلية، تحث سفراء إسرائيل على دعم موقف السعودية في حربها في اليمن مقابل تعزيز جهود المملكة مع إسرائيل[13]. كما كشفت صحيفة ميدل إيست أي البريطانية تسريبات منسوبة لمحمد بن سلمان تُفيد بأنه مارس ضغوطات على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لقبوله الخطة التي تقوم عليها الإدارة الأمريكية، وأضافت أنه قيل للرئيس محمود عباس: إما أن توافق على هذه الشروط أو أن تستقيل من رئاسة السلطة في رام الله[14]. ومن خلال ما رشح عن المشهد السعودي يمكن استشراف المكاسب السعودية الموجزة في درء الخطر الإيراني عن حدود وأمن المملكة مقابل استجابتها للتوجهات الأمريكية في أفكار ومشاريع تصفية القضية الفلسطينية، والمتتبع لسياسيات المملكة وحجم المخاطر التي تواجهها يُدرك مدى حرصها على التوصل لسلام في قضية فلسطين.

5_الدور القطري

دخلت السياسية القطرية منعطفًا هامًا بعد أن فرضت أربعة دول خليجية، حصارًا سياسيًا واقتصاديًا عليها منذ مطلع أزمة الخليج الثانية في 23-مايو/أيار-2017م، وقد ترتب على دولة قطر انكفاء نحو الداخل لمواجهة الحصار المفروض، وتراجع نسبي في ملفات السياسية الخارجية المتعلقة بقضايا المنطقة العربية، واقتصر الحراك الدبلوماسي الخارجي في سعي قطر لعقد صفقات تسليح مع دول عديدة منها أمريكا وروسيا لتعزيز موقفها الدفاعي في وجه دول الحصار. وعلى أثر السجالات المتبادلة بين أطراف الأزمة، تم الزج بالقضية الفلسطينية في ساحة الأزمة الخليجية.

وقد رشح موقفين مختلفين متعلقين بقطر في صفقة القرن. الموقف الأول: في 2-يوليو/تموز 2018م، أكد السفير القطري محمد العمادي عن وجود وساطة قطرية بين إسرائيل وحركة حماس للتوصل إلى ما سماها صفقة بشأن الأوضاع الإنسانية في غزة [15] وأكد العمادي أن هذه الصفقة ليس لها أية صلة بما يُعرف بصفقة القرن، مشددًا على أن الدوحة لن تتدخل بخطة السلام الأمريكية في الشرق الأوسط، لكن هذا لم يمنع بعض الأطراف المعادية لسياسية قطر، أن تستثمر تصريحات العمادي وتربطها في دور سري قطري في تمرير صفقة القرن في تبرير مفاده أن دولة قطر تسعى إلى استمالة الموقف الأمريكي لصفها من أجل الحصول على دعمها في مواجهة سياسات دول الحصار.

الموقف الثاني: يتمخض عن دور قطري ثابت وواضح في ممارسة دور فعال مع الجانب الأمريكي لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، على أساس استعادة الشعب الفلسطيني كامل حقوقه في إطار حل الدولتين، في الإشارة هنا إلى فصل دولة قطر الملف الفلسطيني عن أي ملف آخر واعتباره قضية العرب الأولى.

رابعًا: الموقف الفلسطيني

مع أن السلطة الفلسطينية أعلنت توقف المفاوضات في 2014 على وقع تعنت كيان الاحتلال في استمرار بناء المستوطنات في الضفة الغربية، إلا أنها أبدت رغبتها في عودة المفاوضات، ومنذ بداية الحديث عن صفقة القرن ظهر من سلوك السلطة الفلسطينية توجهين. الأول: إظهار نوع من التماهي مع توجهات إدارة ترامب، واتخاذها موقفًا متشددًا تجاه حركة حماس وزيادة العقوبات الاقتصادية وقطع الرواتب عن أهالي قطاع غزة بهدف الضغط على حركة حماس، لقبولها تسليم القطاع للسلطة الفلسطينية. الثاني: إصراره على التوصل لحل للقضية الفلسطينية ضمن سياق قرارات الأمم المتحدة والعودة لمبدأ حل الدولتين. وفي ما يخص حركات المقاومة الإسلامية الفلسطينية فقد أعلنت حركة حماس رفضها الكامل لصفقة القرن، وأكدت على لسان رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية أنها ستقف سدًا منيعًا في وجهها، وأضاف أنه لا توجد أية قوة تستطيع أن تُرضخ الشعب الفلسطيني والحركة عن ثوابت الثورة[16]. وشدد هنية على أنه لا بديل عن فلسطين إلا للفلسطينيين أنفسهم، ولا تراجع عن حق العودة، معتبرًا أن أي حلول تعارض مواقف وتطلعات المقاومة لن يكتب لها النجاح.

و خلال ما ذكرنا في الموقف الفلسطيني في هذه الورقة، يمكن القول إن الشكل العام للموقف الفلسطيني وعلى الرغم من كل الانقسامات الداخلية، بين السلطة وحماس، وبين حماس وفتح، فالمعلن حتى اللحظة أن كل الأطراف الفلسطينية تتخذ موقفاَ رافضاَ لكل بنود صفقة القرن واعتبارها هدفًا إسرائيليًا يسعى لتصفية القضية الفلسطينية، والسعي إلى إفشالها بالاعتماد على مسار حركة التاريخ البطولي لأبناء المقاومة، ولعل مسيرات العودة التي انطلقت في 30- مارس/آذار-2018م وتأكيدها على حق العودة، من أبرز التحديات التي تقف في وجه صفقة القرن.

 خامسًا: معايير نجاح وفشل الصفقة

تحولت المنطقة العربية بعد موجة الثورات إلى مركز استقطاب حيوي عالمي يمرر من خلالها الغرب مشاريع قديمة أُعيد لها نفس الحياة من جديد، ما أدى إلى تراجع مراكزها الدولية، وانخفاض في مناعتها أمام مواجهة التدخلات الخارجية إلى أن وصل بها المطاف إلى أن تكون شريكة في المشاريع التي تهدف إلى تصفية قضاياها.

كما مثلّت هذه المتغيرات الدولية والصراعات الداخلية فرصة لعقد صفقة القرن، ودفعت بعض البلدان العربية لعقد تحالفات تضمن من خلالها بقاءها في الحكم. وعندما سئل الكاتب فهمي هويدي عن مصير هذه الصفقة، أجاب أنها مازالت في مرحلة التسخين التي تسبق الإعلان الرسمي، ذلك أن التمهيد لها يتم على مستويين، الأول: الاطمئنان إلى موافقة القيادات العربية على المبادرة بعد التعديل بما يستجيب مع المتطلبات الإسرائيلية، والثاني: الترويج لفكرة التحالف السني الإسرائيلي الذي يُقام تحت الرعاية الأمريكية لمواجهة خطر الإرهاب[17]. لكن هذا لا ينفي أن كل المتغيرات في الساحة العربية التي دفعت الغرب لاستثمارها، هي ذاتها قد تُساهم في إخفاقها لكثرة الأطراف الفاعلة وتناقض مصالحهم وأهدافهم.

وعن محددات فشل الصفقة فإنّ  الكثير من الأسئلة تطرح عن مدى إمكانية نجاح إدارة ترامب في إحلال السلام في الوقت الذي تكثر فيه عن الأهداف الكامنة وراء السلوك الظاهر عن الإدارة ذاتها.  وقد اعتبر الكاتب الفلسطيني طلال عوكل أن الإدارة الأمريكية هي الآن أضعف من أن تستطيع فرض سياساتها في المنطقة بعد التحولات التي حدثت في المنطقة، التي أنتجت صعود أقطاب جدد تنافس الولايات في منطقة الشرق الأوسط، مضيفًا أن الإدارة الأمريكية الجديدة لا تفقه شيئًا في السياسية ولا تمتلك القدرة إطلاقًا على تنفيذ سياسات مستحضرة من منطق الوهم[18].

في حين اعتبر الكاتب المصري محمد أبو سعدة في دراسة له تحت عنوان صفقة القرن قراءة في الأبعاد والمسارات[19]. أن إشكاليات عديدة تواجه صفقة القرن، منها الإشكالية السياسية التي يعاني منها كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول مصير مجهول أمام التهم الموجهة لهما في قضايا الفساد والرشوة.

ونوه أبو سعدة إلى وجود إشكالية متعلقة في  الموقف الفلسطيني، معتبرًا أي محاولة تهدف لتجاوز الأطراف الداخلية الفلسطينية وتهميش قطاع غزة وقضية القدس فهذا من شأنه أن يؤدي إلى إشعال فتيل حرب دموية تبدأ داخلية وتمتد إلى خارج المنطقة.

على صعيد آخر اعتقد الدبلوماسي والسياسي الأردني الدكتور مروان المعّشر بأن صفقة القرن ستفشل على اعتبار أن إدارة ترامب لا تملك الحد الأدنى من الخبرة والمعرفة الواقعية حول القضية الفلسطينية، إضافةً إلى موقفها العلني في دعم الكيان الإسرائيلي، وعدم قدرتها حتى على التعبير عن أي تعاطف إنساني مع الفلسطينيين، مضيفًا أن كامل أركان إدارة ترامب ابتداء من الرئيس إلى صهره جاريد كوشنر إلى سفير أمريكا في إسرائيل دافيد فريدمان، إلى ممثلة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة نيكي هايلي وغيرهم الكثير مغالون في دعمهم الأوحد للكيان الإسرائيلي، وأشار إذا كانت القضية المركزية لأمريكا مجابهة إيران فمن الصعب التصور أن عملًا جادًا ومقنعًا يجري العمل عليه لحل القضية الفلسطينية الإسرائيلية[20].

خاتمة

من خلال ما تم عرضه في ورقة البحث، بدءًا من جذر فكرة المشروع، وصولًا إلى استحداث مصطلح صفقة القرن ودور الأطراف الفاعلة يمكن ترجيح فشل الصفقة لعدة اعتبارات.

1_ تنطلق إدارة ترامب في ترويجها للمشروع من منطلق انحياز كامل لكيان الاحتلال، دون أي اعتبار لعامل التاريخ، الذي أثبت أن الشعب الفلسطيني يستطيع بعامل تراكم الخبرات والتجارب إفشال أي مشروع لا ينظر بعين الاعتبار إلى ركائز القضايا والمحددات الفلسطينية الثابتة في (حق العودة، ومسائل ترسيم الحدود والأمن، والسيادة والسلاح). وهي ثوابت وأساس جوهر الصراع التي تُحاول إدارة ترامب إخراجها من دائرة الحلول واستبدالها بقضايا اقتصادية إنسانية.

2_ تنطلق إدارة ترامب في حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من مقاربة مفادها، مقايضة متغّير عربي مستحدث مع ثوابت غير قابلة للمقايضة، والأسلوب المتبع هو لغة الجبر والإقصاء والتسوية والفرض، لا الحل على مبدأ حل الدولتين، وهذه أمور من شأنها أن تقود إلى اتساع دائرة الفوضى وليس الاستقرار كما يدعي ترامب بالأخص أن النهج المتبع هو القفز فوق أهم القوانين التي أقرها مجلس الأمن للقضية الفلسطينية والتي تنتظر التطبيق[21].

3_ غياب العامل الأبرز في إدارة ترامب وهو البعد المعرفي والجغرافي بالقضية الفلسطينية، وما يعزز هذا الطرح، مطلب الرئيس ترامب من مستشاريه إطلاعه على كامل ملفات القضية وأبعادها الإقليمية، ما يطرح تساؤل هنا عن مدى إمكانية هذه الإدارة في التوصل لحل شامل في قضية الصراع والسلام في الشرق الأوسط وسط غياب البعد المعرفي والتاريخي للقضية.

4- تحوير القضية من قضية سياسية إلى صفقة تجارية والغاية منها رغبة الرئيس دونالد ترامب الدخول  من أوسع أبواب التاريخ، وحصوله على جائزة نوبل للسلام، وهذا التفكير البراغماتي لن ينجح بالمطلق في حل قضية مركزية كالقضية الفلسطينية التي  كانت عصية على كل رؤساء الولايات المتحدة منذ 1948.

5_ عدم ضمان نجاح مبدأ التأثير العربي الذي يطمح له ترامب على الأطراف الفاعلة للقضية الفلسطينية، بل على العكس قد تظهر نتائج عكسية وردود أفعال غير متوقعة، في حال فقدان السيطرة والضبط على الأطراف الممارسة لسياسية المد والجزر كوسيلة للإقناع، سيما أن محرك عودة المسيرات والانتفاضة ضد الاحتلال استراتيجية فلسطينية نجحت في التأثير على الرأي العام ودعمتها بعض دول المنطقة.

6_ غياب الشرعية القانونية للصفقة والنظر إليها بعين واحدة، ومن زاوية ضيقة لا يمكن أن تحقق أي سلام في الشرق الأوسط، خصوصًا أنها قضية تمس العالم العربي والإسلامي ككل ولم تعد قضية خاصة بأبناء الأرض أنفسهم.

7_ غياب الواقعية السياسية في مسار الحلول بالأخص هدف الرضوخ للشروط الإسرائيلية التي تفرض الاعتراف بالدولة الإسرائيلية مبدأً لأي تسوية سياسية، والتنازل عن حدود ما قبل 1967، وفرض السيادة على القدس، وهي جميعها غايات تهدف إلى تصفية كاملة للقضية الفلسطينية.

8_إن غياب الأطر والرؤية الواضحة لإدارة ترامب، وانعدام الشخصية القيادية السياسية، وعدم الالتزام بمبدأ حل الدولتين يضع كامل الإدارة بدائرة الغموض والعجز عن تحقيق سلام دائم، وإن أفضل ما يمكن أن تحقق هذه الإدارة صفقة مؤقتة تستفيد من عامل الوقت لتحقيق مكاسب أخري على حساب رمزية القضية الفلسطينية.

أخيرًا وبالاستناد إلى تاريخ مسار المفاوضات للقضية الفلسطينية، يمكن استشراف فشل صفقة القرن، وبقاء القضية محورًا للتفاوض دون النظر إليها كعامل استقرار لإحلال السلام، وستبقى هكذا حتى تتهيأ الظروف الإقليمية والدولية والعربية التي تسمح ببدء مفاوضات تنطلق من أساس وجوهر الصراع وليس من هوامشه.

[1] https://bit.ly/2tUNbwT

نكبة جديدة..ترامب يعلن الاعتراف رسميا بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، القدس العربي، نشر بتاريخ 5/6/2017

[2] https://bit.ly/2zcSYTs

أوباما ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة، موقع قناة العالم، نشر بتاريخ 22/5/2011

[3] https://bit.ly/2tUW8q1

عريقات يكشف تفاصيل صفقة القرن الأمريكية (عرض وثيقة) وكالة الأناضول، نشر بتاريخ، 21/1/2018

[4] https://bit.ly/2MOLM1J

صفقة (القرن) الكبرى.. خطة أولمرت تعود للدوران، دنيا الوطن الفلسطيني، نشر بتاريخ/3/5/2017

[5] https://bit.ly/2u5JIKT

مقال: صفقة القرن.. هل ستمر؟! … د. محسن صالح- مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات-نشر،بتاريخ-25/1/2018

[6] https://bit.ly/2lVb56T

دراسة إسرائيلية: صفقة القرن تهدف لتحقيق استراتيجية الأمن القومي الأميركي، العربي الجديد، نشر بتاريخ- 18/يناير/2018م

[7] https://bit.ly/2KT2mge

الكنيست يصوت على مشروع قانون القدس الموحدة، شبكة عرب 48، نشر بتاريخ-1/1/2018م

[8] https://bit.ly/2J1WvDW

هذه هي تفاصيل صفقة القرن التي كثر الحديث عنها مؤخرًا .. إعادة تقسيم للمنطقة !، المختصر المفيد، نشر بتاريخ- 27/نوفمبر2017م

[9] https://bit.ly/2MSJyhI

السيسي يلتقي كوشنر بحضور شكري، الجزيرة، نشر بتاريخ-23/8/2017م

[10] https://bit.ly/2qHo8Os

بث مكالمات ضابط مصري مع إعلاميين للترويج لقرار ترمب، الجزيرة، نشر بتاريخ- 7/1/2018م

[11] https://bit.ly/2KOLxX7

إلغاء مشروع ضريبة الدخل… الهدف التالي في الأردن، العربي الجديد، نشر بتاريخ- 1 حزيران/ يونيو-2018م

[12] انظر للمزيد بنود مبادرة السلام العربي 2002، موقع فلسطين سؤال وجواب.

[13] https://bit.ly/2j4AoVP

وثيقة: إسرائيل تحث سفراءها على دعم السعودية، الجزيرة، نشر بتاريخ- 7/11/2017م

[14] https://bit.ly/2KFqjfd

بن سلمان لجأ لإقناع عباس بـصفقة القرن بعد تهديده، الميادين، نشر بتاريخ- 24/12/2017

[15]  https://bit.ly/2Jgjqv8

العمادي يؤكد وجود وساطة قطرية بين إسرائيل وحماس حول غزة، موقع عربي 21،نشر بتاريخ-2/يوليو/2018م

[16] https://bit.ly/2NxKx8o

إسماعيل هنية: هناك من يسعى لإتمام صفقة القرن بغطاء فلسطيني، موقع روسيا اليوم، نشر بتاريخ-5/7/2017م

[17]  https://bit.ly/2seUHzg

فهمي هويدي ، صفقة القرن تبرم بالتقسيط غير المريح، بوابة الشروق، نشر بتاريخ- 29/مايو/2017م

[18] https://bit.ly/2J0UPu8

طلال عوكل، ملامح فشل صفقة القرن، المركز الفلسطيني للإعلام، نشر بتاريخ- 17/فبراير/2018م

[19] https://bit.ly/2F91vFu

محمد أبو سعده، صفقة القرن قراءة في الأبعاد والمسارات، المعهد المصري للدراسات، نشر بتاريخ- 2/مارس/2018م

[20] http://ceip.org/2uaMoqY

مروان المعّشر، صفقة القرن الأمريكية، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، نشر بتاريخ- 22/نوفمبر 2017م

[21] https://bit.ly/2un8gzx

مجلس الأمن والقدس.. قرارات كثيرة بدون تطبيق، الجزيرة، نشر بتاريخ-18/12/2017م

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الرجاء الانتظار ..

النشرة البريدية

اشترك في القائمة البريدية لتبقى على اطلاع بأحدث الأخبار و الفعاليات
إغلاق
إغلاق