الاصداراتالدراسات الاستراتيجية

تكتيكات إيرانية في استراتيجيات الفوضى السورية

مقدمة

منذ أوائل أيار/ مايو الماضي ظهر خطاب جديد داخل الأوساط الإسرائيلية يتحدّث عن نجاح تل أبيب في مواجهة نفوذ إيران في سوريا، ونقله من مرحلة الاحتواء إلى الطرد الكامل، وقد عزز وزير الدفاع الإسرائيلي نفتالي بينيت ما صدر عن بعض وسائل إعلام إسرائيلية بقوله: إنَّ إيران لا شأن لها في سورية وهي اليوم أصبحت عبئًا حتى على النظام السوري. وقد تزامن سيل التصريحات الإسرائيلية مع ارتفاع وتيرة الضربات العسكرية داخل سورية استهدفت مؤخرًا نقاط تمركز لمليشيات تدعمها إيران في مدن دير الزور والميادين والبوكمال ومركز البحوث العلمية في حلب ومنطقة السفيرة.[1]

وبنفس السياق مارست الولايات المتحدة بقوة الدبلوماسية الضغط على النظام الإيراني، وطالبت عبر مبعوثها الخاص إلى سورية جيمس جيفري، خروج كامل القوات الأجنبية من سورية بهدف إفساح المجال للتسوية السياسية، وتوسط الموقفين غض طرف روسي عن تصعيد اللهجة تجاه إيران على الصعيد السياسي والعسكري. لكن صمتها لم يكن نابعًا عن تسليم تام لما يُروج عن خروج إيران من سورية، بل تُعد موسكو الضابط الرئيس لهذه المتغيرات بهدف توظفيها لما يخدم تطلعاتها في المنطقة.

رغم كل هذا الزخم إلا أنّ ما يُشاع  عن تحول جذري تجاه إيران لا يُعد إلا محاولة  استثمار دولية في بعض المتغيرات الطارئة على المنطقة لتحقيق بنك أهداف بعضها متعلق بسياسات داخلية لتلك الدول وأخرى خارجية تخص عموم المنطقة ومثلث سورية لبنان العراق، حيث تحاول بعض الفواعل الدولية المنخرطة في سورية ضمان تثبيت مصالحها بعدما شهدت الساحة السورية متغيرات جديدة متعلقة في بنية النظام السوري وتصدع شرعتيه السياسية وانعكاسها على تموضع الفاعلين في مناطق النفوذ، إضافة إلى استغلال بعض الانتكاسات التي أصابت النظام الدولي من جراء ما بات يُعرف بجائحة كوفيد – 19.

ومن خلال هذه المعطيات تُحاول بعض الدول إظهار أن تغيرًا قد طرأ على استراتيجيتها في سورية، خاصةً تجاه إيران محاولين تثبيت فكرة تصدع النظام الإيراني وتراجع دوره في المنطقة في ظل تعايشه مع أزمات داخلية وخارجية حسب قولهم قادته مؤخرًا إلى تنفيذ انسحابات من سورية.[2] لكن شيئًا من ذلك بالمعنى الاستراتيجي لم يحدث، فصحيح أن النظام الإيراني يعيش واقعًا مرتبكًا على الصعيد المحلي، إلا أن سياسته الخارجية لم تمر بعد بمرحلة انكماش من الأطراف إلى المركز، وإنما أقدم النظام الإيراني بعد مقتل قاسم سليماني على إدخال بعض المتغيرات على السياسة الخارجية دون أن يقود ذلك لتحول استراتيجي ينعكس سلبًا على مشروعه التوسعي والإقليمي في المنطقة أو الوصول لخسارته، وتهدف إيران من وراء هذه المتغيرات تحقيق موائمة مع كامل المناخ في المنطقة، والسعي إلى تحقيق حد أقصى من المصالح الجيوسياسية والاقتصادية، ولتحقيق ذلك قد تضّطر في نهاية المطاف للتفاوض مع القوى الدولية على شكل تموضعها العسكري في المنطقة دون خسارة نفوذها الأمني والاقتصادي والسياسي.

تُناقش الورقة السلوك الخارجي لإيران في سورية مع مراعاة أدوار بعض الفاعلين المؤثرين على النفوذ الإيراني، وعليه سنعتمد افتراضات النظرية السياسية للمدرسة الواقعية في تحليل الظاهرة وفق منهاج البحث العلمي الوصفي والتحليلي.

مرتكزات سياسة إيران في سورية

شكلت الاحتجاجات التي انطلقت في سورية 2011، فرصة سانحة أمام صناع القرار في إيران لتأطير وبلورة سياستهم الخارجية تجاه سورية بهدف ربطها بمشروعها التوسعي في المنطقة، وقد استخدمت العديد من الوسائل والأساليب من أشكال القوة لتحقيق هدفها الاستراتيجي في الوصول لضفة البحر المتوسط وفرض نفسها كمنافس نفطي قوي أمام اللاعبين في السوق الأوروبية.

 وبموجب هذه التوجهات الكلية انطلقت إيران في تطبيق سياساتها مستغلةً عدة عوامل تم تهيئتها في فرض وجودها داخل لعبة التحالفات التي تشكلت في سورية طيلة سنوات الصراع، منها شكل التحالف مع النظام السوري والذي تعود جذوره للأب حافظ الأسد[3]، وأخرى متعلقة بمصالح دول الغرب كإسرائيل والولايات المتحدة اللتان رغبتا بشكل أو بآخر في إيصال سورية لتصير دولة فاشلة مدمَّرة على حساب ضمان الأمن القومي الإسرائيلي وتعزيز مساحة عمقه الأمني لما بعد جبهة الجولان.

وانطلاقًا من أهمية هذه المصلحة العليا شهدت سورية في بداية الاحتجاجات شكلاً من تلاقي المصالح، ممّا مهد الطريق أمام إيران للتوغل في العمق السوري دون أي اعتراضٍ، واستندت إيران لعدة مرتكزات استطاعت من خلالها بناء نفوذ استراتيجي في سورية بشكل لم يعد بالإمكان الحديث عن إنهائه وإعادته لمعادلة صفرية. ويمكن التثبّت من صحة هذه النتيجة من خلال محاولة فهم كيفية صناعة هذا النفوذ، انطلاقًا من فهم واقعي لتوجهات النظام الإيراني الخارجية.

من الأهمية التطرّق لفهم بنية النظام في إيران لمعرفة توجهاته والتي ينُم عنها توضيح سلوكها الخارجي، وبإيجاز يمكن القول أن النظام في الجمهورية الإيرانية هو نظام داخل نظام أو دولة يوازيها دولة موازية، وقد تم الوصول لهذا الشكل بعد الانقلاب على النظام الخميني في 1979.

وبهذا النموذج حاولت إيران إنشاء نظام خاص بها قائم على أساس المزج بين السلطة والمصلحة، وحاولت محاكاة الغرب في تبنيها لمبادئ ديمقراطية عبر ادعاء أنها تمتلك تعددية حزبية سياسية يُعرف اليوم بتيار إصلاحي ومتشدد إلى جانب الإيماء باستقلالية مجلس البرلمان، لكن بالنظر إلى جوهر وفعالية هذه المؤسسات يتضح أنها مُقيّدة على حساب تفرد سلطة مركزية محصورة بيد تيار متشدد يرأسه مرشد الثوة علي خامنئي، ومن خلاله أصبح تياره وذراعه الخارجي الذي شكله في حقبة الثمانينات ( الحرس الثوري – فيلق القدس) الصانع الأوحد لسياسات الدولة الخارجية وتوجيهها في خانة الحفاظ على النظام وأمنه القومي.

ووفقًا لرواد المدرسة الواقعية فإن مفهوم القوة هو المرتكز الأساسي للحفاظ على أمن الدولة ومن خلاله تحدد الدولة سلوكها في التعامل مع النظام الدولي والذي حسب الواقعية هو نظام فوضى تغيب عنه سلطة مركزية، ومن هذا المنطلق عندما تشعر الدولة بعدم الأمن فهي تلجأ إلى تعزيز قدراتها الذاتية أي الذهاب نحو التسلّح العسكري وبناء تحالفات على أساس أن تقوية أحد الأطراف تعني إضعاف الآخر.[4]

تصلح هذه النظرية في تفسير حالة السلوك الإيراني تجاه سورية لا سيما أنها تُولي أهمية عليا للأمن القومي والقوة العسكرية، فإيران رأت في الحفاظ على النظام السوري مصلحة عليا ترتبط بحفظ الأمن القومي في إيران ومن خلاله يمكن أيضًا ضمان مصالحها القومية والإقليمية في كامل المنطقة كون سورية هي بمثابة حلقة وصل لمشروع مثلث بيروت – دمشق- بغداد.

وعبر مبدأ فرض القوة وتخفيف التهديد كانت إيران من أولى الدول التي ساندت النظام السوري، وحرصت في بادئ الأمر أن يكون شكل تدخلها غير مباشر عبر إرسال وفود استشارية، ولم يظهر تدخلها المباشر إلا في العام 2013، حيث اضطرت لإبراز القوة العسكرية وإيفاد المليشيات عندما تعاظم التهديد على أمن وشرعية النظام السوري.

تغيّر المشهد في العام 2015 أي بعد التدخل الروسي حيث تحولت الساحة السورية إلى جغرافية تحالفات جيوسياسية، الأمر الذي دفع بالنظام الإيراني الاعتماد على نظرية “توازن القوى”[5]، وحسب الواقعيين فإن مبدأ هذه النظرية يعتمد على منع وصول دولة ما للهيمنة الكلية.

 من هنا رأت إيران ضرورة نسج تحالف مصلحي مع موسكو لتحقيق توازن في القوى، لأنها تُدرك أن ترك الساحة لروسيا يعني عودة المُهددات الأمنية على مصالحها القومية، وقد قاد هذا التحالف تدريجيًا إلى تحالف ثلاثي ضُم إليه تركيا كطرف فاعل في الملف السوري، وبالتالي نجحت إيران في فرض نفسها كفاعل مؤثر غير منعزل أمام قوى أخرى غربية تقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون.

أشكال التدخل (بناء استراتيجيات النفوذ)

يعتقد أحد منظري الواقعية كنيث والتر بأنَّ مفهوم القوة في الدولة لا يمكن حصره بالبعد العسكري، بل هناك أشكال أخرى يمكن اعتبارها عناصر قوة كعدد السكان والموقع الجغرافي والموارد الاقتصادية مضيفًا أن الجمع بين قوتين أو ثلاثة يقود إلى ما بات يطرح في الساحة الدولية بمفهوم القوة الحادة أو الناعمة.

وبالنظر إلى استراتيجية إيران نرى أنها نوّعت بين القوة الصلبة والناعمة في تدخلها  في سورية فعسكريًا وصل دعمها العسكري إلى حد الارتباط العضوي بين المليشيات المدعومة منها مع قوات النظام السوري، وتعاظم تدريجيًا على أيدي قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني، حيث أشرف على هندسة تنامي النفوذ العسكري داخل مناطق في سورية أصبحت حيوية على طول الممر البري الممتد من مدينة البوكمال ودير الزور مررواً بمناطق شمال ووسط سورية ومنه إلى ريف العاصمة دمشق والحدود اللبنانية، وبالإضافة لخارطة الانتشار ونقاط التموضع أنشأت قاعدتين ثابتتين واحدة في مدينة الكسوة السورية تم الإعلان عنها 2017.

المصدر: نقلًا عن هيئة الإذاعية البريطانية BBC[6]

والثانية في مدينة البوكمال الحدودية مع العراق تُسمى قاعدة الإمام علي ورغم تعرضها لأكثر من هجوم جوي إلا أنَّ بعض الجهات اتهمت إيران بتطوير القاعدة عبر إنشاء نفق يستخدم لتخزين الأسلحة.

المصدر: ImageSat Intl

وباستثناء هاتين القاعدتين لا يوجد قواعد أخرى وإنما هي نقاط تمركز بعضها لوجستي وأخرى مساندة تتمركز داخل قواعد عسكرية وجوية تابعة للنظام للسوري.

وعلى صعيد آخر لجأت إيران إلى استخدام قوة ناعمة اقتصادية هدفت من ورائها إلى تكريس نفوذها وتموضعها داخل الاقتصاد السوري ومحاولة التحكم به، فمع ترنّح اقتصاد الأخير من جراء استمرار الحرب والعقوبات الاقتصادية المفروضة عليه من قبل الولايات المتحدة، منحت إيران النظام السوري تسهيلات مالية تضمنت قروض ومساعدات مالية، مقابل حصولها على عقود وامتيازات في قطاعات التجارة والصناعة والنفط والقطاع الخدمي واللوجستي ومجال إعادة الإعمار.[7]

ورغم فعالية الأداة الاقتصادية الإيرانية في سورية، إلا أنها لم تكن بمعزل عن قوة التأثير الثقافية والأيديولوجيا، والتي تعد إحدى أهم أوجه القوة الناعمة التي اعتمد عليها النظام الإيراني في تكريس حضوره في المنطقة، والتي تضمنت إنشاء مراكز تشيع مذهبي، وسيطرة على الأماكن الدينية وجعلها بوصلة للحجاج الإيرانيين، وإنشاء الحوزات التعليمية التي يُوكل لها نشر فكر المذهب الاثني عشري، إضافة إلى أمور كثيرة تستخدم في هذه القوة لتسهيل تحقيق أهداف الدولة السياسية والاقتصادية.[8]

وبالنظر إلى أشكال هذه القوى ومدى أثرها وارتباطها الحيوي مع مصلحة النظام في إيران، يتضح أنّ مسألة طردها من سورية تكاد تكون مستحيلة مع التنويه أن كل هذا النفوذ حدث على مرأى ومسمع العالم الغربي ولم يُجابه بأي عدوان على الصعيد الاستراتيجي، بل تعاملت الدول كإسرائيل والولايات المتحدة معه بمقاربات أمنية لحماية أمنها القومي ومصالحها في كامل المنطقة دون حصره في سورية، فإسرائيل ومنذ اندلاع 2011، وضعت خطوط حمراء على جميع الفواعل المحلية والدولية والإقليمية المنخرطة في الصراع ولعل أهمها منع تحويل سورية من قبل إيران أو حزب الله لمنصة إطلاق ضدها، وفرض فيتو على وصول تقنيات متطورة إلى حزب الله عن طريق سورية قادمة من إيران[9]، ولأجل ذلك أصبحت إسرائيل ولا زالت تُنفذ غارات جوية داخل سورية على أي مكان أو موقع ترى فيه مصدر خطر أو تهديد على أمنها القومي، دون أن يقودها ذلك للانزلاق بحرب مباشرة مع أحد الأطراف، ولا تزال تتّبع نفس الاستراتيجية في ردع وإحباط أي خطر قبل ظهوره، بالتالي بما أنها قادرة على احتواء نفوذ إيران في سورية وضبطه ومحاولة توظيفه لخدمة تطلعاتها الداخلية والخارجية كما تفعل ذلك منذ عقود مع حزب الله اللبناني في الجبهة الجنوبية، فهي ليست بحاجة إلى شن حرب شاملة ضد النظام الإيراني.

وبالتوازي مع هذا النهج وبشكل مُشابه تتبّع الولايات المتحدة مقاربة أمنية ضد نفوذ إيران في مثلث لبنان سورية العراق بهدف ضبطه وتحديد شكل تموضعه المستقبلي في المنطقة، وتستخدم في سبيل ذلك أساليب من القوة الناعمة كممارسة الضغط الاقتصادي والدبلوماسي على النظام في إيران بهدف جره لطاولة التفاوض من جديد. ومع هذه الثوابت يبقى التساؤل عن الجديد الذي ظهر مؤخرًا بشكل أصبح موضوع خروج إيران الشغل الشاغل للرأي العام لا سيما داخل الأوساط الإسرائيلية، إلى جانب الأخذ بالاعتبار أدوار بقية الفاعلين المعنين بموضوع دور إيران في المنطقة كروسيا والولايات المتحدة وتركيا.

إيران متغيرات على السلوك الخارجي وتكتيك جديد  

توجد عدة متغيرات حدثت في المنطقة منذ أواخر العام 2019 وحتى الربع الأول من العام 2020، انعكست بشكل مباشر على مسار الصراع السوري ودور تموضع الفاعلين فيه، بما فيها إيران والتي كان لها الحيز الأكبر من جهة وضعها تحت ضغط وتأثير دولي بسبب تراكم أزماتها الداخلية والخارجية.

 وهو ما قاد بعض الجهات إلى محاولة توصيف المشهد على أنه بداية مرحلة حرب دموية ضد إيران، وتم تضخيم الأمر عبر وسائل إعلام غربية وعربية بدأت تتحدث عن انسحاب إيران من سورية دون التمييز بينها وبين بعض المليشيات التي بدأت تتفكك بموافقة إيرانية وبتعاون وبتنسيق روسي، لعدة أسباب مرتبطة بمُدخلات إيرانية جديدة على سياستها الخارجية التي بدأت تأخذ شكلًا جديدًا بعد اغتيال قاسم سليماني والذي أحدث غيابه فراغ أمني وسياسي يتعدّى جغرافية المنطقة الحيوية لإيران.

 مما دفعها إلى محاولة احتواء الموقف ومواءمة المتغيرات خارج نطاقها الحيوي، بهدف الحفاظ على مصالها الاستراتيجية ولعل أهم أوجه الموائمة التي تستخدمها هو تأمين مصالح ثابتة ربحية مقابل تنازلات ثانوية للقوى الأخرى. ومن هذه المعطيات يمكن الوقوف عند بعض هذه المتغيرات الجديدة والتي دفعت إيران في نهاية المطاف إلى إنتاج نهج خارجي جديد للحفاظ على مكانتها في معادلات توزان القوى إضافة إلى حرصها على جني ثمار تدخلها في المنطقة وعدم التفريط بها. وعليه يمكن الحديث عن المتغيرات بمستويين الأول متعلق بإيران، والثاني متعلق ببعض الأطراف الدولية الفاعلة في سورية.

إيران، تغيرات على مستوى القيادة

شهد مطلع العام الحالي انتكاسات حادة داخل إيران كان أبرزها تنامي التحديات الأمنية التي تعاظمت بعد اغتيال قاسم سليماني، وأزمات الاقتصاد ومشاكل التجارة الحرة، والشرخ المجتمعي المتعاظم على خلفية انتشار وباء كورونا، وقد شكلت كل هذه الأزمات مجتمعة مهددات على مستقبل الطموحات الخارجية لإيران، مما دفع صناع القرار إلى إعادة النظر في السلوك والتوجهات الخارجية، لا سيما أن النطاق الحيوي لإيران في سورية ولبنان والعراق أصبح مهدد بخروجه عن مرحلة الاحتواء والسيطرة بعد موجة الاحتجاجات الأخيرة.[10]

ومن أجل الحفاظ على المشروع الاستراتيجي الإيراني، تم اجراء تغيرات استراتيجية على السلوك الخارجي، بحيث تم التحول من فكرة المركزية في القيادة إلى لا مركزية تسمح بإعطاء هامش من المناورة والصلاحيات لأذرع إيران في المنطقة.[11]

وقد حُمّل قائد فيلق القدس الجديد إسماعيل قاآني مسؤولية ترتيب النسق الجديد، في المثلث الحيوي بغداد – بيروت- دمشق، بحيث تم الانتقال من استراتيجية الدفاع والاحتواء التي كانت بارزة في حقبة قاسم سليماني، إلى استراتيجية المواءمة والتي تنم عن تقديم طهران بعض التنازلات مقابل الحفاظ على مصالحها.

 وما يعزز هذا الطرح بروز لهجة جديدة من قبل المرشد علي خامنئي حيث قال عبر صفحته الشخصية “تويتر”  في 9- مايو الماضي “أن الإمام حسن المجتبى، أشجع شخص في تاريخ الإسلام. فهو استعد للتضحية بنفسه وباسمه بين أصحابه والمقربين، في سبيل المصلحة الحقيقية، فخضع للصلح، كي يتمكن من صون الإسلام وحماية القرآن وتوجيه الأجيال القادمة في التاريخ إلى وقتها”.[12] وقد فُهم من هذا التغريدة أنها تمهيد بالعودة إلى مسار الصلح مع خصوم الجمهورية.

 وبناء عليه شهدت الساحة العراقية تفاعلات جديدة بين قيادات الحشد الشعبي مع الحكومة الجديدة فتشكيل حكومة الكاظمي، الذي كانت ترفضه إيران، واتُّهم في مرحلة من المراحل بأنه من الضالعين باغتيال قاسم سليماني، ليست أمراً عارضًا. بل هي تشير إلى حجم التنازل الإيراني، خصوصاً وأن الكاظمي اتخذ سريعاً قرارات أمنية وعسكرية مخالفة للتوجهات الإيرانية. كإعادة اللواء عبد الوهاب الساعدي وترقيته، والإفراج عن بعض معتقلي الاحتجاجات.

وفي سورية وبخلاف ما تم الترويج له عن بدء إيران تنفيذ انسحابات تدريجية، فإن المعلومات تشير إلى قيام إيران بتنفيذ تكتيكات على الصعيد الأمني والعسكري، فعلي سبيل الذكر لا الحصر وحسب مصادر موثوقة فإن “لواء فاطميون” قد أخلى مواقعه مؤخرًا من منطقة البوكمال، وخاصة بلدة العباس، حيث يوجد مقره الرئيسي، لكنه انتقل إلى البادية السورية ليعيد تمركزه قرب مدينة تدمر، ولم ينسحب إلى العراق.[13]

كذلك حدثت عمليات استلام وتسليم لبعض النقاط والحواجز تابعة لإيران في دير الزور تمت بإشراف وتنسيق روسي، بالإضافة إلى استبدال بعض العناصر الأجنبية بقوات محلية سوية أصبحت تُقدم ولاءها لإيران.

وقد هدفت إيران من وراء هذه المناورات تحقيق عدة أهداف كما يلي:

_ تخفيف التكاليف المالية من رواتب ومنح مالية كانت تدفعها لمليشيات أصبحت تُشكل عبئا عليها بعد انحسار العمليات العسكرية في سورية وحصرها في منطقة إدلب شمالًا.

_ تخفيف فعالية الضربات الإسرائيلية والتقليل من خسائرها.

_ محاولة إيماء الغرب أنها تستجيب للضغوطات التي تطالبها بالانسحاب من سورية، وهو ما دفعها للاعتماد على عناصر محلية بدلًا من عناصر أجنبية.

_ تبنّي استراتيجية جديدة مفادها الاعتماد على النوع والكفاءات من مقاتلين تقوم بحماية مصالحها الاستراتيجية عوضًا عن الكم الفوضوي.

متغيرات على مستوى الفاعلين

عملياً لم تظهر متغيرات من قبل الدول الفاعلة في طريقة تعاطيها مع النزاع السوري، وكما أشرنا آنفا أن لا جديد طارئ على الاستراتيجية الإسرائيلية والأمريكية وحتى الروسية في الملف السوري، وإنما حدثت بعض المتغيرات الداخلية على المستوى المحلي لتلك الدول دفعتها للاستثمار بالورقة الإيرانية كنوع من التغطية والالتفاف على بعض الضغوطات.

فالضربات الإسرائيلية الأخيرة داخل سورية وحتى تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي نفتالي بينيت تزامنت مع تشكيل الحكومة الإسرائيلية والذي نتج عنها اتفاق قاد إلى تقاسم السلطة بين بنيامين نتنياهو ومنافسه غانتس والذي جاء قبوله بعد إصراره سابقًا على إخراج نتنياهو من كامل المشهد السياسي، مما يعني أن حالة صراع وتنافس شهدتها أحزاب محلية خلال فترات تشكيل الحكومة، وهو ما يعكس نية تصريح وزير الدفاع نفتالي المنتهية ولايته أنها كانت محاولة سعي حزبه إلى إيجاد مكان له داخل التحالف الجديد وبالتالي تحولت قضية تكثيف الضربات ضد إيران لورقة انتخابية كونها تُعنى بأهمية الحفاظ على الأمن القومي الإسرائيلي.[14]

وبالنسبة للولايات المتحدة خصيصا إدارة الرئيس ترامب، أصبح من الاعتيادي التعتيم على بعض الأخطاء في السياسية الداخلية عبر رفع التصعيد ضد إيران ليس فقط في سورية بل بعموم المنطقة التي تُشكل بالنسبة لها أهمية جيوسياسية واقتصادية، ولعل أهم متغيرين دفعا إدارة ترامب لرفع الضغوطات ضد إيران مؤخرًا، هما الفشل في التعاطي مع أزمة الوباء داخل الولايات المتحدة، والثاني اقتراب موعد الانتخابات الرئيسية، مع ذلك لا تتعدّى هذه الممارسات نهج الضغوطات المتبعة في استراتيجية الضغط الأقصى، أما موضوع طرد إيران من سورية بالقوة العسكرية فهو أمر غير وارد على الأقل ريثما يتم حسم موضوع الانتخابات الأمريكية.

خاتمة بناءً على ما ذُكر ومن خلال التمييز بين الثوابت والمتغيرات في استراتيجيات السلوك الخارجي لإيران، لا سيما في مرحلة بناء النفوذ الاستراتيجي داخل سورية عبر استخدامها أشكال قوى متعددة وصولًا لمرحلة إدخالها متغيرات جديدة ناجمة عن أزماتها الداخلية بعد اغتيال قاسم سليماني وتداعيات انتشار الوباء، يتضح أن أي مزاعم عن تنفيذها انسحابات تدريجية لقواتها بعيدة عن الواقع، بل على العكس تُشير المعطيات إلى تنفيذها تكتيكات ومناورات ميدانية بهدف حفاظها على جملة المكاسب الأمنية والاقتصادية التي بنتها خلال عقد من الزمن، وبالتالي لا تعدو لهجة الخطاب المتجّدد الإسرائيلي الأمريكي إلا نوع من التوظيف السياسي تدخل في سياق تحولات داخلية وأزمات بدأت تتصاعد منذ مطلع العام الحالي، كما أن الحديث عن إخراج إيران من سورية عبر الاقتصار على الضربات العسكرية غير مجدية مقارنةً مع توجهات وسلوكيات إيران في المنطقة لأن مسيرة تغلغلها في المنطقة لا تقتصر على القوة العسكرية بل تعدّت ذلك إلى بناء نفوذ سياسي واقتصادي وأمني وثقافي.

“الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر برق للسياسات والاستشارات“

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2020 



[1] https://bit.ly/2XoUwCH

الشرق الأوسط، قتلى إيرانيون في غارات إسرائيلية متزامنة على ريفي حلب ودير الزور، ن- 6- مايو- 2020.

[2] https://bit.ly/2XtgFj8

المدن، سوريا ضوء أخضر للجيش الإسرائيلي لزيادة الهجمات. وإيران تنسحب، ن- 5-5- 2020.

[3] https://bit.ly/2WVT6R2

سورية 24، الأسد وخامنئي علاقة متجذرة منذ سنوات.. والثمن يدفعه السوريون والإيرانيون، ن- 11-2- 2020.

[4] https://bit.ly/2A0vuBY

ميثاق مناحي نشر، النظرية الواقعية: دراسة في الاصول والاتجاهات الفكرية الواقعية المعاصرة ((قراءة في الفكر السياسي الامريكي المعاصر))، ن- شوهد 24- مايو- 2020.

[5] https://bit.ly/3ggmpWf

الموسوعة الجزائرية للدراسات الاستراتيجية، أسس نظرية توازن القوى، ن- 12-8- 2019.

[6] https://bit.ly/2TAvMWX

عنب بلدي، نقلًا عن إذاعة بي بي سي، صورة لقاعدة الكسوة، ن- 11-11- 2017.

[7] https://bit.ly/2WWnQla

مركز عمران، التموضع الاقتصادي الإيراني في سورية، ن- 4- إبريل- 2018.

[8] https://bit.ly/3ghZFFj

مركز الحوار السوري، التغلغل الثقافي الإيراني في سورية، ن- 10- مايو- 2020.

[9] http://bit.ly/2Fy1YTW

برق للسياسات، التحولات الاستراتيجية لإسرائيل في سوريا، ن- 19- فبراير- 2019.

[10] http://bit.ly/35dZchp

برق للسياسات، الاحتجاجات في إيران وخيارات السلطة، ن- 11- ديسمبر- 2019.

[11] https://bit.ly/2LRf5Co

فراس الياس، إيران بين خيارات الحرب والسلام، ن- 14- مايو- 2020.

[12] https://bit.ly/2WZivcF

العربية، تغريدة لخامنئي تثير التكهّن حول خضوعه لشروط أميركا، ن- 9- مايو- 2020.

[13] https://bit.ly/2LQgKZ0

المدن، غارات على الميليشيات الإيرانية في سوريا بعد إعادة انتشارها، ن- 12- مايو- 2020.

[14] https://bit.ly/3cXSosh

موقع الجمهورية، إخراج إيران من سوريا: الواقع والاحتمالات، ن- 11- مايو- 2020.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق