الاصداراتترجمات

بكين تُعزّز وجودها في دول المغرب

(الرَّوابط البحرية، السياحة، المالية، الصِّناعة)

في استقباله لرئيس الوزراء سعد الدين العثماني في بكين يوم ٥ أيلول/ سبتمبر ٢٠١٨، للاحتفال بالذكرى السبعين لافتتاح العلاقات بين الصين والمغرب، أكّد الرئيس شي جين بينغ أن بلاده تعتبر المغرب “شريكًا مهمّا في بناء مبادرة [BRI] الحزام والطريق_الاسم الذي تُشير فيه الحكومة الصينية إلى مشروع “طريق الحرير الجديد”.

بعد عدّة أشهرٍ في شباط/فبراير ٢٠١٨ كانت مدينة شفشاونالسياحية في شمالي المغرب مُزيّنةً ب ١٥٠٠ مصباحٍ أحمر للاحتفال بعيد الربيع الصيني.

في ذلك الوقت لم تفشل الصحافة المحلية، التي نَشرت تقارير مكثّفة حول هذا الموضوع، في التركيز على التعزيز التدريجي للوجود الصيني في المغرب الأوسط، وبعبارةٍ أكثر تعميمًا في شمال أفريقيا.

هذا الوجود يتمثّل في أغلبه بمشروعاتٍ لا تزال متواضعة، وعلى الرغم من تواضعها إلا أنّ دولًا مثل مصر والجزائر والمغرب أصبحت الآن جزءًا من الاستراتيجية الصينية للانتشار في هذه المنطقة.

ومما لا شكّ فيه أنّ سبب الاهتمام بهذا الجزء من العالم يعود إلى موقعه عند تقاطع الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوبي أوروبا وحوض المتوسط.

وعلى ذلك فقد تجلّت البصمة الصينية تحديدًا في قطاعات التجارة وتطوير البنية التحتية وبناء الموانئ وإطلاق روابط بحرية جديدة والتعاون المالي والسياحة بالإضافة إلى الصناعة التحويلية.

تسعى الصين إذًا لتمييز نفسها عن منافسيها الغربيين، ومن أجل تحقيق هذه الغاية تعتمد بكين على حجّتين رئيسيّتين:

أولًا: باعتمادها السياسة الرسمية بعدم التدّخل في الشؤون الداخلية لشركائها، إذ تُعتبر هذه السياسة نقطة جذب بالنسبة لهؤلاء الشركاء مقارنةً بمعايير تعاونهم مع أمريكا والاتحاد الأوروبي.

ففي هذا المجال تجد كلٌّ من الرباط وتونس والقاهرة أنّ المعاهدات الموَقّعة مع الاتحاد الأوروبي مقيّدة لهم بشكلٍ كبير.

ثانيًا: بما تتميز به السياسة الصينية من براغماتية وانتهازية، ذلك لأنّ صنع القرار في بكين هو جزء من سلسلة القيادة الهرمية، وعليه فإنّ خيارات الاستثمار يمكن أن تكون سريعةً.

بينما في نفس الموضوع في العواصم الغربية غالبًا ما يستغرق التحقّق من صلاحية الاستثمارات وقتًا طويلًا حتّى يتمّ البتّ فيه.

بالإضافة إلى كلّ ذلك تحتفظ الصين بقدرةٍ لا مثيل لها على توفير تمويلٍ رخيصٍ وعمالةٍ لتطوير البنية التحتية_وهو مجالٌ لا تستطيع الولايات المتحدة وأوروبا المنافسة فيه.

كان هذا هو الحال على سبيل المثال أثناء بناء عدّة آلاف من المنازل في الجزائر بين عامي ٢٠٠٢ و٢٠١٠.

وعلى هذا النحو فازت الصين بين كانون الثاني/ يناير ٢٠٠٥ وحزيران/يونيو ٢٠١٦ ب٢٩ عقدًا رئيسيًّا بقيمة ٢٢.٢٢ مليار دولار.

تعود علاقات بكين مع دول شمال أفريقيا بما في ذلك الجزائر ومصر إلى نهاية الفترة الاستعمارية، وتنبع طبيعة هذه العلاقات من الدعم الإيديولوجي لحركات “التحرّر الوطني”.

كانت الصين أول دولةٍ غير عربية تعترف بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية (GPRA  1958-1962)، وكذلك قدّمت دعمًا دبلوماسيًّا قيّمًا لحرب الاستقلال بقيادة جبهة التحرير الوطني (FLN  1954-1962).

من جانبه كان جمال عبد الناصر أول زعيمٍ عربي وأفريقي يعترف عام ١٩٥٦ بالجمهورية الصينية الشعبية (RPC).

وبعد ذلك كانت الصين _من غير أن تلعب دورًا كبيرًا كما فعل الاتحاد السوفييتي_ كانت تشكّل الدعم القوي لنظام (الريّس) المصري في العديد من المواجهات مع الغرب.

لكن وفي بداية الألفية كان لجوء الصين إلى هذه المنطقة لأسبابٍ اقتصادية، والرمز الأساسي لهذا التغيير هو (BRI)_طريق الحرير الجديد_.

بعد ذلك وفي الوقت الذي استفاد فيه جنوب آسيا من معظم المشاريع الصينية كان التوسع باتجاه الغرب أي نحو أوروبا والشرق الأدنى وشمال أفريقيا قد دخل مرحلةً ملموسة.

فقد أقامت الصين من أجل ذلك شراكةً استراتيجيةً شاملةً مع الجزائر وكذلك مصر عام ٢٠١٤، وشراكةً استراتيجيةً أيضًا مع المغرب عام ٢٠١٦.

ولكن تبقى الشراكة مع مصر الأكثر تطورًا حيث تجاوزت المبيعات الصينية ٨ مليار دولار سنويًّا (أكثر من ٧ مليار يورو).

بالإضافة إلى ذلك تستمر تدفقات رؤوس الأموال بالصعود في مصر، حيث أشار الأمين العام لاتحاد المصارف العربية وسام فتوح في عام ٢٠١٨ أن الاستثمارات بلغت ١٥ مليار دولار.

والغرض منها رسميًّا تمويل مشاريع العقارات والبنية التحتية للعاصمة الإدارية الجديدة شمال شرق القاهرة، بالإضافة إلى مصنع البتروكيماويات ومحطة معالجة وتخزين المياه ومحطة كهرباء تعمل على الفحم.

أمّا بالنسبة للجزائر فهي واحدةٌ من أقدم وأهم الشركاء الاقتصاديين للصين، وذلك اهتمامًا من بكّين باحتياطي النفط والغاز في الجزائر.

ففي عام ٢٠١٣ أزاحت الصينُ فرنسا عن المرتبة الأولى من حيث الصادرات إلى شمال أفريقيا، وفي عام ٢٠١٨ بلغت صادراتها ٨.٨٥ دولار، وهذا رقمٌ قياسي للتجارة الصينية في تلك المناطق.

وتعمل الشركات الصينية في الجزائر بشكلٍ رئيسي في البناء والإسكان والطاقة، ومن  المشاريع الكبرى التي أُنجزت في السنوات السابقة دار الأوبرا الوطنية في العاصمة الجزائر وفندق شيراتون المطل على البحر في الضاحية الغربية للعاصمة، وكذلك المسجد الكبير الذي شُيّد هو أيضًا في العاصمة، والطريق السريع الذي يربط الشرق بالغرب والذي يمثّل بالفعل المشهد الجزائري.

كما جلبت هذه الأنشطة الآلاف من العمال والتجار الذين أنشأوا الحي الصيني في حي بوشاكي في الضواحي الشرقية للجزائر العاصمة.

يُذكر أنه وفي عدة مناسبات اندلعت مشاجرات مع السكان المحليين لا سيما في صيف ٢٠٠٩ و٢٠١٦، لذلك يظل الوجود الصيني يشكل نمطًا متكرّرًا من التوتر.

أما في المغرب، فمنذ أن زار الملك محمد السادس الصين عام ٢٠١٦، ازداد الاستثمار وتطورت التجارة وأصبحت منصة (طنجة ميد )١ في الشمال أكبر ميناءٍ للحاويات في أفريقيا متقدمًا على منافسيها (بورسعيد في مصر وديربان في جنوب أفريقيا).

كما تخطّط شركاتٌ مثل هواوي ( Huawei )العملاقة للاتصالات لإنشاء مراكز لوجستية إقليمية هناك.

ومن جهتهاأعلنت الرباط عن مشروعٍ استثماري قيمته ١٠ مليارات دولار، يحمل المشروع اسم (مدينة محمد السادس طنجةالتقنية، والتي ستستوعب ٢٠٠ مصنعٍ في السنوات العشر المقبلة مما يجعل المغرب أكبر منصةٍ صناعيةٍ في القارّة).

تسعى الصين أيضًا إلى تعميق تجارتها مع تونس وليبيا، ففي عام ٢٠١٨ وقّعت مذكّرة تفاهمٍ في إطار [ BRI _طريق الحرير الجديد_] مع هذين البلدين.

أما فيما يخصّ تونس فقد بلغ متوسط المبيعات الصينية ١.٨٥ مليار دولار منذ عام ٢٠١٦ حيث احتلت المرتبة الثالثة بعد فرنسا وإيطاليا.

وبعد اندلاع الحرب في ليبيا في عام ٢٠١١، اضطرّت بكين إلى إجلاء مواطنيها وسحب المشاريع والاستثمارات الهامّة.

ومع ذلك فقد رفعت مشترياتها من النفط الليبي إلى أكثر من الضعف منذ عام ٢٠١٧، وقد صرّحت الحكومة الصينية مرارًا وتكرارًا بأنها ستكون متاحةً للمشاركة في إعادة الإعمار بمجرد “استعادة السلام”.

ومن أجل السيطرة على الطرق البحرية استثمرت الصين، عبر شركة المحيط الصينية للملاحة (Cosco)، في موانئ طنجة وشرشل (الجزائر) وبور سعيد والإسكندرية (مصر) وبيرايوس (اليونان)، كما هو الحال في موانئ إسرائيل وتركيا وإيطاليا. 

وهي أيضًا متخصصة في تركيب الكابلات البحرية، إذ يُعتبر هذا الاختصاص عنصرًا حاسمًا في استراتيجية تطوير الاتصالات.

 فقد قامت شركة ( Huawei Marine Networks )بتصميم وتثبيت كابل “هانيبال” الذي يربط تونس بإيطاليا في عام 2009، بالإضافة إلى آخر يربط ليبيا باليونان في عام 2010.

ويثير هذا النشاط المتزايد العديد من المخاوف في أوروبا، حيث  يُخشى أن تستفيد بكين من هكذا مشاريع لجمع معلوماتٍ حساسة.

كما ازدادت هذه المخاوف عندما ادّعى المسؤولون في سيريلانكا أنّ الصين طالبت بالقدرة على جمع معلوماتٍ استخباراتية لمراقبة حركة المرور في ميناء هامبانتوتا، والذي سيطرت عليه الصين بالكامل في عام 2017 مقابل محوها لديون قدرها 1.2 مليار دولار.

كما تحاول الصين كذلك زيادة نفوذها في المنطقة من خلال التزامٍ ثقافي أوسع وأقوى.

لذلك تمّ افتتاح مركزٍ ثقافي صيني في الرباط في كانون الأول/ديسمبر عام ٢٠١٨ كجزءٍ من مذكّرات التفاهم الموقّعة بين ملك المغرب والرئيس الصيني شي عام ٢٠١٦.

وتضمّ مصر الآن معهدي كونفوشيوس _أنشأت الصين معاهد كونفوشيوس لتعمم اللغة والثقافة الصينية حول العالم_ أحدهما في جامعة القاهرة والآخر في جامعة السويس، بالإضافة إلى مركزٍ ثقافي صيني في العاصمة، وفي تونس أيضًا تمّ افتتاح أول معهد كونفوشيوس في تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١٨.

علاوة على ذلك قرّرت الحكومة الصينية، في قمّة منتدى التعاون الصيني الأفريقي ( FOCAC ) التي انعقدت في بكّين عام ٢٠١٨، قرّرت زيادة عدد المنح الدراسية الممنوحة للطلاب الأفارقة.

حيث وعدت بكين بتقديم ٥٠٠٠٠ منحة حكومية و ٥٠٠٠٠ منحة تدريبية أخرى، ويشمل هذا القرار طلاب شمال القارّة لتمكينهم من متابعة تعليمهم العالي في الصين.

فبالنسبة للطلاب الأفارقةأصبحت المملكة الوسطى (الصين) الوجهة الثانية لهم بعد فرنسا، وارتفع عددهم من  ٢٠٠٠طالبٍ في عام ٢٠٠٠ إلى ما يقارب ٥٠٠٠٠ في عام ٢٠١٥، أي بزيادةٍ تصل إلى ٢٥ ضعفًا.

ولبناء وتعزيز نفوذها أنشأت بكّين أيضًا منظمّاتٍ إقليميةٍ مثل ( FCCEA ) رغم  أنها حاليًّا تتعامل بشكلٍ أساسي مع كل بلدٍ من شمال أفريقيا بطريقةٍ ثنائيةٍ فقط.

هذا الالتزام الدبلوماسي من جانب الصين يوضح مبدأ (xing daguo guanxi ) والذي يعني (نوع جديد من العلاقات بين القوى الكبرى).

حيث تقوم الصين بتطوير العلاقات مع الدول الأصغر شريطة أن يتمّ تجميعها في المنتديات الإقليمية الرئيسية، عندها فقط تُعتبر هذه الدول مؤهَّلة للتعاون رفيع المستوى.

أما بالنسبة للعمليات العسكرية، فقد وَقَعَت أولهاعام ٢٠١١  عندما قام جيش التحرير الشعبي الصيني بإجلاء آلاف العمال الصينيين في ليبيا قبل بدء الضربات الجوية لحلف شمال الأطلسي الناتو ضدّ نظام معمر القذافي.

ومنذ ذلك الحين جرت مناوراتٌ عسكريةٌ صينيةٌ مشتركة في البحر الأبيض المتوسط عام ٢٠١٥.

وقبل كلّ شيء افتتحت بكين أول قاعدةٍ عسكرية لها في جيبوتي عام ٢٠١٧، ممّا يجعل ساحل شرق المتوسط في متناول بحريتها وطيرانها.

في يناير ٢٠١٨ توقفت سفينتان حربيتان من حرس البحرية الصينية السابعة والعشرين في جولةٍ استغرقت أربعة أشهرٍ في الجزائر، كان هدفها المعلن “زيارةً ودّية” استمرت أربعة أيامٍ فقط.

على هذا الأساس، وخلال أقل من عقدين عزّزت الصين موقعها في شمال أفريقيا، وما زال الوقت مبكّرًا لرسم ميزانيةٍ نهائيةٍ لتكلفة هذا الطموح الصيني.

ويبقى تقييم عواقب ذلك والتي قد يكون لها على المدى البعيد آثارٌ سلبيّةٌ على الحسابات المالية العامة، خاصّةً إن لم تكن المشاريع الممولة في محلّها.

من هنا ستستمر الاستثمارات الاستراتيجية لا سيما في الموانئ بإثارة قلق الدول الغربية عندما تعرف تمامًا أنه يمكن للصين وبسهولة استخدام هذه البنية التحتية لأغراضٍ أمنية.

لصحيفة لو موند ديبلوماتيك كتبها في أيلول/سبتمبر ٢٠١٩

عادل عبد الغفار خبير السياسة الخارجية للشرق الأدنى وباحث في معهد بروكينجز (واشنطن) ومركز بروكينجز الدوحة (قطر)

آنا جايكوبز باحثةفي السياسة المغاربيةفي مركز بروكينجز قطر

الرابط

https://www.monde-diplomatique.fr/2019/09/ABDEL_GHAFAR/60397

الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر برق للسياسات والاستشارات

جميع الحقوق محفوظة لدى برق للسياسات والاستشارات©2019 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق