الاصداراتمشاهد

جائحة كورونا ومستقبل العلاقات الصينيّة الأمريكية

يستمرُّ الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وبعض مسؤولي البيت الأبيض في التلميح إلى مسؤولية الصين عن نشر فايروس كوفيد-19، باعتبارها لم تقم بتقديم المعلومات الكافية التي تتيح اتخاذ إجراءات وقائية لمنع تفشيه، بل ذهب الرئيس الأمريكي إلى أبعد من ذلك بتسمية الجائحة بـ(الفيروس الصيني). بدورها بكين تنفي صحة هذه المزاعم وتؤكد أنها قدمت كافة المعلومات التي لديها حول الفايروس منذ انتشاره في مدينة ووهان([1]).

التراشق الدبلوماسي حول أزمة كورونا، هو جزء من عدة ملفات شائكة بين البلدين، أهمها قضية بحر الصين الجنوبي، وتطبيق الاتفاق التجاري المبرم بينهما منذ أشهر، بالإضافة إلى قضية الإيغور، ونزع السلاح النووي في كوريا الشمالية، ومحاولة الصين لعب دور وساطة في أفغانستان أيضًا بين واشنطن وطالبان، عدا عن توسع النفوذ الصيني في الشرق الأوسط – إيران كمثال – والقارة الإفريقية تطبيقًا لاستراتيجية الحزام والطريق التي أطلقتها الصين عام 2013. والتي أصبحت منطلقًا للتوجهات الجيو- استراتيجية خارج حدود الصين ما وضعها في أزمة أو مواجهة غير مباشرة مع النفوذ الأمريكي في المنطقة.

وبدأ يدور الحديث حول قدرة الصين على التحول إلى دولة ذات هيمنة تستطيع أن تفرض إرادتها في قضايا دولية أمام سيادة القرار الأمريكي وحلفائه، خصوصًا بعد أزمة كورونا التي تؤثر بشكل سلبي على النظام العالمي ككل، وتهدد مصالح دول كبرى وتنذر بإعادة رسم خارطة التنافس الجيو-سياسي الدولية.

محدِّدات العلاقة الأمريكية الصينية

وفق التطور والانفتاح الاقتصادي الذي شهدته الصين منذ حوالي الثمانينات([2])، وقدرتها على فرض نفسها ضمن أكبر القوى الاقتصادية العالمية وتوجهها نحو تعزيز هذه الريادة بخطة الحزام والطريق المعلنة في 2013 وهي مستمدة من طريق الحرير التجاري في القرن التاسع عشر والذي ربط الصين ببقية دول العالم، وتهدف إلى توسيع التجارة العالمية من خلال إنشاء شبكات من الطرق والموانئ والمرافق الأخرى عبر بلدان عديدة في آسيا وإفريقيا وأوروبا([3])، وبدأت علاقاتها تتوتر بشكل متصاعد مع الولايات المتحدة منذ تطبيقها تلك الخطة بعدة قضايا أهمها:

1. الاتفاقية التجارية: مارست الولايات المتحدة الأمريكية ضغوطات اقتصادية هائلة على الصين للتوقيع على اتفاق تجاري – تاريخي بحسب ترمب([4])– وتمكنت عبر المفاوضات من التوصل إلى نص اتفاق – المرحلة الأولى- مطوّل يحدد الملامح الأساسية لطبيعة الشراكة الاقتصادية بين أكبر بلدين اقتصاديين في العالم، وفي حقيقة الأمر، لم يكن الاتفاق مرضيًا للصين بشكلٍ كافٍ، حيث تدرك أن الضغط الذي مارسته واشنطن عليها للقبول به، نابع من خشية أمريكية أو على الأقل محافظة أمريكية على صدارتها للاقتصاد العالمي، خصوصًا وأن بنود الاتفاق في كثير منها لم تكن تخدم المصالح الصينية إذ نص -على سبيل المثال- على خطة لشراء طائرات بوينغ الأمريكية، كما حدد كمية التبادل التجاري بين البلدين وهو ما يعتبر تقييدًا لحرية التجارة الدولية، وعليه فإن الولايات المتحدة كانت تدرك تمامًا أن النفوذ الجيو-اقتصادي الصيني المتنامي لا يجب أن يلحق بنظيره الأمريكي ضررًا في المستقبل لذلك كانت إحدى الأولويات الاستراتيجية للرئيس ترمب هي التوصل للاتفاق التجاري مع الصين([5]).

2. قضية الإيغور: في العام الماضي بدأت واشنطن برفع حدة خطابها الدبلوماسي المنتقد لسياسة بكين تجاه أقلية الإيغور في إقليم شينغيانغ، ونددت بكين بسياسة البيت الأبيض إزاء هذه القضية معتبرة أنها مواقف “سخيفة للغاية وتشكل تدخلًا وقحًا في الشؤون الداخلية الصينية. خصوصًا بعد مطالبة الولايات المتحدة بالإفراج الفوري عن المسلمين الإيغور المحتجزين في ما وصفها مخيمات اعتقال في الصين تُمارس فيها عمليات قمع وتعذيب واسعة بحق الأقلية المسلمة”([6]).

ولم يتوقف التصعيد ضمن الإطار الدبلوماسي فقط بل صادق مجلس الشيوخ الأميركي ومن بعده مجلس النواب في كانون الأول/ ديسمبر 2019، على قانون لممارسة مزيد من الضغوط على الصين في مسألة احتجاز الإيغور، ومطالبة الإدارة الأميركية بالتدقيق في عمليات توقيف جماعي طالت إيغوريين، وتكليف الاستخبارات الأميركية بإعداد تقرير في غضون ستة أشهر عن حملة القمع في إقليم شينغيانغ، كما يحض مشروع القانون على النظر في إمكانية فرض عقوبات على مسؤولين صينيين مشاركين عن هذه الممارسات([7]). ما يتيح لإدارة ترمب مزيدًا من الخيارات للتحرك ضد الصين على صعيد داخلي، أي أن أمريكا حاولت عبر تمرير هذا القانون كسب ورقة ضغط هامة لمواجهة طموحات بكين تتمثل في إمكانية التحرك على صعيد التوازنات الإثنية والعرقية في الداخل الصيني.

3. الوضع العسكري والأمني في بحر الصين الجنوبي: بين وقت وآخر تتصاعد أزمة بحر الصين الجنوبي الذي يمثل ملف خلافي محوري في طبيعة العلاقات الأمريكية الصينية؛ كونه لا يرتبط فقط بينهما بل بالدول المطلة على هذا البحر وهي الصين وفيتنام والفلبين وتايوان وماليزيا وبروناي وسنغافورة وإندونيسيا، والتي تتنازع السيادة على مناطق منه منذ عدة قرون، لكن الولايات المتحدة اتخذت موقف المواجه لما تعتبره مطامع غير قانونية صينية في هذه المنطقة، عدا عن اعتبارها نقطة أمنية وعسكرية مركزية لواشنطن قرب دولة فيتنام. وتدعي بكين بأن الواجهة البحرية كاملة تتبع لها وتدخل في نزاع مع الفلبين وتايوان حول شعاب منطقة (سكاريورو شول)، كما تخوض نزاعًا آخر حول المياه الواقعة غربي جزيرة (سبارتلي)، فيما تطالب أيضًا كل من تايوان وإندونيسيا بأحقيتها في السيادة على شرق (ناتونا)([8]).

وقد شهدت الآونة الأخيرة استفزازات عسكرية بين الصين وأمريكا، وتحديدًا في أواخر عام 2019، عندما أبحرت مدمرة تابعة للبحرية الأمريكية قرب جزر تطالب الصين بالسيادة عليها في أيلول/ سبتمبر الماضي. واعتبرت الصين أن إجراءات الولايات المتحدة تمثل تحديًا. وسبق ذلك إعراب الولايات المتحدة عن قلقها إزاء معلومات عن وجود تدخلات صينية في الأنشطة المرتبطة بالغاز والنفط في بحر الصين الجنوبي، خصوصًا في الجزء الذي تطالب به فيتنام. بالتالي فإن الوضع المعقد لهذا الملف يمكّن الولايات المتحدة من استثمار خلافات بقية الدول مع الصين لتهديد مصالح الأخيرة في البحر، وهو ما تعتبره الصين تهديدًا أمنيًا على استراتيجيتها الحزام والطريق([9]).

شكل رقم (1) المناطق المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي

مصدر الخريطة: موقع بي بي سي نقلًا عن CIA

4. صعود الصين في إفريقيا: “تنظر الصين إلى إفريقيا على أنها جزء من استراتيجية شاملة تسعى من خلالها إلى منافسة الجهود الأمريكية الرامية لتطويقها، وقد جاء بأحد بنود الكتاب الأبيض، بأن بكين تعمل على إنتاج نوع جديد من الشراكة الاستراتيجية مع إفريقيا، تقوم على مبدأ المساواة، والثقة المتبادلة، والربح المتبادل على المستوى الاقتصادي. وتسعى لتحقيق هذه الأهداف عبر استخدامها عدة أساليب وأدوات ناعمة وصلبة لما بات يُعرف بالقوة الذكية، لذلك فإن الأهداف الصينية في إفريقيا ليست مقتصرة على تحقيق أهداف اقتصادية فحسب، بل هي تتسع لتشمل أهداف استراتيجية وجيوسياسية وعسكرية”([10]). وتشكل أدواتها العسكرية والإعلامية وبنك المساعدة المالية غير المشروط سياسيًا وصفقات المشاريع والاستثمارات والتبادلات التجارية في القارة الإفريقية جميعها، حزمة واحدة لتحقيق معادلة التوازن التكاملي والذي يتحقق باقتران دبلوماسية الاقتصاد بالسياسة والعسكرة والأمن من داخل الصين إلى مناطق توسعها الحيوي خارج حدودها بما يتناسب مع تطلعاتها للمنافسة على سيادة القرار العالمي، وهذا الأمر من وجهة نظر الغرب (أمريكا والاتحاد الأوروبي) يشكل عامل خطر متصاعد على المستقبل الاستراتيجي للقارة الإفريقية كبديل اقتصادي حيوي للمنتجات الصناعية والمواد الغذائية الذي تُعتبر الصين رائدته الآن، لذلك فإن الولايات المتحدة وحلفاؤها -الأوروبيون- سيعملون على عدم إتاحة وصول بكين إلى الأسبقية في بناء نفوذها في تلك القارة خصوصًا بعد توجه الأخيرة إلى تعزيز المصالح الجيو-اقتصادية هناك بوجود نقطة دعم عسكري تمثلت بإنشاء أول قاعدة عسكرية صينية خارج حدودها في دولة جيبوتي عام 2017([11]).

شكل رقم (2) يوضح حجم الاستثمارات الصينية في إفريقيا

مصدر الخريطة: موقع سكاي نيوز نقلًا عن معهد المؤسسات الأمريكية

5. الصين في الخليج العربي: تحاول الصين الدخول بقوة ونسج علاقات تسعى لإيصالها نحو مستوى استراتيجي مع دول الخليج العربي التي تعد مصدرًا رئيسيًا لموارد الطاقة التي تحتاجها الصين لتطوير منشآتها الصناعية واقتصادها -على سبيل المثال- وقد قام الرئيس الصيني عام 2018 بزيارة رسمية إلى الإمارات العربية المتحدة ووقع 13 اتفاقية تعاون بين البلدين في مجالات الطاقة والتجارة الإلكترونية والزراعة والثروة الحيوانية والسمكية، إضافة للتعاون الاقتصادي في إطار مبادرة الحزام والطريق. وأيضًا في ذات العام أعلنت الصين والمملكة العربية السعودية بإطلاق مشاريع بقيمة 225 مليار ريال سعودي تشمل البنى التحتية وقطاع المعلومات، وتهدف أن تكون السعودية محطة رئيسية في مبادرة الحزام والطريق الصينية، وفق رؤية السعودية 2030([12]). وعليه فإن سلوك الصين لبناء علاقات قوية مع دول الخليج العربي يقلق الولايات المتحدة التي تعتبر هذه المنطقة نقطة ارتكاز أمني وعسكري واقتصادي لاستراتيجيتها وسياساتها في الشرق الأوسط.

مستقبل العلاقات لا يبدو أن الولايات المتحدة بقيادة ترمب تتجه إلى تخفيف وطأة التوتر مع بكين في الوقت الحالي، وستستمر في ممارسة سياسة الضغط عليها بعدة ملفات آخرها جائحة كورونا، حيث قدم الحزب الجمهوري مقترح تشريع يسمح للأميريكيين بمقاضاة الصين في المحكمة الفيدرالية للحصول على تعويضات الوفاة والإصابة والضرر الاقتصادي الناجم عن الفايروس([13]). وعلى وجه التحديد، سيعدل مشروع القانون قانون الحصانات السيادية الأجنبية لإيجاد استثناء لمحاسبة الصين. كما نوه الرئيس الأمريكي إلى أن بلاده تجري تحقيقات كثيرة حول مسؤولية الصين عن تصنيع الفايروس وانتشاره([14]). وهذا الموقف يشير بشكل أو بآخر إلى إصرار الولايات المتحدة على تحجيم أو تحديد النفوذ الصيني المتنامي في العالم ضمن أطر عدم التعارض مع مصالح واشنطن وحلفائها وقد تكون أولى تلك الآليات والإجراءات سن عقوبات أو التلويح بها على الأقل ضد مسؤولين صينيين بارزين، بهدف الحد من النشاط الدبلوماسي لبكين خارج حدودها من جهة، ولتوجيه ضربات اقتصادية أو مثبطات لنشاطها الاقتصادي من جهة أخرى. وعليه فإن حدود المواجهة لن تقف عند حد معين إذا ما تمكنت الصين تفعيل هامش المناورة وامتلاك أوراق ضغط جديدة تؤهلها من المنافسة على الدخول ضمن دائرة القوى العالمية الأكثر تأثيرًا في منحى الاستراتيجيات الدولية.


([1]) “فيروس كورونا: ترامب يحذر الصين من العواقب إذا كانت مسؤولة عن الوباء”. بي بي سي، 19-4-2020. https://bbc.in/2KEHpHL

     “الصين: لسنا عدو أمريكا في معركة كورونا والتشويه لن يُعيد الموتى”. سي إن إن، 20-4-2020. https://cnn.it/2YaccUP

([2]) “التجربة الاقتصادية الصِّينيَّة (قراءة في مراحل الصعود والمآلات)”. برق للسياسات، 19-3-2020. https://bit.ly/2XYTVcE

([3]) “المشهد السوري: استراتيجية النفاذ (التوجه الصيني إلى المتوسط عبر سوريّة)”. برق للسياسات، 2-9-2019. https://bit.ly/2yH53Aj

([4]) “كل ما تحتاج معرفته عن اتفاق التجارة الأميركي الصيني.. من انتصر في الحرب؟”. الجزيرة نت، 16-1-2020. https://bit.ly/3auZJNY

([5]) Read full text “ECONOMIC AND TRADE AGREEMENT BETWEEN THE GOVERNMENT OF THE UNITED STATES OF AMERICA AND THE GOVERNMENT OF THE PEOPLE’S REPUBLIC OF CHINA”. Public Broadcasting Service, 16-1-2020. https://bit.ly/2VJWHzK

([6]) “حرب كلامية صينية أمريكية بسبب المسلمين الأويغور”. DW، 28-3-2019. https://bit.ly/2KoLqjl

([7]) “النواب الأمريكي يقر مشروع قانون لمعاقبة الصين بسبب اضطهادها للإيغور، وبكين ترد”. عربي بوست، 4-12-2020. https://bit.ly/34Zr6yq

     “مجلس الشيوخ الأميركي يتحرك ضد الصين بسبب الإيغور”. العربية نت، 13-9-2019. https://bit.ly/2XWhsLu

([8]) “ما هو أساس الخلاف حول بحر الصين الجنوبي ؟”. بي بي سي، 12-7-2016. https://bbc.in/2KqinM2

     “حقائق سريعة: ما قصة “بحر الصين الجنوبي”؟ ولماذا يتم التنازع عليه؟”. سي إن إن، 17-2-2016. https://cnn.it/3axx7Ue

     محمد مهدي عبد النبي، “بحر الصين الجنوبي.. قنبلة موقوتة تنذر بحرب عالمية جديدة”. مدونات الجزيرة، 22-1-2019. https://bit.ly/2VsNkpo

([9]) “النزاع في بحر الصين الجنوبي يفرض التنسيق الأمني بين دول آسيان”. الأناضول، 23-10-2019. https://bit.ly/2XV0ZHr

     “قلق أمريكي من تدخلات بكين في بحر الصين الجنوبي”. الأناضول، 21-7-2019. https://bit.ly/2S1BvEy

     “الصين تحث أمريكا على “الكف عن استعراض العضلات” في بحر الصين الجنوبي”. رويترز، 18-11-2019. https://bit.ly/2VwmA7C

([10]) “صعود الصين في إفريقيا الاستراتيجيات المُتبَّعة والأهداف”. برق للسياسات، 24-2-2020. https://bit.ly/2x2dhTp

([11]) “إعادة النظر في الصراع مع الصين: احتمالات، ونتائج، واستراتيجيات الردع”. مؤسسة راند، 2017. https://bit.ly/2zpWsTd

([12]) “خارطة النفوذ الصيني في المنطقة العربية إلى أين؟”. منتدى السياسات العربية، 3-3-2020. https://bit.ly/3bEHKWs

([13]) “مشروع أميركي لمقاضاة الصين ورسالة لترمب لمحاكمتها دوليا”. العربية نت، 17-4-2020. https://bit.ly/3auWS7I

([14]) “ترمب: نحاول تحديد ما إذا كان «كورونا» خرج من مختبر في الصين”. الشرق الأوسط، 18-4-2020. https://bit.ly/3cEEiLz

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق